كتاب : فتح القدير
المؤلف : كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي

الِاكْتِفَاءُ بِمُجَرَّدِ تَفْرِيقِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فَائِدَتَهُ لَيْسَ إلَّا قَصْدَهُ بِأَنْ يَبِيعَ مِنْهُ أَيَّهُمَا شَاءَ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُمَا مِنْهُ إلَّا جُمْلَةً لَمْ تَكُنْ فَائِدَةً لِتَعَيُّنِ ثَمَنِ كُلٍّ مِنْهُمَا

وَإِذَا حَصَلَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا مِنْ عَيْبٍ أَوْ عَدَمِ رُؤْيَةٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } وَلَنَا أَنَّ فِي الْفَسْخِ إبْطَالُ حَقِّ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ .
وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خِيَارِ الْقَبُولِ .
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَيْهِ فَإِنَّهُمَا مُتَبَايِعَانِ حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ لَا بَعْدَهَا أَوْ يَحْتَمِلَهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ ، وَالتَّفَرُّقُ فِيهِ تَفَرُّقُ الْأَقْوَالِ .

( قَوْلُهُ وَإِذَا حَصَلَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا مِنْ عَيْبٍ أَوْ عَدَمِ رُؤْيَةٍ ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ( لَهُمَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } ) أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ } وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } ، وَلَنَا السَّمْعُ وَالْقِيَاسُ أَمَّا السَّمْعُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } وَهَذَا عَقْدٌ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وقَوْله تَعَالَى { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } وَبَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ تَصْدُقُ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ غَيْرِ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّخْيِيرِ ، فَقَدْ أَبَاحَ تَعَالَى أَكْلَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّخْيِيرِ وقَوْله تَعَالَى { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } أَمْرٌ بِالتَّوَثُّقِ بِالشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يَقَعَ التَّجَاحُدُ لِلْبَيْعِ ، وَالْبَيْعُ يَصْدُقُ قَبْلَ الْخِيَارِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، فَلَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ وَعَدَمُ اللُّزُومِ قَبْلَهُ كَانَ إبْطَالًا لِهَذِهِ النُّصُوصِ ، وَلَا مُخَلِّصَ لَهُ مِنْ هَذَا إلَّا أَنْ يُمْنَعَ تَمَامُ الْعَقْدِ قَبْلَ الْخِيَارِ وَيَقُولُ الْعَقْدُ الْمُلْزِمُ يُعْرَفُ شَرْعًا ، وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ فِي كَوْنِهِ مُلْزِمًا اخْتِيَارَ الرِّضَا بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَكَذَا لَا تَتِمُّ التِّجَارَةُ عَنْ التَّرَاضِي إلَّا بِهِ شَرْعًا ،

وَإِنَّمَا أَبَاحَ الْأَكْلَ بَعْدَ الِاخْتِيَارِ لِاعْتِبَارِهِ فِي التِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ .
وَأَمَّا حَدِيثُ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ لَهُ : { إذَا ابْتَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِي الْخِيَارُ } فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ اشْتِرَاطَ خِيَارٍ آخَرَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِيَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالِاشْتِرَاطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَا أَصْلَ الْخِيَارِ ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِتَسْلِيمِ إمْكَانِ اعْتِبَارِ الْخِيَارِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ وَادِّعَاءِ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْمُتَشَاغِلَانِ بِأَمْرِ الْبَيْعِ لَا مَنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَانْقَضَى ؛ لِأَنَّهُ مَجَازُهُ ، وَالْمُتَشَاغَلَانِ : يَعْنِي الْمُسَاوِمَيْنِ يَصْدُقُ عِنْدَ إيجَابِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ قَبُولِ الْآخِرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ ، وَهَذَا هُوَ خِيَارُ الْقَبُولِ ، وَهَذَا حَمْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
لَا يُقَالُ : هَذَا أَيْضًا مَجَازٌ ؛ لِأَنَّ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ الثَّابِتُ بَائِعٌ وَاحِدٌ لَا مُتَبَايِعَانِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصْدُقُ الْحَقِيقَةُ فِيهَا بِجُزْءٍ مِنْ مَعْنَى اللَّفْظِ كَالْمُخْبِرِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ إلَّا حَالَ التَّكَلُّمِ بِالْخَبَرِ ، وَالْخَبَرُ لَا يَقُومُ بِهِ دَفْعَةً لِتَصْدُقَ حَقِيقَتُهُ حَالَ قِيَامِ الْمَعْنَى بَلْ عَلَى التَّعَاقُبِ فِي أَجْزَائِهِ ، فَبِالضَّرُورَةِ يَصْدُقُ مُخْبِرًا حَالَ النُّطْقِ بِبَعْضِ حُرُوفِ الْخَبَرِ ، وَإِلَّا لَا يَتَحَقَّقُ لَهُ حَقِيقَةً ، وَلِأَنَّا نَفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو هُنَاكَ يَتَبَايَعَانِ عَلَى وَجْهِ التَّبَادُرِ أَنَّهُمَا مُتَشَاغِلَانِ بِأَمْرِ الْبَيْعِ مُتَرَاوِضَانِ فِيهِ فَلْيَكُنْ هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ مُتَعَيِّنٌ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ دَلِيلَ إثْبَاتِ خِيَارِ الْقَبُولِ لِنَفْيِ تَوَهُّمِ أَنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الثَّمَنِ وَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَوْجَبَ

أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ يَلْزَمُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ أَصْلًا لِلِاتِّفَاقِ وَالتَّرَاضِي السَّابِقِ فِي إلْزَامِهِ بِكَلَامِ أَحَدِهِمَا بَعْدُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( أَوْ ) هُوَ ( يَحْتَمِلُهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ ) جَمْعًا بَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْآيَاتِ حَيْثُ كَانَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ فِيهَا تَمَامُ الْبَيْعِ وَالْعَقْدِ وَالتِّجَارَةُ عَنْ تَرَاضٍ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَعَدَمِ تَوَقُّفِ الْأَسْمَاءِ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ .
لَا يُقَالُ : إنَّ مَا فِي خِيَارِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَهُوَ الثَّانِي الْقَابِلُ لَا خِيَارَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ ، بَلْ الْمُوجِبُ أَيْضًا لَهُ خِيَارُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ وَأَنْ لَا يَرْجِعَ ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّفَرُّقُ الَّذِي هُوَ غَايَةُ قَبُولِ الْخِيَارِ تَفَرُّقُ الْأَقْوَالِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْآخَرُ بَعْدَ الْإِيجَابِ لَا أَشْتَرِي أَوْ يَرْجِعُ الْمُوجِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَإِسْنَادُ التَّفَرُّقِ إلَى النَّاسِ مُرَادًا بِهِ تَفَرُّقَ أَقْوَالِهِمْ كَثِيرًا فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ } { وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً } وَحِينَئِذٍ ؛ فَيُرَادُ بِأَحَدِهِمَا فِي قَوْلِهِ أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ الْمُوجِبُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ إيجَابِهِ لِلْآخِرِ اخْتَرْ أَتَقْبَلُ أَوْ لَا ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ اخْتَرْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بَلْ حَتَّى يَخْتَارَ الْبَيْعَ بَعْدَ قَوْلِهِ اخْتَرْ فَكَذَا فِي خِيَارِ الْقَبُولِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَعَلَى النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةِ كُلٌّ مِنْهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَتِمُّ بِلَا خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا فَكَذَا الْبَيْعُ .
وَأَمَّا مَا يُقَالُ

تَعَلَّقَ حَقُّ كُلٍّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ بِبَدَلِ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ فَيُرَدُّ مَنْعُهُ بِأَنْ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ ، وَالشَّرْعُ نَفَاهُ إلَى غَايَةِ الْخِيَارِ بِالْحَدِيثِ ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْكَلَامُ فِيهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْمُتَبَايِعَيْنِ .
وَأَمَّا مَا قِيلَ حَدِيثُ التَّفَرُّقِ رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ لَعَمِلَ بِهِ فَغَايَةٌ فِي الضَّعْفِ ، إذْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى مُجْتَهِدٍ غَيْرِهِ بَلْ مَالِكٌ عِنْدَهُ مَحْجُوجٌ بِهِ

قَالَ ( وَالْأَعْوَاضُ الْمُشَارُ إلَيْهَا لَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِهَا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ ) لِأَنَّ بِالْإِشَارَةِ كِفَايَةٌ فِي التَّعْرِيفِ وَجَهَالَةُ الْوَصْفِ فِيهِ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ

( قَوْلُهُ وَالْأَعْوَاضُ الْمُشَارُ إلَيْهَا ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَبِيعَاتٍ كَالْحُبُوبِ وَالثِّيَابِ أَوْ أَثْمَانًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ( لَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِهَا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ ) فَإِذَا قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ هَذِهِ الْكَوْرَجَةَ مِنْ الْأَرْزِ وَالشَّاشَاتِ وَهِيَ مَجْهُولَةُ الْعَدَدِ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي فِي يَدِك وَهِيَ مَرْئِيَّةٌ لَهُ فَقَبِلَ جَازَ وَلَزِمَ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ جَهَالَةُ الْوَصْفِ : يَعْنِي الْقَدْرَ وَهُوَ لَا يَضُرُّ ، إذْ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ لِتَعَجُّلِهِ كَجَهَالَةِ الْقِيمَةِ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ .
قَالَ فِي الْفَتَاوَى : قَالَ لِغَيْرِهِ : لَك فِي يَدَيَّ أَرْضٌ خَرِبَةٌ لَا تُسَاوِي شَيْئًا فَبِعْهَا مِنِّي بِتِسْعَةِ دَرَاهِمَ فَبَاعَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ جَازَ الْبَيْعُ .
بِخِلَافِ السَّلَمِ لَا يُشَارُ لِلْعِوَضِ فِيهِ لِلْأَجَلِ فَلَا يَصِحُّ فِي الْمُسَلَّمِ فِيهِ اتِّفَاقًا ، وَلَا فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ إذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمَا يَجِيءُ .
ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةٌ بِغَيْرِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ وَبِالرِّبَوِيَّةِ إذَا قُوبِلَتْ بِغَيْرِ جِنْسِهَا ، أَمَّا الرِّبَوِيَّةُ إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا لِاحْتِمَالِ الرِّبَا ، وَاحْتِمَالُ الرِّبَا مَانِعٌ كَحَقِيقَةِ الرِّبَا شَرْعًا ، وَالتَّقْيِيدُ بِمِقْدَارِهَا فِي قَوْلِهِ لَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِهَا احْتِرَازٌ عَنْ الصِّفَةِ ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَاهُ دَرَاهِمَ وَقَالَ اشْتَرَيْته بِهَذِهِ فَوَجَدَهُ زُيُوفًا أَوْ بَهْرَجَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْجِيَادِ ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الدَّرَاهِمِ كَالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا وَهُوَ يَنْصَرِفُ إلَى الْجِيَادِ ، وَلَوْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ رَصَاصًا فَسَدَ الْبَيْعُ وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ أَتْلَفَهَا ، وَلَوْ قَالَ اشْتَرَيْتهَا بِهَذِهِ الصُّرَّةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَوَجَدَ الْبَائِعُ مَا فِيهَا

خِلَافَ نَقْدِ الْبَلَدِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الدَّرَاهِمِ فِي الْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ ، وَإِنْ وَجَدَهَا نَقْدَ الْبَلَدِ جَازَ وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْت بِمَا فِي هَذِهِ الْخَابِيَةِ ثُمَّ رَأَى الدَّرَاهِمَ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَإِنْ كَانَتْ نَقْدَ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّ الصُّرَّةَ يُعْرَفُ مِقْدَارُ مَا فِيهَا مِنْ خَارِجِهَا ، وَفِي الْخَابِيَةِ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ الْخَارِجِ فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَيُسَمَّى هَذَا الْخِيَارُ خِيَارَ الْكَمِّيَّةِ لَا خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يَثْبُتُ فِي النُّقُودِ

( وَالْأَثْمَانُ الْمُطْلَقَةُ ) لَا تَصِحُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْرُوفَةَ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَالتَّسَلُّمَ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ ، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ فَيَمْتَنِعُ التَّسْلِيمُ وَالتَّسَلُّمُ ، وَكُلُّ جَهَالَةٍ هَذِهِ صِفَتُهَا تَمْنَعُ الْجَوَازَ ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ

( قَوْلُهُ وَالْأَثْمَانُ الْمُطْلَقَةُ ) أَيْ عَنْ قَيْدِ الْإِشَارَةِ ( لَا تَصِحُّ حَتَّى تَكُونَ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ ) كَخَمْسَةِ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَكْرَارِ حِنْطَةٍ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى بِوَزْنِ هَذَا الْحَجَرِ ذَهَبًا فَإِنَّهُ لَيْسَ عِوَضًا مُشَارًا إلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ الْحَجَرُ وَلَا يُعْلَمُ قَدْرَ جُرْمِ مَا يُوزَن بِهِ مِنْ الذَّهَبِ ، فَلِهَذَا إذَا اشْتَرَى بِوَزْنِ هَذَا الْحَجَرِ ذَهَبًا فَوَزَنَ بِهِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ .
وَمِمَّا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ الْبَيْعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَا حَلَّ بِهِ ، أَوْ بِمَا تُرِيدُ أَوْ تُحِبُّ أَوْ بِرَأْسِ مَالِهِ أَوْ بِمَا اشْتَرَاهُ أَوْ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَى فُلَانٌ لَا يَجُوزُ .
فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْقَدْرِ فِي الْمَجْلِسِ فَرَضِيَهُ عَادَ جَائِزًا ، وَكَذَا لَا تَجُوزُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا أَوْ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا .
وَكَذَا لَا يَجُوزُ بِمِثْلِ مَا يَبِيعُ النَّاسُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا لَا يَتَفَاوَتُ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ ( وَالصِّفَةُ ) كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ بُخَارِيَّةٍ أَوْ سَمَرْقَنْدِيَّةٍ .
وَكَذَا حِنْطَةٌ بُحَيْرِيَّةٌ أَوْ صَعِيدِيَّةٌ ، وَهَذَا لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ مَجْهُولَةً تَتَحَقَّقُ الْمُنَازَعَةُ فِي وَصْفِهَا .
فَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ دَفْعَ الْأَدْوَنَ ، وَالْبَائِعُ يَطْلُبُ الْأَرْفَعَ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ شَرْعِيَّةِ الْعَقْدِ وَهُوَ دَفْعُ ، الْحَاجَةِ بِلَا مُنَازَعَةٍ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَعْوَاضَ فِي الْبَيْعِ إمَّا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَهِيَ ثَمَنٌ سَوَاءٌ قُوبِلَتْ بِغَيْرِهَا أَوْ بِجِنْسِهَا وَتَكُونُ صَرْفًا .
وَإِمَّا أَعْيَانًا لَيْسَتْ مَكِيلَةً وَلَا مَوْزُونَةً فَهِيَ مَبِيعَةٌ أَبَدًا ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْبَيْعُ إلَّا عَيْنًا إلَّا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ كَالثِّيَابِ ، وَكَمَا تَثْبُتُ الثِّيَابُ مَبِيعًا فِي الذِّمَّةِ بِطَرِيقِ السَّلَمِ تَثْبُت دَيْنًا مُؤَجَّلًا فِي الذِّمَّةِ عَلَى أَنَّهَا ثَمَنٌ ، وَحِينَئِذٍ يُشْتَرَطُ الْأَجَلُ لَا لِأَنَّهَا ثَمَنٌ بَلْ لِتَصِيرَ مُلْحَقَةً بِالسَّلَمِ فِي كَوْنِهَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ ، فَلِذَا

قُلْنَا إذَا بَاعَ عَبْدًا بِثَوْبٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ جَازَ .
وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْعَبْدِ حَتَّى لَا يَشْتَرِطَ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ الدَّرَاهِمَ فِي الثَّوْبِ ، وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ أَحْكَامُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الثَّوْبِ حَتَّى شَرَطَ فِيهِ الْأَجَلَ وَامْتَنَعَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِإِلْحَاقِهِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ عَدَدِيٍّ مُتَقَارِبٍ كَالْبَيْضِ ، فَإِنْ قُوبِلَتْ بِالنُّقُودِ فَهِيَ مَبِيعَاتٌ أَوْ بِأَمْثَالِهَا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ ، فَمَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ ثَمَنٌ ، وَمَا كَانَ مُعَيَّنًا فَمَبِيعٌ ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعَيَّنًا .
فَمَا صَحِبَهُ حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ لَفْظُ عَلَى كَانَ ثَمَنًا وَالْآخَرُ مَبِيعًا .
وَقَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَهَادَاتِ الْجَامِعِ : الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا فَهُوَ ثَمَنٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، فَلِذَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك كَذَا حِنْطَةً بِهَذَا الْعَبْدِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِطَرِيقِ السَّلَمِ فَيَجِبُ أَنْ يَضْرِبَ الْأَجَلَ لِلْحِنْطَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّقْدِيرَ الْمَشْرُوطَ قَدْ يَكُونُ عُرْفًا كَمَا يَكُونُ نَصًّا فِي الْفَتَاوَى لَوْ قَالَ : اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذِهِ الْبِطِّيخَةَ بِعَشَرَةٍ وَلَمْ يَقُلْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ، إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ يَبْتَاعُ النَّاسُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ فِي الدَّارِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَفِي الثَّوْبِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِي الْبِطِّيخَةِ بِعَشَرَةِ أَفْلُسٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا يَبْتَاعُ النَّاسُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَبْتَاعُ النَّاسُ بِذَلِكَ النَّقْدِ انْتَهَى .
وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِالْعَدَدِ فَتَعَيَّنَ الْمَعْدُودُ مِنْ كَوْنِهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسًا يَثْبُتُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ الْمَبِيعَ ، وَوَقَعَ شَكٌّ يُنَاسِبُ الْمَبِيعَ وَجَبَ أَنْ لَا يَتِمَّ الْبَيْعُ

قَالَ ( وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ إذَا كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا ) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } .
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ مَانِعَةٌ مِنْ التَّسْلِيمِ الْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ ، فَهَذَا يُطَالِبُهُ بِهِ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ ، وَهَذَا يُسَلِّمُهُ فِي بِعِيدِهَا .

( قَوْلُهُ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ ) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } وَمَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ بَيْعٌ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ } ، وَفِي لَفْظِ الصَّحِيحَيْنِ : { طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ } .
وَقَدْ سُمِّيَ هَذَا الْيَهُودِيُّ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَهَنَ دِرْعًا عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ظُفْرٍ فِي شَعِيرٍ } ، ( وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّ جَهَالَتَهُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فِي التَّسَلُّمِ وَالتَّسْلِيمِ ، فَهَذَا يُطَالِبُهُ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ وَذَاكَ فِي بِعِيدِهَا ) وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَوْضِعِ شَرْطِ الْأَجَلِ وَهُوَ السَّلَمُ أَوْجَبَ فِيهِ التَّعْيِينَ حَيْثُ قَالَ { مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } ، وَعَلَى كُلِّ ذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ ، وَأَمَّا الْبُطْلَانُ فِيمَا إذَا قَالَ بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ حَالًّا وَبِأَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ فَلِجَهَالَةِ الثَّمَنِ ، وَمِنْ جَهَالَةِ الْأَجَلِ مَا إذَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَلَوْ قَالَ إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ الثَّمَنَ فِي بَلَدٍ آخَرَ جَازَ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ ، وَيَبْطُلُ شَرْطُ الْإِيفَاءِ فِي بَلَدٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ مَكَانِ الْإِيفَاءِ فِيمَا لَا حَمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ لَا يَصِحُّ ، فَلَوْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ صَحَّ ، وَمِنْهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَا إذَا بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْمَبِيعَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ فَإِنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَّلَهُ بِتَضَمُّنِهِ أَجَلًا مَجْهُولًا حَتَّى لَوْ سُمِّيَ الْوَقْفُ الَّذِي يُسْلَمُ إلَيْهِ فِيهِ الْمَبِيعُ جَازَ الْبَيْعُ .
وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَإِنَّمَا عَلَّلَهُ بِالشَّرْطِ

الَّذِي لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ

قَالَ ( وَمَنْ أَطْلَقَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ كَانَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ ، وَفِيهِ التَّحَرِّي لِلْجَوَازِ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ ( فَإِنْ كَانَتْ النُّقُودُ مُخْتَلِفَةً فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْكُلُّ فِي الرَّوَاجِ سَوَاءً ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ إلَّا أَنْ تَرْتَفِعَ الْجَهَالَةُ بِالْبَيَانِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ وَأَرْوَجَ فَحِينَئِذٍ يُصْرَفُ إلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي الْمَالِيَّةِ ، فَإِنْ كَانَتْ سَوَاءً فِيهَا كَالثُّنَائِيِّ وَالثُّلَاثِيِّ وَالنُّصْرُتِيِّ الْيَوْمَ بِسَمَرْقَنْدَ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعَدَالِيِّ بِفَرْغَانَةَ جَازَ الْبَيْعُ إذَا أُطْلِقَ اسْمُ الدِّرْهَمِ ، كَذَا قَالُوا ، وَيَنْصَرِفُ إلَى مَا قَدَّرَ بِهِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازَعَةَ وَلَا اخْتِلَافَ فِي الْمَالِيَّةِ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ أَطْلَقَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ ) أَيْ أَطْلَقَهُ عَنْ ذِكْرِ الصِّفَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَدَدِ بِأَنْ قَالَ عَشَرَةُ دَرَاهِمِ مِثْلًا ( انْصَرَفَ إلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ فَيَنْصَرِفُ ) الْمُطْلَقُ ( إلَيْهِ ) فَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ اسْمِ الدَّرَاهِمِ فِي الْعُرْفِ يَخْتَصُّ بِهَا مَعَ وُجُودِ دَرَاهِمَ غَيْرِهَا فَهُوَ تَخْصِيصُ الدَّرَاهِمِ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ ، وَهُوَ مِنْ إفْرَادِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ ، وَإِنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِهَا فِي الْغَالِبِ كَانَ مَنْ تَرَكَهَا بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا وَاجِبٌ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ وَعَدَمِ إهْدَارِ كَلَامِ الْعَاقِلِ ( فَإِنْ كَانَتْ النُّقُودُ مُخْتَلِفَةَ ) الْمَالِيَّةِ كَالذَّهَبِ الْأَشْرَفِيِّ وَالنَّاصِرِيِّ بِمِصْرَ لَكِنَّهَا فِي الرَّوَاجِ سَوَاءٌ ( فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الصَّرْفِ إلَى أَحَدِهَا بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحَكُّمِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الرَّوَاجِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصَّرْفُ إلَى أَحَدِهَا وَالْحَالَةُ أَنَّهَا مُتَفَاوِتَةُ الْمَالِيَّةِ جَاءَتْ الْجَهَالَةُ الْمُفْضِيَةُ إلَى الْمُنَازَعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُرِيدُ دَفْعَ الْأَنْقَصِ مَالِيَّةً ، وَالْبَائِعُ يُرِيدُ دَفْعَ الْأَعْلَى فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ ، إلَّا أَنْ تَرْتَفِعَ الْجَهَالَةُ بِبَيَانِ أَحَدِهِمَا فِي الْمَجْلِسِ وَيَرْضَى الْآخَرُ لِارْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ ، وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ الدَّائِنُ لِمَدْيُونِهِ بِعْنِي هَذَا الثَّوْبَ بِبَعْضِ الْعَشَرَةِ الَّتِي لِي عَلَيْك وَبِعْنِي هَذَا الْآخَرَ بِبَاقِي الْعَشَرَةِ فَقَالَ نَعَمْ كَانَ صَحِيحًا لِعَدَمِ إفْضَاءِ جَهَالَةِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ إلَى الْمُنَازَعَةِ بِضَمِّ الْمَبِيعِ الثَّانِي إلَيْهِ إذْ بِهِ يَصِيرُ ثَمَنُهُمَا عَشَرَةً ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قَبُولِ الدَّائِنِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَدْيُونِ نَعَمْ وَنَحْوُهُ .
وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْمَالِيَّةِ وَالرَّوَاجِ مَعًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، وَيُصْرَفُ إلَى الْأَرْوَجِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْعُرْفِ

وَالْعَادَةِ .
وَكَذَا إذَا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْمَالِيَّةِ وَالرَّوَاجِ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيُؤَدِّي مِنْ أَيُّهَا شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ لِأَحَدِهَا فَلَوْ طَلَبَ الْبَائِعُ أَحَدَهَا بِعَيْنِهِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الصِّنْفِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قَبْضِ مَا أَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي مَعَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّعَنُّتُ .
وَبِهَذَا قُلْنَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تَتَعَيَّنُ ، حَتَّى لَوْ أَرَاهُ دِرْهَمًا اشْتَرَى بِهِ فَبَاعَهُ ثُمَّ حَبَسَهُ وَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا آخَرَ جَازَ : يَعْنِي إذَا كَانَا مُتَّحِدَيْ الْمَالِيَّةِ وَالثُّنَائِيُّ وَالثُّلَاثِيُّ اسْمَا دَرَاهِمَ كَانَتْ بِبِلَادِهِمْ مُخْتَلِفَةَ الْمَالِيَّةِ ، وَكَذَا الرُّكْنِيُّ وَالْخَلِيفَتِيُّ فِي الذَّهَبِ كَانَ الْخَلِيفَتِيُّ أَفْضَلَ مَالِيَّةً عِنْدَهُمْ وَالْعِدَالِيُّ اسْمٌ لِدَرَاهِمَ

قَالَ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ مُكَايَلَةً وَمُجَازَفَةً ) وَهَذَا إذَا بَاعَهُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ } بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةً لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ الرِّبَا وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فَشَابَهَ جَهَالَةَ الْقِيمَةِ .

( قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ ) وَهِيَ الْحِنْطَةُ وَدَقِيقُهَا خَاصَّةً فِي الْعُرْفِ الْمَاضِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْفِطْرَةِ : { كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ } .
فَقَوْلُهُ ( وَالْحُبُوبُ ) عَطَفَ الْعَامَّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْ يُقَدَّرُ وَكَذَا بَاقِي : أَيْ وَبَاقِي الْحُبُوبِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ ( مُكَايَلَةً ) أَيْ بِشَرْطِ عَدَدٍ مِنْ الْكَيْلِ .
وَإِلَّا فَفِي اللُّغَةِ الْمُكَايَلَةُ أَنْ تَكِيلَ لَهُ وَيَكِيلَ لَك ( وَمُجَازَفَةً ) أَيْ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ بَلْ بِإِرَاءَةِ الصُّبْرَةِ وَالْجَزْفُ فِي الْأَصْلِ : الْأَخْذُ بِكَثْرَةٍ مِنْ قَوْلِهِمْ جَزَفَ لَهُ فِي الْكَيْلِ إذَا أَكْثَرَ ، وَمَرْجِعُهُ إلَى الْمُسَاهَلَةِ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَهَذَا ) يَعْنِي الْبَيْعَ مُجَازَفَةً مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ إذَا بِيعَتْ بِجِنْسِهَا ، فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الرِّبَوِيَّةُ إذَا بِيعَتْ بِجِنْسِهَا فَلَا يَجُوزُ مُجَازَفَةً لِاحْتِمَالِ الرِّبَا ، وَهُوَ مَانِعٌ كَحَقِيقَةِ الرِّبَا .
وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ مِنْهَا ، وَأَمَّا مَا لَا يَدْخُلُ كَحَفْنَةٍ بِحَفْنَتَيْنِ فَيَجُوزُ وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّمْرَةَ بِالتَّمْرَتَيْنِ فَقَالَ : مَا حُرِّمَ فِي الْكَثِيرِ حُرِّمَ فِي الْقَلِيلِ .
وَالْقَيْدُ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا بَاعَ غَيْرَ الْحُبُوبِ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ بِجِنْسِهَا كِفَّةً بِكِفَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمُجَازَفَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ .
وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْفِضَّةَ كِفَّةَ مِيزَانٍ بِكِفَّةِ مِيزَانٍ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا هُوَ احْتِمَالُ الرِّبَا وَهُوَ بِاحْتِمَالِ التَّفَاضُلِ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيمَا إذَا وَضَعَ صُبْرَةَ فِضَّةٍ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ ، وَوَضَعَ مُقَابِلَتَهَا فِضَّةً حَتَّى وَزَنَتْهَا فَيَجُوزُ .
وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ مَا رَوَى أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ إلَّا الْبُخَارِيَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

أَنَّهُ { قَالَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَتْ يَدًا بِيَدٍ } ( وَلِأَنَّ ) هَذِهِ ( الْجَهَالَةَ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ ) لِتَعَجُّلِ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا يُمْنَعُ ( فَشَابَهَ جَهَالَةَ الْقِيمَةِ ) لِلْمَبِيعِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ مَا يُسَاوِي مِائَةً بِدِرْهَمٍ ، وَالْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ قِيمَةَ مَا بَاعَ لَزِمَ الْبَيْعُ

قَالَ ( وَيَجُوزُ بِإِنَاءٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ وَبِوَزْنِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ ) ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ لِمَا أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فِيهِ التَّسْلِيمَ فَيُنْدَرُ هَلَاكُهُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ السَّلَمِ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِيهِ مُتَأَخِّرٌ وَالْهَلَاكَ لَيْسَ بِنَادِرٍ قَبْلَهُ فَتَتَحَقَّقُ الْمُنَازَعَةُ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ

( قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بِإِنَاءٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ وَبِوَزْنِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ ) قَدْ قَيَّدَ الْإِنَاءَ بِكَوْنِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانَ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ ، أَمَّا إذَا كَانَ يَحْتَمِلُ كَالزِّنْبِيلِ وَالْجَوَالِقِ فَلَا يَجُوزُ ، وَعَلَى هَذَا بَيْعُ مِلْءِ قِرْبَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ رِوَايَةً مِنْ النِّيلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عِنْدَهُ وَلَا يُعْرَفُ قَدْرُ الْقِرْبَةِ لَكِنْ أُطْلِقَ فِي الْمُجَرَّدِ جَوَازُهُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْقِرَبِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي الْبَلَدِ مَعَ غَالِبِ السَّقَّائِينَ ، فَلَوْ مَلَأَ لَهُ بِأَصْغَرِ مِنْهَا لَا يُقْبَلُ ، وَكَذَا رِوَايَةٌ مِنْهُ يُوفِيهِ فِي مَنْزِلِهِ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا مَلَأَهَا ثُمَّ تَرَاضَيَا جَازَ كَمَا قَالُوا لَوْ بَاعَ الْحَطَبَ وَنَحْوَهُ أَحْمَالًا لَا يَجُوزُ ، وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ ثُمَّ بَاعَهُ الْحِمْلَ جَازَ لِتَعَيُّنِ قَدْرِ الْمَبِيعِ فِي الثَّانِي .
وَفِي الْخُلَاصَةِ اشْتَرَى كَذَا كَذَا قِرْبَةً مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ جَازَ اسْتِحْسَانًا إذَا كَانَتْ الْقِرْبَةُ مُعَيَّنَةً .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا يَجُوزُ فِي الْقِرَبِ مُطْلَقًا .
وَفِي الْمُحِيطِ : بَيْعُ الْمَاءِ فِي الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا جَعَلَهُ فِي وِعَاءٍ .
وَوَجَّهَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ بِأَنَّ فِي الْمُعَيَّنِ مُجَازَفَةً يَجُوزُ فَبِمِكْيَالٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ أَوْلَى ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ فِي الْمُجَازَفَةِ الْإِشَارَةُ إلَى عَيْنِ الْمَبِيعِ ثَابِتَةٌ تُفِيدُ الْإِحَاطَةَ بِمِقْدَارِ جَرْمِهِ وَأَقْطَارِهِ ، وَمِثْلُ هَذَا التَّمْيِيزِ لَا يَحْصُلُ لَهَا فِي كَيْلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ قَبْلَ أَنْ يُصَبَّ فَالْأَوْلَوِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ بِلَا شَكٍّ .
وَالْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ إذَا كَانَ بِهِ أَوْ وَزَنَ لِلْمُشْتَرِي كَمَا فِي الشِّرَاءِ بِوَزْنِ هَذَا الْحَجَرِ ذَهَبًا نَصَّ فِي جَمْعِ النَّوَازِلِ عَلَى أَنَّ فِيهِ الْخِيَارَ إذَا عَلِمَ بِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ بِالْوَزْنِ .
وَفِي جَمِيعِ

التَّفَارِيقِ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَازُ الشِّرَاءِ بِوَزْنِ هَذَا الْحَجَرِ ، وَفِيهِ الْخِيَارُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مَحْمَلَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا كَمَا لَا يَجُوزُ فِي السَّلَمِ ، فَقَوْلُهُ لَا يَجُوزُ أَيْ يَلْزَمُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ ( وَأَظْهَرُ ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَهَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً لَكِنَّهَا لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَهِيَ الْمَانِعَةُ ، وَذَلِكَ لَأَنْ يَتَعَجَّلَ فَيَنْدُرَ هَلَاكُهُ ، بِخِلَافِ السَّلَمِ لَا يَتَعَجَّلُ فَقَدْ يَهْلِكُ ذَلِكَ الْكَيْلُ وَالْحَجَرُ فَيَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَا يَنْفِي ثُبُوتَ الْخِيَارِ ، وَأَقْرَبُ الْأُمُورِ إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ : وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ صُبْرَةً كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى عُرِفَ الْمِقْدَارُ صَحَّ ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي كَمَا إذَا رَآهُ ، وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ وَقْتَ الْبَيْعِ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ رَأَى الصُّبْرَةَ قَبْلَ الْكَيْلِ وَوَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا ، لَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَتَمُّ ، وَصَارَ كَمَا إذَا رَأَى الدُّهْنَ فِي قَارُورَةِ زُجَاجٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ بَعْدَ صَبِّهِ .
وَهَذَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ مَا يُوزَنُ بِهِ وَلَا يَحْتَمِلُ النُّقْصَانَ حَتَّى لَا يَجُوزَ بِوَزْنِ هَذِهِ الْبِطِّيخَةِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُصُ بِالْجَفَافِ ، وَعَوَّلَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ بِوَزْنِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ تَعْجِيلِ السَّلَمِ ، وَلَا جَفَافَ يُوجِبُ نَقْصًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَمَا قَدْ يَعْرِضُ مِنْ تَأَخُّرِهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مَمْنُوعٌ ، بَلْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَجُوزُ الْإِسْلَامُ فِي وَزْنِ ذَلِكَ الْحَجَرِ لِخَشْيَةِ الْهَلَاكِ فَيَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ ،

وَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ الْمَانِعَةُ مِنْهُ ، وَالْفَرْضُ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ السَّلَمِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَأَخُّرَ التَّسْلِيمِ فِيهِ إلَى مَجْلِسٍ آخَرَ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ؛ لِأَنَّ هَلَاكَهُ إنْ نَدَرَ فَالِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَالتُّهْمَةُ فِيهِ لَيْسَ بِنَادِرٍ ، وَكُلُّ الْعِبَارَاتِ تُفِيدُ صِحَّةَ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ بِالتَّعْجِيلِ كَمَا فِي عِبَارَةِ الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ : وَلَوْ اشْتَرَى بِهَذَا الْإِنَاءِ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، ثُمَّ إنَّ فِي الْمُعَيَّنِ الْبَيْعُ مُجَازَفَةً يَجُوزُ فَبِمِكْيَالٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ أَوْلَى ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عَقِيبَ الْبَيْعِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ وَتَقَدَّمَ النَّظَرُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ .
وَهَذَا وَأَوْرَدَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ مَا إذَا بَاعَ عَبْدًا مِنْ أَرْبَعَةٍ يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي أَيَّهُمْ شَاءَ أَوْ بَاعَ بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ .
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُبْطِلَ فِي الْمُورَدِ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ عَدَمُ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ لَا الْجَهَالَةُ ، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي عَبْدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، لَكِنْ جَازَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِيَاسَ مَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقِرْبَةِ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ ، وَأَنَّهُ كَبَيْعِ الطَّيْرِ قَبْلَ أَنْ يَصْطَادَهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ ، وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ حِنْطَةٌ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَلَمًا ، وَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ الثَّابِتُ بِالتَّعَامُلِ فَمُقْتَضَاهُ الْجَوَازُ بَعْدَ أَنْ يُسَمِّيَ نَوْعَ الْقِرْبَةِ فِي دِيَارِنَا بِمِصْرَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً مِثْلَ قِرْبَةٍ كَتَافِيَّةٍ أَوْ سِقَاوِيَّةٍ أَوْ رَوَاسِيَّةٍ كَبِيرَةٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ يَسِيرٌ أَهْدَرَ فِي الْمَاءِ .
وَنَظِيرُ مَا نَحْنُ فِيهِ مَا إذَا بَاعَ حِنْطَةً مَجْمُوعَةً فِي بَيْتٍ أَوْ مَطْمُورَةٍ فِي الْأَرْضِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا وَلَا مُنْتَهَى حَفْرِ

الْحَفِيرَةِ أَنَّ لَهُ الْخِيَارُ إذَا عَلِمَ ، إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِجَمِيعٍ الثَّمَنِ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مُنْتَهَى الْمَطْمُورَةِ وَلَا يَعْلَمُ مَبْلَغَ الْحِنْطَةِ جَازَ وَلَا خِيَارَ لَهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ تَحْتَهَا دُكَّانٌ : أَيْ صِفَةٌ وَنَحْوُهَا ، كَذَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بَاعَهُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ قَدْرَ مَا يَمْلَأُ هَذَا الطَّشْتَ جَازَ ، وَلَوْ بَاعَهُ قَدْرَ مَا يَمْلَأُ هَذَا الْبَيْتَ لَا يَجُوزُ .
وَفِي الْفَتَاوَى : بِعْت مِنْك مَا لِي فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ مَا فِيهَا فَهُوَ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ ؛ وَلَوْ قَالَ مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ يَسِيرَةٌ ، وَإِذَا جَازَ فِي الْبَيْتِ جَازَ فِي الصُّنْدُوقِ وَالْجَوَالِقِ ، وَلَوْ قَالَ بِعْت مِنْك نَصِيبِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَشَرْطُ الْجَوَازِ عِلْمُ الْمُشْتَرِي بِنَصِيبِهِ دُونَ عِلْمِ الْبَائِعِ وَتَصْدِيقُ الْبَائِعِ فِيمَا يَقُولُ ، وَلَوْ اشْتَرَى مَوْزُونًا بِإِنَاءٍ عَلَى أَنْ يُفْرِغَهُ وَيَزِنَ الْإِنَاءَ فَيَحُطُّ قَدْرَ وَزْنِهِ مِنْ الثَّمَنِ جَازَ ، وَكَمَا تُمْنَعُ الْجَهَالَةُ السَّابِقَةُ كَذَلِكَ تُمْنَعُ اللَّاحِقَةُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، فَلِذَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمْدَ الْكَائِنَ فِي الْمُجَمَّدَةِ ، قِيلَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَلِّمَ أَوَّلًا ، ثُمَّ يَبِيعُ ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ إذَا سَلَّمَ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَلَوْ سَلَّمَ بَعْدَهَا لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا تَذُوبُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَهُوَ وَجْهُ مَنْ مَنَعَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، غَيْرَ أَنَّ النَّقْصَ قَلِيلٌ قَبْلَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فَلِهَذَا أُهْدِرَ وَجَازَ ، وَقِيلَ إنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَغَلَاءِ الْجَمْدِ وَرُخْصِهِ فَيَنْظُرُ إلَى مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ فَيَجُوزُ إذَا سَلَّمَهُ قَبْلُ ، وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ إنْ شَاءَ

اللَّهُ تَعَالَى

( قَالَ وَمَنْ بَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ جُمْلَةَ قُفْزَانِهَا وَقَالَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ ) لَهُ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الصَّرْفُ إلَى الْكُلِّ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ فَيُصْرَفُ إلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ مَعْلُومٌ ، وَإِلَّا أَنْ تَزُولَ الْجَهَالَةُ بِتَسْمِيَةِ جَمِيعِ الْقُفْزَانِ أَوْ بِالْكَيْلِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كُلُّ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ بِالْإِجْمَاعِ .
وَلَهُمَا أَنَّ الْجَهَالَةَ بِيَدِهِمَا إزَالَتُهَا وَمِثْلُهَا غَيْرُ مَانِعٍ ، وَكَمَا إذَا بَاعَ عَبْدًا مِنْ عَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ .
ثُمَّ إذَا جَازَ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا إذَا كِيلَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ سَمَّى جُمْلَةَ قُفْزَانِهَا ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ الْآنَ فَلَهُ الْخِيَارُ ، كَمَا إذَا رَآهُ وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ وَقْتَ الْبَيْعِ

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ) يَعْنِي أَنَّ مُوجِبَ هَذَا اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةُ إيجَابُ الْبَيْعِ فِي وَاحِدٍ عِنْدَهُ ، وَيَتَوَقَّفُ فِي الْبَاقِي إلَى تَسْمِيَةِ الْكُلِّ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ كَيْلِهِ فِيهِ فَيَثْبُتُ حِينَئِذٍ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي ، فَإِنْ رَضِيَ هَلْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهِ أَيْضًا ، رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ خِلَافَهُ حَتَّى لَوْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ بَعْدَ الْكَيْلِ وَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِأَخْذِ الْكُلِّ لَا يَعْمَلُ فَسْخُهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ، ثُمَّ إذَا جَازَ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ فَلِلْمُشْتَرِي فِيهِ الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ دُونَ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ جُمْلَةَ الْقُفْزَانِ ( وَلَهُ أَنَّهُ تَعَذَّرَ صَرْفُ الْبَيْعِ إلَى الْكُلِّ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ ) وَلَا جَهَالَةَ فِي الْقَفِيزِ فَلَزِمَ فِيهِ ، وَإِذَا زَالَتْ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ الْكَيْلِ فِي الْمَجْلِسِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ كَمَا إذَا ارْتَفَعَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ بِالرُّؤْيَةِ إذْ الْمُؤْثِرُ فِي الْأَصْلِ ارْتِفَاعُ الْجَهَالَةِ بَعْدَ لَفْظِ الْعَقْدِ وَكَوْنُهُ بِالرُّؤْيَةِ مُلْغًى ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَجْلِسِ لِتَقَرُّرِ الْمُفْسِدِ وَمَا فِي الْمُحِيطِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ عِنْدَهُ يَصِحُّ فِي الْكُلِّ ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الْمَجْلِسِ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمَجْلِسِ كَالثَّابِتِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ إسْقَاطُ خِيَارِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْمَجْلِسِ ، وَكَذَا زَوَالُ جَهَالَةِ الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ بَعْدَهُ حَيْثُ يَجُوزُ الْعَقْدُ بِزَوَالِ الْمُفْسِدِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ فِيهِمَا لَمْ يَتَمَكَّنْ

فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَلَا يَتَقَيَّدُ رَفْعُ الْمُفْسِدِ بِالْمَجْلِسِ ، وَهَذَا لِأَنَّ أَثَرَ الْفَسَادِ فِيهِمَا لَا يَظْهَرُ فِي الْحَالِ بَلْ يَظْهَرُ عِنْدَ دُخُولِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَامْتِدَادِ الْأَجَلِ .
وَأَمَّا مَا أُورِدَ مِنْ أَنَّ الْجَهَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً لَكِنَّهَا لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ لَا يَتَفَاوَتُ الْحَالُ بَيْنَ كَوْنِ الْقُفْزَانِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا ، فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُفْسِدَ هُنَا جَهَالَةُ الثَّمَنِ كَمِّيَّةً خَاصَّةً وَقَدْرًا لِعَدَمِ الْإِشَارَةِ وَلَا مُعَرَّفَ شَرْعًا لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِمَنْعِ كَوْنِهَا غَيْرَ مُفْضِيَةٍ إلَى الْمُنَازَعَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَطْلُبُ الْمُشْتَرِيَ بِتَسْلِيمِهِ الثَّمَنَ ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فَيَتَنَازَعَانِ فَتَهَافُتٌ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُطَالِبَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكِيلَهُ لِيَعْرِفَ الْقَدْرَ الَّذِي يُطَالِبُ بِهِ ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُطَالِبَهُ إلَّا بِكَمِّيَّةٍ خَاصَّةٍ مُشَارٍ إلَيْهَا أَوْ مَضْبُوطَةِ الْوَزْنِ ، وَحِينَئِذٍ يَعْلَمُهَا الْمُشْتَرِي فَيَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ ، وَلَوْ امْتَنَعَ بَعْدَ هَذَا التَّقْدِيرِ كَانَ مَطْلًا لِلْمُنَازَعَةِ الْمُفْسِدَةِ ( وَلَهُمَا أَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ بِيَدِهِمَا إزَالَتُهَا ) بِأَنْ يَكِيلَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَالْجَهَالَةُ الَّتِي هِيَ كَذَلِكَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ أَيَّهُمَا شَاءَ .
وَقَدْ أُورِدَ عَلَيْهِ نَقْضٌ إجْمَالِيٌّ لَوْ صَحَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْجَهَالَةَ الَّتِي بِيَدِهِمَا إزَالَتُهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ الصِّحَّةِ لَزِمَ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِالرَّقْمِ عِنْدَهُمَا ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ عَبْدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ فِي تَعْيِينِهِ ، وَأَنْ يَجُوزَ الْبَيْعُ بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ ، لَكِنَّ الْبَيْعَ فِي الْكُلِّ بَاطِلٌ .
أُجِيبُ بِأَنَّ الْبَيْعَ بِالرَّقْمِ تَمَكَّنَتْ الْجَهَالَةُ

بِهِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَهُوَ جَهَالَةُ الثَّمَنِ بِسَبَبِ الرَّقْمِ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْقِمَارِ لِلْخَطَرِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ كَذَا وَكَذَا ، وَجَوَازُهُ إذَا عُلِمَ فِي الْمَجْلِسِ بِعَقْدٍ آخَرَ هُوَ التَّعَاطِي كَمَا قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَعْلَمُ بِكَيْلِ الْبَيْعِ يَعْلَمُ بِكَيْلِ الْمُشْتَرِي ، وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ الْبَيْعُ بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ ، وَمِثْلُهُ فِي أَحَدِ الْعَبِيدِ الْأَرْبَعَةِ فِي جَانِبِ الْمَبِيعِ ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَكَانَ بَيْعًا بِلَا مَبِيعٍ ، وَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ فِي عَبْدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ بِدَلَالَةِ نَصِّ شَرْطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ أَجْوِبَةِ هَذِهِ النُّقُوضِ تَصْلُحُ أَدِلَّةً لِأَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ تَسْلِيمَ أَنَّ الْجَهَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِهِمَا إزَالَتُهَا بَعْدَ كَوْنِهَا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ فِي الثَّمَنِ كَالْبَيْعِ بِالرَّقْمِ وَبِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ ، أَوْ فِي الْمَبِيعِ كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ تَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ ، وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ عَلَى وَجْهٍ يُشْبِهُ الْقِمَارَ وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ مَعَ إمْكَانِ إزَالَتِهَا ثَابِتٌ فِي حَمْلِ النِّزَاعِ إذْ جَازَ أَنْ يَظْهَرَ كَوْنُهُ مِائَةً أَوْ خَمْسِينَ إلَّا بِكَيْلِ أَحَدِهِمَا ، وَكَوْنُ ذَلِكَ بِكَيْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَفِي الرَّقْمِ يَظْهَرُ بِالْبَائِعِ فَقَطْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي دَفْعِ مَنْعِ الْحَظْرِ وَالتَّمَكُّنِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمُفْسِدُ وَإِذَا فَسَدَ الْبَيْعُ فِي عَبْدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، وَالْجَهَالَةُ فِي مَضْبُوطٍ لِانْحِصَارِهَا فِي احْتِمَالَاتٍ أَرْبَعَةٍ لَا تَتَعَدَّاهَا ، فَلَأَنْ تَفْسُدَ فِي صُبْرَةٍ لَا تَقِفُ الِاحْتِمَالَاتُ فِي خُصُوصِ الثَّمَنِ عَلَى كَوْنِهِ أَرْبَعَ إمْكَانَاتٍ أَوْ عَشَرَةً أَوْلَى ، بَلْ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهِمَا بِبُطْلَانِ قِيَاسِهِمَا عَلَى بَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ إذْ ظَهَرَ مِنْ الْجَوَابِ أَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ الْقِيَاسِ وَلِذَا امْتَنَعَ فِي

أَرْبَعَةِ أَعْبُدٍ ، وَحِينَئِذٍ تَرَجَّحَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَظَهَرَ أَنَّ كَوْنَ الْعَاقِدَيْنِ بِيَدِهِمَا إزَالَةُ جَهَالَةِ صُلْبِ الْعَقْدِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَالْمَبِيعُ لَا يُوجِبُ صِحَّةَ الْبَيْعِ قَبْلَ إزَالَتِهَا بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ إمْكَانِ إزَالَتِهَا فِيهَا ، وَغَايَتُهُ إذَا أُزِيلَتْ فِي الْمَجْلِسِ وَهُمَا عَلَى رِضَاهُمَا ثَبَتَ بِعَقْدِ التَّرَاضِي وَالْمُعَاطَاةِ لَا بِعَيْنِ الْأَوَّلِ كَمَا ذَكَرَ فِي الرَّقْمِ ، بَلْ وَلِهَذِهِ الْفُرُوعِ الْمَذْكُورَةِ أَمْثَالٌ يَطُولُ عَدُّهَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيهَا لِجَهَالَةٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ مَعَ إمْكَانِ إزَالَةِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَهَا ، وَتَأْخِيرُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ دَلِيلَهُمَا ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِهِ قَوْلَهُمَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ ، وَأَمَّا مَا يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ مِمَّا .
ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَتَى أُضِيفَ كَلِمَةُ كُلٍّ إلَى مَا لَا تُعْلَمُ نِهَايَتُهُ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَدْنَاهُ لِصِيَانَتِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ كَالْإِقْرَارِ بِأَنَّ عَلَيْهِ كُلَّ دِرْهَمٍ إنَّمَا يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَا إجَارَةُ كُلِّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ تَلْزَمُ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ فَلَا حَاجَةَ لَهُ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ صِحَّةَ هَذَا الْأَصْلِ كَانَ إثْبَاتُهُ بِعَيْنِ مَا ذُكِرَ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ثُبُوتِ الْجَهَالَةِ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّيَقُّنِ فِي الْوَاحِدِ فَهُوَ نَفْسُهُ أَصْلُ هَذَا الْأَصْلِ .
[ فَرْعٌ ] اشْتَرَى طَعَامًا بِغَيْرِ جِنْسِهِ خَارِجَ الْمِصْرِ وَشَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَنْزِلٍ مِنْ الْمِصْرِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، فَإِذَا اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةَ الْحَمْلِ فَسَدَ ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ وَشَرَطَ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ بِشَرْطِ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَفِي الْقِيَاسِ فَاسِدٌ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ .
وَاسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ جَوَازَهُ بِالْعُرْفِ ، فَإِنَّ

الْإِنْسَانَ يَشْتَرِي الْحَطَبَ وَالشَّعِيرَ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ وَلَا يَكْتَرِي دَابَّةً أُخْرَى يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا بَلْ الْبَائِعُ هُوَ يَحْمِلُهُ بِخِلَافِهِ خَارِجَ الْمِصْرِ ، وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ لَفْظِ الْحَمْلِ وَالْإِيفَاءِ فِي الِاسْتِحْسَانِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ ، وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْفَرْقَ فَإِنَّ الْإِيفَاءَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ فَشَرْطُهُ مُلَائِمٌ بِخِلَافِ الْحَمْلِ

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ قَطِيعَ غَنَمٍ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ ثَوْبًا مُذَارَعَةً كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ جُمْلَةَ الذِّرَاعَانِ ، وَكَانَ كُلُّ مَعْدُودٍ مُتَفَاوِتٍ ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الْكُلِّ لِمَا قُلْنَا ، وَعِنْدَهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْوَاحِدِ ) لِمَا بَيَّنَّا غَيْرَ أَنَّ بَيْعَ شَاةٍ مِنْ قَطِيعِ غَنَمٍ وَذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ لَا يَجُوزُ لِلتَّفَاوُتِ .
وَبَيْعُ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ يَجُوزُ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ فَلَا تُفْضِي الْجَهَالَةُ إلَى الْمُنَازَعَةِ فِيهِ ، وَتَقْضِي إلَيْهَا فِي الْأَوَّلِ فَوَضَحَ الْفَرْقُ

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ قَطِيعَ غَنَمٍ إلَخْ ) لَمَّا ذَكَرَ الصُّورَةَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ ذَكَرَ نَظِيرَهَا فِي الْقِيَمِيَّاتِ ، فَإِذَا أَضَافَ الْبَيْعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَيَوَانَاتِ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَطِيعَ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ هَذَا الثَّوْبَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمِ وَلَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الْغَنَمِ وَلَا الذِّرَاعَيْنِ وَلَا جُمْلَةَ الثَّمَنِ فَسَدَ فِي الْكُلِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَمَّا إذَا سَمَّى أَحَدَهُمَا فَيَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ لِلْعِلْمِ بِتَمَامِ الثَّمَنِ مُطَابَقَةً أَوْ الْتِزَامًا فِيمَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ عَدَدِ الْقَطِيعِ ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الْكُلِّ لِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْجَهَالَةَ بِيَدِهِمَا إزَالَتُهَا وَعِنْدَهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْوَاحِدِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ جَهَالَةِ كُلِّ الثَّمَنِ وَإِلْغَاءِ كَوْنِ ارْتِفَاعِهَا بِيَدِهِمَا غَيْرَ أَنَّ الْآحَادَ هُنَا مُتَفَاوِتَةٌ فَلَمْ يَنْقَسِمْ الثَّمَنُ عَلَى الْجُمْلَةِ بِالْإِجْزَاءِ فَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فَفَسَدَ فِي الْكُلِّ ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ شَاةً أَوْ عَشَرَةً مِنْ مِائَةٍ أَوْ بِطِّيخَةً أَوْ عَشْرًا مِنْ وَقْرِ بِطِّيخٍ كَانَ بَاطِلًا .
وَأَمَّا الْجَوَازُ فِيمَا إذَا عَزَلَهَا وَذَهَبَ وَالْبَائِعُ سَاكِتٌ فَبِالتَّعَاطِي عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَالَ الْعَتَّابِيُّ : إنَّ ذَلِكَ فِي ثَوْبٍ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ ، أَمَّا فِي الْكِرْبَاسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ عِنْدَهُ فِي ذِرَاعٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الطَّعَامِ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَعْدُودٍ مُتَفَاوِتٍ كَحِمْلِ بِطِّيخٍ كُلُّ بِطِّيخَةٍ بِفَلْسٍ وَالرُّمَّانُ وَالسَّفَرْجَلُ وَالْخَشَبُ وَالْأَوَانِي وَالرَّقِيقُ وَالْإِبِلُ .
وَلَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَكَذَا فِي الدَّارِ ، وَهَذَا غَيْرُ الْأَلْيَقِ بِأَصْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْخِلَافِيَّةِ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ اشْتَرَى الْعِنَبَ كُلُّ وَقْرٍ بِكَذَا ، وَالْوَقْرُ عِنْدَهُ مَعْرُوفٌ ، إذَا كَانَ الْعِنَبُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ فِي وَقْرٍ

وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ أَجْنَاسًا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَطِيعِ الْغَنَمِ ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا فِي كُلِّ الْعِنَبِ كُلُّ وَقْرٍ بِمَا قَالَ ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْجِنْسُ مُخْتَلِفًا فَكَذَا أَوْرَدَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ، وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ جَعَلَ الْجَوَابَ بِالْجَوَازِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِنَبُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلَفًا فِيهِ .
ثُمَّ قَالَ الْفَقِيهُ : وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ انْتَهَى ، وَتَفْرِيعُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ أَوْجَهُ

قَالَ ( وَمَنْ ابْتَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ قَفِيزٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَوَجَدَهَا أَقَلَّ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَوْجُودَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ ) لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَامِ ، فَلَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِالْمَوْجُودِ ، وَإِنْ وَجَدَهَا أَكْثَرَ فَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ وَالْقَدْرُ لَيْسَ بِوَصْفٍ
( قَوْلُهُ وَمَنْ ابْتَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ قَفِيزٍ ) مَثَلًا ( بِمِائَةٍ ) تَعَلَّقَ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ الْكَيْلِ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ نَاقِصَةً ( كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ ، إنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَوْجُودَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ بِالْأَجْزَاءِ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ الْمِثْلِيِّ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، ( فَإِنْ شَاءَ فَسْخَ الْبَيْعَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ ) الْوَاحِدَةِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا الْخُلَاصَةُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ ( وَإِنْ وَجَدَهَا زَائِدَةً فَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ ) لَيْسَ لَهُ جِهَةُ الْوَصْفِيَّةِ ، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ ،

( وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَوَجَدَهَا أَقَلَّ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِجُمْلَةِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ) ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ وَصْفٌ فِي الثَّوْبِ ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، وَالْوَصْفُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَأَطْرَافِ الْحَيَوَانِ فَلِهَذَا يَأْخُذُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْمِقْدَارَ يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ فَلِهَذَا يَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ لِتَغَيُّرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَخْتَلُّ الرِّضَا .
قَالَ ( وَإِنْ وَجَدَهَا أَكْثَرَ مِنْ الذِّرَاعِ الَّذِي سَمَّاهُ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ ) ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا بَاعَهُ مَعِيبًا ، فَإِذَا هُوَ سَلِيمٌ

وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى ثَوْبًا أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ أَوْ مِائَةُ ذِرَاعٍ بِمِائَةٍ فَوَجَدَ الْمَبِيعَ أَقَلَّ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَوْجُودَ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، وَإِنْ وَجَدَهَا زَائِدَةً عَلَى الْعَشَرَةِ أَوْ الْمِائَةِ كَانَ الْكُلُّ لِلْمُشْتَرِي ( وَلَوْ ) كَانَ ( قَالَ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ ) مَثَلًا ( بِمِائَةٍ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَهَا أَقَلَّ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ ) إنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَوْجُودَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ ( وَإِنْ كَانَ ) وَجَدَهَا أَكْثَرَ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْكُلَّ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ ، أَصْلُ هَذَا أَنَّ الذِّرَاعَ فِي الْمَذْرُوعَاتِ وَصْفٌ ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ طُولٍ فِيهِ لَكِنَّهُ وَصْفٌ يَسْتَلْزِمُ زِيَادَةَ أَجْزَاءٍ ، فَإِنْ لَمْ يُفْرَدْ بِثَمَنٍ كَانَ تَابِعًا مَحْضًا فَلَا يُقَابَلُ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا قَالَ عَلَى أَنَّهَا مِائَةٌ بِمِائَةٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ تَابِعًا مَحْضًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَالتَّوَابِعُ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَأَطْرَافِ الْحَيَوَانِ حَتَّى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَاعْوَرَّتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، أَوْ اعْوَرَّتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي جَازَ لَهُ أَنْ يُرَابَحَ عَلَى ثَمَنِهَا بِلَا بَيَانٍ فَعَلَيْهِ تَمَامُ الثَّمَنِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ ، وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ كَمَا إذَا اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ فَوَجَدَهُ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ ، وَلَهُ الزَّائِدُ فِي الصُّورَةِ الزَّائِدَةِ ( كَمَا إذَا بَاعَهُ ) عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ فَوَجَدَهُ سَلِيمًا ، هَذَا إذَا لَمْ يُفْرِدْ بِالثَّمَنِ ، فَإِنْ أَفْرَدَ بِالثَّمَنِ ، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ عَلَى أَنَّهَا مِائَةٌ بِمِائَةٍ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ صَارَ أَصْلًا وَارْتَفَعَ عَنْ التَّبَعِيَّةِ فَنَزَلَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ

( وَلَوْ قَالَ بِعْتُكهَا عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً ، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ) ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لَكِنَّهُ صَارَ أَصْلًا بِإِفْرَادِهِ بِذَكَرِ الثَّمَنِ فَيَنْزِلُ كُلُّ ذِرَاعٍ مَنْزِلَةَ ثَوْبٍ ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ آخِذًا لِكُلِّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ ( وَإِنْ وَجَدَهَا زَائِدَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ ) لِأَنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ الزِّيَادَةُ فِي الذَّرْعِ تَلْزَمُهُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ فَكَانَ نَفْعًا يَشُوبُهُ ضَرَرٌ فَيَتَخَيَّرُ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَارَ أَصْلًا ، وَلَوْ أَخَذَهُ بِالْأَقَلِّ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِالْمَشْرُوطِ .

وَلَوْ بَاعَهُ هَذِهِ الرِّزْمَةَ مِنْ الثِّيَابِ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْأَثْوَابَ الْمَوْجُودَةَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ ، فَكَذَا إذَا وَجَدَ الذِّرَاعَيْنِ نَاقِصَةً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهَا بِكُلِّ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ آخِذًا كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ ، وَلَوْ وَجَدَهَا زَائِدَةً لَمْ تُسْلَمْ لَهُ الزِّيَادَةُ لِصَيْرُورَتِهِ أَصْلًا كَمَا لَوْ لَمْ يُسْلَمْ لَهُ الثَّوْبُ الْمُفْرَدُ فِيمَا إذَا زَادَتْ عَدَدُ الثِّيَابِ عَلَى الْمَشْرُوطِ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ، فَإِنَّ عَدَدَ الثِّيَابِ إذَا زَادَتْ فَسَدَ الْبَيْعُ لِلُزُومِ جَهَالَةِ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ تَجْرِي فِي تَعْيِينِ الثَّوْبِ الَّذِي يُرَدُّ إلَى الْبَائِعِ بِسَبَبِ أَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
أَمَّا هُنَا فَالذِّرَاعُ لَيْسَ أَصْلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِيُفْسِدَ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الزَّائِدَ بِحِصَّتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ لَهُ أَخْذُ الزَّائِدِ لَكِنَّهُ بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ وَهُوَ زِيَادَةُ الثَّمَنِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَلْزَمُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا الطُّولَ وَصْفًا تَارَةً وَأَصْلًا أُخْرَى ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا الْقَدْرَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ إلَّا أَصْلًا دَائِمًا مَعَ أَنَّ الطُّولَ وَالْعَرْضَ يَرْجِعُ إلَى الْقَدْرِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْقَدْرَ وَصْفًا اُحْتِيجَ إلَى الْفَرْقِ فَقِيلَ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ لَا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِنُقْصَانِ الْقَدْرِ ، فَإِنَّ الصُّبْرَةَ الْكَائِنَةَ مِائَةُ قَفِيزٍ لَوْ صَارَتْ إلَى قَفِيزَيْنِ فِي الْقِلَّةِ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الْقَفِيزِ ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَالْأَرْضِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي عَادَتُهُ عَشَرَةٌ وَهُوَ قَدْرُ مَا يُفَصِّلُ قَبَاءً أَوْ فَرَجِيَّةً كَانَ بِثَمَنٍ إذَا قُسِّمَ عَلَى أَجْزَائِهِ يُصِيبُ كُلَّ ذِرَاعٍ مِنْهُ مِقْدَارٌ ، وَلَوْ أُفْرِدَ الذِّرَاعُ وَبِيعَ بِمُفْرَدِهِ لَمْ يُسَاوِ

فِي الْأَسْوَاقِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ بَلْ أَقَلَّ مِنْهُ بِكَثِيرٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْغَرَضَ الَّذِي يُصْنَعُ بِالثَّوْبِ الْكَامِلِ فَعَلِمْنَا أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ لَمْ يُعْتَبَرْ كَثَوْبٍ كَامِلٍ مُفْرَدٍ

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى عَشْرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ دَارٍ أَوْ حَمَّامٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا : هُوَ جَائِزٌ ، وَإِنْ اشْتَرَى عَشْرَةَ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ) لَهُمَا أَنَّ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ عُشْرُ الدَّارِ فَأَشْبَهَ عَشْرَةَ أَسْهُمٍ .
وَلَهُ أَنَّ الذِّرَاعَ اسْمٌ لِمَا يَذْرَعُ بِهِ ، وَاسْتُعِيرَ لِمَا يَحِلُّهُ الذِّرَاعُ وَهُوَ الْمُعَيَّنُ دُونَ الْمَشَاعِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، بِخِلَافِ السَّهْمِ .
وَلَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ مَا إذَا عَلِمَ مِنْ جُمْلَةِ الذِّرَاعَانِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ الصَّحِيحُ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الْخَصَّافُ لِبَقَاءِ الْجَهَالَةِ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ دَارٍ أَوْ حَمَّامٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَا : هُوَ جَائِزٌ ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَإِنْ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ ) مِنْهَا ( جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ) وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْمُؤَدَّى مِنْ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ مُعَيَّنٌ أَوْ شَائِعٌ فَعِنْدَهُمَا شَائِعٌ كَأَنَّهُ بَاعَ عُشْرَ مِائَةٍ وَبَيْعُ الشَّائِعِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي بَيْعِ عَشْرَةِ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ ، وَعِنْدَهُ مُؤَدَّاةُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ ، وَالْجَوَانِبُ مُخْتَلِفَةُ الْجَوْدَةِ فَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي تَعْيِينِ مَكَانِ الْعَشَرَةِ فَفَسَدَ الْبَيْعُ ، فَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُؤَدَّى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ مِائَةٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ شَائِعٌ لَمْ يَخْتَلِفُوا ، وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَمْ يَخْتَلِفُوا ، فَهُوَ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي نِكَاحِ الصَّابِئَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَلَا كِتَابَ لَهُمْ أَوْ لَهُمْ كِتَابٌ ، فَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى الثَّانِي اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ ، أَوْ عَلَى الْأَوَّلِ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ ، فَالشَّأْنُ فِي تَرْجِيحِ الْمَبْنِيِّ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ ( الذِّرَاعُ اسْمٌ لِمَا يُذْرَعُ بِهِ ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْمَبِيعِ عَشْرًا مِنْ الْخَشَبَاتِ الَّتِي يَذْرَعُ بِهَا فَكَانَ مُسْتَعَارًا لِمَا يَحِلُّهَا ، وَمَا يَحِلُّهُ مُعَيَّنٌ فَكَانَ الْمَبِيعُ مُعَيَّنًا مُقَدَّرًا بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ ( بِخِلَافِ ) عَشَرَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ اسْمٌ لِلْجُزْءِ الشَّائِعِ فَكَانَ الْمَبِيعُ عَشْرَةَ أَجْزَاءٍ شَائِعَةٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ .
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تَعْيِينَ جُمْلَةِ ذُرْعَانِ الدَّارِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بَيْعَ الشَّائِعِ ؛ لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ نِسْبَةُ الْعَشَرَةِ مِنْ الْكُلِّ أَنَّهَا بِالْعُشْرِ ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ أَذْرُعٍ لَا يَتَفَاوَتُ مِقْدَارُهَا بِتَعْيِينِ الْكُلِّ

وَعَدَمِهِ .
وَقَدْ يُقَالُ فَائِدَتُهُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يُرْفَعَ بِهِ الْفَسَادُ ، فَإِنَّ بَيْعَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ ثَوْبٍ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا عَلَى قَوْلِهِمَا عَلَى تَخْرِيجِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ ، وَعَلَى قَوْلِ آخَرِينَ يَجُوزُ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ بِيَدِهِمَا إزَالَتُهَا فَيُذْرَعُ الْكُلُّ فَيُعْرَفُ نِسْبَةُ الْعَشَرَةِ ، وَصُحِّحَ هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمَا مِنْ بَيْعِ صُبْرَةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ يَرَى الرَّأْيَ الْأَوَّلَ .
وَلَمَّا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ ظَهَرَ أَنَّ مَا قَالَ الْخَصَّافُ مِنْ أَنَّ الْفَسَادَ عِنْدَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ جُمْلَةُ الذُّرْعَانِ ؛ وَأَمَّا إذَا عُرِفَ جُمْلَتُهَا فَالْبَيْعُ عِنْدَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ وَاقِعٍ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ ، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ فَإِنَّ الْفَسَادَ عِنْدَهُ لِلْجَهَالَةِ كَمَا قُلْنَا ، وَبِمَعْرِفَةِ قَدْرِ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ لَا تَنْتَفِي الْجَهَالَةُ عَنْ الْبَعْضِ الَّذِي بِيعَ مِنْهُ ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِمَا فِيمَا إذَا بَاعَ ذِرَاعًا أَوْ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَلَمْ يُسَمِّ جُمْلَتَهَا فَقِيلَ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ عَلَى قَوْلِهِمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جُزْءٌ شَائِعٌ مَعْلُومُ النِّسْبَةِ مِنْ الْكُلِّ ، وَذَلِكَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ جُمْلَتِهَا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ بِأَيْدِيهِمَا إزَالَتُهَا بِأَنْ تُقَاسَ كُلُّهَا فَيُعْرَفُ نِسْبَةُ الذِّرَاعِ أَوْ الْعَشَرَةِ مِنْهَا فَيُعْلَمُ قَدْرُ الْمَبِيعِ

وَلَوْ اشْتَرَى عِدْلًا عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةُ أَثْوَابٍ فَإِذَا هُوَ تِسْعَةٌ أَوْ أَحَدَ عَشَرَ فَسَدَ الْبَيْعُ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ ( وَلَوْ بَيَّنَ لِكُلِّ ثَوْبٍ ثَمَنًا جَازَ فِي فَصْلِ النُّقْصَانِ بِقَدْرِهِ وَلَهُ الْخِيَارُ ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الزِّيَادَةِ ) لِجَهَالَةِ الْعَشَرَةِ الْمَبِيعَةِ .
وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ فِي فَصْلِ النُّقْصَانِ أَيْضًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا هَرَوِيَّانِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا مَرْوِيٌّ حَيْثُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا ، وَإِنْ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْقَبُولَ فِي الْمَرْوِيِّ شَرْطًا لِجَوَازِ الْعَقْدِ فِي الْهَرَوِيِّ ، وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَلَا قَبُولَ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْدُومِ فَافْتَرَقَا .

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ عِدْلًا ) صُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ بِعْتُك مَا فِي هَذَا الْعِدْلِ عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةُ أَثْوَابٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا ، وَلَمْ يُفَصِّلْ لِكُلِّ ثَوْبٍ ثَمَنًا بَلْ قَالَ الْمَجْمُوعُ بِالْمَجْمُوعِ ( فَإِذَا هُوَ تِسْعَةٌ أَوْ أَحَدَ عَشَرَ فَسَدَ الْبَيْعُ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ ) فِي صُورَةِ الزِّيَادَةِ لِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَرِيبٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالذِّرَاعِ الَّذِي صَارَ أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ ( وَالثَّمَنُ ) فِي صُورَةِ النُّقْصَانِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَنْقَسِمُ أَجْزَاؤُهُ عَلَى حَسَبِ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ الْقِيَمِيِّ وَالثِّيَابِ مِنْهُ فَلَمْ يُعْلَمْ لِلثَّوْبِ الذَّاهِبِ حِصَّةً مَعْلُومَةً مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى لِيُنْقِصَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ فَكَانَ النَّاقِصُ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرًا مَجْهُولًا فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا ( وَلَوْ ) كَانَ ( فَصَّلَ لِكُلِّ ثَوْبٍ ثَمَنًا ) بِأَنْ قَالَ كُلُّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ ( جَازَ ) الْبَيْعُ ( فِي فَصْلِ النُّقْصَانِ بِقَدْرِهِ ) أَيْ بِمَا سِوَى قَدْرِ النَّاقِصِ لِعَدَمِ الْجَهَالَةِ لَكِنْ مَعَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ ( وَلَمْ يَجُزْ فِي الزِّيَادَةِ ) ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَبِيعِ لَا تَرْتَفِعُ فِيهِ لِوُقُوعِ الْمُنَازَعَةِ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ الْمَبِيعَةِ مِنْ الْأَحَدَ عَشَرَ وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ ) الْبَيْعُ ( فِي فَصْلِ النُّقْصَانِ أَيْضًا ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ فِي الثِّيَابِ الْمَوْجُودَةِ قَوْلُهُمَا .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ فَسَدَ فِي الْبَعْضِ بِمُفْسِدٍ مُقَارَنٍ وَهُوَ الْعَدَمُ ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى فَسَدَ فِي الْبَعْضِ بِفَسَادٍ مُقَارَنٍ يَفْسُدُ فِي الْبَاقِي ، وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مَسْأَلَةً فِي الْجَامِعِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا وَهِيَ رَجُلٌ ( اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا هَرَوِيَّانِ ) كُلُّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ ( فَإِذَا أَحَدُهُمَا مَرْوِيٌّ ) بِسُكُونِ

الرَّاءِ نِسْبَةً إلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْكُوفَةِ ، أَمَّا النِّسْبَةُ إلَى مَرْوَ الْمَعْرُوفَةِ بِخُرَاسَانَ فَقَدْ الْتَزَمُوا فِيهَا زِيَادَةَ الزَّايِ فَيُقَالُ مَرْوَزِيُّ وَكَأَنَّهُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ ، قَالَ : فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الثَّوْبَيْنِ جَمِيعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الْهَرَوِيِّ ، وَالْفَائِتُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصِّفَةُ لَا أَصْلُ الثَّوْبِ وَقَدْ فَسَدَ فِي الْكُلِّ بِفَوَاتِهِ فَفَسَادٌ فِي الْكُلِّ وَالْفَائِتِ أَحَدُهَا أَوْلَى ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ ، وَكَذَا نَسَبَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إلَى أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا ، ثُمَّ قَالَ : وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا : يَعْنِي عَدَمَ الْفَسَادِ فِي الْبَاقِي ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُفْسِدَةِ ، وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِيمَا يَفْسُدُ فِيهِ الْعَقْدُ شَرْطًا فِي قَبُولِهِ فِي الْآخَرِ وَهُنَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا فَإِنَّهُ مَا شَرَطَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الْمَعْدُومِ وَلَا قَصَدَ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَى الْمَعْدُومِ بَلْ عَلَى الْمَوْجُودِ فَقَطْ فَغَلَطَ فِي الْعَدَدِ ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي كُلٍّ مِنْ الثَّوْبَيْنِ شَرْطًا لِقَبُولِهِ فِي الْآخَرِ وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ .
وَأَقُولُ : قَوْلُهُ مَا شَرَطَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الْمَعْدُومِ إنْ كَانَ صَرِيحًا مَعْلُومًا وَلَا يَضُرُّ ، فَإِنَّ فِي الثَّوْبَيْنِ أَيْضًا مَا شَرَطَ قَبُولَهُ فِي الْمَرْوِيِّ صَرِيحًا ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى مُتَعَدِّدِ صَفْقَةٍ كَانَ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي كُلٍّ شَرْطًا فِي قَبُولِهِ فِي الْآخَرِ كَمَا فِي الثَّوْبَيْنِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ ، فَكَانَ قَبُولُهُ فِي الْعَاشِرِ شَرْطًا لِقَبُولِهِ فِيمَا سِوَاهُ وَلَا وُجُودَ لِلْعَاشِرِ ، فَكَانَ قَبُولُهُ فِي الْمَعْدُومِ شَرْطًا إلَى آخِرِهِ .
وَحَاصِلُ قَوْلِهِ وَمَا قَصَدَهُ إلَى آخِرِهِ مَا أَشَارَ

إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ الْمَوْجُودَيْنِ الْمَوْصُوفَيْنِ بِوَصْفٍ إذَا دَخَلَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ كَانَ قَبُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِذَلِكَ الْوَصْفِ شَرْطًا لِلْقَبُولِ فِي الْآخَرِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فَاسِدًا فِي الْقَبُولِ فِي الْآخَرِ ، بِخِلَافِ مَا إذْ كَانَ مَعْدُومًا بِذَاتِهِ وَوَصْفِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ حِينَئِذٍ دَاخِلًا فِي الْعَقْدِ حَتَّى يَكُونَ قَبُولُهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ فَيَجْعَلُ ذَلِكَ غَلَطًا ، فَلَمَّا لَمْ يُجْعَلْ شَرْطًا لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ فِي الْآخَرَ .
فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَحَطَّ الْفَرْقِ فِي اعْتِبَارِ الْغَلَطِ وَعَدَمِهِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اعْتِبَارَ الْغَلَطِ إنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ فِي تِسْعَةٍ ؛ وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهَا بِعَشَرَةٍ غَلَطًا ، فَالْمُشْتَرِي لَمَّا قَبِلَ فِي عَشَرَةٍ مَا كَانَ غَالِطًا فَمَا تَلَاقَى الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، كَمَا لَوْ عَزَلَ تِسْعَةَ أَثْوَابٍ مِنْ الْعَشَرَةِ وَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ التِّسْعَةَ فَقَالَ قَبِلْت فِي الْعَشَرَةِ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ فِي التِّسْعَةِ وَلَا الْعَشَرَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى غَلَطِهِ أَنَّهُ قَصَدَ الْإِيجَابَ فِي عَشَرَةٍ وَلَيْسَ فِي الْوَاقِعِ إلَّا تِسْعَةٌ لَمْ يُفْسِدْ الصِّحَّةَ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْدُومٌ وَقَدْ جَعَلَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِيهِ شَرْطًا لِقَبُولِهِ فِي التِّسْعَةِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ جَادٌّ فِي اعْتِقَادِ قِيَامِ الْعَشَرَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَاطِلًا كَمَا ذَكَرَ فِيمَنْ بَاعَ كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ حِنْطَةٌ الْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ .
وَفِي الْمُحِيطِ : رَوَى قَاضِي الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، وَفِيهِ أَبِيعُك هَذِهِ الْحِنْطَةَ عَلَى أَنَّهَا أَقَلَّ مِنْ كُرٍّ فَوَجَدَهَا كَذَلِكَ جَازَ ، إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَإِنْ وَجَدَهَا كُرًّا أَوْ أَكْثَرَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ،

وَكَذَا إذَا قَالَ عَلَى أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ كُرٍّ فَوَجَدَهَا كَذَلِكَ ، وَإِنْ وَجَدَهَا كُرًّا أَوْ دُونَهُ فَفَاسِدٌ ، وَلَوْ قَالَ كُرًّا أَوْ كُرَّيْنِ جَازَ كَيْفَ مَا كَانَ غَيْرَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْأَقَلِّ ، كَمَا لَوْ قَالَ عَلَى أَنَّهَا كُرٌّ ، وَعَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَى عِنَبًا فِي كَرْمٍ مُعَيَّنٍ عَلَى أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا مَنًّا ، وَكَذَا فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ انْتَهَى .
وَوَجْهُ الْفَسَادِ فِي الْأَكْثَرِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ الزَّائِدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْأَقَلِّ مِنْ الْكُرِّ وَالْأَكْثَرِ مِنْهُ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ لِيُعْرَفَ الزَّائِدُ عَلَيْهِ فَيُرَدُّ إلَى الْبَائِعِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ كُرًّا أَوْ كُرَّيْنِ ، وَلَا وَجْهَ لِلرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَ صُبْرَةً بِشَرْطِ أَنْ لَا تَبْلُغَ الْمِقْدَارَ الْفُلَانِيَّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

( وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَإِذَا هُوَ عَشْرَةٌ وَنِصْفٌ أَوْ تِسْعَةٌ وَنِصْفٌ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَأْخُذُهُ بِعَشْرَةٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَأْخُذُهُ بِتِسْعَةٍ إنْ شَاءَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَأْخُذُهُ بِأَحَدَ عَشَرَ إنْ شَاءَ ، وَفِي الثَّانِي يَأْخُذُ بِعَشْرَةٍ إنْ شَاءَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَأْخُذُ فِي الْأَوَّلِ بِعَشْرَةٍ وَنِصْفٍ إنْ شَاءَ ، وَفِي الثَّانِي بِتِسْعَةٍ وَنِصْفٍ وَيُخَيَّرُ ) ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ مُقَابَلَةِ الذِّرَاعِ بِالدِّرْهَمِ مُقَابَلَةُ نِصْفِهِ بِنِصْفِهِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهَا .
وَلِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَمَّا أَفْرَدَ كُلَّ ذِرَاعٍ بِبَدَلٍ نَزَلَ كُلُّ ذِرَاعٍ مَنْزِلَةَ ثَوْبٍ عَلَى حِدَةٍ وَقَدْ انْتَقَضَ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الذِّرَاعَ وَصْفٌ فِي الْأَصْلِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَ حُكْمَ الْمِقْدَارِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالذِّرَاعِ ، فَعِنْدَ عَدَمِهِ عَادَ الْحُكْمُ إلَى الْأَصْلِ .
وَقِيلَ فِي الْكِرْبَاسِ الَّذِي لَا يَتَفَاوَتُ جَوَانِبُهُ لَا يَطِيبُ لِلْمُشْتَرِي مَا زَادَ عَلَى الْمَشْرُوطِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْزُونِ حَيْثُ لَا يَضُرُّهُ الْفَصْلُ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالُوا : يَجُوزُ بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْهُ .

( قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمِ فَإِذَا هُوَ عَشَرَةٌ وَنِصْفٌ أَوْ تِسْعَةٌ وَنِصْفٌ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِعَشَرَةٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَخَذَهُ بِتِسْعَةٍ إنْ شَاءَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي الْأَوَّلِ يَأْخُذُ بِأَحَدَ عَشَرَ إنْ شَاءَ ، وَفِي الثَّانِي بِعَشَرَةٍ إنْ شَاءَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَأْخُذُهُ بِعَشَرَةٍ وَنِصْفٍ إنْ شَاءَ ، وَفِي الثَّانِي بِتِسْعَةٍ وَنِصْفٍ وَيُخَيَّرُ ) وَجْهُ قَوْلِهِ ( إنَّ مِنْ ضَرُورَةِ مُقَابَلَةِ الذِّرَاعِ بِالدِّرْهَمِ مُقَابَلَةُ نِصْفِهِ بِنِصْفِهِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُقَابَلَةِ ) ، وَحُكْمُهَا أَنْ يَجِبَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ جُزْءٍ إضَافِيٍّ مِنْ الذِّرَاعِ مِثْلُهُ مِنْ الدِّرْهَمِ فَنِصْفُ الذِّرَاعِ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ وَرُبْعُهُ بِرُبْعِهِ وَثُمُنُهُ بِثُمُنِهِ وَهَكَذَا ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَيُجَزَّأُ الدِّرْهَمُ عَلَيْهِ : أَيْ يُقَابِلُ كُلُّ جُزْءٍ لَهُ نِسْبَةٌ خَاصَّةٌ بِجُزْءٍ كَذَلِكَ مِنْ الْآخَرِ ، وَضَمِيرُ يُجَزَّأُ يَصِحُّ عَوْدُهُ إلَى كُلٍّ مِنْ الذِّرَاعِ وَالدِّرْهَمِ ، إلَّا أَنَّ الدِّرْهَمَ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ ، وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ سَلَامَةَ النِّصْفِ بِمُقَابَلَةِ ضَرَرٍ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِالْتِزَامِهِ ، وَفِي النُّقْصَانِ لِفَوَاتِ وَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ وَهُوَ وَصْفُ الْعَشَرَةِ ( وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمَّا أَفْرَدَ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ نَزَلَ كُلُّ ذِرَاعٍ مَنْزِلَةَ ثَوْبٍ مُفْرَدٍ ) بِيعَ عَلَى أَنَّهُ ذِرَاعٌ لِمَا عُرِفَ أَنَّ إفْرَادَهُ الذِّرَاعَ بِالثَّمَنِ يُخْرِجُهُ عَنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الْأَصْلِيَّةِ ، ( وَقَدْ انْتَقَصَ ) عَنْ الذِّرَاعِ فَلَا يُنْتَقَصُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ فِي الزِّيَادَةِ نَفْعًا يَشُوبُهُ ضَرَرٌ ، وَفِي النُّقْصَانِ فَوَاتَ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ ( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الذِّرَاعَ وَصْفٌ فِي الْأَصْلِ ،

وَإِنَّمَا أَخَذَ حُكْمَ الْمِقْدَارِ بِالشَّرْطِ ) وَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَقُولَ : حُكْمُ الْأَصْلِ أَوْ الثَّوْبِ الْمُنْفَصِلِ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الْمِقْدَارَ أَيْضًا وَصْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَأَخْذُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ ذِرَاعًا ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يُوجَدْ مَا أَخَذَ حُكْمَ الْأَصْلِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مِنْ كَوْنِهِ وَصْفًا لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ فِي فَصْلِ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ ضَرَرٌ فِي مُقَابَلَةِ الزَّائِدِ بَلْ نَفْعٌ خَالِصٌ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مَعِيبًا فَوَجَدَهُ سَلِيمًا ، وَيَتَخَيَّرُ فِي النُّقْصَانِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ ، ثُمَّ مِنْ الشَّارِحِينَ مَنْ اخْتَارَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ ، وَفِي الذَّخِيرَةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَصَحُّ ، وَذَكَرَ حَاصِلَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَهُ .
وَفِي قَوْلِهِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ ذِرَاعًا إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ أَجْزَاءُ الدِّرْهَمِ عَلَى أَجْزَاءِ الذِّرَاعِ فَقَالَ هَذَا إذَا كَانَ تَمَامُ الذِّرَاعِ مَوْجُودًا وَالْمَوْجُودُ هُنَا بَعْضُهُ وَبَعْضُهُ لَيْسَ كُلَّهُ فَكَانَ لِلْبَعْضِ مِنْهُ حُكْمُ الْوَصْفِ لِانْعِدَامِ الْمُقَابَلَةِ

( فَصْلٌ ) .
( وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَلَ بِنَاؤُهَا فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ ، لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَتَنَاوَلُ الْعَرْصَةَ وَالْبِنَاءَ فِي الْعُرْفِ ) وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ قَرَارٍ فَيَكُونُ تَبَعًا لَهُ .
.
.

( فَصْلٌ ) .
لَمَّا ذَكَرَ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَمَا لَا يَنْعَقِدُ ذَكَرَ مَا يَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ مِمَّا لَمْ يُسَمَّ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ ، وَاسْتَتْبَعَ مَا يَخْرُجُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرَ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ دَارًا إلَخْ ) فِي الْمُحِيطِ : الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي الدَّارِ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ مُتَّصِلًا بِالْبِنَاءِ تَبَعٌ لَهَا فَيَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا كَالسَّالِمِ الْمُتَّصِلِ وَالسِّوَارِ وَالدَّرَجِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْفَلِ مِنْ الرَّحَى ، وَيَدْخُلُ الْحَجَرُ الْأَعْلَى عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا ، وَالْمُرَادُ بِحَجَرِ الرَّحَى الْمَبْنِيَّةِ فِي الدَّارِ ، وَهَذَا مُتَعَارَفٌ فِي دِيَارِهِمْ ، أَمَّا فِي دِيَارِ مِصْرَ لَا تَدْخُلُ رَحَا الْيَدِ ؛ لِأَنَّهَا بِحَجَرَيْهَا تُنْقَلُ وَتُحَوَّلُ وَلَا تُبْنَى فَهِيَ كَالْبَابِ الْمَوْضُوعِ ، وَالْبَابُ الْمَوْضُوعُ لَا يَدْخُلُ بِالِاتِّفَاقِ فِي بَيْعِ الدَّارِ .
نَعَمْ لَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ هَذَا مِلْكِي وَضَعْته فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي .
وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى دُخُولِ الْبِنَاءِ ( بِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَتَنَاوَلُ الْعَرْصَةَ وَالْبِنَاءَ بِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ قَرَارٍ ) وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِمَسْأَلَةِ الْحَلِفِ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا بَعْدَمَا انْهَدَمَ بِنَاؤُهَا يَحْنَثُ ، فَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ مِنْ مُسَمَّى لَفْظِ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ ، وَهَذَا لَوْ أُبْطِلَ التَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ لَا يَضُرُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الْحُكْمِ لِثُبُوتِ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى .
ثُمَّ أُجِيبَ بِأَنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ فِيهَا وَهُوَ لَغْوٌ فِي الْمُعَيَّنَةِ فَكَأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الدُّخُولِ فِي هَذَا الْمَكَانِ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الَّتِي تُسَمَّى الْآنَ دَارًا فَلَا يَتَقَيَّدُ الدُّخُولُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهَا دَارًا وَقْتَ الدُّخُولِ ، وَتَدْخُلُ الْبِئْرُ الْكَائِنَةُ فِي الدَّارِ ،

وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا بَكَرَةٌ تَدْخُلُ ، وَلَا يَدْخُلُ الدَّلْوُ وَالْحَبْلُ الْمُعَلَّقَانِ عَلَيْهَا إلَّا إنْ كَانَ قَالَ بِمَرَافِقِهَا ، وَيَدْخُلُ الْبُسْتَانُ الَّذِي فِي الدَّارِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الدَّارِ لَا يَدْخُلُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَابٌ فِي الدَّارِ قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْ الدَّارِ وَمِفْتَحُهُ فِيهَا يَدْخُلُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ أَوْ مِثْلَهَا لَا يَدْخُلُ ، وَقِيلَ إنْ صَغُرَ دَخَلَ وَإِلَّا لَا .
وَقِيلَ يُحَكَّمُ الثَّمَنُ .
وَفِي الْمُنْتَقَى : اشْتَرَى حَائِطًا يَدْخُلُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْأَرْضِ ، وَكَذَا فِي التُّحْفَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ .
وَفِي الْمُحِيطِ جَعَلَهُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لَا يَدْخُلُ ، وَأَمَّا أَسَاسُهُ قَبْلَ الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الْحَائِطِ حَقِيقَةً ، وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْحَمَّامِ الْقُدُورُ دُونَ قِصَاعِهِ ، وَأَمَّا قِدْرُ الْقَصَّارِينَ وَالصَّبَّاغِينَ وَأَجَاجِينُ الْغَسَّالِينَ وَخَوَابِي الزَّيَّاتِينَ وَحُبَّابُهُمْ وَدِنَانُهُمْ وَجِذْعُ الْقَصَّارِ الَّذِي يَدُقُّ عَلَيْهِ الْمُثَبَّتُ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ فَلَا يَدْخُلُ ، وَإِنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا .
قُلْت : يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ كَمَا إذَا قَالَ بِمَرَافِقِهَا ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ وَنَحْوُهُ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْحُقُوقِ .

[ فُرُوعٌ ] بَاعَ فَرَسًا دَخَلَ الْعَذَارَ تَحْتَ الْبَيْعِ وَالزِّمَامُ فِي بَيْعِ الْبَعِيرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ مَا إذَا بَاعَ فَرَسًا وَعَلَيْهِ سَرْجٌ ، قِيلَ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ أَوْ يُحَكَّمُ الثَّمَنُ ؛ وَلَوْ بَاعَ حِمَارًا قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ : لَا يَدْخُلُ الْإِكَافُ بِلَا شَرْطٍ وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ مُوكَفًا أَوْ غَيْرَ مُوكَفٍ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، فَالْإِكَافُ فِيهِ كَالسَّرْجِ فِي الْفَرَسِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَدْخُلُ الْإِكَافُ وَالْبَرْذعَةُ تَحْتَ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوكَفٍ وَقْتَ الْبَيْعِ ، وَإِذَا دَخَلَا بِلَا ذِكْرٍ كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ مَا قُلْنَا فِي ثَوْبِ الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ ، وَلَا يَدْخُلُ الْمِقْوَدُ فِي بَيْعِ الْحِمَارِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْقَادُ دُونَهُ ، بِخِلَافِ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ وَلْيُتَأَمَّلْ فِي هَذَا .
بَاعَ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً كَانَ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ الْكِسْوَةِ قَدْرَ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ ، فَإِنْ بِيعَتْ فِي ثِيَابِ مِثْلِهَا دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُمْسِكَ تِلْكَ الثِّيَابَ وَيَدْفَعَ غَيْرَهَا مِنْ ثِيَابِ مِثْلِهَا يُسْتَحَقُّ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَا يَكُونُ لِلثِّيَابِ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ ، حَتَّى لَوْ اُسْتُحِقَّ الثَّوْبُ أَوْ وُجِدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الثَّوْبَ ؛ وَلَوْ هَلَكَ الثِّيَابُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ تَعَيَّبَتْ ثُمَّ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِعَيْبٍ رَدَّهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الثَّوْبَ بِالْبَيْعِ فَلَا يَكُونُ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي مِنْ رَجُلٍ لَهُ أَرْضٌ وَفِيهَا نَخْلٌ لِغَيْرِهِ فَبَاعَهُمَا رَبُّ الْأَرْضِ بِإِذْنِ الْآخَرِ بِأَلْفٍ وَقِيمَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ ، فَلَوْ هَلَكَ النَّخْلُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ التَّرْكِ وَأَخْذِ الْأَرْضِ بِكُلِّ الثَّمَنِ ؛

لِأَنَّ النَّخْلَ دَخَلَ تَبَعًا فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، ثُمَّ الثَّمَنُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ لِانْتِقَاضِ الْبَيْعِ فِي حَقِّ النَّخْلِ ، وَالثَّمَنُ كُلُّهُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ ، وَهُوَ لَهُ دُونَ التَّبَعِ .
وَلَوْ بَاعَ أَتَانًا لَهَا جَحْشٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا عُجُولٌ اُخْتُلِفَ ، قِيلَ يَدْخُلَانِ ، وَقِيلَ لَا يَدْخُلَانِ ، وَقِيلَ يَدْخُلُ الْعُجُولُ دُونَ الْجَحْشِ .
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ إنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَالَ فِي الْبَيْعِ فَمَالُهُ لِمَوْلَاهُ ، وَإِنْ بَاعَهُ مَعَ مَالِهِ بِكَذَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَالَ فَسَدَ الْبَيْعُ ، وَكَذَا لَوْ سَمَّى الْمَالَ ، وَهُوَ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ أَوْ بَعْضُهُ فَسَدَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا جَازَ الْبَيْعُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَثْمَانِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا وَكَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِهِ بِأَنْ كَانَ دَرَاهِمَ وَالثَّمَنُ كَذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْعَبْدِ بِلَا ثَمَنٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ بِأَنْ كَانَ دَرَاهِمَ وَمَالُ الْعَبْدِ دَنَانِيرُ أَوْ بِالْقَلْبِ جَازَ إذَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ ؛ وَكَذَا لَوْ قَبَضَ مَالَ الْعَبْدِ ، وَنَقَدَ حِصَّتَهُ فَقَطْ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي مَالِ الْعَبْدِ .
اشْتَرَى دَارًا فَوَجَدَ فِي بَعْضِ جُذُوعِهَا مَالًا ، وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ هُوَ لِي كَانَ لَهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا وَصَلَتْ إلَى الْمُشْتَرِي مِنْهُ ، وَإِنْ قَالَ : لَيْسَ لِي كَانَ كَاللُّقَطَةِ .
وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ عُلُوٍّ وَسُفْلٍ لِآخَرَ بِعْت مِنْك عُلُوَّ هَذَا بِكَذَا فَقَبِلَ جَازَ وَيَكُونُ سَطْحُ السُّفْلِ لِصَاحِبِ السُّفْلِ وَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْقَرَارِ عَلَيْهِ .

( وَمَنْ بَاعَ أَرْضًا دَخَلَ مَا فِيهَا مِنْ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ ) لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا لِلْقَرَارِ فَأَشْبَهَ الْبِنَاءَ ( وَلَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ ) لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا لِلْفَصْلِ فَشَابَهَ الْمَتَاعَ الَّذِي فِيهَا .
.

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ أَرْضًا دَخَلَ مَا فِيهَا مِنْ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ قَرَارٍ فَأَشْبَهَ الْبِنَاءَ ) وَلَمْ يُفَصِّلْ مُحَمَّدٌ بَيْنَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ وَغَيْرِ الْمُثْمِرَةِ وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ ، فَكَانَ الْحَقُّ دُخُولَ الْكُلِّ ، خِلَافًا لِمَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّ غَيْرَ الْمُثْمِرَةِ لَا تَدْخُلُ إلَّا بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُغْرَسُ لِلْقَرَارِ بَلْ لِلْقَلْعِ إذَا كَبُرَ خَشَبُهَا فَصَارَتْ كَالزَّرْعِ وَلِمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تَدْخُلُ .
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا ، وَفِيهَا أَشْجَارٌ صِغَارٌ تُحَوَّلُ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ وَتُبَاعُ ، إنْ كَانَتْ تُقْلَعُ مِنْ أَصْلِهَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَتْ تُقْطَعُ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ فَهِيَ لِلْبَائِعِ إلَّا بِشَرْطٍ .
نَعَمْ الشَّجَرَةُ الْيَابِسَةُ لَا تَدْخُلُ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى شَرَفِ الْقَلْعِ فَهِيَ كَحَطَبٍ مَوْضُوعٍ فِيهَا ، وَلَا يَدْخُلُ الشُّرْبُ وَالطَّرِيقُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَالدَّارِ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ ، وَكَذَا فِي الْإِقْرَارِ وَالصُّلْحِ وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، وَيَدْخُلَانِ فِي الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْوَقْفِ وَالْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلِانْتِفَاعِ وَلَا انْتِفَاعَ بِدُونِهِمَا ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُعْقَدُ لَمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَقَدْ يُرَادُ بِهِ الِانْتِفَاعُ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا ، وَلَا يَدْخُلُ الثَّمَرُ الَّذِي عَلَى رُءُوسِ الْأَشْجَارِ إلَّا بِالشَّرْطِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الْأَوْرَاقِ وَأَوْرَاقِ الْفِرْصَادِ وَالتُّوتِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الشَّجَرِ ثِمَارٌ فَشَرَطَهُ الْمُشْتَرِي لَهُ فَأَكَلَ الْبَائِعُ سَقَطَتْ حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فِي الصَّحِيحِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى شَاةً بِعَشْرَةٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي خَمْسَةً فَأَكَلَهُ الْبَائِعُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَلْزَمُهُ الشَّاةُ بِخَمْسَةٍ وَلَا خِيَارَ لَهُ وَالْفَرْقُ

غَيْرُ خَافٍ ؛ وَكَمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ أَشْيَاءُ بِلَا تَسْمِيَةٍ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ تَبَعًا كَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْهُ أَشْيَاءُ بِلَا تَسْمِيَةٍ ، كَمَا إذَا بَاعَ قَرْيَةً يُخْرِجُ مِنْهَا الطَّرِيقَ وَالْمَسَاجِدَ وَالْفَارِقَيْنِ وَسُورَ الْقَرْيَةِ ؛ لِأَنَّ السُّورَ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ .
وَفِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْخُلَاصَةِ : بَاعَ قَرْيَةً وَفِيهَا مَسْجِدٌ وَاسْتَثْنَاهُ هَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْحُدُودِ ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ ، وَاسْتَثْنَى الْحِيَاضَ ، وَفِي الْمَقْبَرَةِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ إلَّا أَنْ تَكُونَ رَبْوَةً ( قَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا لِلْفَصْلِ ) أَيْ لِفَصْلِ الْآدَمِيِّ إيَّاهَا لِانْتِفَاعِهِ بِهَا ( فَشَابَهَ الْمَتَاعَ الَّذِي فِيهِ ) أَيْ فِي الْمَبِيعِ ، فَانْدَفَعَ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعِ الْجَارِيَةِ الْحَامِلِ وَنَحْوِ الْبَقَرَةِ الْحَامِلِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ حَمْلُهَا فِي الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ لِلْفَصْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ فَصْلُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَبَادِرٌ فَتَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ ، وَأَيْضًا الْأُمُّ وَمَا فِي بَطْنِهَا مُجَانِسٌ مُتَّصِلٌ فَيَدْخُلُ بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ لَيْسَ مُجَانِسًا لِلْأَرْضِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْجُزْئِيَّةِ لِيَدْخُلَ بِذِكْرِ الْأَصْلِ ، فَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ اتِّصَالُهُ لِلْقَرَارِ كَمَا فِي الشَّجَرِ كَانَ مُتَّصِلًا لِلْحَالِ ، وَفِي ثَانِي الْحَالِ فَيَدْخُلُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ لَا الْجِنْسِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ اتِّصَالًا لِلْفَصْلِ فِي ثَانِي الْحَالِ كَالزَّرْعِ يُجْعَلُ مُنْفَصِلًا فَلَا يَدْخُلُ .
فَإِنْ قِيلَ : يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ ؛ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ قَائِمٌ فِي الْحَالِ ، وَالِانْفِصَالُ مَعْدُومٌ فِيهِ فَيَتَرَجَّحُ الْمَوْجُودُ عَلَى الْمَعْدُومِ .
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلدُّخُولِ إمَّا شُمُولُ حَقِيقَةِ الْمُسَمَّى فِي الْبَيْعِ

لَهُ أَوْ تَبَعِيَّتُهُ لَهُ .
وَالتَّبَعِيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرَّ الِاتِّصَالِ بِهِ لَا مُجَرَّدَ اتِّصَالِهِ الْحَالِيِّ مَعَ أَنَّهُ بِعَرْضِيَّةِ الْفَصْلِ وَانْتِفَاءِ الْمُجَانَسَةِ ظَاهِرٌ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مُوجِبُ الدُّخُولِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } وَلِأَنَّ الِاتِّصَالَ وَإِنْ كَانَ خِلْقَةً فَهُوَ لِلْقَطْعِ لَا لِلْبَقَاءِ فَصَارَ كَالزَّرْعِ .
( وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ اقْطَعْهَا وَسَلِّمْ الْمَبِيعَ ) وَكَذَا إذَا كَانَ فِيهَا زَرْعٌ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْبَائِعِ فَكَانَ عَلَيْهِ تَفْرِيغُهُ وَتَسْلِيمُهُ ، كَمَا إذَا كَانَ فِيهِ مَتَاعٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُتْرَكُ حَتَّى يَظْهَرَ صَلَاحُ الثَّمَرِ وَيُسْتَحْصَدُ الزَّرْعُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ التَّسْلِيمُ الْمُعْتَادُ ، وَالْمُعْتَادُ أَنْ لَا يُقْطَعَ كَذَلِكَ وَصَارَ كَمَا إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ .
وَقُلْنَا : هُنَاكَ التَّسْلِيمُ وَاجِبٌ أَيْضًا حَتَّى يُتْرَكَ بِأَجْرٍ ، وَتَسْلِيمُ الْعِوَضِ كَتَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ ، .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الثَّمَرُ بِحَالٍ لَهُ قِيمَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحِيحِ وَيَكُونُ فِي الْحَالَيْنِ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فَلَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الشَّجَرِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ .
.

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ) لِنَفْسِهِ : أَيْ يَشْتَرِي الشَّجَرَةَ مَعَ الثَّمَرَةِ الَّتِي فَوْقَهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَبَّرَةِ وَغَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ فِي كَوْنِهَا لِلْبَائِعِ إلَّا بِالشَّرْطِ ، وَيَدْخُلُ فِي الثَّمَرَةِ الْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ وَالْخِلَافُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْمَشْمُومَاتِ فَالْكُلُّ لِلْبَائِعِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ يُشْتَرَطُ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ التَّأْبِيرُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُبِّرَتْ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي .
وَالتَّأْبِيرُ : وَالتَّلْقِيحُ ، وَهُوَ أَنْ يُشَقَّ عَنَاقِيدُ الْكُمِّ وَيَذُرَّ فِيهَا مِنْ طَلْعِ الْفَحْلِ فَإِنَّهُ يُصْلِحُ ثَمَرَ إنَاثِ النَّخْلِ ، لِمَا رَوَى أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ، وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ { مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ يُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } وَحَاصِلُهُ اسْتِدْلَالٌ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ ، فَمَنْ قَالَ بِهِ يَلْزَمُهُ وَأَهْلُ الْمَذْهَبِ يَنْفُونَ حُجِّيَّتَهُ .
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شُفْعَةِ الْأَصْلِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُؤَبَّرِ وَغَيْرِ الْمُؤَبَّرِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ .
وَمَا قِيلَ إنَّ مَرْوِيَّهُمْ تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَّاهُ ، إنَّمَا يَلْزَمُهُمْ لَوْ كَانَ لَقَبًا لِيَكُونَ مَفْهُومَ لَقَبٍ لَكِنَّهُ صِفَةٌ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُمْ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهُمْ يَحْمِلُونَ الْمُطْلَقَ عَلَى

الْمُقَيَّدِ ، وَعَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ أَيْضًا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْوَجْهِ الْقِيَاسُ عَلَى الزَّرْعِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ مُتَّصِلٌ لِلْقَطْعِ لَا الْبَقَاءِ فَصَارَ كَالزَّرْعِ ، وَهُوَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ ، وَهُمْ يُقَدِّمُونَ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَفْهُومِ إذَا تَعَارَضَا ، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْإِبَارُ عَلَى الْإِثْمَارِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَخِّرُونَهُ عَنْهُ فَكَانَ الْإِبَارُ عَلَامَةَ الْإِثْمَارِ فَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ نَخْلًا مُؤَبَّرًا : يَعْنِي مُثْمِرًا ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ أَنَّ الثَّمَرَةَ مُطْلَقًا لِلْمُشْتَرِي بَعِيدٌ إذْ يُضَادُّ الْأَحَادِيثَ الْمَشْهُورَةَ وَإِذَا ) كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ ( يُقَالُ لَهُ اقْطَعْهَا وَسَلِّمْ الْمَبِيعَ ) ، وَكَذَا إذَا كَانَ فِيهَا زَرْعٌ ( يُقَالُ لَهُ اقْلَعْهُ ) وَسَلِّمْ الْمَبِيعَ ( لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْبَائِعِ فَكَانَ عَلَيْهِ تَفْرِيغُهُ وَتَسْلِيمُهُ ، كَمَا إذَا كَانَ فِيهِ مَتَاعٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُتْرَكُ حَتَّى يَظْهَرَ صَلَاحُ الثَّمَرِ وَيُسْتَحْصَدُ الزَّرْعُ ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ( لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّسْلِيمُ الْمُعْتَادُ ) وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِي الدَّارِ تَسْلِيمُهَا فِي الْحَالِ إذَا بِيعَتْ لَيْلًا أَوْ كَانَ لَهُ فِيهَا مَتَاعٌ بَلْ يَنْتَظِرُ طُلُوعَ النَّهَارِ وَوُجُودَ الْحَمَّالِينَ ( وَفِي الْعَادَةِ لَا يُقْطَعُ إلَّا بَعْدَمَا قُلْنَا وَصَارَ كَمَا إذَا انْقَطَعَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ ) فَإِنَّهُ يُتْرَكُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ رَضِيَ الْمُؤَجِّرُ أَوْ لَمْ يَرْضَ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُبَالِي بِتَضَرُّرِ الْمُشْتَرِي بِالِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ بِلَا عِوَضٍ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقْدَمَ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْعَادَةُ مَا ذَكَرْنَا كَانَ مُلْتَزِمًا لِلضَّرَرِ الْمَذْكُورِ ، وَيُقَالُ اسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ يَسْتَحْصِدُ بِكَسْرِ الصَّادِ : جَاءَ وَقْتُ حَصَادِهِ .
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ ( بِأَنَّ هُنَاكَ ) أَيْ فِي

الْإِجَارَةِ ( أَيْضًا يَجِبُ التَّسْلِيمُ ) وَلِذَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ فِي التَّبْقِيَةِ ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْعِوَضِ تَسْلِيمُ الْمُعَوَّضِ ، وَلَا بُدَّ فِي تَمَامِهِ مِنْ التَّسْلِيمِ الْمُعْتَادِ فِي الْإِجَارَةِ التَّبْقِيَةُ بِالْأُجْرَةِ وَعَدَمُ تَسْلِيمِ عَيْنِ الْأَرْضِ فِي الْحَالِ وَإِلَّا لَوْ لَمْ يَرْضَ الْمُؤَجِّرُ بِالتَّبْقِيَةِ وَأَخَذَ الْأُجْرَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ أَنْ يَقْلَعَهُ فِي الْحَالِ ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، فَظَهَرَ أَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُعْتَادَ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ ، ثُمَّ يَقُولُ هُوَ فِي الْبَيْعِ بِتَرْكِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَا مَجَّانًا ، وَفِي الْإِجَارَةِ بِتَرْكِهِ بِأَجْرٍ وَلَا مَخْلَصَ مِنْ هَذَا إلَّا أَنْ يَتِمَّ مَنْعُ أَنَّهُ مُعْتَادٌ فِي الْبَيْعِ كَذَلِكَ ، وَإِلَّا فَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ بِأَنَّ إقْدَامَ الْبَائِعِ عَلَى الْبَيْعِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْمُبْتَاعَ يُطَالِبُهُ بِتَفْرِيغِ مِلْكِهِ وَتَسْلِيمِهِ فَارِغًا دَلَالَةُ الرِّضَا بِقَطْعِهِ فَلَمْ تَجِبْ رِعَايَةُ جَانِبِهِ بِتَبْقِيَةِ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِقَطْعِ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ فَوَجَبَ رِعَايَةُ جَانِبِهِ بِتَبْقِيَتِهِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ بِالْأُجْرَةِ ، اُتُّجِهَ أَنْ يُقَالَ : إنَّمَا يَكُونُ إقْدَامُهُ عَلَى الْبَيْعِ رِضًا بِالْقَطْعِ فِي الْحَالِ لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ إلَى الصَّلَاحِ مُعْتَادًا ، أَمَّا إذَا كَانَ مُعْتَادًا فَلَا ، وَقَدْ مَنَعَتْ الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ بِذَلِكَ بَلْ هِيَ مُشْتَرَكَةٌ ، فَقَدْ يَتْرُكُونَ وَقَدْ يَبِيعُونَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ هَلْ تَدْخُلُ أَرْضُ الشَّجَرِ فِي الْبَيْعِ بِبَيْعِهَا إنْ اشْتَرَاهَا لِلْقَطْعِ ؟ لَا تَدْخُلُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بَيْعًا مُطْلَقًا لَا تَدْخُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ وَالشَّجَرَ تَبَعٌ ، فَلَا يَنْقَلِبُ الْأَصْلُ تَبَعًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ

أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ : يَدْخُلُ مَا تَحْتَهَا بِقَدْرِ غِلَظِ سَاقِهَا .
وَفِي جَمْعِ النَّوَازِلِ وَالْفَتَاوَى الصُّغْرَى : وَهُوَ الْمُخْتَارُ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الشَّجَرَ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُسْتَقِرِّ عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِلَّا فَهُوَ جِذْعٌ وَحَطَبٌ فَيَدْخُلُ مِنْ الْأَرْضِ مَا يَتِمُّ بِهِ حَقِيقَةُ اسْمِهَا فَهُوَ دُخُولٌ بِالضَّرُورَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا ، وَقِيلَ قَدْرُ سَاقِهَا ، وَقِيلَ بِقَدْرِ ظِلِّهَا عِنْدَ الزَّوَالِ ، وَقِيلَ بِقَدْرِ عُرُوقِهَا الْعِظَامِ ، وَلَوْ شَرَطَ قَدْرًا فَعَلَى مَا شَرَطَ .
وَقَوْلُهُ ( وَلَا فَرْقَ ) بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ أَوْ لَا فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الْبَعْضِ إنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ يَدْخُلُ ، وَالصَّحِيحُ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَالَتَيْنِ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَعَلَّلَهُ أَنَّ بَيْعَهُ يَصِحُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ لِلْقَرَارِ ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَيْسَ لِلْقَرَارِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُنْفَرِدًا وَلَكِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَرَارِ .

وَأَمَّا إذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ وَقَدْ بَذَرَ فِيهَا صَاحِبُهَا وَلَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ لَمْ يَدْخُلُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا كَالْمَتَاعِ ، .
وَلَوْ نَبَتَ وَلَمْ تَصِرْ لَهُ قِيمَةٌ فَقَدْ قِيلَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ ، وَقَدْ قِيلَ يَدْخُلُ فِيهِ ، وَكَأَنَّ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ تَنَالَهُ الْمَشَافِرُ وَالْمَنَاجِلُ ، وَلَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْهُمَا .
وَلَوْ قَالَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ لَهُ وَمِنْهَا مِنْ حُقُوقِهَا أَوْ قَالَ مِنْ مَرَافِقِهَا لَمْ يَدْخُلَا فِيهِ لِمَا قُلْنَا ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ حُقُوقِهَا أَوْ مِنْ مَرَافِقِهَا دَخَلَا فِيهِ .
وَأَمَّا الثَّمَرُ الْمَجْذُوذُ وَالزَّرْعُ الْمَحْصُودُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ .
.

( قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ وَقَدْ بَذَرَ فِيهَا صَاحِبُهَا وَلَمْ يَنْبُتْ لَمْ يَدْخُلُ ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا كَالْمَتَاعِ ) هَكَذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ ، وَكَذَا أَطْلَقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَقَيَّدَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَعْفَنْ ، أَمَّا إذَا عَفِنَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْعَفَنَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ فَصَارَ كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ .
وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا هُوَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ .
وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ : وَلَوْ عَفِنَ الْبَذْرُ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ ، وَلَوْ سَقَاهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى نَبَتَ وَلَمْ يَكُنْ عَفِنَ وَقْتَ الْبَيْعِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُتَطَوِّعٌ ؛ وَلَوْ بَاعَهَا بَعْدَمَا نَبَتَ وَلَمْ تَصِرْ لَهُ قِيمَةٌ فَقَدْ قِيلَ لَا يَدْخُلُ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ ، وَقِيلَ يَدْخُلُ ، وَلَمْ يُرَجِّحْ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا شَيْئًا وَرَجَّحَ فِي التَّجْنِيسِ قَالَ فِيهِ : قَالَ الْفَقِيهُ : لَا يَدْخُلُ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَدْخُلُ ، نَصَّ عَلَيْهِ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ وَفِي شَرْحِ الْإِسْبِيجَابِيِّ انْتَهَى .
وَقَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ هُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ .
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ، قَالَ شَيْخُ الْإِمَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ : هَذَا إذَا صَارَ الزَّرْعُ مُتَقَوِّمًا : أَيْ لَا يَدْخُلُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا يَدْخُلُ الزَّرْعُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ ، قَالَ : وَإِنَّمَا تُعْرَفُ قِيمَتُهُ بِأَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ مَبْذُورَةً وَغَيْرَ مَبْذُورَةٍ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مَبْذُورَةً أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا غَيْرَ مَبْذُورَةٍ عُلِمَ أَنَّهُ صَارَ مُتَقَوِّمًا انْتَهَى .
وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ حِكَايَةَ اتِّفَاقِ الْمَشَايِخِ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ مُطْلَقًا لَيْسَتْ وَاقِعَةً بَلْ قَوْلَانِ : عَدَمُ الدُّخُولِ مُطْلَقًا ، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَعْفَنَ فَيَدْخُلَ أَوْ لَا فَلَا ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ : تُقَوَّمُ الْأَرْضُ بِلَا

ذَلِكَ الزَّرْعِ وَبِهِ ، فَإِنْ زَادَ فَالزَّائِدُ قِيمَتُهُ ، وَأَمَّا تَقْوِيمُهَا مَبْذُورَةً وَغَيْرَ مَبْذُورَةٍ فَإِنَّمَا الْمُنَاسِبُ مَنْ يَقُولُ إذَا عَفِنَ الْبَذْرُ يَدْخُلُ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي ، وَيُعَلِّلُهُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَكَأَنَّ هَذَا ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ : يَعْنِي الِاخْتِلَافَ فِي دُخُولِ الزَّرْعِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ قِيمَةٌ وَعَدَمُهُ ( بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ تَنَالَهُ الْمَشَافِرُ وَالْمَنَاجِلُ ) مَنْ قَالَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَالَ : يَدْخُلُ ، وَمَنْ قَالَ يَجُوزُ قَالَ لَا يَدْخُلُ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الِاخْتِلَافَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى سُقُوطِ تَقَوُّمِهِ وَعَدَمِهِ ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ وَبِدُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ كِلَاهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى سُقُوطِ تَقَوُّمِهِ ، وَالْأَوْجُهُ جَوَازُ بَيْعِهِ عَلَى رَجَاءِ تَرْكِهِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَحْشِ كَمَا وُلِدَ عَلَى رَجَاءِ حَيَاتِهِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي ثَانِي الْحَالِ ( قَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ إلَخْ ) يَعْنِي إذَا بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ وَشَجَرٌ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ أَوْ بَاعَ شَجَرًا فَقَطْ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ وَقَالَ : بِعْتهَا أَوْ اشْتَرَيْتهَا بِجَمِيعِ حُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا لَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ لَهُ فِيهَا أَوْ مِنْهَا مِنْ حُقُوقِهَا أَوْ مِنْ مَرَافِقِهَا لَمْ يَدْخُلَا أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا بِعَيْنِهِ ، وَلَوْ كَانَ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ لَهُ فِيهَا أَوْ مِنْهَا أَوْ عَلَى قَوْلِهِ بِكُلِّ قَلِيلٍ فِيهَا أَوْ مِنْهَا دَخَلَا ، هَذَا فِي الْمُتَّصِلِ بِالْأَرْضِ وَالشَّجَرِ ؛ أَمَّا الثَّمَرُ الْمَجْذُوذُ وَالزَّرْعُ الْمَحْصُودُ فِيهَا فَلَا يَدْخُلُ ، وَلَوْ قَالَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ وَالْمَجْدُودُ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ

وَمُعْجَمَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ : أَيْ الْمَقْطُوعُ غَيْرَ أَنَّ الْمُهْمَلَتَيْنِ هُنَا أَوْلَى لِيُنَاسِبَ الْمَحْصُودَ .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَوْ قَدْ بَدَا جَازَ الْبَيْعُ ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ ، إمَّا لِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الثَّانِي ، وَقَدْ قِيلَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ( وَعَلَى الْمُشْتَرِي قَطْعُهَا فِي الْحَالِ ) تَفْرِيغًا لَمِلْكِ الْبَائِعِ ، وَهَذَا .
إذَا اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ( وَإِنْ شَرَطَ تَرْكَهَا عَلَى النَّخِيلِ فَسَدَ الْبَيْعُ ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَهُوَ شَغْلُ مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ هُوَ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ وَهُوَ إعَارَةٌ أَوْ إجَارَةٌ فِي بَيْعٍ ، وَكَذَا بَيْعُ الزَّرْعِ بِشَرْطِ التَّرْكِ لِمَا قُلْنَا ، وَكَذَا إذَا تَنَاهَى عِظَمُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا قُلْنَا ، وَاسْتَحْسَنَهُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْعَادَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهَا ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ الْجُزْءُ الْمَعْدُومُ وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ لِمَعْنًى فِي الْأَرْضِ أَوْ الشَّجَرِ .
وَلَوْ اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا وَتَرَكَهَا بِإِذْنِ الْبَائِعِ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ ، وَإِنْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ تَصَدَّقَ بِمَا زَادَ فِي ذَاتِهِ لِحُصُولِهِ بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ ، وَإِنْ تَرَكَهَا بَعْدَمَا تَنَاهَى عِظَمُهَا لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ .
لِأَنَّ هَذَا تَغَيُّرُ حَالَةٍ لَا تَحَقُّقُ زِيَادَةٍ ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا وَتَرَكَهَا عَلَى النَّخِيلِ وَقَدْ اسْتَأْجَرَ النَّخِيلَ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ وَالْحَاجَةِ فَبَقِيَ الْإِذْنُ مُعْتَبَرًا ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ وَاسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ إلَى أَنْ يُدْرِكَ وَتَرَكَهُ حَيْثُ لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ لِلْجَهَالَةِ فَأَوْرَثَتْ خُبْثًا ؛ .
.

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا ) لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ، وَلَا فِي عَدَمِ جَوَازِهِ بَعْدَ الظُّهُورِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِشَرْطِ التَّرْكِ ، وَلَا فِي جَوَازِهِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَلَا فِي الْجَوَازِ بَعْد بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، لَكِنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ عِنْدَنَا أَنْ تَأْمَنَ الْعَاهَةَ وَالْفَسَادَ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ ظُهُورُ النُّضْجِ وَبُدُوُّ الْحَلَاوَةِ ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَعْنَاهُ لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ؛ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَا يَجُوزُ ؛ وَعِنْدَنَا إنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْأَكْلِ وَلَا فِي عَلَفِ الدَّوَابِّ خِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ ، قِيلَ لَا يَجُوزُ ، وَنَسَبَهُ قَاضِي خَانْ لِعَامَّةِ مَشَايِخِنَا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فِي ثَانِي الْحَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي الْحَالِ .
وَقَدْ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إلَى جَوَازِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَوْ بَاعَ الثِّمَارَ فِي أَوَّلِ مَا تَطْلُعُ وَتَرَكَهَا بِإِذْنِ الْبَائِعِ حَتَّى أَدْرَكَ فَالْعُشْرُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمْ يُوجِبْ فِيهِ الْعُشْرَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَصِحَّةُ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِنَاءً عَلَى التَّعْوِيلِ عَلَى إذْنِ الْبَائِعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَرِيبٍ وَإِلَّا فَلَا انْتِفَاعَ بِهِ مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ بِاتِّفَاقِ الْمَشَايِخِ أَنْ يَبِيعَ الْكُمَّثْرَى أَوَّلَ مَا تَخْرُجُ مَعَ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ فَيَحُوزُ فِيهَا تَبَعًا لِلْأَوْرَاقِ كَأَنَّهُ وَرَقٌ كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ مُطْلَقًا ، وَيَجِبُ قَطْعُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْحَالِ ، فَإِنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَنَاهَى عِظَمُهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ

عِنْدَ الْكُلِّ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَنَاهَى عِظَمُهُ فَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ .
وَيَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ لِعُمُومِ الْبَلْوَى .
وَفِي الْمُنْتَقَى : ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ وَجْهَ قَوْلِهِمَا فِي الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَهُوَ شَغْلُ مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ هُوَ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ شَرَطَ بِلَا أُجْرَةٍ فَشَرْطُ إعَارَةٍ فِي الْبَيْعِ أَوْ بِأُجْرَةٍ فَشَرْطُ إجَارَةٍ فِيهِ ، وَمِثْلُ هَذَا بَيْعُ الزَّرْعِ بِشَرْطِ التَّرْكِ .
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْمُتَنَاهِي الِاسْتِحْسَانُ بِالتَّعَامُلِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَارَفُوا التَّعَامُلَ ، كَذَلِكَ فِيمَا تَنَاهَى عِظَمُهُ فَهُوَ شَرْطٌ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ، وَهَذَا دَعْوَى الشَّافِعِيِّ فِيمَا تَنَاهَى عِظَمُهُ وَمَا لَمْ يَتَنَاهَ أَنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُهُمْ إيَّاهُ إلَى الْجُذَاذِ .
وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ بِمَنْعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْجُزْءِ الْمَعْدُومِ ، وَهُوَ الْأَجْزَاءُ الَّتِي تَزِيدُ بِمَعْنًى مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ إلَى أَنْ يَتَنَاهَى الْعِظَمُ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَجْهَ لَا يَتِمُّ فِي الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ إلَّا بِادِّعَاءِ عَدَمِ الْعُرْفِ فِيمَا لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهُ ، إذْ الْقِيَاسُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِلشَّرْطِ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فِي الْمُتَنَاهِي وَغَيْرِهِ خَرَجَ مِنْهُ الْمُتَنَاهِي لِلتَّعَامُلِ ، فَكَوْنُ مَا لَمْ يَتَنَاهَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ إنَّمَا يَكُونُ لِعَدَمِ التَّعَامُلِ فِيهِ وَالْجُزْءُ الْمَعْدُومُ طُرِدَ ، وَلَوْ بَاعَ مَا لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهُ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ ثُمَّ تَرَكَهُ ، فَإِمَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ إذْنًا مُجَرَّدًا ، أَوْ بِإِذْنٍ فِي ضِمْنِ الْإِجَارَةِ بِأَنْ اسْتَأْجَرَ الْأَشْجَارَ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ ، أَوْ بِلَا إذْنٍ فَفِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ وَالْأَكْلُ ، أَمَّا فِي الْإِذْنِ الْمُجَرَّدِ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا فِي الْإِجَارَةِ ؛ فَلِأَنَّهَا إجَارَةٌ بَاطِلَةٌ

لِعَدَمِ التَّعَارُفِ فِي إجَارَةِ الْأَشْجَارِ وَالْحَاجَةِ ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ لَيْسَتْ بِمُتَعَيِّنَةٍ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَخْلَصٌ إلَّا بِالِاسْتِئْجَارِ ، وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ الثِّمَارَ مَعَ أُصُولِهَا فَيَتْرُكَهَا عَلَيْهَا .
وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ الْعُسْرِ فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي شِرَاءَ مَا لَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهِ أَوْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ ، وَقَدْ لَا يُوَافِقُهُ الْبَائِعُ عَلَى بَيْعِ الْأَشْجَارِ ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَأَصْلُ الْإِجَارَةِ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ فِيهَا الْبُطْلَانُ ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَجَازَهَا لِلْحَاجَةِ فِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ ، وَلَا تَعَامُلَ فِي إجَارَةِ الْأَشْجَارِ الْمُجَرَّدَةِ فَلَا يَجُوزُ ، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَشْجَارًا لِيُجَفِّفَ عَلَيْهَا ثِيَابَهُ لَا يَجُوزُ ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ .
وَإِذَا بَطَلَتْ بَقِيَ الْإِذْنُ مُعْتَبَرًا فَيَطِيبُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ وَاسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ إلَى أَنْ يُدْرِكَ حَيْثُ لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ هُنَا فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ يَجُوزُ إجَارَتُهَا ، وَإِنَّمَا فَسَدَتْ لِجَهَالَةِ الْأَجَلِ فَأَوْرَثَ خُبْثًا أَمَّا هُنَا الْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ وَالْبَاطِلُ لَا وُجُودَ لَهُ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا الْإِذْنُ فَطَابَ ، أَمَّا الْفَاسِدُ فَلَهُ وُجُودٌ فَكَانَ الْإِذْنُ ثَابِتًا فِي ضِمْنِهِ بِاعْتِبَارِهِ فَمُنِعَ ، وَهُنَا صَارَ الْإِذْنُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ عُذْرِهِ بِالْجَهْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِبُطْلَانِ الْإِجَارَةِ .
وَفِي الثَّالِثَةِ لَا يَطِيبُ لَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ ، أَمَّا إذَا بَاعَ مَا تَنَاهَى عِظَمُهُ فَتَرَكَهُ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزْدَدْ فِي ذَاتِهَا شَيْءٌ ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( ؛ لِأَنَّ هَذَا تَغَيُّرُ حَالَةٍ لَا تَحَقُّقُ زِيَادَةٍ ) أَيْ تَغَيُّرٌ مِنْ وَصْفٍ إلَى آخَرَ بِوَاسِطَةِ إنْضَاجِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ ، نَعَمْ عَلَيْهِ إثْمُ غَصْبِ الْمَنْفَعَةِ

يَتَعَلَّقُ بِهِ لَا بِالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ بِإِثْبَاتِ خُبْثٍ فِيهَا .
وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ فِي الْخِلَافِيَّةِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَعَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ .
قِيلَ : وَمَا تَزْهُو ؟ قَالَ : تَحْمَارُّ أَوْ تَصْفَارُّ } خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا .
وَكَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ : حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا } وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : الْحَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ .
رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ .
وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ اشْتَرَى نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } فَجَعَلَهُ لِلْمُشْتَرِي بِالشَّرْطِ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ دُخُولَهُ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الْمُبْتَاعِ بِكَوْنِهِ بَدَا صَلَاحُهُ .
وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ { ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَةَ حَائِطٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَالَجَهُ وَقَامَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ ، فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ أَوْ يُقِيلَهُ ، فَحَلَفَ لَا يَفْعَلُ فَذَهَبْت بِالْمُشْتَرِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : يَأْبَى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هُوَ لَهُ } وَلَوْلَا صِحَّةُ الْبَيْعِ لَمْ تَتَرَتَّبْ الْإِقَالَةُ

عَلَيْهِ .
أَمَّا النَّهْيُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ قَدْ تَرَكُوا ظَاهِرَهُ ، فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا الْبَيْعَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ صَرِيحَةٌ لِمَنْطُوقِهِ ، فَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ إنْ لَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ تَعْلِيلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ } فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِهَا مُدْرَكَةً ، قَبْلَ الْإِدْرَاكِ وَمُزْهِيَةً قَبْلَ الزَّهْوِ .
وَقَدْ فَسَّرَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَهْوَهَا بِأَنْ تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ ، وَفَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ بِأَنْ تَأْمَنَ الْعَاهَةَ ، فَكَانَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِهَا مُحْمَرَّةً قَبْلَ الِاحْمِرَارِ وَمُصْفَرَّةً قَبْلَ الِاصْفِرَارِ أَوْ آمِنَةً مِنْ الْعَاهَةِ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَنَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ النَّاسَ يَبِيعُونَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ تُقْطَعَ ، فَنَهَى عَنْ هَذَا الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ تُوجَدَ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَهُوَ لَا يَكُونُ عِنَبًا قَبْلَ السَّوَادِ يُفِيدُهُ فَإِنَّهُ قَبْلَهُ حِصْرِمٌ ، فَكَانَ مَعْنَاهُ عَلَى الْقَطْعِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ عِنَبًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ عِنَبًا ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِشَرْطِ التَّرْكِ إلَى أَنْ يَبْدُوَ الصَّلَاحُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ { أَرَأَيْت لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ } فَالْمَعْنَى إذَا بِعْتُمُوهُ عِنَبًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ عِنَبًا بِشَرْطِ التَّرْكِ إلَى أَنْ يَصِيرَ عِنَبًا فَمَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَلَمْ يَصِرْ عِنَبًا بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ يَعْنِي الْبَائِعُ مَالَ أَخِيهِ الْمُشْتَرِي ، وَالْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلنَّهْيِ ، وَإِذَا صَارَ

مَحَلُّ النَّهْيِ بَيْعَهَا بِشَرْطِ تَرْكِهَا إلَى أَنْ تَصْلُحَ فَقَدْ قَضَيْنَا عُهْدَةَ هَذَا النَّهْيِ ، فَإِنَّا قَدْ أَفْسَدْنَا هَذَا الْبَيْعَ وَبَقِيَ بَيْعُهَا مُطْلَقًا غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ لِلنَّهْيِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، فَلِهَذَا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِدْلَالَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْخِلَافِيَّةِ بِالْحَدِيثِ ، وَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَنَا فِيهَا : أَعْنِي حَدِيثَ التَّأْبِيرِ سَالِمٌ عَنْ الْمُعَارِضِ ، وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ مَبِيعٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الثَّانِي إلَى آخِرِهِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ أَنَّ لَيْسَ حَدِيثُ التَّأْبِيرِ عَامًّا عَارَضَهُ خَاصٌّ وَهُوَ حَدِيثُ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَأَنَّ التَّرْجِيحَ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْخَاصِّ ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ وَحَدِيثُنَا مُبِيحٌ بَلْ لَا يَتَنَاوَلُ أَحَدُهُمَا مَا يَتَنَاوَلُ الْآخَرُ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْعَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا إمَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَهُوَ جَائِزٌ اتِّفَاقًا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلنَّهْيِ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِمَّا مُطْلَقًا فَإِذَا كَانَ حُكْمُهُ لُزُومُ الْقَطْعِ كَانَ بِمِثْلِهِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَلَمْ يَبْقَ مَحَلُّ النَّهْيِ إلَّا بَيْعُهَا بِشَرْطِ التَّرْكِ ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ فَاسِدٌ .

وَلَوْ اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا فَأَثْمَرَتْ ثَمَرًا آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمٌ فَالْقِوَامُ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ .
وَلَوْ أَثْمَرَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ لِلِاخْتِلَاطِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ ، وَكَذَا فِي الْبَاذِنْجَانِ وَالْبِطِّيخِ ، وَالْمَخْلَصُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأُصُولَ لِتَحْصُلَ الزِّيَادَةُ عَلَى مِلْكِهِ .

( وَلَوْ اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا فَأَثْمَرَتْ ثَمَرًا آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ ) فَأَشْبَهَ هَلَاكَهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ( وَلَوْ أَثْمَرَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ لِلِاخْتِلَاطِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِهِ ) مَعَ يَمِينِهِ ( لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَكَذَا فِي ) بَيْعِ ( الْبَاذِنْجَانِ وَالْبِطِّيخِ ) إذَا حَدَثَ بَعْدَ الْقَبْضِ خُرُوجُ بَعْضِهَا اشْتَرَكَا لِمَا ذَكَرْنَا .
وَكَانَ الْحَلْوَانِيُّ يُفْتِي بِجَوَازِهِ فِي الْكُلِّ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَصْحَابِنَا ، وَكَذَا حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْفَضْلِيِّ وَكَانَ يَقُولُ : الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَصْلٌ وَمَا يَحْدُثُ تَبَعٌ نَقَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ عَنْهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ عَنْهُ بِكَوْنِ الْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ يَكُونُ أَكْثَرَ بَلْ قَالَ عَنْهُ : اجْعَلْ الْمَوْجُودَ أَصْلًا فِي الْعَقْدِ وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَعًا وَقَالَ : اُسْتُحْسِنَ فِيهِ لِتَعَامُلِ النَّاسِ ، فَإِنَّهُمْ تَعَامَلُوا بَيْعَ ثِمَارِ الْكَرْمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ عَادَةٌ ظَاهِرَةٌ وَفِي نَزْعِ النَّاسِ مِنْ عَادَتِهِمْ حَرَجٌ ، وَقَدْ رَأَيْت رِوَايَةً فِي نَحْوِ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ بَيْعُ الْوَرْدِ عَلَى الْأَشْجَارِ فَإِنَّ الْوَرْدَ مُتَلَاحِقٌ ، ثُمَّ جَوَّزَ الْبَيْعَ فِي الْكُلِّ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْمَخْلَصُ ) مِنْ هَذِهِ اللَّوَازِمِ الصَّعْبَةِ ( أَنْ يَشْتَرِيَ ) أُصُولَ الْبَاذِنْجَانِ وَالْبِطِّيخِ وَالرُّطَبَةِ لِيَكُونَ مَا يَحْدُثُ ( عَلَى مِلْكِهِ ) وَفِي الزَّرْعِ وَالْحَشِيشِ يَشْتَرِي الْمَوْجُودَ بِبَعْضِ الثَّمَنِ وَيَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ مُدَّةً مَعْلُومَةً يَعْلَمُ غَايَةَ الْإِدْرَاكِ وَانْقِضَاءَ الْغَرَضِ فِيهَا بِبَاقِي الثَّمَنِ .
وَفِي الْأَشْجَارِ يَشْتَرِي الْمَوْجُودَ وَيُحِلُّ لَهُ الْبَائِعُ مَا يُوجَدُ ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَرْجِعَ يَفْعَلُ كَمَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْإِذْنِ فِي تَرْكِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ

الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّهُ مَتَى رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ كَانَ مَأْذُونًا فِي التَّرْكِ بِإِذْنٍ جَدِيدٍ فَيُحِلُّهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ .

قَالَ ( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةً وَيَسْتَثْنِيَ مِنْهَا ، أَرْطَالًا مَعْلُومَةً ) خِلَافًا لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مَجْهُولٌ ، .
بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ وَاسْتَثْنَى نَخْلًا مُعَيَّنًا ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ .
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالُوا هَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ ؛ أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا يَجُوزُ إيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْعَقْدِ ، وَبَيْعُ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ جَائِزٌ فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ ، بِخِلَافِ اسْتِثْنَاءِ الْحِمْلِ وَأَطْرَافِ الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ .

( قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةً وَيَسْتَثْنِي مِنْهَا أَرْطَالًا مَعْلُومَةً خِلَافًا لِمَالِكٍ ) أَجَازَهُ قِيَاسًا عَلَى اسْتِثْنَاءِ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ .
قُلْنَا : قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُشَارٍ إلَيْهِ ، وَلَا مَعْلُومُ الْكَيْلِ الْمَخْصُوصِ فَكَانَ مَجْهُولًا ، بِخِلَافِ الْبَاقِي بَعْدَ إخْرَاجِ الشَّجَرَةِ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ مُفْرَزٌ بِالْإِشَارَةِ ( قَالُوا : هَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ) .
وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّعْلِيلِ لَا يَرِدُ مَا قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْبَيْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ إخْرَاجِ الْمُسْتَثْنَى فَظَاهِرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْرَقٌ فَيَبْقَى الْكُلُّ مَبِيعًا ؛ لِأَنَّ وُرُودَ هَذَا عَلَى التَّعْلِيلِ يَجُوزُ أَنْ لَا يَبْقَى بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْءٌ وَتَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ بِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ ، وَهُوَ يُوجِبُ الْفَسَادَ وَإِنْ ظَهَرَ ارْتِفَاعُهَا بِالْآخِرَةِ وَاتُّفِقَ أَنَّهُ بَقِيَ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ الْقَائِمَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْحَالِ هِيَ الْمُفْسِدَةُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ ( فَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا يَجُوزُ إيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْعَقْدِ وَبَيْعُ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ جَائِزٌ فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ بِخِلَافِ اسْتِثْنَاءِ الْحَمْلِ ) مِنْ الْجَارِيَةِ الْحَامِلِ أَوْ الشَّاةِ ( وَأَطْرَافِ الْحَيَوَانِ لَا يَجُوزُ ) كَمَا إذَا بَاعَ هَذِهِ الشَّاةَ إلَّا أَلْيَتَهَا وَهَذَا الْعَبْدَ إلَّا يَدَهُ فَيَصِيرُ مُشْتَرَكًا مُتَمَيِّزًا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا عَلَى الشُّيُوعِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا قَالَ : يَنْبَغِي ؛ لِأَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ إفْرَادُهُ بِإِيرَادِ

الْعَقْدِ عَلَيْهِ جَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ وَيَصِيرُ الْبَاقِي مَبِيعًا إلَّا أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ أَقْيَسُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ صُبْرَةِ طَعَامٍ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّهُ أَفْسَدَ الْبَيْعَ بِجَهَالَةِ قَدْرِ الْمَبِيعِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَهُوَ لَازِمٌ فِي اسْتِثْنَاءِ أَرْطَالٍ مَعْلُومَةٍ مِمَّا عَلَى الْأَشْجَارِ وَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَى الْمُنَازَعَةِ .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ جَهَالَةٍ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ مُبْطِلَةٌ فَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنَّ مَا لَمْ يُفْضِ إلَيْهَا يَصِحُّ مَعَهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْمُنَازَعَةِ فِي الصِّحَّةِ مِنْ كَوْنِ الْبَيْعِ عَلَى حُدُودِ الشَّرْعِ ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَدْ يَتَرَاضَيَانِ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ، وَعَلَى الْبَيْعِ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ كَقُدُومِ الْحَاجِّ وَنَحْوِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مُصَحَّحًا .
وَأَمَّا مَا قِيلَ فِي تَوْجِيهِ الْمَنْعِ لَعَلَّ الْمَبِيعَ لَا يَبْلُغُ إلَّا تِلْكَ الْأَرْطَالَ فَبَعِيدٌ إذْ الْمُشَاهَدَةُ تُفِيدُ كَوْنَ تِلْكَ الْأَرْطَالِ لَا تَسْتَغْرِقُ الْكُلَّ ، وَإِلَّا فَلَا يَرْضَى الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ بِذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءِ .

( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا وَالْبَاقِلَاءِ فِي قِشْرِهِ ) وَكَذَا الْأُرْزُ وَالسِّمْسِمُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَاقِلَاءِ الْأَخْضَرِ ، وَكَذَا الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْفُسْتُقُ فِي قِشْرِهِ الْأَوَّلِ عِنْدَهُ .
وَلَهُ فِي بَيْعِ السُّنْبُلَةِ قَوْلَانِ ، وَعِنْدَنَا يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ .
لَهُ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَسْتُورٌ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ إذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ .
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُزْهِيَ ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ } ؛ وَلِأَنَّهُ حَبٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ فِي سُنْبُلِهِ كَالشَّعِيرِ وَالْجَامِعُ كَوْنُهُ مَالًا مُتَقَوِّمًا ، بِخِلَافِ تُرَابِ الصَّاغَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ جَازَ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ بَاعَهُ بِجِنْسِهِ لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِشُبْهَةِ الرِّبَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي قَدْرَ مَا فِي السَّنَابِلِ .

( قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا وَالْبَاقِلَاءِ فِي قِشْرِهِ ، وَكَذَا الْأُرْزُ وَالسِّمْسِمُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَاقِلَاءِ الْأَخْضَرِ ، وَكَذَا الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْفُسْتُقُ فِي قِشْره الْأَوَّلِ عِنْدَهُ .
وَلَهُ ) فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ ( فِي السُّنْبُلِ قَوْلَانِ ) ، وَأَجَازَ بَيْعَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ فِي سُنْبُلِهَا ( وَعِنْدَنَا يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ .
وَلَهُ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ) وَهُوَ الْمَبِيعُ ( مَسْتُورٌ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ عَلَيْهِ ) فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَتُرَابِ الصَّاغَةِ إذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ بِجَامِعِ اسْتِتَارِهِ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، وَالْمِعْوَلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ .
نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَفِي هَذَا غَرَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي قَدْرَ الْحِنْطَةِ الْكَائِنَةِ فِي السَّنَابِلِ ، وَالْمَبِيعُ مَا أُرِيدَ بِهِ إلَّا الْحَبُّ لَا السَّنَابِلُ فَرَجَعَ إلَى جَهَالَةِ قَدْرِ الْمَبِيعِ ، وَأَلْزَمَ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ اللَّوْزِ وَنَحْوِهِ فِي قِشْرِهِ الثَّانِي لَكِنَّهُ تَرَكَهُ لِلتَّعَامُلِ الْمُتَوَارَثِ ( وَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ } ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ .
وَيُقَالُ زَهَا النَّخْلُ وَالثَّمَرُ يَزْهُو وَأَزْهَى يُزْهِي لُغَةً ، فَفِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ الزَّهْوِ لُغَتَانِ .
وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الرُّبَاعِيَّةَ يُزْهِي كَمَا نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُ عَنْ الْغَيْرِ إنْكَارَ يَزْهُو الثُّلَاثِيَّةِ .
لَا يُقَالُ : أَنْتُمْ لَمْ تَعْمَلُوا بِصَدْرِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّا عَامِلُونَ وَأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى انْحِطَاطِ النَّهْيِ عَلَى بَيْعِهَا بِشَرْطِ التَّرْكِ إلَى الزَّهْوِ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مَعْلُومٌ ( فَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَالشَّعِيرِ فِي سُنْبُلِهِ ) بِخِلَافِ بَيْعِهِ بِمِثْلِهِ فِي سُنْبُلِ الْحِنْطَةِ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا ، أَمَّا أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَظَاهِرٌ .

وَأَمَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ ؛ فَلِأَنَّهُ مُشَارٌ إلَيْهِ وَبِالْإِشَارَةِ كِفَايَةٌ فِي التَّعْرِيفِ ، إذْ الْمَانِعُ مِنْ رُؤْيَةِ عَيْنِهَا لَا يُخِلُّ بِدَرْكِ قَدْرِهِ فِي الْجَهَالَةِ ، وَلَيْسَ مَعْرِفَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ شَرْطًا وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُ الصُّبْرَةِ الْمُشَاهَدَةِ .
وَأَوْرَدَ الْمُطَالَبَةَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا بَاعَ حَبَّ قُطْنٍ فِي قُطْنٍ بِعَيْنِهِ أَوْ نَوَى تَمْرٍ فِي تَمْرٍ بِعَيْنِهِ أَيْ بَاعَ مَا فِي هَذَا الْقُطْنِ مِنْ الْحَبِّ وَمَا فِي هَذَا التَّمْرِ مِنْ النَّوَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا فِي غِلَافِهِ .
أَشَارَ أَبُو يُوسُفَ إلَى الْفَرْقِ بِأَنَّ النَّوَى هُنَاكَ مُعْتَبَرٌ عَدَمًا هَالِكًا فِي الْعُرْفِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ هَذَا تَمْرٌ وَقُطْنٌ وَلَا يُقَالُ هَذَا نَوًى فِي تَمْرِهِ وَلَا حَبٌّ فِي قُطْنِهِ وَيُقَالُ هَذِهِ حِنْطَةٌ فِي سُنْبُلِهَا وَهَذَا لَوْزٌ وَفُسْتُقٌ وَلَا يُقَالُ هَذِهِ قُشُورٌ فِيهَا لَوْزٌ وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ وَهُمْ ( بِخِلَافِ تُرَابِ الصَّاغَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا ) حَتَّى لَوْ بَاعَ بِخِلَافِ جِنْسِهِ جَازَ ، وَبِمَا ذَكَرْنَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ امْتِنَاعِ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ فِي الشَّاةِ وَالْأَلْيَةِ وَالْأَكَارِعِ وَالْجِلْدِ فِيهَا وَالدَّقِيقِ فِي الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ فِي الزَّيْتُونِ وَالْعَصِيرِ فِي الْعِنَبِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُنْعَدِمٌ فِي الْعُرْفِ .
لَا يُقَالُ : هَذَا عَصِيرٌ وَزَيْتٌ فِي مَحَلِّهِ ، وَكَذَا الْبَاقِي .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الِاسْتِخْرَاجِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ .

( وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ مَفَاتِيحُ إغْلَاقِهَا ) ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِغْلَاقُ ؛ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِيهَا لِلْبَقَاءِ وَالْمِفْتَاحُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْغَلْقِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بَعْضٍ مِنْهُ إذْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِدُونِهِ .
.
( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ مَفَاتِيحُ إغْلَاقِهَا ) الْمُرَادُ بِالْغَلْقِ مَا نُسَمِّيهِ ضَبَّةً ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مُرَكَّبَةً ؛ لِأَنَّهَا تُرَكَّبُ لِلْبَقَاءِ إلَّا إذَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً فِي الدَّارِ وَلِهَذَا لَا تَدْخُلُ الْأَقْفَالُ فِي بَيْعِ الْحَوَانِيتِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَكَّبُ ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْأَلْوَاحَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً ؛ لِأَنَّهَا فِي الْعُرْفِ كَالْأَبْوَابِ الْمُرَكَّبَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَلْوَاحِ مَا تُسَمَّى فِي عُرْفِنَا بِمِصْرَ دَرَارِيبِ الدُّكَّانِ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا عَدَمَ الدُّخُولِ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ ( وَقَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِهِ ) أُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّ شِرَاءَ الدَّارِ مَقْصُورٌ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِذَاتِهَا ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِغَرَضِ مُجَرَّدِ الْمِلْكِ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ بِوَاسِطَتِهَا أَوْ يَتَّجِرَ بِهَا ، وَلِذَا لَمَّا كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَقْصُورًا عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ أَدْخَلْنَا الطَّرِيقَ .
[ فَرْعٌ ] يُنَاسِبُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ الْبَيْعُ بِلَا تَنْصِيصٍ مِنْ الْمَالِكِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنًى آخَرَ اشْتَرَى مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ حَتَّى غَابَ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ آخَرَ وَيَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِالْحَالِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ رَضِيَ بِهَذَا فَفَسَخَ دَلَالَةً فَيَحِلُّ لِلْبَائِعِ بَيْعُهُ وَحَلَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَهُ ، وَإِنَّمَا كَتَبْتهَا ؛ لِأَنَّهَا كَثِيرًا مَا تَقَعُ فِي الْأَسْوَاقِ .

قَالَ ( وَأُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَنَاقِدِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ) أَمَّا الْكَيْلُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِلتَّسْلِيمِ وَهُوَ عَلَى الْبَائِعِ وَمَعْنَى هَذَا إذَا بِيعَ مُكَايَلَةً ، وَكَذَا أُجْرَةُ الْوَزَّانِ وَالزَّرَّاعِ وَالْعَدَّادِ ، وَأَمَّا النَّقْدُ فَالْمَذْكُورُ رِوَايَةُ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ يَكُونُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْوَزْنِ وَالْبَائِعُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِيُمَيِّزَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ لِيَعْرِفَ الْمَعِيبَ لِيَرُدَّهُ .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِ الْجَيِّدِ الْمُقَدَّرِ ، وَالْجُودَةُ تُعْرَفُ بِالنَّقْدِ كَمَا يُعْرَفُ الْقَدْرُ بِالْوَزْنِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ .
قَالَ ( وَأُجْرَةُ وَزَّانِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَبِالْوَزْنِ يَتَحَقَّقُ التَّسْلِيمُ .

( قَوْلُهُ وَأُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَوَزَّانِ الْمَبِيعِ وَذُرَّاعِهِ وَعَادِّهِ ) وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ أَوْ الذَّرَعِ أَوْ الْعَدِّ ( عَلَى الْبَائِعِ ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إيفَاءَ الْمَبِيعِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِكَيْلِهِ وَوَزْنِهِ وَنَحْوِهِ ؛ وَلِأَنَّ بِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ يُمَيِّزُ مِلْكَهُ عَنْ مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى هَذِهِ إذَا بَاعَ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً أَوْ نَحْوَهُ إذْ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي الْمُجَازَفَةِ ، وَأُجْرَةُ وَزَّانِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَتَمْيِيزِهِ عَنْهُ فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا أُجْرَةُ نَاقِدِ الثَّمَنِ فَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ وَالْمَشَايِخُ ، فَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَلَى الْبَائِعِ ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُخْتَصَرِ .
وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّقْدَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَهُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى تَمْيِيزِ حَقِّهِ ، وَهُوَ الْجِيَادُ عَنْ غَيْرِ حَقِّهِ .
وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِ الْجَيِّدِ وَتَعَرُّفُهُ بِالنَّقْدِ كَمَا يُعْرَفُ الْمِقْدَارُ بِالْوَزْنِ فَكَانَ هُوَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أُجْرَةُ النَّقْدِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ كَمَا فِي الثَّمَنِ أَنَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا إذَا قَبَضَ الدَّيْنَ ثُمَّ ادَّعَى عَدَمَ النَّقْدِ فَالْأُجْرَةُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ .
وَفِي الْخُلَاصَةِ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَكَذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ إنَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا إذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ ثُمَّ جَاءَ يَرُدُّهُ بِعَيْبِ الزِّيَافَةِ ، قَالَ : وَاخْتَارَهُ فِي الْوَاقِعَاتِ أَنَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي .
وَفِي الْبَابِ الْعَيْنِ لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً مُكَايَلَةً فَالْكَيْلُ عَلَى الْبَائِعِ وَصَبُّهَا فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَيْضًا هُوَ الْمُخْتَارُ .
وَفِي

الْمُنْتَقَى : إخْرَاجُ الطَّعَامِ مِنْ السُّفُنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً فِي سُنْبُلِهَا فَعَلَى الْبَائِعِ تَخْلِيصُهَا بِالدَّرْسِ وَالتَّذْرِيَةِ وَدَفْعُهَا إلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَقَطْعُ الْعِنَبِ الْمُشْتَرَى جُزَافًا عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ بَاعَهُ جُزَافًا كَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْجَزَرِ إذَا خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي ، وَكَذَا قَطْعُ الثَّمَرِ : يَعْنِي إذَا خَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي ، الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي ادْفَعْ الثَّمَنَ أَوَّلًا ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَيَّنَ فِي الْمَبِيعِ فَيُقَدَّمُ دَفْعُ الثَّمَنِ لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ الْبَائِعِ بِالْقَبْضِ لِمَا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي ادْفَعْ الثَّمَنَ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَيَّنَ فِي الْمَبِيعِ فَيُقَدَّمُ دَفْعُ الثَّمَنِ لِتَعَيُّنِ حَقِّ الْبَائِعِ بِالْقَبْضِ ) ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَوْ عَيَّنَ دَرَاهِمَ اشْتَرَى بِهَا ( لَمَا ) عُرِفَ ( أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ) فِي الْبَيْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ قَبْضِهَا لِيَتَسَاوَيَا ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي دَفْعُ الثَّمَنِ وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ جَمِيعِ الْمَبِيعِ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ حَبْسِ الْبَائِعِ لِلْمَبِيعِ وَلَوْ أَخَذَ بِالثَّمَنِ كَفِيلًا أَوْ رَهَنَ الْمُشْتَرِي بِهِ رَهْنًا ، أَمَّا لَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَقَبْلَ سَقْطِ حَقِّ الْحَبْسِ ، وَكَذَا إذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ : فِي رِوَايَةٍ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَفِي رِوَايَةٍ إذَا أَحَالَ الْبَائِعُ بِهِ رَجُلًا سَقَطَ ، وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِهِ لَا يَسْقُطُ ، وَمَا لَمْ يُسَلَّمْ الْمَبِيعُ هُوَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فِي جَمِيعِ زَمَانِ حَبْسِهِ ، فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ بِنَفْسِهِ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا فَقَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ بَطَلَ الْبَيْعُ ، فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ أَعَادَهُ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ إنْ كَانَ الْبَيْعُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا لَزِمَهُ ضَمَانُ مِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا ، وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَعَادَ الْمَبِيعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَيَضْمَنُ لَهُ الْجَانِي فِي الْمِثْلِيِّ وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ ؛ فَإِنْ كَانَ الضَّمَانُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ وَفِيهِ فَضْلٌ لَا يَطِيبُ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِهِ طَابَ ، وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ

الْبَيْعَ وَأَتْبَعَ الْجَانِيَ فِي الضَّمَانِ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الضَّمَانِ فَضْلٌ فَعَلَى ذَلِكَ التَّفْصِيلِ .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ أَوْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ قِيلَ لَهُمَا سَلِّمَا مَعًا ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّعَيُّنِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا فِي الدَّفْعِ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ أَوْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ قِيلَ لَهُمَا سَلِّمَا مَعًا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي تَعَيُّنِ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا ) قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، فَإِيجَابُ تَقْدِيمِ دَفْعِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ عَلَى الْآخَرِ تَحَكُّمٌ فَيَدْفَعَانِ مَعًا وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمُ الْمُوجِبُ لِلْبَرَاءَةِ .
فِي التَّجْرِيدِ : تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ ، وَكَذَا تَسْلِيمُ الثَّمَنِ .
وَفِي الْأَجْنَاسِ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ التَّسْلِيمِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ : أَنْ يَقُولَ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَ الْمَبِيعِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي عَلَى صِفَةٍ يَتَأَتَّى فِيهِ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ ، وَأَنْ يَكُونَ مُفْرِزًا غَيْرَ مَشْغُولٍ بِحَقِّ غَيْرِهِ .
وَعَنْ الْوَبَرِيِّ : الْمَتَاعُ لِغَيْرِ الْبَائِعِ لَا يَمْنَعُ ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِقَبْضِ الْمَتَاعِ وَالْبَيْتِ صَحَّ وَصَارَ الْمَتَاعُ وَدِيعَةً عِنْدَهُ ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : الْقَبْضُ أَنْ يَقُولَ : خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَ الْمَبِيعِ فَاقْبِضْهُ ، وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي وَهُوَ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبَضْته ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِرَأْسِهِ وَصَاحِبُهُ عِنْدَهُ فَقَادَهُ فَهُوَ قَبْضٌ دَابَّةً كَانَ أَوْ بَعِيرًا ، وَإِنْ كَانَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي تَعَالَ مَعِي أَوْ امْشِ فَخَطَا مَعَهُ فَهُوَ قَبْضٌ .
وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ .
وَفِي الثَّوْبِ إنْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ أَوْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ : خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهُ فَاقْبِضْهُ فَقَالَ قَبَضْته فَهُوَ قَبْضٌ ، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِالتَّخْلِيَةِ وَلَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً فِي بَيْتٍ وَدَفَعَ الْبَائِعُ الْمِفْتَاحَ إلَيْهِ وَقَالَ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا فَهُوَ قَبْضٌ ، وَإِنْ دَفَعَهُ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا لَا يَكُونُ قَبْضًا ، وَلَوْ بَاعَ دَارًا غَائِبَةً فَقَالَ سَلَّمْتهَا إلَيْك وَقَالَ قَبَضْتهَا لَمْ يَكُنْ قَبْضًا ، وَإِنْ كَانَتْ

قَرِيبَةً كَانَ قَبْضًا ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ بِحَالٍ يَقْدِرُ عَلَى إغْلَاقِهَا ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إغْلَاقِهَا فَهِيَ بَعِيدَةٌ ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ بِالتَّخْلِيَةِ يَقَعُ الْقَبْضُ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ يَبْعُدُ عَنْهُمَا .
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ : وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ إذَا بَاعَ ضَيْعَةً وَخَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْهَا يَصِيرُ قَابِضًا أَوْ يَبْعُدُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا .
قَالَ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ ، فَإِنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الضَّيْعَةَ بِالسَّوَادِ وَيُقِرُّونَ بِالتَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ بِهِ الْقَبْضُ وَفِي جَامِعِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ : يَصِحُّ الْقَبْضُ وَإِنْ كَانَ الْعَقَارُ غَائِبًا عَنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا .
وَفِي جَمْعِ النَّوَازِلِ : دَفْعُ الْمِفْتَاحِ فِي بَيْعِ الدَّارِ تَسْلِيمٌ إذَا تَهَيَّأَ لَهُ فَتْحُهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى بَقَرًا فِي السَّرْحِ فَقَالَ : الْبَائِعُ اذْهَبْ وَاقْبِضْ إنْ كَانَ يَرَى بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ يَكُونُ قَبْضًا .
وَلَوْ بَاعَ خَلًّا وَنَحْوَهُ فِي دَنٍّ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي فِي دَارِ نَفْسِهِ وَخَتَمَ الْمُشْتَرِي عَلَى الدَّنِّ فَهُوَ قَبْضٌ .
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَأَمَرَهُ الْبَائِعُ بِقَبْضِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَخَذَهُ إنْسَانٌ ، وَإِنْ كَانَ حِينَ أَمَرَهُ بِقَبْضِهِ أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ صَحَّ التَّسْلِيمُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِقِيَامٍ لَا يَصِحُّ .
وَلَوْ اشْتَرَى طَيْرًا فِي بَيْتٍ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ فَأَمَرَهُ الْبَائِعُ بِالْقَبْضِ فَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى هَبَّتْ رِيحٌ فَفَتَحَتْ الْبَابَ فَطَارَ لَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ ، وَإِنْ فَتَحَهُ الْمُشْتَرِي فَطَارَ صَحَّ التَّسْلِيمُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ بِأَنْ يُحْتَاطَ فِي الْفَتْحِ .
وَلَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فِي حَظِيرَةٍ فَقَالَ الْبَائِعُ سَلَّمْتهَا إلَيْك فَفَتَحَ الْمُشْتَرِي الْبَابَ فَذَهَبَ الْفَرَسُ إنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُهَا مِنْ غَيْرِ عَوْنٍ كَانَ قَبْضًا ، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَسْأَلَةِ الطَّيْرِ ، وَفِي مَكَان آخَرَ مِنْ غَيْرِ

عَوْنٍ وَلَا حَبْلٍ وَلَوْ اشْتَرَى دَابَّةً وَالْبَائِعُ رَاكِبُهَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي : احْمِلْنِي مَعَك فَحَمَلَهُ فَعَطِبَتْ هَلَكَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجٌ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا سَرْجٌ وَرَكِبَ الْمُشْتَرِي فِي السَّرْجِ يَكُونُ قَابِضًا وَإِلَّا فَلَا ، وَلَوْ كَانَا رَاكِبَيْنِ فَبَاعَ الْمَالِكُ مِنْهُمَا الْآخَرَ لَا يَصِيرُ قَابِضًا كَمَا إذَا بَاعَ الدَّارَ وَالْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِيهَا مَعًا .

( بَابُ خِيَارِ الشَّرْطِ ) .
قَالَ : ( خِيَارُ الشَّرْطِ جَائِزٌ فِي الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَلَهُمَا الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ : { أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُغْبَنُ فِي الْبِيَاعَاتِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِي الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } .
( وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَالَا ( يَجُوزُ إذَا سَمَّى مُدَّةً مَعْلُومَةً لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَجَازَ الْخِيَارَ إلَى شَهْرَيْنِ ) ؛ وَلِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّرَوِّي لِيَنْدَفِعَ الْغَبْنُ ، وَقَدْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْأَكْثَرِ فَصَارَ كَالتَّأْجِيلِ فِي الثَّمَنِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ اللُّزُومُ ، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ النَّصِّ ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ وَانْتَفَتْ الزِّيَادَةُ .
( إلَّا أَنَّهُ إذَا أَجَازَ فِي الثَّلَاثِ ) جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِزُفَرِ ، هُوَ يَقُولُ : إنَّهُ انْعَقَدَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا .
وَلَهُ أَنَّهُ أَسْقَطَ الْمُفْسِدَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ فَيَعُودُ جَائِزًا كَمَا إذَا بَاعَ بِالرَّقْمِ وَأَعْلَمَهُ فِي الْمَجْلِسِ .
وَلِأَنَّ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ ، فَإِذَا أَجَازَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَّصِلْ الْمُفْسِدُ بِالْعَقْدِ ، وَلِهَذَا قِيلَ : إنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا ثُمَّ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ بِحَذْفِ الشَّرْطِ ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .

( بَابُ خِيَارِ الشَّرْطِ ) .
قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْبَيْعَ عِلَّةٌ لِحِكْمَةِ لُزُومِ تَعَاكُسِ الْمِلْكَيْنِ فِي الْبَدَلَيْنِ ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ حُكْمُ الْعِلَّةِ عَنْهَا فَقَدَّمَ مَا هُوَ الْأَصْلُ .
ثُمَّ شَرَعَ يَذْكُرُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعِلَّةِ الَّتِي تَخَلَّفَ عَنْهَا مُقْتَضَاهَا ، وَهُوَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَظَهَرَ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ مَانِعٌ ثَابِتٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ، وَيُقَالُ لِلْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا ، وَلِلْمُسْتَلْزِمِ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى وَحُكْمًا ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ اصْطِلَاحِهِمْ فِي الْأُصُولِ .
وَالْمَوَانِعُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : مَانِعٌ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ وَهُوَ حُرِّيَّةُ الْمَبِيعِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْمَبِيعُ فِي الْحُرِّ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا فِي مَحَلِّهَا ، وَمَحَلُّ الْبَيْعِ الْمَالُ وَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَالٍ ، فَلَا وُجُودَ لِلْبَيْعِ أَصْلًا فِيهِ كَانْقِطَاعِ الْوَتَرِ يَمْنَعُ أَصْلَ الرَّمْيِ بَعْدَ الْقَصْدِ إلَيْهِ .
وَمَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْبَيْعُ الْمُضَافُ إلَى مَالِ الْغَيْرِ كَإِصَابَةِ السَّهْمِ بَعْدَ الرَّمْيِ حَائِطًا فَرَدَّهُ عَنْ سَنَنِهِ .
وَمَانِعٌ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ وَهُوَ خِيَارُ الشَّرْطِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ وَهُوَ خُرُوجُ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى مِثَالِ اسْتِتَارِ الْمُرْمَى إلَيْهِ بِتِرْسٍ يَمْنَعُ مِنْ إصَابَةِ الْغَرَضِ مِنْهُ .
وَمَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُشْتَرِي .
وَمَانِعٌ يَمْنَعُ لُزُومَهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَإِضَافَةُ الْخِيَارِ إلَى الشَّرْطِ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِضَافَةِ ، وَهِيَ إضَافَةُ الْخِيَارِ إلَى سَبَبِهِ إذْ سَبَبُهُ الشَّرْطُ ، وَحِينَ وَرَدَ شَرْعِيَّتُهُ جَعَلْنَاهُ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِهِ تَقْلِيلًا لِعَمَلِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ إثْبَاتُ الْحَظْرِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَبِذَلِكَ يُشْبِهُ الْقِمَارَ

فَقَلَّلْنَا شَبَهَهُ .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : الْقِمَارُ مَا حَرُمَ لِمَعْنَى الْحَظْرِ ، بَلْ بِاعْتِبَارِ تَعْلِيقِ الْمِلْكِ بِمَا لَمْ يَضَعْهُ الشَّرْعُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَضَعْ ظُهُورَ الْعَدَدِ الْفُلَانِيِّ فِي وَرَقَةٍ مَثَلًا سَبَبًا لِلْمِلْكِ ، وَالْحَظْرُ طَرْدٌ فِي ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ .
نَعَمْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ اعْتَبَرْنَاهُ فِي الْحُكْمِ تَقْلِيلًا ، بِخِلَافِ الْأَصْلِ وَأَمَّا كَوْنُهُ فِيهِ غَرَرٌ وَقَدْ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ فَذَلِكَ الْغَرَرُ فِي الْمَبِيعِ ، وَهَذَا فِي أَنَّ الْمِلْكَ هَلْ يَثْبُتُ أَوْ لَا ( قَوْلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ جَائِزٌ فِي الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَلَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ) يُرْوَى بِنَصْبِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الظَّرْفِ : أَيْ فِي ثَلَاثَةٍ وَبِرَفْعِهَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ : أَيْ هُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .
ثُمَّ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : إذَا شُرِطَ الْخِيَارُ لَهُمَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَقْدِ أَصْلًا وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالصَّحِيحِ ( قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُغْبَنُ فِي الْبِيَاعَاتِ ) الْحَدِيثَ .
رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ حِبَّانُ بْنُ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو رَجُلًا ضَعِيفًا ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَتْهُ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةٌ فَجَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِيمَا اشْتَرَاهُ ، وَكَانَ قَدْ ثَقُلَ لِسَانُهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِعْ وَقُلْ لَا خِلَابَةَ } وَكَانَ يَشْتَرِي الشَّيْءَ فَيَجِيءُ بِهِ إلَى أَهْلِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ هَذَا غَالٍ فَيَقُولُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَيَّرَنِي فِي بَيْعِي وَسَكَتَ عَلَيْهِ .
وَحَبَّانُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَمُنْقِذٌ بِالْمُعْجَمَةِ .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ :

أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالْأَصْلُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ أَنَّهُ فَاسِدٌ ، وَلَكِنْ لَمَّا شَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُصَرَّاةِ خِيَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْبَيْعِ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ جَعَلَ لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ خِيَارَ ثَلَاثَةٍ فِيمَا ابْتَاعَ انْتَهَيْنَا إلَى مَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : { سَمِعْت رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يَشْكُو إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يُزَالُ يُغْبَنُ فِي الْبُيُوعِ ، فَقَالَ لَهُ : إذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ } قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَحَدَّثَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ : كَانَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ أُصِيبَ فِي رَأْسِهِ وَكَانَ يُغْبَنُ فِي الْبَيْعِ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ : كَانَ جَدِّي مُنْقِذَ بْنَ عَمْرٍو وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ آمَةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ ، وَكَانَ لَا يَدَعُ عَلَى ذَلِكَ التِّجَارَةَ وَكَانَ لَا يُزَالُ يُغْبَنُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ .
الْحَدِيثَ .
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو ، لَا حِبَّانُ ابْنُهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُنْقَطِعٌ ، وَغَلَطُ مَنْ عَزَاهُ لِأَبِي دَاوُد ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ : كَانَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو فَذَكَرَهُ قَالَ : وَعَاشَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَالْحَدِيثُ وَإِنْ دَار عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ فَالْأَكْثَرُ عَلَى تَوْثِيقِهِ ، وَرَجَعَ مَالِكٌ عَمَّا قَالَ فِيهِ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأَنِفِ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ : { قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو قُلْ لَا

خِلَابَةَ ، وَإِذَا بِعْت بَيْعًا فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ } وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَ الْوَاقِعَةِ لِحِبَّانَ أَرْجَحَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مُنْقَطِعٌ وَذَلِكَ مَوْصُولٌ ، هَذَا وَشَرْطُ الْخِيَارِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ : إذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ } وَالْخِلَابَةُ الْخَدِيعَةُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَقْصُودِ ؛ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ قَالَ الْأَصْلُ فِي جَوَازِ شَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ لَا يَمَسُّ الْمَطْلُوبَ .
[ فَرْعٌ ] يَجُوزُ إلْحَاقُ خِيَارِ الشَّرْطِ بِالْبَيْعِ ، لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَوْ بِأَيَّامٍ جَعَلْتُك بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ ، حَتَّى لَوْ شُرِطَ الْخِيَارُ بَعْدَ الْبَيْعِ الْبَاتِّ شَهْرًا وَرَضِيَا بِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا ، وَلَوْ أَلْحَقَا بِهِ شَرْطًا فَاسِدًا بَطَلَ الشَّرْطُ ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي قَوْلِهِمَا وَيَفْسُدُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَوْ بَاعَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَغِلَّهُ وَيَسْتَخْدِمَهُ جَازَ وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ .
وَلَوْ قَالَ فِي بَيْعِ بُسْتَانٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَتِهِ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ قَبْلَ أَنْ يُسْقِطَ الْمُشْتَرِي خِيَارَهُ .
وَلَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ بِالْخِيَارِ كَانَ لَهُ خِيَارُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَطْ ، وَلَوْ قَالَ إلَى الظُّهْرِ ؛ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَمِرُّ لَهُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ ( قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهَا ) أَيْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ( وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ ) وَكَمَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذَا أَطْلَقَ ( وَقَالَا : يَجُوزُ إذَا سَمَّى

مُدَّةً مَعْلُومَةً لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَجَازَ الْبَيْعَ إلَى شَهْرَيْنِ ) وَهَذَا دَلِيلُ جُزْءِ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يُفِيدُ جَوَازَ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِمُدَّةٍ خَاصَّةٍ لَا غَيْرُ ( لِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّرَوِّي لِيَنْدَفِعَ الْغَبْنُ ، وَقَدْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْأَكْثَرِ فَصَارَ كَالتَّأْجِيلِ فِي الثَّمَنِ ) شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّأْخِيرِ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ، ثُمَّ جَازَ أَيُّ مِقْدَارٍ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِمَا قَالَ أَحْمَدُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .
وَقَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يَبْقَى أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ كَالْفَاكِهَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ الْخِيَارُ فِي أَكْثَرِ مِنْ يَوْمٍ ، وَإِنْ كَانَ ضَيْعَةً لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْحَاجَةِ .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : لَمْ يَتَعَيَّنْ اشْتِرَاطُ الْأَكْثَرِ طَرِيقًا ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِإِمْكَانِ أَنْ يَذْهَبَ فَيَرَاهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ يَشْتَرِيَ لَا حَاجَةَ إلَى شَرْطِ الْخِيَارِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ ثَابِتٌ لَهُ وَلَوْ تَأَخَّرَتْ رُؤْيَتُهُ سَنَةً ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّرَوِّي فِي أَمْرِهَا هَلْ تُسَاوِي الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ أَوْ لَا أَوْ هِيَ مُنْتَفَعٌ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يَرَهَا ؟ فَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ الثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالسُّؤَالِ وَالْمُرَاجَعَةِ لِلنَّاسِ الْعَارِفِينَ وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي مُدَّةِ الثَّلَاثِ .
وَأَمَّا مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ بِفَسَادٍ فَحُكْمُهُ مَسْطُورٌ .
فِي فَتَاوَى الْقَاضِي : اشْتَرَى شَيْئًا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْقِيَاسِ لَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى شَيْءٍ .
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَفْسَخَ الْبَيْعَ

وَإِمَّا أَنْ تَأْخُذَ الْمَبِيعَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْك مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى تُجِيزَ الْبَيْعَ أَوْ يَفْسُدَ الْمَبِيعُ عِنْدَك دَفْعًا لِلضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ادَّعَى فِي يَدِ رَجُلٍ بِشِرَاءِ شَيْءٍ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَالسَّمَكَةِ الطَّرِيَّةِ وَجَحَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ وَيُخَافُ فَسَادُهَا فِي مُدَّةِ التَّزْكِيَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُ مُدَّعِي الشِّرَاءِ أَنْ يَنْقُدَ الثَّمَنَ وَيَأْخُذَ السَّمَكَةَ ثُمَّ الْقَاضِي يَبِيعُهَا مِنْ آخَرَ وَيَأْخُذُ ثَمَنَهَا وَيَضَعُ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي عَلَى يَدِ عَدْلٍ ، فَإِنْ عُدِّلَتْ الْبَيِّنَةُ يُقْضَى لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الثَّانِي وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ لِلْبَائِعِ ؛ وَلَوْ ضَاعَ الثَّمَنَانِ عِنْدَ الْعَدْلِ يَضِيعُ الثَّمَنُ الثَّانِي مِنْ مَالِ مُدَّعِي الشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْقَاضِي كَبَيْعِهِ ، وَلَوْ لَمْ تَعْدِلْ الْبَيِّنَةُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ السَّمَكَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَثْبُتْ وَبَقِيَ آخِذًا مَالَ الْغَيْرِ بِجِهَةِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ .
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ( أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ اللُّزُومُ ) ثَبَتَ نَصًّا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِلتَّرَوِّي فِيمَا يَدْفَعُ الْغَبْنَ عَنْهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّظَرَ لِاسْتِكْشَافِ كَوْنِهِ فِي هَذَا الْمَبِيعِ مَغْبُونًا أَوْ غَيْرَ مَغْبُونٍ مِمَّا يَتِمُّ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَلْ فِي أَقَلَّ مِنْهَا ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِهِ مَغْبُونًا فِي هَذِهِ الصَّفْقَةِ أَوْ لَا لَيْسَ مِنْ الْعُلُومِ الْبَالِغَةِ فِي الْخَفَاءِ وَالْإِشْكَالِ لِيَحْتَاجَ فِي حُصُولِهِ إلَى مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَيْهَا ، فَكَانَ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ لَيْسَ فِي مَحِلِّ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِحُصُولِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِالثَّلَاثِ دَلَالَةً كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ .
وَلَوْ فُرِضَ مِنْ الْغَبَاوَةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَفِيدُ كَوْنَهُ مَغْبُونًا لَمْ يُعْذَرْ ، وَلَا

يُبْنَى الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِهِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ زَائِلُ الْعَقْلِ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ فِي حَدِيثِ حِبَّانَ إنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ضَرَبَ الثَّلَاثَ لِمَنْ كَانَتْ غَايَةً فِي ضَعْفِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَمْرِ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَعِيفًا وَكَانَ بِدِمَاغِهِ مَأْمُومَةٌ أَفْسَدَتْ ، أَوْ أَنَّهُ مُنْقِذٌ وَكَانَ قَدْ أَصَابَتْهُ آمَةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ وَنَازَعَتْ عَقْلَهُ وَبَلَغَ مِنْ السِّنِّ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً كَمَا فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ الْأَوْسَطِ ، فَأَيُّ حَالَةٍ تَزِيدُ عَلَى هَذِهِ مِنْ الضَّعْفِ إلَّا عَدَمُ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا شَكَّ فِي مَنْعِ الزَّائِدِ مَعَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي السَّمْعِ مَا يَنْفِيهِ صَرِيحًا ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْحُجَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْحُجَّةِ ، وَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَ وَقَالَ : الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ } إلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِأَبَانَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَكَذَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ } وَفِيهِ أَحْمَدُ بْنُ مَيْسَرَةَ مَتْرُوكٌ .
وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ فَلَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْأَجَلِ فَنَقُولُ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَضُرُّنَا ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا شَرَعَ الْأَجَلَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ شَرَعَهُ مُطْلَقًا فَعَمِلْنَا بِإِطْلَاقِهِ ، وَهُنَا لَمَّا شَرَعَ الْخِيَارَ

شَرَعَهُ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ بِثَلَاثِ لَيَالٍ فَعَمِلْنَا بِتَقْيِيدِهِ ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ الْأَجَلَ أَيْضًا مُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ كُنَّا نَقُولُ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا أَيْضًا ، وَلِوُجُوبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ نُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْخِيَارِ مَا وَرَدَ إلَّا لِلْمُشْتَرِي .
قُلْنَا : مَمْنُوعٌ بَلْ لِلْأَعَمِّ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ " إذَا بَايَعْت " وَهُوَ يَصْدُقُ بِكَوْنِهِ بَائِعًا وَمُشْتَرِيًا ( قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهَا : أَيْ لَا يَجُوزُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ إلَّا فِي وَقْتِ إجَازَتِهِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ ( عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خِلَافًا لِزُفَرَ ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ( هُوَ ) أَيْ زُفَرُ ( يَقُولُ إنَّهُ ) أَيْ الْعَقْدُ ( انْعَقَدَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا ) كَمَا إذَا بَاعَ الدِّرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ ثُمَّ أَسْقَطَ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ لَا يَقَعُ صَحِيحًا ، أَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفٍ وَرِطْلٍ خَمْرًا ثُمَّ أَسْقَطَ الْخَمْرَ ، وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ عَلَى حَسَبِ الثُّبُوتِ فَإِنَّ الْبَاقِيَ هُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ ثَبَتَ ( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ ) أَيْ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ( أَسْقَطَ الْمُفْسِدَ ) وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ ( قَبْلَ تَقَرُّرِهِ ) أَيْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ وَتَحَقُّقِهِ ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَيَعُودُ جَائِزًا ( كَمَا إذَا بَاعَ بِالرَّقْمِ وَعَلِمَهُ بِالْمَجْلِسِ فَرَضِيَ بِهِ ) وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لَيْسَ هُوَ شَرْطُ الْخِيَارِ ، بَلْ وَصْلُهُ بِالرَّابِعِ وَهُوَ بِعَرْضِ الْفَصْلِ قَبْلَ مَجِيئِهِ ، فَإِذَا أَسْقَطَهُ فَقَدْ تَحَقَّقَ زَوَالُ الْمَعْنَى الْمُفْسِدِ قَبْلَ مَجِيئِهِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ فِي الِابْتِدَاءِ ، فَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ حُكْمُهُ الْفَسَادُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ إذْ الظَّاهِرُ دَوَامُهُمَا عَلَى الشَّرْطِ

، فَإِذَا أَسْقَطَهُ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَيَنْقَلِبُ صَحِيحًا ، وَقَالَ مَشَايِخُ خُرَاسَانَ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ : هُوَ مَوْقُوفٌ ، وَبِالْإِسْقَاطِ قَبْلَ الرَّابِعِ يَنْعَقِدُ صَحِيحًا ، وَإِذَا مَضَى جُزْءٌ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَسَدَ الْعَقْدُ الْآنَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ نَصًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُشْتَرِي وَأَثْبَتَ لِلْبَائِعِ حَقَّ الْفَسْخِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ حَقُّ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى بِحَسَبِ الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ إلَّا عَدَمَ الْفَسَادِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الرَّابِعُ فَيَثْبُتُ الْفَسَادُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَحَقِيقَةُ الْقَوْلَيْنِ لَا فَسَادَ قَبْلَ الرَّابِعِ بَلْ مَوْقُوفٌ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ أَنَّ الْفَسَادَ ثَابِتٌ عَلَى وَجْهٍ شَرْعًا بِإِسْقَاطِهِ خِيَارَ الرَّابِعِ قَبْلَ مَجِيئُهُ ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ : يَنْعَقِدُ فَاسِدًا ثُمَّ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ بِحَذْفِ الشَّرْطِ .
وَقَوْلُهُ وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : يَعْنِي قَوْلَهُ أَسْقَطَ الْمُفْسِدَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ وَهُوَ كَالْقَلْبِ ، فَإِنَّ التَّعْلِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى الْأَصْلِ لَا أَنَّ أَصْلَ الْقَاعِدَةِ يَنْبَنِي عَلَى التَّعْلِيلِ .
وَالْجَوَابُ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا لِزُفَرَ أَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْمَبِيعِ وَهُوَ الْبَدَلُ فَلَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُ وَهُنَا فِي شَرْطِهِ ، وَكَمَا يَنْقَلِبُ الْعَقْدُ جَائِزًا إذَا أَسْقَطَ الْخِيَارَ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ كَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ أَحْدَثَ بِهِ مَا يُوجِبُ لُزُومَ الْبَيْعِ يَنْقَلِبُ جَائِزًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ .

( وَلَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا جَازَ وَإِلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَجُوزُ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ ، فَإِنْ نَقَدَ فِي الثَّلَاثِ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ إذْ الْحَاجَةُ مَسَّتْ إلَى الِانْفِسَاخِ عِنْدَ عَدَمِ النَّقْدِ تَحَرُّزًا عَنْ الْمُمَاطَلَةِ فِي الْفَسْخِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِهِ .
وَقَدْ مَرَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمُلْحَقِ بِهِ ، وَنَفَى الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ وَكَذَا مُحَمَّدٌ فِي تَجْوِيزِ الزِّيَادَةِ .
وَأَبُو يُوسُفَ أَخَذَ فِي الْأَصْلِ بِالْأَثَرِ .
وَفِي هَذَا بِالْقِيَاسِ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيَاسٌ آخَرُ وَإِلَيْهِ مَال زُفَرُ وَهُوَ أَنَّهُ بَيْعٌ شُرِطَ فِيهِ إقَالَةٌ فَاسِدَةٌ لِتَعَلُّقِهَا بِالشَّرْطِ ، وَاشْتِرَاطُ الصَّحِيحِ مِنْهَا فِيهِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ ، فَاشْتِرَاطُ الْفَاسِدِ أَوْلَى وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا بَيَّنَّا .

( قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا جَازَ ) وَالْمُنْتَفِعُ بِهَذَا الشَّرْطِ هُنَا هُوَ الْبَائِعُ ، وَكَذَا لَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ وَقَالَ إنْ رَدَّهُ الْبَائِعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ .
يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَيَصِيرُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ حَتَّى إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ .
وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ .
وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْبَائِعُ نَفَذَ ( وَإِلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ) فَإِنْ نَقَدَ الثَّمَنَ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثَةِ تَمَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْهُ فِيهَا فَسَدَ الْبَيْعُ وَلَا يَنْفَسِخُ نَصَّ عَلَيْهِ ظَهِيرُ الدِّينِ وَقَالَ : لَا بُدَّ مِنْ حِفْظِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ فِي يَدِهِ عَتَقَ لَا إنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ( وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَجُوزُ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ ) عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ ( فَإِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ فِي الثَّلَاثَةِ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .
وَالْأَصْلُ فِيهِ ) أَيْ فِي صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الثَّمَنِ ( أَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فَيُلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً لَا قِيَاسًا وَالدَّلَالَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا سِوَى التَّسَاوِي ) وَفَهْمُ الْمُلْحَقِ بِمُجَرَّدِ فَهْمِ الْأَصْلِ مَعَ فَهْمِ الْأَصْلِ مَعَ فَهْمِ اللُّغَةِ ، وَكُلُّ مَنْ عَلِمَ صِحَّةَ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِلتَّرَوِّي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَبَادَرَ إلَيْهِ أَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِلتَّرَوِّي لِدَفْعِ ضَرَرِ الْغَبْنِ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ فَيَتَبَادَرُ إلَيْهِ جَوَازُهُ لِدَفْعِ الْغَبْنِ فِي الثَّمَنِ لِلْمُمَاطَلَةِ .
وَكَوْنُ هَذَا يَنْفَسِخُ بِتَمَامِ الْمُدَّةِ قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَنِ وَذَاكَ يَنْبَرِمُ بِتَمَامِهَا بِلَا رَدٍّ لَا أَثَرَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الدَّلَالَةِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْجَامِعِ الَّذِي يَفْهَمُهُ مَنْ فَهِمَ اللُّغَةَ .

إلَّا أَنَّك سَمِعْت أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِتَمَامِهَا بَلْ يَرْجِعُ فَاسِدًا ( وَقَدْ مَرَّ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمُلْحَقِ بِهِ ) وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ حَيْثُ جَعَلَهُ جَائِزًا بِلَا تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ فَرَّقَ فَأَخَذَ فِي الْأَصْلِ بِالْأَثَرِ : يَعْنِي أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي جَوَازِ شَرْطِ الْخِيَارِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَأَخَذَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْقِيَاسِ : أَيْ فِي نَفْيِ الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثَةِ .
وَأَمَّا فِي الثَّلَاثَةِ فَبِحَدِيثِ ابْنِ الْبَرْصَاءِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ لَهُ فِي خِيَارِ التَّعْيِينِ .
هَذَا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هُنَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ عَنْهُ .
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ لَمْ يُرَجِّحُوا عَنْهُ شَيْئًا وَحَكَمُوا عَلَى قَوْلِهِ بِالِاضْطِرَابِ ( وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيَاسٌ آخَرُ ) يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا الْبَيْعُ أَصْلًا ( وَهُوَ أَنَّهُ بَيْعٌ شُرِطَتْ فِيهِ إقَالَةٌ فَاسِدَةٌ لِتَعَلُّقِهَا بِالشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ دَفْعِ الثَّمَنِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ ، وَالْإِقَالَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ ) ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ حَتَّى جُعِلَتْ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقٍّ ثَالِثٍ ، وَهُوَ لَوْ شَرَطَ الْإِقَالَةَ الصَّحِيحَةَ وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَعْلَقْ بِالشَّرْطِ قَالَ بِعْتُك عَلَى أَنْ أُقِيلُك وَتَقْبَلُهَا أَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك عَلَى أَنْ تُقِيلَنِي لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ( فَاشْتِرَاطُ الْفَاسِدَةِ أَوْلَى ) وَبِهَذَا الْقِيَاسِ قَالَ زُفَرُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، فَكُلُّهُمْ مَنَعُوا صِحَّةَ الْبَيْعِ .
وَالْوَجْهُ عَلَيْهِمْ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْإِلْحَاقِ بِالدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ : وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا بَيَّنَّاهُ .

قَالَ ( وَخِيَارُ الْبَائِعِ يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ ) ؛ لِأَنَّ تَمَامَ هَذَا السَّبَبِ بِالْمُرَاضَاةِ وَلَا يَتِمُّ مَعَ الْخِيَارِ وَلِهَذَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ .
وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي التَّصَرُّفَ فِيهِ وَإِنْ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ ( وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَهَلَكَ فِي يَدِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِالْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقُوفًا ، وَلَا نَفَاذَ بِدُونِ الْمَحَلِّ فَبَقِيَ مَقْبُوضًا فِي يَدِهِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَفِيهِ الْقِيمَةُ ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ الْمُطْلَقِ .

( قَوْلُهُ وَخِيَارُ الْبَائِعِ يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ تَمَامَ هَذَا السَّبَبِ ) الَّذِي هُوَ الْبَيْعُ ( بِالْمُرَاضَاةِ ) لِمَا عُرِفَ مِنْ قَوْله تَعَالَى { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } ( وَلَا يَتِمُّ ) الرِّضَا ( مَعَ الْخِيَارِ ) ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ عَدَمَ الرِّضَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَلَمْ يَتِمَّ السَّبَبُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الرِّضَا فَلَا يُوجِبُ حُكْمَهُ فِي حَقِّهِ فَلَا يَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ ؛ فَلِهَذَا جَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ فَنَفَذَ عِتْقُهُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي التَّصَرُّفَ فِيهِ وَإِنْ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ لِبَقَاءِ مِلْكِ الْبَائِعِ فِيهِ بِلَا اخْتِلَالٍ ، وَبِالتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ يُعْرَفُ أَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ خُرُوجَ الثَّمَنِ عَنْ مِلْكِهِ لِاتِّحَادِ نِسْبَتِهِ إلَى كُلِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ، وَأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَا الثَّمَنُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي ؛ وَلَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَكَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ( فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِالْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقُوفًا ) فِي حَقِّ الْمَبِيعِ ، وَلَا يُمْكِنُ نَفَاذُهُ بِالْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ ( لَا نَفَاذَ بِلَا مَحَلٍّ فَبَقِيَ ) فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ( مَقْبُوضًا ) لَا عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ الْمَحْضَةِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْإِعَارَةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِقَبْضِهِ إلَّا عَلَى جِهَةِ الْعَقْدِ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ كَالْمَقْبُوضِ ( عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ ، وَفِي ) الْمَقْبُوضِ عَلَى ( سَوْمِ الشِّرَاءِ الْقِيمَةُ ) إذَا هَلَكَ وَهُوَ قِيَمِيٌّ وَالْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ إذَا كَانَ الْقَبْضُ بَعْدَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ ، أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمَّ ثَمَنٌ فَلَا ضَمَانَ فِي الصَّحِيحِ .
وَعَلَيْهِ فَرْعُ مَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ

أَبُو اللَّيْثِ فِي الْعُيُونِ : فِي رَجُلٍ أَخَذَ ثَوْبًا فَقَالَ اذْهَبْ بِهِ فَإِنْ رَضِيته اشْتَرَيْته فَضَاعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ قَالَ إنْ رَضِيته اشْتَرَيْته بِعَشْرَةٍ كَانَ ضَامِنًا لِلْقِيمَةِ ، وَبِثُبُوتِ الضَّمَانِ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي هَذَا الْبَيْعِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ ؛ وَعِنْدَهُمْ وَجْهٌ فِي ضَمَانِهِ بِالثَّمَنِ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ يَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَمَّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ ثُبُوتُ حَقِّ الْفَسْخِ ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ حَقِّ الْفَسْخِ انْتِفَاءُ حَقِّ الْمِلْكِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ .
قُلْنَا : قَوْلُك تَمَّ الْبَيْعُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ إنْ أَرَدْت فِي حَقِّ حُكْمِهِ مَنَعْنَاهُ أَوْ تَمَّتْ صُورَتُهُ فَمُسَلَّمٌ ، وَلَا يُفِيدُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِهِ حَتَّى يُوجَدَ شَرْطُ عَمَلِهِ وَهُوَ تَمَامُ الرِّضَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْهَلَاكَ بِكَوْنِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِيَخْرُجَ مَا إذَا هَلَكَ بَعْدَهَا ، وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَضْمَنُ بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَمَا انْبَرَمَ الْبَيْعُ لِعَدَمِ فَسْخِ الْبَائِعِ فِي الْمُدَّةِ ( وَلَوْ هَلَكَ ) الْمَبِيعُ ( فِي يَدِ الْبَائِعِ ) وَالْحَالُ أَنَّ الْخِيَارَ لَهُ لَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ يَنْفَسِخُ ( وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ الْمُطْلَقِ ) عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ فِيهِ : إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصَّحِيحِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ الْفَاسِدِ ؛ لِأَنَّ الْحَالَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَذَلِكَ أَعْنِي الِانْفِسَاخَ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، بَلْ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ الْأَصَالَةُ وَالْفَاسِدُ يَأْخُذُ حُكْمَهُ مِنْهُ .

قَالَ ( وَخِيَارُ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي جَانِبِ الْآخَرِ لَازِمٌ ، وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَمْنَعُ خُرُوجَ الْبَدَلِ .
عَنْ مِلْكِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ نَظَرًا لَهُ دُونَ الْآخَرِ .
قَالَ : إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا : يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي يَكُونُ زَائِلًا لَا إلَى مَالِكٍ وَلَا عَهْدَ لَنَا بِهِ فِي الشَّرْعِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَخْرُجْ الثَّمَنُ عَنْ مِلْكِهِ فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِهِ لَاجْتَمَعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ حُكْمًا لِلْمُعَاوَضَةِ ، وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ ؛ وَلِأَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي لِيَتَرَوَّى فَيَقِفَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ ، وَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ رُبَّمَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ بِأَنْ كَانَ قَرِيبَهُ فَيَفُوتُ النَّظَرُ .
قَالَ ( فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ بِالثَّمَنِ ، وَكَذَا إذَا دَخَلَهُ عَيْبٌ ) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ .
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ إذَا دَخَلَهُ عَيْبٌ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ ، وَالْهَلَاكُ لَا يَعْرَى عَنْ مُقَدِّمَةِ عَيْبٍ فَيَهْلِكُ ، وَالْعَقْدُ قَدْ انْبَرَمَ فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّ بِدُخُولِ الْعَيْبِ لَا يَمْتَنِعُ الرَّدُّ حُكْمًا بِخِيَارِ الْبَائِعِ فَيَهْلِكُ وَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ .

( قَوْلُهُ وَخِيَارُ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ) وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّ الْبَيْعَ ) إلَى آخِرِهِ تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ وَهُوَ قَوْلُنَا فَيَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي جَانِبِهِ لَازِمٌ بَاتٌّ فَقَدْ تَمَّ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ وَانْتَفَى مَا يَمْنَعُهُ مِنْ عَمَلِهِ إذَا كَانَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُهُ فَيَخْرُجُ ( وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَمْنَعُ خُرُوجَ الْبَدَلِ ) الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَةِ ( مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُوجِبُ عَدَمَ الرِّضَا بِخُرُوجِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَلَا يُؤَثِّرُ السَّبَبُ خُرُوجَهُ لِعَدَمِ شَرْطِ عَمَلِهِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ كَمَا كَانَ .
وَقَوْلُهُ ( إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُهُ ) بِمَعْنَى لَكِنَّ ، وَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ لِأَمْرٍ مُتَبَادِرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ بِخُرُوجِ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْمُقَدَّرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَهَذَا ( عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا : يَمْلِكُهُ ) الْمُشْتَرِي ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ( لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي يَكُونُ زَائِلًا لَا إلَى ) مِلْكِ ( مَالِكٍ وَلَا عَهْدَ لَنَا بِهِ فِي الشَّرْعِ ) فِي بَابِ التِّجَارَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ فَيَكُونُ كَالسَّائِبَةِ فَلَا يَرِدُ شِرَاءُ مُتَوَلِّي أَمْرِ الْكَعْبَةِ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا لِسَدَانَةِ الْكَعْبَةِ ، وَالضَّيْعَةُ الْمَوْقُوفَةُ بِعَبِيدِهَا إذَا ضَعُفَ أَحَدُهُمْ فَاشْتَرَى بِبَدَلِهِ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَلْ مِنْ بَابِ الْأَوْقَافِ وَحُكْمُ الْأَوْقَافِ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَا تَرِدُ التَّرِكَةُ الْمُسْتَغْرَقَةُ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْمَيِّتِ وَلَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَرَثَةِ وَلَا الْغُرَمَاءِ لِلْقَيْدِ الْمَذْكُورِ ( وَلِأَبِي

حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَخْرُجْ الثَّمَنُ عَنْ مِلْكِهِ فَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ يَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِهِ اجْتَمَعَ الْبَدَلَانِ ) وَالثَّمَنُ وَالْمَبِيعُ ( فِي مِلْكِ ) أَحَدِ الْمُتَعَاوِضَيْنِ ( حُكْمًا لِلْمُعَاوَضَةِ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ) وَأَنَّى يَكُونُ ( وَالْمُعَاوَضَةُ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ ) بَيْنَ الْمُتَعَاوِضَيْنِ فِي تَبَادُلِ مِلْكَيْهِمَا ، بِخِلَافِ ضَمَانِ غَاصِبِ الْمُدَبَّرِ إذَا أَبَقَ مِنْ عِنْدِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ بَدَلُ الْيَدِ أَوْ الْمِلْكِ حَيْثُ لَا يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ بِهِ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ فَيَجْتَمِعُ الْعِوَضَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ لَا ضَمَانُ مُعَاوَضَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَهَذَا أَلْزَمُ فِي الشَّرْعِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلسَّدَانَةِ وَالْوَقْفِ كَائِنٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ وَهُوَ يَخْرُجُ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ ( وَلِأَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي شُرِعَ نَظَرًا لَهُ لِيَتَرَوَّى فَيَقِفُ عَلَى الْمُصْلِحَةِ ) فِي رَأْيِهِ ( وَلَوْ أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ لَهُ ) بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ مَعَ خِيَارِهِ أَلْحَقْنَاهُ نَقِيضَ مَقْصُودِهِ ( إذْ رُبَّمَا ) كَانَ الْمَبِيعُ مَنْ ( يَعْتِقُ عَلَيْهِ ) فَيَعْتِقُ ( مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ ) فَيَعُودُ شَرْعُ الْخِيَارِ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ إذَا كَانَ مُفَوِّتًا لِلنَّظَرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا بِالْمِلْكِ وَلِذَا لَا تَثْبُتُ بِحَقِّ السُّكْنَى لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا إذَا بِيعَتْ بِجِوَارِهَا بِالِاتِّفَاقِ وَالْإِجْمَاعِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّهَا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهَا تَصَرُّفًا لَا ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ يَسْتَحِقُّهَا إذَا بِيعَتْ دَارٌ بِجِوَارِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى .
وَحَاصِلُ هَذَا مَعَ قَصْرِ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ بَلْ هُوَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُعَلَّلَةً بِانْبِرَامِ الْبَيْعِ فِي

ضِمْنِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ فَيَثْبُتُ مُقْتَضًى تَصْحِيحًا ، وَمَا فِي الْأَجْنَاسِ لَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا فَأَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إذَا رَآهَا وَيَبْطُلُ خِيَارُ الشَّرْطِ ( فَإِنْ هَلَكَ ) الْمَبِيعُ ( فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ) وَلَوْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ( هَلَكَ بِالثَّمَنِ ، وَكَذَا إذَا دَخَلَهُ عَيْبٌ ) لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَأَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ وَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ يُرْجَى زَوَالُهُ فِي الْمُدَّةِ بِأَنْ مَرِضَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ عَلَى خِيَارِهِ ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مَرِيضًا بَلْ حَتَّى يَبْرَأَ فِي الْمُدَّةِ ، فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَبْرَأْ لَزِمَ الْبَيْعُ فِيهِ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَبْطُلُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي كُلِّ عَيْبٍ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ إلَّا فِي خَصْلَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ النُّقْصَانَ إذَا حَصَلَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِفِعْلِ الْبَائِعِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ ، بَلْ إنْ شَاءَ رَدَّهُ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الْأَرْشَ مِنْ الْبَائِعِ .
وَقَوْلُهُ ( بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ هَلَكَ بِالثَّمَنِ : يَعْنِي الْفَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَهَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَهْلِكُ بِالْقِيمَةِ ، وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَهْلِكُ بِالثَّمَنِ هُوَ أَنَّ الْهَلَاكَ لَا يَخْلُو عَنْ مُقَدِّمَةِ عَيْبٍ وَدُخُولُ الْعَيْبِ يَمْنَعُ الرَّدَّ حَالَ قِيَامِهِ كَائِنًا مَا كَانَ ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْهَلَاكُ لَمْ تُوجَدْ حَالَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِلرَّدِّ فَيَهْلِكُ وَقَدْ انْبَرَمَ الْعَقْدُ ، وَانْبِرَامُ الْعَقْدِ يُوجِبُ الثَّمَنَ لَا الْقِيمَةَ ( بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ) مِنْ كَوْنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ ، فَإِنْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ حُكْمًا لِخِيَارِ الْبَائِعِ ( فَيَهْلِكُ وَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ ) فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فَلَا يَضْمَنُ الثَّمَنَ بَلْ الْقِيمَةَ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا لِمَا لَهُ مِنْ الْخِيَارِ ( وَإِنْ وَطِئَهَا لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا ) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِحُكْمِ النِّكَاحِ ( إلَّا إذَا كَانَتْ بِكْرًا ) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُنْقِصُهَا ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ( وَقَالَا : يَفْسُدُ النِّكَاحُ ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا ( وَإِنْ وَطِئَهَا لَمْ يَرُدَّهَا ) ؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ؛ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَخَوَاتٌ كُلُّهَا تَبْتَنِي عَلَى وُقُوعِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَعَدَمِهِ : مِنْهَا عِتْقُ الْمُشْتَرَى عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ قَرِيبًا لَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَمِنْهَا : عِتْقُهُ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي حَلَفَ إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ .
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : إنْ اشْتَرَيْت فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُنْشِئِ لِلْعِتْقِ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَيَسْقُطُ الْخِيَارُ ، وَمِنْهَا أَنَّ حَيْضَ الْمُشْتَرَاةِ فِي الْمُدَّةِ لَا يُجْتَزَأُ بِهِ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُمَا يُجْتَزَأُ ؛ وَلَوْ رُدَّتْ بِحُكْمِ الْخِيَارِ إلَى الْبَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ إذَا رُدَّتْ بَعْدَ الْقَبْضِ .
وَمِنْهَا إذَا وَلَدَتْ الْمُشْتَرَاةُ فِي الْمُدَّةِ بِالنِّكَاحِ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا ، .
وَمِنْهَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فِي الْمُدَّةِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ لِارْتِفَاعِ الْقَبْضِ بِالرَّدِّ لِعَدَمِ الْمِلْكِ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي لِصِحَّةِ الْإِيدَاعِ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْمِلْكِ .
وَمِنْهَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فَأَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْمُدَّةِ بَقِيَ عَلَى خِيَارِهِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ امْتِنَاعٌ عَنْ التَّمَلُّكِ وَالْمَأْذُونُ لَهُ يَلِيهِ ، وَعِنْدَهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَهُ كَانَ

الرَّدُّ مِنْهُ تَمْلِيكًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ .
وَمِنْهَا إذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَطَلَ الْخِيَارُ عِنْدَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا فَلَا يَمْلِكُ رَدَّهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ .
وَعِنْدَهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا فَلَا يَتَمَلَّكُهَا بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ بَعْدَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ( لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا لِمَا لَهُ مِنْ الْخِيَارِ ) وَالْمَبِيعُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، فَلَوْ رَدَّ الْبَيْعَ اسْتَمَرَّتْ زَوْجَةً عِنْدَهُ .
وَعِنْدَهُمَا إذَا فَسَخَهُ رَجَعَتْ إلَى مَوْلَاهَا بِلَا نِكَاحٍ عَلَيْهَا ( وَإِنْ وَطِئَهَا ) بَعْدَ الشِّرَاءِ ( لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا ) بِالْخِيَارِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَلْزَمُ هُنَا أَنْ يَكُونَ إجَازَةً ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي النِّكَاحِ مِلْكًا قَائِمًا يُحِلُّ لَهُ الْوَطْءَ فَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ وَطْئِهِ إجَازَةً ( إلَّا إذَا كَانَتْ بِكْرًا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُنْقِصُ الْبِكْرَ ) فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ لِلْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ ، وَمِنْ هَذَا يُعْرَفُ أَنَّهُ لَوْ نَقَصَهَا الْوَطْءُ وَهِيَ ثَيِّبٌ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ عِنْدَهُ أَيْضًا لِلنَّقْصِ الَّذِي دَخَلَهَا لَا لِذَاتِ الْوَطْءِ ، فَإِنْ قِيلَ : لَمَّا زَوَّجَهَا مَوْلَاهَا الَّذِي بَاعَهَا فَقَدْ رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ بِزَوَالِ الْبَكَارَةِ وَحِينَ أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ فَقَدْ رَضِيَ بِالرَّدِّ فَيَكُونُ رَاضِيًا بِرَدِّهَا نَاقِصَةً .
أُجِيبَ بِمَنْعِ بَقَاءِ الرِّضَا بِذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعِ بَلْ لَمَّا بَاعَهَا نُسِخَ ذَلِكَ الرِّضَا إلَى الرِّضَا بِمَا هِيَ أَحْكَامُ هَذَا الْبَيْعِ وَأَحْكَامُ هَذَا الْبَيْعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ( وَقَالَا : يَفْسُدُ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا ، فَإِنْ وَطِئَهَا لَا يَرُدُّهَا ) وَلَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ بَعْدَ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ لَيْسَ إلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَكَانَ مُسْقِطًا لِلْخِيَارِ وَرِضًا بِالْبَيْعِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَعَدَمِهِ ( وَلَهَا أَخَوَاتٌ ) ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ تَفْرِيعًا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ ( مِنْهَا عِتْقُ ) الْعَبْدِ ( الْمُشْتَرَى عَلَى الْمُشْتَرِي ) بِشَرْطِ الْخِيَارِ ( وَفِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ قَرِيبَهُ ) قَرَابَةً مُحَرِّمَةً عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا يَعْتِقُ

حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يُفْسَخْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ ( وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ قَالَ : إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ ) فَاشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِسَبَبِ الْخِيَارِ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ ، وَعِنْدَهُمَا وُجِدَ فَعَتَقَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ .
أَمَّا لَوْ قَالَ : إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِالِاتِّفَاقِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهَذَا شِرَاءٌ فَيَكُونُ كَالْمُنْشِئِ لِلْعِتْقِ بَعْدَهُ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَلِذَا لَا يُعْتَقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ إذَا نَوَى الْحَالِفُ بِشِرَائِهِ أَنْ يُعْتِقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ .
وَمِنْهَا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَحَاضَتْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ وَجَدَ بَعْضَ الْحَيْضَةِ فِيهَا ثُمَّ اخْتَارَ الْبَيْعَ عِنْدَهُ لَا يَجْتَزِئُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْمِلْكِ وَالْمَوْجُودُ بَعْدَ الْمِلْكِ بَعْضُ الْحَيْضَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ أُخْرَى لِحِلِّ الْوَطْءِ .
وَعِنْدَهُمَا يَجْتَزِئُ بِهَا لِوُجُودِهَا بَعْدَ الْمِلْكِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لِوُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ الْمِلْكُ ، وَالْمِلْكُ الْمُؤَكَّدُ يَكُونُ بِالْقَبْضِ ، وَلَوْ اخْتَارَ الْفَسْخَ فَرَدَّهَا إلَى الْبَائِعِ لَا يَحْتَاجُ الْبَائِعُ إلَى اسْتِبْرَائِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ .
وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقِيَاسِ يَجِبُ وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ اسْتِبْرَاؤُهَا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِاسْتِحْدَاثِ الْمِلْكِ بَعْدَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْمِلْكَ الْمُؤَكَّدَ بِالْقَبْضِ فَيَثْبُتُ تَوَهُّمُ الشُّغْلِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْعَقْدَ لَوْ كَانَ بَاتًّا ثُمَّ فُسِخَ بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْبَائِعِ الِاسْتِبْرَاءُ ، وَفِي

الِاسْتِحْسَانِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَالِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَفَسَخَ فِي الْمُدَّةِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ ، وَإِنْ أَجَازَهُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي اسْتِبْرَاؤُهَا بِحَيْضَةٍ بَعْدَ الْإِجَازَةِ بِالْإِجْمَاعِ .
وَمِنْهَا إذَا وَلَدَتْ مَنْكُوحَتُهُ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي الْمُدَّةِ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَهُمَا ، وَقَدْ قَيَّدَ الشَّارِحُونَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِمَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ : لَوْ وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ بِالْوِلَادَةِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِالْإِجْمَاعِ .
وَصَوَّرَ الطَّحَاوِيُّ هَذِهِ الْخِلَافِيَّةَ فِيمَا إذَا وَلَدَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ قَالَ : اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ ؛ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَخِيَارُهُ عَلَى حَالِهِ إلَّا إذَا اخْتَارَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَعِنْدَهُمَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِالشِّرَاءِ ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ وَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ ، وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَحْسَنَ وَهُوَ يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَالشِّرَاءِ وَمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَعْدَ الشِّرَاءِ ( وَمِنْهَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي ) بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ ( الْمَبِيعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فِي الْمُدَّةِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ) عِنْدَهُ ( لِارْتِفَاعِ الْقَبْضِ بِالرَّدِّ ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ ارْتَفَعَ الْقَبْضُ بِالْإِيدَاعِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُودَعًا لَمِلْكِ نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ الْإِيدَاعُ صَحِيحًا ، وَهَلَاكُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ ( وَعِنْدَهُمَا ) يَهْلَكُ ( مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي لِصِحَّةِ الْإِيدَاعِ بِاعْتِبَارِ

قِيَامِ مِلْكِهِ ) وَقَدْ يُقَالُ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِيدَاعِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَصْلُحُ مُودَعًا لَمِلْكِ نَفْسِهِ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ الْمَبِيعَ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِاتِّفَاقٍ فَلَا يَكُونُ مُودَعًا لِمِلْكِ نَفْسِهِ فَتَصِحُّ وَدِيعَةُ الْمُشْتَرِي لِتَحَقُّقِ إيدَاعِ غَيْرِ الْمَالِكِ كَالْمُضَارِبِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ يُرَادُ مِلْكُهُ بِحَسَبِ الْمَآلِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَئُولَ إلَى مِلْكِهِ بِأَنْ يَخْتَارَ مُشْتَرِي الْبَيْعَ .
أَمَّا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَوْدَعَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ الْبَائِعَ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ نَفَاذِ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .
وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَهُ فِيهِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ أَوْ عَيْبٌ فَأَوْدَعَهُ الْبَائِعُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ اتِّفَاقًا ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْخِيَارَيْنِ لَا يَمْنَعَانِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فَصَحَّ الْإِيدَاعُ مِنْهُ ( وَمِنْهَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي ) بِالْخِيَارِ ( عَبْدًا مَأْذُونًا فَأَبْرَأهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْمُدَّةِ ) يَصِحُّ إبْرَاؤُهُ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَمْلِكُ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فَلَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهُ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ .
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ : يَصِحُّ لِوُجُوبِ سَبَبِ مِلْكِهِ لِلثَّمَنِ وَهُوَ الْبَيْعُ .
وَإِذَا صَحَّ إبْرَاؤُهُ إلَّا لِاتِّفَاقٍ ( بَقِيَ عَلَى خِيَارِهِ ) فِي السِّلْعَةِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ فَيَأْخُذُهَا بِلَا ثَمَنٍ ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ فَيَرُدُّ السِّلْعَةَ لِلْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَبِيعَ فَكَانَ رَدُّهُ امْتِنَاعًا عَنْ تَمَلُّكِ شَيْءٍ بِلَا عِوَضٍ ( وَالْمَأْذُونُ يَلِيهِ ) أَيْ يَمْلِكُ ذَلِكَ كَمَا لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ قَبُولِ الْهِبَةِ ( وَعِنْدَهُمَا ) لَمَّا بَرِئَ مِنْ الثَّمَنِ وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْمَبِيعَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ

الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ لَوْ رَدَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا مُمَلَّكًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعَاتِ ، فَإِذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ انْبَرَمَ الْبَيْعُ بِلَا شَيْءٍ .
وَاسْتَشْكَلَ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الثَّمَنَ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَعْتَمِدُ شَغْلَ الذِّمَّةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ زَوَالُ مِلْكِ الْمَشْغُولِ ذِمَّتُهُ عَنْ مِقْدَارِهِ ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَدْيُونَ مَشْغُولُ الذِّمَّةِ وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنَّمَا اشْتَغَلَتْ ذِمَّتُهُ لِصِحَّةِ السَّبَبِ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ لَيْسَ دَاخِلًا عَلَى السَّبَبِ بَلْ عَلَى حُكْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِوُجُودِ الْبَيْعِ لَا بُدَّ أَنْ تُشْغَلَ الذِّمَّةُ بِالثَّمَنِ ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ يُقَارِنُ وُجُوبَ أَدَائِهِ بَلْ الثَّابِتُ أَصْلُ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ طَلَبٌ أَصْلًا عَلَى مَا عُرِفَ ( وَمِنْهَا إذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ ثُمَّ أَسْلَمَ ) الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ( بَطَلَ خِيَارُهُ ) عِنْدَهُمَا ( لِأَنَّهُ مَلَكَهَا فَلَا يَمْلِكُ رَدَّهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ ، وَعِنْدَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَلَا يُمْكِنُهُ تَمَلُّكُهَا بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ ) بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَتَعَيَّنَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ أَمَّا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَأَسْلَمَ فَبُطْلَانُ الْبَيْعِ بِالْإِجْمَاعِ ، هَذَا آخِرُ مَا فَرَّعَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَمِنْ الْفُرُوعِ أَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ فِي دُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ مَا لَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَصِيرًا بِالْخِيَارِ فَتَخَمَّرَ فِي الْمُدَّةِ فَسَدَ الْبَيْعُ عِنْدَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ تَمَلُّكِهِ بِإِسْقَاطِ خِيَارِهِ وَتَمَّ عِنْدَهُمَا لِعَجْزِهِ عَنْ رَدِّهِ بِفَسْخِهِ .
وَمِنْهَا مَا إذَا اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَهُوَ سَاكِنُهَا بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ فَاسْتَدَامَ سَاكِنُهَا قَالَ الْإِمَامُ

السَّرَخْسِيُّ : لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا وَإِنَّمَا الِاخْتِيَارُ ابْتِدَاءُ السُّكْنَى .
وَقَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ : اسْتِدَامَةُ السُّكْنَى اخْتِيَارٌ عِنْدَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْعَيْنَ وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارٍ ؛ لِأَنَّهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ الْإِعَارَةِ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا وَمِنْهَا حَلَالٌ اشْتَرَى ظَبْيًا بِالْخِيَارِ فَقَبَضَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ وَالظَّبْيُ فِي يَدِهِ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ عِنْدَهُ وَيُرَدُّ إلَى الْبَائِعِ .
وَقَالَا : يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ يُنْتَقَضُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَأَحْرَمَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْخِيَارَ إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَفُسِخَ الْعَقْدُ فَالزَّوَائِدُ تُرَدُّ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْدُثْ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي .
وَعِنْدَهُمَا لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِهِ .

قَالَ ( وَمَنْ شُرِطَ لَهُ الْخِيَارُ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ فِي الْمُدَّةِ وَلَهُ أَنْ يُجِيزَ ، فَإِنْ أَجَازَهُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ صَاحِبِهَا جَازَ وَإِنْ فَسَخَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ حَاضِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالشَّرْطُ هُوَ الْعِلْمُ ، وَإِنَّمَا كَنَّى بِالْحَضْرَةِ عَنْهُ .
لَهُ أَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ فَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ كَالْإِجَازَةِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ وَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ .
وَلَهُمَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ الْعَقْدُ بِالرَّفْعِ ، وَلَا يَعْرَى عَنْ الْمَضَرَّةِ ؛ لِأَنَّهُ .
عَسَاهُ يَعْتَمِدُ تَمَامَ الْبَيْعِ السَّابِقِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ فَتَلْزَمُهُ غَرَامَةُ الْقِيمَةِ بِالْهَلَاكِ فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ، أَوْ لَا يَطْلُبُ لِسِلْعَتِهِ مُشْتَرِيًا فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي ، وَهَذَا نَوْعُ ضَرَرٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ وَصَارَ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ ، بِخِلَافِ .
الْإِجَازَةِ لِأَنَّهُ لَا إلْزَامَ فِيهِ ، وَلَا نَقُولُ إنَّهُ مُسَلَّطٌ ، وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَصَاحِبُهُ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ وَلَا تَسْلِيطَ فِي غَيْرِ .
مَا يَمْلِكُهُ الْمُسَلَّطُ ، وَلَوْ كَانَ فَسَخَ فِي حَالِ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَبَلَغَهُ فِي الْمُدَّةِ تَمَّ الْفَسْخُ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ ، وَلَوْ بَلَغَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ تَمَّ الْعَقْدُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْفَسْخِ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ شُرِطَ لَهُ الْخِيَارُ ) سَوَاءٌ كَانَ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا أَوْ أَجْنَبِيًّا ( لَهُ أَنْ يُجِيزَ ) فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ ( وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ ، فَإِنْ أَجَازَ بِغَيْرِ حَضْرَةِ صَاحِبِهِ ) يُرِيدُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ( جَازَ ) فَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَنَفَاذُ الْبَيْعِ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ : بِمُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ وَبِمَوْتِهِ وَبِإِغْمَائِهِ وَجُنُونِهِ فِي الْمُدَّةِ ، فَإِنْ أَفَاقَ فِيهَا قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ : الْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى خِيَارٍ ، وَلَوْ سَكِرَ مِنْ الْخَمْرِ لَمْ يُبْطِلْ سُكْرُهُ مِنْ الْبَنْجِ ، وَلَوْ ارْتَدَّ فَعَلَى خِيَارِهِ إجْمَاعًا ، فَلَوْ تَصَرَّفَ بِحُكْمِ الْخِيَارِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافًا لَهُمَا .
وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ أَنْ يُجِيزَ الْبَائِعُ كَأَنْ يَقُولَ : أَجَزْت الْبَيْعَ وَرَضِيته وَأَسْقَطْت خِيَارِي وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَنَفَاذُهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لِلْبَائِعِ ، وَبِالْفِعْلِ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بِأَنْ يُعْتِقَ أَوْ يُكَاتِبَ أَوْ يُدَبِّرَ أَوْ يَبِيعَ الْمَبِيعَ أَوْ يَهَبَهُ وَيُسَلِّمَهُ أَوْ يَرْهَنَهُ أَوْ يُؤَجِّرَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ فِي الْمُدَّةِ فَوُجِدَ الشَّرْطُ فِيهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُبَاشِرَ فِي الْمَبِيعِ فِعْلًا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلِامْتِحَانِ ، وَلَا يَحِلُّ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ بِحَالٍ ، فَإِنْ كَانَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلِامْتِحَانِ وَيَحِلُّ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ ، فَالْوَطْءُ إجَازَةٌ ، وَكَذَا التَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ وَالْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ ، وَالنَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ لَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فِي الْجُمْلَةِ ، فَإِنَّ الطَّبِيبَ وَالْقَابِلَةَ يَحِلُّ لَهُمَا النَّظَرُ وَالْمُبَاشَرَةُ .
نَعَمْ التَّقْبِيلُ لَا إلَّا أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَسٌّ ، وَلَوْ أَنْكَرَ الشَّهْوَةَ فِي هَذِهِ كَانَ

الْقَوْلُ قَوْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ سُقُوطَ خِيَارِهِ ، وَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَتْ الْجَارِيَةُ ذَلِكَ يَسْقُطُ خِيَارُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَكُونُ فِعْلُهَا أَلْبَتَّةَ إجَازَةً لِلْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ لِيَخْتَارَ هُوَ لَا لِيُخْتَارَ عَلَيْهِ ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَكَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْوَطْءِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْوَطْءِ فِي إيجَابِ الْحُرْمَةِ كَالْمُضَافِ إلَى الرَّجُلِ .
وَأَمَّا الْمُبَاضَعَةُ مُكْرَهًا كَانَ أَوْ مُطَاوِعًا اخْتِيَارٌ .
أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ؛ فَلِأَنَّ الْوَطْءَ تَنْقِيصٌ ، حَتَّى لَوْ وُجِدْت مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي يَمْتَنِعُ الرَّدُّ ، فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ إذَا ابْتَدَأَتْهَا وَالْمُشْتَرِي كَارِهٌ ثُمَّ تَرَكَهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَهُوَ اخْتِيَارٌ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ سُقُوطُ الْخِيَارِ فِي غَيْرِ الْمُبَاضَعَةِ إذَا أَقَرَّ بِشَهْوَتِهَا ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا يَلْزَمُ إسْقَاطُ خِيَارِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إقْرَارِهِ بِمَا يُسْقِطُ خِيَارَهُ ، وَلَوْ دَعَا الْجَارِيَةَ إلَى فِرَاشِهِ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ ، وَالِاسْتِخْدَامُ لَيْسَ بِإِجَازَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِهِ ، وَالِاسْتِخْدَامُ ثَانِيًا إجَازَةٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي نَوْعٍ آخَرَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فَقَالَ : الِاسْتِخْدَامُ مِرَارًا لَا يَكُونُ إجَازَةً .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : قَالَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ تُبْطِلُ الْخِيَارَ ، وَأَكْلُهُ الْمَبِيعَ وَشُرْبُهُ وَلُبْسُهُ يُسْقِطُ الْخِيَارَ .
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : إذَا لَبِسَهُ مَرَّةً وَاسْتَخْدَمَ الْخَادِمَ مَرَّةً لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ وَيَبْطُلُ بِمَرَّتَيْنِ ، وَرُكُوبُهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ يَرُدَّهَا وَيَعْلِفَهَا إجَازَةٌ .
وَقِيلَ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بِدُونِ الرُّكُوبِ لَا يَكُونُ إجَازَةً .
وَأَطْلَقَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ فَقَالَ : وَرُكُوبُهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ يَرُدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ لَا يُبْطِلُ

خِيَارَهُ اسْتِحْسَانًا فَجَعَلَهُ الِاسْتِحْسَانَ .
وَلَوْ قَطَعَ حَوَافِرَ الدَّابَّةِ أَوْ أَخَذَ بَعْضَ عُرْفِهَا لَا يَبْطُلُ .
وَلَوْ نَسَخَ مِنْ الْكِتَابِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَا يَسْقُطُ .
وَلَوْ دَرَسَ فِيهِ يَسْقُطُ ، وَقِيلَ عَلَى الْعَكْسِ ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ ، وَطَلَبُ الشُّفْعَةِ بِالدَّارِ الْمُشْتَرَاةِ رِضًا بِهَا ، بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ .
وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فِي خِيَارِ الْمُشْتَرِي بَطَلَ خِيَارُهُ سَوَاءٌ حَدَثَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ بِفِعْلِ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إلْزَامِ الْبَيْعِ ، وَمَتَى قُلْنَا إنَّهُ يَلْزَمُ بِجِنَايَتِهِ أَثْبَتْنَا لَهُ قُدْرَةَ إلْزَامِهِ فَتَفُوتُ فَائِدَةُ شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لُزُومَهُ لَا مِنْ قِبَلِهِ .
وَلَهُمَا أَنَّ مَا يَنْقُصُ بِفِعْلِ الْبَائِعِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُ الْعَقْدُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي تَلِفَ فِي ضَمَانِهِ وَتَعَذَّرَتْ عَلَى الْبَائِعِ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ ، فَمَتَى رَدَّ الْبَاقِيَ كَانَ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ فِي حَقِّ الرَّدِّ ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ ؛ وَإِذَا .
عُرِفَ هَذَا عُرِفَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْأَرْشِ ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَحَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ ؛ لِأَنَّ مَا انْتَقَصَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْبَائِعِ ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَتْ أَطْرَافُهُ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ حَدَثَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ انْتَقَصَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ مَا انْتَقَصَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَيُسْقِطُ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ ، فَلَوْ نَفَيْنَا الْخِيَارَ تَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ بَزَغَ الدَّابَّةَ فَهُوَ رِضًا ، وَلَوْ حَلَبَ لَبَنَهَا فَهُوَ رِضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا

يَكُونُ رِضًا حَتَّى يَشْرَبَهُ أَوْ يَسْتَهْلِكَهُ ، وَلَوْ سَقَى حَرْثًا فِي الْأَرْضِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْأَرْضَ أَوْ حَصَدَ الزَّرْعَ أَوْ فَصَلَ مِنْهُ شَيْئًا فِيمَا إذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ فَهُوَ رِضًا .
وَلَوْ سَقَى دَوَابَّهُ مِنْ النَّهْرِ أَوْ شَرِبَ هُوَ فَلَيْسَ بِرِضًا ، وَلَوْ طَحَنَ فِي الرَّحَى فَهُوَ رِضًا ، وَقَدْ ذُكِرَ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَذَلِكَ فِي رَحَى الْمَاءِ وَلَيْسَتْ فِي دِيَارِنَا .
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا فِيهَا سَاكِنٌ فَطَلَبَ الْمُشْتَرِي الْأُجْرَةَ مِنْ السَّاكِنِ فَهُوَ إجَازَةٌ .
وَلَوْ غَسَلَ الْعَبْدَ أَوْ الْجَارِيَةَ أَوْ مَشَّطَهَا بِالْمُشْطِ وَالدُّهْنِ وَأَلْبَسَهَا فَلَيْسَ بِرِضًا ( قَوْلُهُ وَإِنْ فَسَخَ ) أَيْ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْمُدَّةِ ( بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْآخَرِ ) أَيْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ( لَمْ يَجُزْ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ( وَإِنَّمَا كَنَّى بِالْحَضْرَةِ عَنْ الْعِلْمِ ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْفَسْخُ إلَّا بَعْدَ الْمُدَّةِ تَمَّ الْبَيْعُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْفَسْخِ ( وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ) وَكَذَا الْخِلَافُ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْفَسْخُ بِالْقَوْلِ فِي الْمُدَّةِ بِأَنْ يَقُولَ فَسَخْت أَوْ رَدَدْت الْبَيْعَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رَدِّ الْبَيْعِ ، وَهَذَا الْفَسْخُ بِالْقَوْلِ هُوَ الَّذِي الْخِلَافُ فِي جَوَازِهِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْآخَرِ .
وَأَمَّا الْفَسْخُ بِالْفِعْلِ فَيَجُوزُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ اتِّفَاقًا ، وَكَانَ مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ بِالْقَوْلِ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِيمَا هُوَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَوْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ اخْتِيَارٌ يَثْبُتُ بِهِ الِانْفِسَاخُ ، بِخِلَافِ الْمَوْتِ وَفِعْلِ الْأَمَةِ وَدُخُولِ الْعَيْبِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَالْهَلَاكِ ، فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَهُوَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ كَالْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَالْوَطْءِ ، وَجَمِيعُ مَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ إجَازَةٌ إذَا صَدَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَفْعَالِ فَهُوَ فَسْخٌ إذَا صَدَرَ

مِنْ الْبَائِعِ ( لَهُ ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ ( أَنَّهُ ) أَيْ الْفَاسِخُ مِنْهُمَا ( مُسَلَّطٌ عَلَى الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ ) يَعْنِي الَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ ( فَلَا يَتَوَقَّفُ ) فَسْخُهُ ( عَلَى عِلْمِهِ ) كَبَيْعِ الْوَكِيلِ يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ ( وَلَهُمَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ ) وَهُوَ الَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ ( بِالرَّفْعِ وَلَا يَعْرَى عَنْ الضَّرَرِ ؛ لِأَنَّهُ ) أَيْ الْغَيْرُ الَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ عَسَاهُ يَعْتَمِدُ عَلَى تَمَامِ الْبَيْعِ السَّابِقِ ) إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْفَسْخُ ( فَيَتَصَرَّفُ ) الْمُشْتَرِي ( فِيهِ ) فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ فَسْخٌ ( فَتَلْزَمُهُ غَرَامَةُ الْقِيمَةِ بِالْهَلَاكِ ) وَقَدْ تَكُونُ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ ( وَلَا يَطْلُبُ لِسِلْعَتِهِ مُشْتَرِيًا ) اعْتِمَادًا عَلَى نَفَاذِ الْبَيْعِ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْفَسْخُ فِي الْمُدَّةِ اعْتِمَادًا عَلَى تَمَامِهِ ( فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَهَذَا نَوْعُ ضَرَرٍ ) يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الِانْفِرَادِ بِالْفَسْخِ فَيَتَوَقَّفُ عِلْمُهُ وَصَارَ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ قَصْدًا حَالَ عَدَمِ عِلْمِهِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَزْلِ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ بِلُزُومِ الثَّمَنِ مِنْ مَالِهِ إذَا كَانَ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ ، وَبِبُطْلَانِ قَوْلِهِ وَتَصَرُّفِهِ إذَا كَانَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ ، وَرُبَّمَا يَعْتَمِدُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ النَّفَاذَ فَيَتَشَعَّبُ الْفَسَادُ .
وَالْحَاصِلُ قِيَاسَانِ تَعَارَضَا قِيَاسُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ وَقِيَاسُهُمَا عَلَى عَزْلِ الْوَكِيلِ ، ثُمَّ فِي قِيَاسِهِمَا أُمُورٌ طَرْدِيَّةٌ لَا مَعْنَى لَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِالرَّفْعِ ، فَإِنَّ هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ بِلَا عِلْمٍ ، إنَّمَا أَثَرُهُ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ بِلَا إذْنٍ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ حَقَّ الْغَيْرِ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ بِلَا إذْنٍ ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِلْمِ طَرْدٌ ، وَالْإِذْنُ قَدْ وُجِدَ فِي ضِمْنِ شَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ :

لَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ لَهُ بِالْفَسْخِ مُطْلَقًا إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَظِنَّةَ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ ، أَمَّا إذَا كَانَ الْفَسْخُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ طَرِيقَ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فَلَا .
قُلْنَا فَاسْتَقَامَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ لَيْسَ إلَّا كَوْنُ فَسْخِهِ مَظِنَّةَ ذَلِكَ الضَّرَرِ ، وَصَحَّ قَوْلُنَا إنَّ مَا سِوَاهُ لَا أَثَرَ لَهُ مِنْ كَوْنِهِ تَصَرَّفَ فِي حَقِّهِ بِلَا عِلْمِهِ ، وَحِينَئِذٍ فَيَقْتَصِرُ النَّظَرُ عَلَى إثْبَاتِ الضَّرَرِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لُزُومُ الْقِيمَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِنَاءً عَلَى زِيَادَةِ الْقِيمَةِ عَلَى الثَّمَنِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا أَكْثَرِيٍّ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ فَهُمَا فِي مَحَلِّ التَّعَارُضِ ، بَلْ الْغَالِبُ أَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ بِمَا هُوَ قِيمَةُ الْمَبِيعِ خُصُوصًا بِيَاعَاتُ الْأَسْوَاقِ فَبَطَلَ ذَلِكَ الشِّقُّ وَأَمَّا ضَرَرُ الْبَائِعِ بِاعْتِمَادِهِ فَلَا يَطْلُبُ لِسِلْعَتِهِ مُشْتَرِيًا ، فَإِنَّمَا لَحِقَهُ مِنْ تَقْصِيرِهِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَكْشِفْ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي الْمُدَّةِ هَلْ فَسَخْت أَوْ لَا ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْفِقْهِ أَعْنِي إلْزَامَ مَا هُوَ ضَرَرٌ لِتَقْصِيرِ مَنْ لَزِمَهُ فِي احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ مَعَ الْمُكْنَةِ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّ ضَرَرَهُ لَازِمٌ بِإِلْزَامِ ثَمَنِ مَا يَشْتَرِيهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ وَكِيلًا لِلشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ إذَا وُجِدَ نَفَاذًا لَا يَتَوَقَّفُ فَيَتَضَرَّرُ بِإِلْزَامِ ثَمَنِ مَا لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمِقْدَارِهِ وَبِإِهْدَارِ أَقْوَالِهِ : أَعْنِي عُقُودَهُ إذَا كَانَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ .
وَهَذَا أَضَرُّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ اقْتِرَاضِ الْمَالِ لِدَفْعِ الدَّيْنِ لِمَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ تَحْقِيرِ شَأْنِهِ وَوَضْعِ قَدْرِهِ ، فَالْوَجْهُ لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ أَقْوَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ حِينَئِذٍ (

وَلَا نَقُولُ إنَّهُ مُسَلَّطٌ ) مِنْ جِهَتِهِ ( وَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ فَلَا يَمْلِكُ تَسْلِيطَهُ ) مُشَاحَّةٌ لَفْظِيَّةٌ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مَنْ سَلَّطَهُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ فِي الْمُدَّةِ ، فَإِذَا مَنَعَ تَضَمُّنَ شَرْطِ الْخِيَارِ الْإِذْنُ بِلَا عِلْمِهِ لِلضَّرَرِ ، فَكَانَ الْإِذْنُ مُقَيَّدًا بِعَدَمِ مَحَلِّ الضَّرَرِ وَهُوَ حَالُ الْعِلْمِ .
فَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ انْتِفَائِهِ فِي صُورَةِ التَّعَارُضِ وَعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي أُخْرَى لِتَقْصِيرِهِ مَنْ يَلْزَمُهُ ، وَبِهَذَا أَجَابُوا عَنْ الْمُعَارَضَةِ الْقَائِلَةِ لَوْ لَمْ يَنْفَرِدْ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بِالْفَتْحِ يَتَضَرَّرُ هُوَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَفِيَ صَاحِبُهُ فِي الْمُدَّةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ ، فَقَالُوا : هَذَا الضَّرَرُ إنَّمَا لَزِمَهُ مِنْ جَانِبِهِ بِتَقْصِيرِهِ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ الضَّرَرَ بِالِاخْتِفَاءِ عَلَى صَاحِبِ الْخِيَارِ لِعَجْزِهِ عَنْ إحْضَارِهِ لَا بِالِاخْتِفَاءِ فَفِي سِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ التَّجَاوُزُ عَنْهُ .
وَقِيلَ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَفِي ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ حَيْثُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِصَاحِبِهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِلْزَامَ بِهَذَا الْفَرْعِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .
فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : جَاءَ إلَى بَابِ الْبَائِعِ لِيَرُدَّهُ فَاخْتَفَى فِيهِ فَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي خَصْمًا لِيَرُدَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : يُنَصَّبُ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ : لَا يُجِيبُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ وَكِيلًا مَعَ احْتِمَالِ غِيبَتِهِ فَلَا يُنْظَرُ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُنَصِّبْ الْقَاضِي وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي الْإِعْذَارَ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ : وَفِي رِوَايَةٍ يُجِيبُهُ فَيَبْعَثُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى بَابِ الْبَائِعِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ : إنَّ خَصْمَك فُلَانًا يُرِيدُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ عَلَيْك ، فَإِنْ حَضَرْت وَإِلَّا نَقَضْت الْبَيْعَ وَلَا يَنْقُضُ الْقَاضِي بِلَا إعْذَارٍ .
وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يُجِيبُهُ

إلَى الْإِعْذَارِ أَيْضًا ، وَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَيْفَ يَصْنَعُ الْمُشْتَرِي ؟ قَالَ : يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَوْثِقَ فَيَأْخُذَ مِنْهُ وَكِيلًا ثِقَةً إذَا خَافَ الْغَيْبَةَ حَتَّى إذَا غَابَ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ : وَطَرِيقُ نَقْضِ الْقَاضِي عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْخَصْمُ : إنِّي أَعْذَرْت إلَيْهِ وَأَشْهَدْت فَتَوَارَى فَيَقُولُ الْقَاضِي اشْهَدُوا أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ أَعْذَرَ إلَى صَاحِبِهِ فِي الْمُدَّةِ كُلَّ يَوْمٍ وَاخْتَفَى ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ فَقَدْ أَبْطَلْت عَلَيْهِ الْخِيَارَ ، فَإِنْ ظَهَرَ وَأَنْكَرَ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ بِالْخِيَارِ وَالْإِعْذَارِ ، وَهَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى غَائِبٍ وَلَا تُسْمَعُ حَالَ غَيْبَتِهِ لِلْحُكْمِ بِهَا عَلَيْهِ .
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْمَسَائِلُ الْمُورَدَةُ نَقْضًا مُسَلَّمَةٌ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى وَفْقِ مَا تَرَجَّحَ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، لَكِنَّا نُورِدُهَا بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ تَمَامِ الدَّلِيلِ : فَمِنْهَا أَنَّ الْمُخَيَّرَةَ يَتِمُّ اخْتِيَارُهَا لِنَفْسِهَا بِلَا عِلْمِ زَوْجِهَا وَيَلْزَمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ لُزُومَ حُكْمِ الطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ بِإِيجَابِهِ نَفْسِهِ وَهُوَ تَخْيِيرُهُ وَهُوَ بَعْدَ الرِّضَا وَالْعِلْمِ ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ إثْبَاتَ خِيَارِ الْفَسْخِ بِمَنْزِلَةِ إثْبَاتِ خِيَارِ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بِإِيجَابِهِ فَيَجُوزُ حَالَ غَيْبَتِهِ فَكَذَا الْفَسْخُ بِإِيجَابِهِ فَيَجُوزُ حَالَ غَيْبَتِهِ .
وَمِنْهَا الرَّجْعَةُ يَنْفَرِدُ بِهَا الزَّوْجُ وَيَلْزَمُ حُكْمُهَا الْمَرْأَةَ ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ثَلَاثِ حِيَضٍ فُسِخَ إذَا أَثْبَتَ الرَّجْعَةَ قَبْلَهَا أُجِيبَ بِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يُلْزِمُهَا حُكْمًا جَدِيدًا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا يُثْبِتُ الْبَيْنُونَةَ عِنْدَ فَرَاغِ الْعِدَّةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الرَّجْعَةِ فَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَكْشِفَ شَرْطَ تَصَرُّفِهَا هَلْ هُوَ

مَوْجُودٌ أَوْ لَا .
وَمِنْهَا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ ، فَإِنَّ حُكْمَهَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ بِلَا عِلْمِهِ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا إسْقَاطَاتٌ لَا يَلْزَمُ بِهَا شَيْءٌ مَنْ أُسْقِطَ عَنْهُ فَلَا يَتَوَقَّف عَلَى عِلْمِهِ .
وَمِنْهَا خِيَارُ الْمُعْتَقَةِ يَصِحُّ اخْتِيَارُهَا الْفُرْقَةَ بِلَا عِلْمِ زَوْجِهَا .
أُجِيبَ لَا رِوَايَةَ فِيهَا .
وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَالتَّخْيِيرُ أَثْبَتَهُ لَهَا الشَّرْعُ مُطْلَقًا وَلَا الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ ، فَإِنَّ كَوْنَ الشَّرْعِ أَثْبَتَ حُكْمَ التَّصَرُّفِ عَلَى الْآخَرِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فِي خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّرْعَ لَا يُوقِفُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ عَلَى عِلْمِ الْآخَرِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِهِ فِي حَقِّهِ .
فَإِنْ قُلْت : فَمَا الضَّرَرُ الَّذِي يَلْزَمُهُ أَوَّلًا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى جَوَابِهِ ؟ قُلْنَا : امْتِنَاعُهُ عَنْ تَزَوُّجِ أَمَةٍ بِنَاءً عَلَى قِيَامِ نِكَاحِ الَّتِي أُعْتِقَتْ .
وَمِنْهَا خِيَارُ الْمَالِكِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ بِدُونِ عِلْمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ .
أُجِيبَ بِأَنَّ عَقْدَهُمَا لَا وُجُودَ لَهُ فِي حَقِّ الْمَالِكِ إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ ، فَإِذَا رُدَّ فَقَدْ بَقِيَ عَدَمُ شَرْطِ الثُّبُوتِ فَانْعَدَمَ أَصْلًا فِي حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الِانْعِقَادُ حُكْمًا .
وَمِنْهَا الْعِدَّةُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِتَطْلِيقِ الزَّوْجِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عِلْمِهَا .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَجِبُ بِالطَّلَاقِ حَتَّى يَتَوَقَّفَ نَفَاذُ الطَّلَاقِ عَلَى عِلْمِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِدَّةُ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَلْ الطَّلَاقُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِإِزَالَةِ مِلْكٍ أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِي ضِمْنِ الطَّلَاقِ وَالْعِبْرَةُ لِلْمُتَضَمِّنِ لَا لِلْمُتَضَمَّنِ ، وَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَ جَوَازُ الْفَسْخِ لَهُ بِتَسَلُّطِ صَاحِبِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ .
[ فُرُوعٌ ] اشْتَرَيَا غُلَامًا عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا لَا رَدَّ

لِلْآخَرِ عِنْدَهُ .
وَقَالَا عِنْدَهُ .
وَقَالَا لَهُ رَدُّ نَصِيبِهِ .
وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْعَاقِدَيْنِ فَقَالَ الْبَائِعُ : بِحُضُورِ الْمُشْتَرِي أَجَزْته ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي : فَسَخْته بِحُضُورِهِ انْفَسَخَ ، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي سَقَطَ الثَّمَنُ ، وَلَوْ بَدَأَ الْمُشْتَرِي بِالْفَسْخِ ثُمَّ الْبَائِعُ بِالْإِجَازَةِ ثُمَّ هَلَكَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ ، وَلَوْ تَفَاسَخَا الْعَقْدَ ثُمَّ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الرَّدِّ يَبْطُلُ حُكْمُ الْفَسْخِ ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبِي .
وَفِي الْفَتَاوَى : بَاعَ أَرْضًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ نَقَضَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ تَبْقَى الْأَرْضُ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُشْتَرِي وَلِلْمُشْتَرِي حَبْسُهَا لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ الَّذِي كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْبَائِعِ ، فَإِنْ أَذِنَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي زِرَاعَتِهَا تَصِيرُ أَمَانَةً عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَكَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهَا مَتَى شَاءَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَرَعَهَا بِإِذْنِ الْبَائِعِ صَارَ كَأَنَّهُ سَلَّمَهَا إلَى الْبَائِعِ ، وَلَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ وَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَلَقِيَ الْبَائِعَ فَقَالَ لَهُ نَقَضْت الْبَيْعَ وَرَدَدْت الْعَبْدَ عَلَيْك فَلَمْ يَقْبَلْ الْبَائِعُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَالْعَبْدُ مَرِيضٌ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ ، وَإِنْ صَحَّ فِيهَا فَلَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى مَضَتْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ بِذَلِكَ الرَّدِّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ .
وَمَنْ بَاعَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَصَالَحَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْخِيَارَ وَيُمْضِيَ الْبَيْعَ جَازَ وَطَابَ لَهُ إذْ حَاصِلُهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَصَالَحَهُ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْخِيَارَ وَيَحُطَّ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا أَوْ يُعْطِيَهُ هَذَا الْعَرَضَ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْمَبِيعِ أَوْ حَطٌّ مِنْ الثَّمَنِ ؛ وَلَوْ أَمَرَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ عَلَى أَنْ

يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَبَاعَهُ مُطْلَقًا لَمْ يَجُزْ ، وَلَوْ أَمَرَهُ مُطْلَقًا فَبَاعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْآمِرِ أَوْ لِلْأَجْنَبِيِّ صَحَّ ، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ تَوْكِيلًا صَحِيحًا فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ إلَّا أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى لَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْآمِرِ يَنْفُذْ عَلَى الْمَأْمُورِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ إذَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا نَفَذَ عَلَى الْعَاقِدِ .

قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بَطَلَ خِيَارُهُ وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى وَرَثَتِهِ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُورَثُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَازِمٌ ثَابِتٌ فِي الْبَيْعِ فَيَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالتَّعْيِينِ .
وَلَنَا أَنَّ الْخِيَارَ لَيْسَ إلَّا مَشِيئَةً وَإِرَادَةً وَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِقَالُهُ ، وَالْإِرْثُ فِيمَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ .
بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّ الْمُوَرِّثَ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعِ سَلِيمًا فَكَذَا الْوَارِثُ ، فَأَمَّا نَفْسُ الْخِيَارِ لَا يُوَرَّثُ ، وَأَمَّا خِيَارُ التَّعْيِينِ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً لِاخْتِلَاطِ مِلْكِهِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ لَا أَنْ يُوَرَّثَ الْخِيَارُ .

( قَوْلُهُ وَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بَطَلَ خِيَارُهُ ) بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا ( وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى وَرَثَتِهِ ) وَإِذَا بَطَلَ خِيَارُهُ يَلْزَمُ الْبَيْعُ ، فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ دَخَلَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دَخَلَ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ وَلِلْبَائِعِ الثَّمَنُ فِي التَّرِكَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ .
وَقُيِّدَ بِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الْعَاقِدُ الَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ فَالْآخَرُ عَلَى خِيَارِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ أَمْضَى مَضَى وَإِنْ فَسَخَ انْفَسَخَ ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُورَثُ عَنْهُ ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ عَلَى مَا هُوَ فِي كُتُبِهِمْ الْمَشْهُورَةِ ( ؛ لِأَنَّهُ ) أَيْ الْخِيَارُ ( حَقٌّ ) لِلْإِنْسَانِ ( لَازِمٌ ) حَتَّى إنَّ صَاحِبَهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ ( فَيَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالتَّعْيِينِ ) فَإِنَّهُمَا يُورَثَانِ بِالِاتِّفَاقِ ( وَلَنَا أَنَّ الْخِيَار لَيْسَ إلَّا مَشِيئَةً وَإِرَادَةً فَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِقَالُهُ ) ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ شَخْصِيٌّ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ ( وَالْإِرْثُ فِيمَا ) يُمْكِنُ ( فِيهِ الِانْتِقَالُ ) وَهُوَ الْأَعْيَانُ ، وَلَفْظُ مَشِيئَةٍ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ ، وَمَا فِي الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْخَبَرِ وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ الْخِيَارَ لَيْسَ شَيْئًا إلَّا مَشِيئَةً مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَنْ يُقَدَّرَ الْمَعْمُولُ غَيْرَ مَا فَرَغَ الْعَامِلُ لَهُ وَيُجْعَلَ مَا بَعْدَ إلَّا بَدَلَهُ .
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُفَرَّغَ لَهُ هُوَ الْمَعْمُولُ ، فَفِي مَا قَامَ إلَّا زَيْدٌ زَيْدٌ فَاعِلٌ ، بِخِلَافِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ مِنْ خِيَارِ الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ فِيهِ لِلْعَيْنِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْجُزْءُ الْمُسْتَحَقُّ ، فَإِذَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ تَمَامُ الْأَجْزَاءِ وَبَعْضُهَا مُحْتَبَسٌ عِنْدَ إنْسَانٍ كَأَنْ يَخْتَارَ أَنْ يَتْرُكَ حَقَّهُ أَوْ يَطْلُبَهُ وَهَذَا مَعْنَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْعَيْبِ غَيْرَ أَنَّ طَلَبَهُ لَا يُمْكِنُ شَرْعًا إلَّا بِرَدِّ الْكُلِّ .
وَأَمَّا خِيَارُ

التَّعْيِينِ فَجَعَلَهُ أَصْلًا آخَرَ لِلشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ خِيَارَ التَّعْيِينِ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ إلْزَامًا لَنَا .
وَجَوَابُهُ كَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْرُوثَ هُوَ أَحَدُ الْعَيْنَيْنِ الْمُخَيَّرِ فِي تَعْيِينِهِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ ذَلِكَ وَلَازِمُهُ اخْتِلَاطُ الْمِلْكَيْنِ فَصَارَ كَمَا إذَا وَرِثَ مَالًا مُشْتَرَكًا فَيَثْبُتُ حُكْمُ ذَلِكَ ، وَهُوَ وُجُوبُ التَّعْيِينِ وَالْإِفْرَازِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْخِيَارِ ، فَجَاءَ الْخِيَارُ لَازِمًا لِلْعَيْنِ الْمَوْرُوثَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْلَالِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيمَا فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ مَلْزُومًا لِلْخِيَارِ لِيَنْتَقِلَ إلَى الْوَارِثِ بِمَا فِيهِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يُورَثُ ، وَوَجْهُهُ قَوِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَيُقَالُ : عَلَى أَصْلِ الدَّلِيلِ قَوْلُكُمْ لَا يُتَصَوَّرُ انْتِقَالُ الْوَصْفِ إنْ أَرَدْت حَقِيقَةً فَمُسَلَّمٌ ، لَكِنَّ مُرَادَنَا بِالِانْتِقَالِ أَنْ يَثْبُتَ لِلْوَارِثِ شَرْعًا مِلْكٌ خَلْفَ مِلْكِ الْمَيِّتِ أَوْ اسْتِحْقَاقَهُ لَا عَيْنُ ذَلِكَ الْمِلْكِ ، وَالِاسْتِحْقَاقُ الْمُقَيَّدُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، فَالْوَجْهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَيْسَ إلَّا أَنْ يُقَالَ : ثُبُوتُ ذَلِكَ شَرْعًا فِي أَمْلَاكِ الْأَعْيَانِ مَعْلُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا ثُبُوتُهُ عَنْ الشَّرْعِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَلَمْ يُوجَدْ ، وَنَفْيُ الْمُدْرَكِ الشَّرْعِيِّ يَكْفِي لِنَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، فَإِنْ قَالُوا : بَلْ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ } قُلْنَا : الثَّابِتُ قَوْلُهُ مَالًا فِي الصَّحِيحِ ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْأُخْرَى فَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَنَا وَمَا لَمْ يَثْبُتْ

لَمْ يَتِمَّ بِهِ الدَّلِيلُ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَنْتَقِلُ فِي ضِمْنِ انْتِقَالِ الْعَيْنِ فَيُعَدُّ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ ، إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِرْثِ انْتِقَالًا لِنَفْسِ ذَاتِ الْعَيْنِ وَالْمِلْكُ يَتْبَعُهَا بِقَلِيلِ تَأَمُّلٍ ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ انْتِقَالِهَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمَكَانِ فَآلَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ انْتِقَالُ مِلْكِهَا لَيْسَ غَيْرُ ، ثُمَّ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ انْتَقَلَ مِلْكُهَا بِمَا يَنْفِي كُلَّ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَالْمُحَاوَرَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ .
هَذَا وَيَلْزَمُهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ أَنْ يُورَثَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ عِنْدَهُمْ وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ عَدَمُهُ .
ثُمَّ نَقُولُ : مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يَتَفَرَّعَ عَدَمُ انْتِقَالِ الْخِيَارِ إلَى الْوَرَثَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُورَثَ فَإِنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْعَيْنِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ عَيْنٌ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِيهَا خِيَارٌ أَنْ يَفْسَخَ كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ بِعَيْنِهِ ، وَفِي خِيَارِ الْبَائِعِ يَنْتَقِلُ الثَّمَنُ مَمْلُوكًا لَهُمْ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ فَأَيُّهُمَا أَجَازَ الْخِيَارَ وَأَيُّهُمَا نَقَضَ انْتَقَضَ ) وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ لِغَيْرِهِ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ مِنْ مَوَاجِبِ الْعَقْدِ وَأَحْكَامِهِ ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِهِ كَاشْتِرَاطِ الثَّمَنِ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي .
وَلَنَا أَنَّ الْخِيَارَ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْعَاقِدِ فَيُقَدَّرُ الْخِيَارُ لَهُ اقْتِضَاءً ثُمَّ يُجْعَلُ هُوَ نَائِبًا عَنْهُ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ ، فَأَيُّهُمَا أَجَازَ جَازَ ، وَأَيُّهُمَا نَقَضَ انْتَقَضَ ( وَلَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَفَسَخَ الْآخَرُ يُعْتَبَرُ السَّابِقُ ) لِوُجُودِهِ فِي زَمَانٍ لَا يُزَاحِمُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَلَوْ خَرَجَ الْكَلَامَانِ مِنْهُمَا مَعًا يُعْتَبَرُ تَصَرُّفُ الْعَاقِدِ فِي رِوَايَةٍ وَتَصَرُّفُ الْفَاسِخِ فِي أُخْرَى .
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِدِ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَسْتَفِيدُ الْوِلَايَةَ مِنْهُ .
وَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْفَسْخَ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَالْمَفْسُوخُ لَا تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ ، وَلَمَّا مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ رَجَّحْنَا بِحَالِ التَّصَرُّفِ .
وَقِيلَ الْأَوَّلُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَاسْتِخْرَاجُ ذَلِكَ مِمَّا إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ مِنْ رَجُلٍ وَالْمُوَكَّلُ مِنْ غَيْرِهِ مَعًا ؛ فَمُحَمَّدٌ يَعْتَبِرُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُوَكَّلِ ، وَأَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرُهُمَا .

( قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ ) يَعْنِي لِغَيْرِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ عَاقِدًا وَإِلَّا فَغَيْرُهُ يَصْدُقُ عَلَى الْبَائِعِ ( فَأَيُّهُمَا أَجَازَ ) مِنْ الشَّارِطِ الْعَاقِدِ أَوْ الْمَشْرُوطِ لَهُ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ ( جَازَ ، وَأَيُّهُمَا نَقَضَ ) الْبَيْعَ ( انْتَقَضَ ) فَلَفْظُ مَنْ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وَهِيَ " أَيُّهُمَا أَجَازَ " خَبَرُهُ ، وَإِذَا تَضَمَّنَ الْمُبْتَدَأُ مَعْنَى الشَّرْطِ جَازَ دُخُولُ الْفَاءِ فِي خَبَرِهِ نَحْوُ : الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ ( وَأَصْلُ هَذَا ) أَيْ جَوَازُ اشْتِرَاطِهِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ ( أَنَّ جَوَازَهُ اسْتِحْسَانٌ .
وَفِي الْقِيَاسِ : لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ) وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ فِي ثُبُوتِهِ لِلْعَاقِدِ مَعَ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَجْهَيْنِ : وَفِي وَجْهٍ يَثْبُتُ لَهُمَا ، وَفِي وَجْهٍ يَثْبُتُ لِلْغَيْرِ وَحْدَهُ .
وَعَلَى قَوْلِهِ الْمُوَافِقِ لِقَوْلِ زُفَرَ فِيهِ وَجْهَانِ وَفِي وَجْهٍ يُفْسَخُ الْبَيْعُ ، وَفِي وَجْهٍ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَجْهُ ( قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ الْخِيَارَ مِنْ مُوَاجِبِ الْعَقْدِ وَأَحْكَامِهِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ كَاشْتِرَاطِ الثَّمَنِ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي ) وَاشْتِرَاطُ مِلْكِ الْمَبِيعِ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي ، وَاشْتِرَاطُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ انْفِسَاخِ الْبَيْعِ وَانْبِرَامِهِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ وَالْبَيْعُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ، وَقِيَاسًا عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ .
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَمَسُّ إلَى اشْتِرَاطِهِ لِلْغَيْرِ ؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِاسْتِخْلَاصِ الرَّأْيِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ قُصُورَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ غَيْرَ وَاثِقٍ بِهَا فِي ذَلِكَ بَلْ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْلَمُ حَزْمَهُ وَجَوْدَةَ رَأْيِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْقِيَمِ وَأَحْوَالِ الْبِيَاعَاتِ ، فَيَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لَهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ

مِنْ شَرْعِيَّتِهِ فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ ، وَأَجْنَبِيَّتُهُ عَنْ الْعَقْدِ إنَّمَا تَمْنَعُ إنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ مَانِعِيَّتِهِ لَوْ أَجَزْنَاهُ أَصْلًا مُسْتَقِلًّا ، لَكِنَّا لَمْ نَعْتَبِرْهُ إلَّا تَبَعًا لِثُبُوتِ الِاشْتِرَاطِ لِلْعَاقِدِ فَيَثْبُتُ اشْتِرَاطُهُ لِنَفْسِهِ اقْتِضَاءً تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ فَيَثْبُتُ لَهُمَا .
وَاسْتُشْكِلَ بِاسْتِلْزَامِهِ ثُبُوتَ مَا هُوَ الْأَصْلُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ ، وَالثَّابِتُ بِهِ إنَّمَا هُوَ يَكُونُ تَبَعًا .
قُلْنَا : الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّبَعِيَّةُ ، وَالْأَصَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُجُودِ ، فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي قَوْلِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ إنَّمَا هُوَ الْعِتْقُ ، فَكَانَ التَّمَلُّكُ مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ تَبَعًا لِقَصْدِهِ لِيَصِحَّ الْعِتْقُ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُجُودِ فَكَذَا هُنَا الْمَقْصُودُ أَوَّلًا بِالذَّاتِ لَيْسَ إلَّا الِاشْتِرَاطُ لِلْأَجْنَبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْعَاقِدِ بِالْفَرْضِ ، فَكَانَ ثُبُوتُهُ لِلْعَاقِدِ تَبَعًا لِلْمَقْصُودِ لِيَصِحَّ الْمَقْصُودُ بِهِ ، فَكَانَ ثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ وَاقِعًا عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاقْتِضَاءِ .
هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا حَاجَةَ فِي جَوَابِهِ إلَى تَكَلُّفٍ زَائِدٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يَجُرْ اشْتِرَاطُ الثَّمَنِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَتَثْبُتُ كَفَالَتُهُ اقْتِضَاءً كَمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لَهُ وَيَثْبُتُ لِلْعَاقِدِ اقْتِضَاءً ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ عَلَى الْعَاقِدِ ، وَالْكَفَالَةُ لَيْسَ فِيهَا نَقْلُ الدَّيْنِ عَلَى الْكَفِيلِ ، فَلَوْ ثَبَتَتْ الْكَفَالَةُ اقْتِضَاءً لِاشْتِرَاطِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَبْطَلْت الْمُقْتَضَى وَهُوَ اشْتِرَاطُهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ ثُبُوتَهُ عَلَى الْمُشْتَرَطِ عَلَيْهِ عَلَى مَا هُوَ ثَابِتٌ عَلَى الْعَاقِدِ .
نَعَمْ لَوْ كَفَّلَهُ كَفَالَةً صَرِيحَةً بِالثَّمَنِ الدَّيْنُ صَحَّ ( وَعِنْدَ ذَلِكَ ) أَيْ صَيْرُورَةِ الْخِيَارِ لَهُمَا (

وَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ ، فَأَيُّهُمَا أَجَازَ جَازَ وَأَيُّهُمَا نَقَضَ ) الْبَيْعَ ( انْتَقَضَ ، وَلَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَفَسَخَ الْآخَرُ يُعْتَبَرُ السَّابِقُ لِوُجُودِهِ فِي زَمَانٍ لَا يُزَاحِمُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَلَوْ خَرَجَ الْكَلَامَانِ مَعًا يُعْتَبَرُ تَصَرُّفُ الْعَاقِدِ فِي رِوَايَةِ ) كِتَابِ الْبُيُوعِ نَقَضَ أَوْ أَجَازَ ( وَالتَّصَرُّفُ ) وَاَلَّذِي هُوَ ( الْفَسْخُ فِي أُخْرَى ) هِيَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْمَأْذُونِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَاقِدِ أَوْ وَكِيلِهِ الْأَجْنَبِيِّ ( وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِدِ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَسْتَفِيدُ الْوِلَايَةَ مِنْهُ ) وَالتَّصَرُّفُ الصَّادِرُ عَنْ أَصَالَةٍ أَقْوَى مِنْ التَّصَرُّفِ الصَّادِرِ عَنْ نِيَابَةٍ .
وَاسْتُشْكِلَ بِمَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا آخَرَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَاهَا مَعًا فَالْوَاقِعُ طَلَاقُ أَحَدِهِمَا لَا طَلَاقُ الْمُوَكِّلِ عَيْنًا ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَجَّحُ الْأَصِيلَ تَعَيَّنَ طَلَاقُهُ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الطَّلَاقِ سَفِيرٌ كَالْوَكِيلِ فِي النِّكَاحِ فَكَانَتْ عِبَارَتُهُ عِبَارَتَهُ فَالصَّادِرُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا عَيْنُ الصَّادِرِ مِنْ الْآخَرِ ( وَجْهُ الثَّانِي أَنْ ) لَا تَرْجِيحَ بِكَوْنِهِ أَصِيلًا أَوْ وَكِيلًا ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بَعْدَمَا اسْتَفَادَ الْوِلَايَةَ عَلَى الْفِعْلِ كَانَ مِثْلَهُ فَاسْتَوَيَا ثُمَّ يَتَرَجَّحُ بِنَفْسِ التَّصَرُّفِ ، وَ ( الْفَسْخُ أَقْوَى ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ الْمَجَازَ فَيُبْطِلُهُ وَالْإِجَازَةُ لَا تَلْحَقُ الْمَفْسُوخَ فَتُبْرِمُهُ .
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَأْذُونِ ثُمَّ قَالُوا ( الْأَوَّلُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَاسْتُخْرِجَ ) هَذَا التَّرْجِيحُ مِنْ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَا فِيهَا هِيَ مَا إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَ الْمُوَكِّلُ مِنْ رَجُلٍ وَالْوَكِيلُ مِنْ آخَرَ ؛ فَمُحَمَّدٌ جَعَلَ الْبَيْعَ مِمَّنْ بَاعَ مِنْهُ الْمُوَكِّلُ تَرْجِيحًا لِتَصَرُّفِهِ لِلْأَصَالَةِ ( وَأَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرُهُمَا ) عَلَى السَّوَاءِ فَيَجْعَلُ الْعَبْدَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَيُخَيَّرُ كُلٌّ

مِنْهُمَا لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ وَعَيْبِ الشَّرِكَةِ .
وَقِيلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ فِي النِّصْفِ وَيَنْفَسِخُ فِي النِّصْفِ : أَيْ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ لَكِنْ يَتَخَيَّرُ صَاحِبُهُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ .

قَالَ ( وَمَنْ بَاعَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، وَإِنْ بَاعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ جَازَ الْبَيْعُ ) وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنْ لَا يُفَصِّلَ الثَّمَنَ وَلَا يُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ وَفَسَادُهُ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ كَالْخَارِجِ عَنْ الْعَقْدِ ، إذْ الْعَقْدُ مَعَ الْخِيَارِ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَبَقِيَ الدَّاخِلُ فِيهِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُفَصِّلَ الثَّمَنَ وَيُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا فِي الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ وَالثَّمَنَ مَعْلُومٌ ، وَقَبُولُ الْعَقْدِ فِي الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ وَلَكِنَّ هَذَا غَيْرُ مُكْسِدٍ لِلْعَقْدِ لِكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ .
وَالثَّالِثُ أَنْ يُفَصِّلَ وَلَا يُعَيِّنَ .
وَالرَّابِعُ أَنْ يُعَيِّنَ وَلَا يُفَصِّلَ ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فِي الْوَجْهَيْنِ : إمَّا لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَوْ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ إلَخْ ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ) فِي ثَلَاثَةٍ الْبَيْعُ فَاسِدٌ ، وَفِي وَاحِدَةٍ صَحِيحٌ ( أَحَدُهَا أَنْ لَا يُفَصِّلَ الثَّمَنَ وَلَا يُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ ) وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ ( وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ) الْمَذْكُورُ ( فِي الْكِتَابِ ) وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الْبِدَايَةَ ؛ لِأَنَّ الْهِدَايَةَ شَرْحُهَا ( وَفَسَادُهَا لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ ) جَمِيعًا ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ فِيهِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَكَانَ كَأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْبَيْعِ ، وَالْبَيْعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْآخَرِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لِجَهَالَةِ مَنْ فِيهِ الْخِيَارُ ، ثُمَّ ثَمَنُ الْمَبِيعِ مَجْهُولٌ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَنْقَسِمُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْمَبِيعِ بِالْأَجْزَاءِ .
وَثَانِيهَا ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْجَائِزُ أَنْ يُعَيِّنَ كُلًّا بِأَنْ يَقُولَ بِعْتُك كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِي هَذَا لِانْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ مِنْ جَهَالَةِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنْ انْتَفَى مُفْسِدُ الْجَهَالَةِ فَقَدْ يَتَحَقَّقُ مُفْسِدٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ ، وَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحُكْمِ شَرْطًا لِانْعِقَادِهِ فِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْخِيَارُ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْعَبْدِ أَجَابَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الْإِشَارَةِ إلَى السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ ( وَقَبُولُ الْعَقْدِ فِي الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ لَكِنَّ هَذَا غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ لِكَوْنِهِ ) أَيْ مَنْ فِيهِ الْخِيَارُ ( مَحَلًّا لِلْبَيْعِ ) فَهُوَ ( كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ ) وَبَاعَهُمَا بِأَلْفٍ حَيْثُ يَنْفُذُ الْبَيْعُ فِي الْقِنِّ بِحِصَّتِهِ وَإِنْ

كَانَ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي الْمُدَبَّرِ شَرْطًا فِيهِ وَذَلِكَ لِدُخُولِ الْمُدَبَّرِ فِي الْبَيْعِ لِمَحَلِّيَّتِهِ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَلِهَذَا لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهِ جَازَ فَكَانَ الْقَبُولُ شَرْطًا صَحِيحًا ، بِخِلَافِ مَا شُبِّهَ بِهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِحَالٍ فَكَانَ اشْتِرَاطُ قَبُولِهِ اشْتِرَاطَ شَرْطٍ فَاسِدٍ ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ فِي الْبَيْعِ خِلَافٌ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ .
وَثَالِثُهَا يُفَصِّلُ وَلَمْ يُعَيِّنْ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ كَأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُك كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا فَفَسَادُهُ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ بِسَبَبِ جَهَالَةِ مَنْ فِيهِ الْخِيَارُ وَرَابِعُهَا أَنْ يُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَلَا يُفَصِّلَ الثَّمَنَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَيْنِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِي هَذَا وَالْفَسَادُ فِيهِ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِتَعَيُّنِ مَنْ فِيهِ الْخِيَارُ إلَّا أَنَّ ثَمَنَهُ مَجْهُولٌ لِمَا قُلْنَا إنَّ الثَّمَنَ لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ .
فَإِنْ قُلْت : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ فِيهِ الثَّمَنُ وَبَيْنَ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدَيْنِ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَإِذَا أَحَدُهُمَا مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ جَارِيَتَيْنِ فَإِذَا إحْدَاهُمَا أُمُّ وَلَدٍ حَيْثُ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْقِنِّ بِحِصَّتِهِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ مَعَ أَنَّ ثَمَنَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَجْهُولُ الْكَمْيَّةِ حَالَ الْعَقْدِ وَلَا يَصِحُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ بِالْحِصَّةِ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالْفَرْقِ وَقَالَ : قِيَاسُ مَا ذُكِرَ هُنَا أَنْ لَا يَجُوزَ الْعَقْدُ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ فِي الْقِنِّ وَيَصِيرُ مَا ذُكِرَ هُنَا رِوَايَةً فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَغَلَ بِالْفَرْقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ أَنَّ

الْمَانِعَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ هُنَا مُقْتَرِنٌ بِالْعَقْدِ لَفْظًا وَمَعْنًى ، فَأَثَّرَ الْفَسَادَ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فِي الْمَشْرُوطِ فِيهِ فَيَكُونُ كَالْمَعْدُومِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ ابْتِدَاءً فَيَنْعَقِدُ فِي الْآخَرِ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ الْمَانِعَ مُقْتَرِنٌ فِيهَا مَعْنًى لَا لَفْظًا فَيَدْخُلُ الْمُدَبَّرُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْبَيْعِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَحَلِّيَّتِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بِنَاءً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ أَنْفُسَهُمْ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ حُكْمُ قَاضٍ يُسْقِطُهُ ، وَعَلَى مَا ذُكِرَ هُنَا يَتَفَرَّعُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ : بَاعَ عَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِيهِمَا وَقَبَضَهُمَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى إجَازَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فِي الْبَاقِي بِالْحِصَّةِ ؛ وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقَضْت الْبَيْعَ فِي هَذَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ لَغْوًا كَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَخِيَارُهُ فِيهِمَا بَاقٍ ، كَمَا كَانَ ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا وَاحِدًا أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ فَنَقَضَ الْبَيْعَ فِي نِصْفِهِ .

قَالَ ( وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمَا شَاءَ بِعَشْرَةٍ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَكَذَا الثَّلَاثَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَثْوَابٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَفْسُدَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ .
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ شَرْعَ الْخِيَارِ لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الْغَبْنِ لِيَخْتَارَ مَا هُوَ الْأَرْفَقُ وَالْأَوْفَقُ ، وَالْحَاجَةُ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْبَيْعِ مُتَحَقِّقَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اخْتِيَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَوْ اخْتِيَارِ مَنْ يَشْتَرِيهِ لِأَجْلِهِ ، وَلَا يُمَكِّنُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْحَمْلِ إلَيْهِ إلَّا بِالْبَيْعِ فَكَانَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِالثَّلَاثِ لِوُجُودِ الْجَيِّدِ وَالْوَسَطِ وَالرَّدِيءِ فِيهَا ، وَالْجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فِي الثَّلَاثِ لِتَعْيِينِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ، وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِ ، إلَّا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ وَالرُّخْصَةُ ثُبُوتُهَا بِالْحَاجَةِ وَكَوْنُ الْجَهَالَةِ غَيْرَ مُفْضِيَةٍ إلَى الْمُنَازَعَةِ فَلَا تَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا .
ثُمَّ قِيلَ : يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْعَقْدِ خِيَارُ الشَّرْطِ مَعَ خِيَارِ التَّعْيِينِ ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ .
( وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ) ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ وِفَاقًا لَا شَرْطًا ؛ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا بُدَّ مِنْ تَوْقِيتِ خِيَارِ التَّعْيِينِ بِالثَّلَاثِ عِنْدَهُ وَبِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَيَّتُهَا كَانَتْ عِنْدَهُمَا .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا اشْتَرَى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي الْحَقِيقَةِ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ أَمَانَةٌ ، وَالْأَوَّلُ تَجَوُّزٌ وَاسْتِعَارَةٌ .
وَلَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَعَيَّبَ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فِيهِ بِثَمَنِهِ وَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْأَمَانَةِ لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ

بِالتَّعَيُّبِ ، وَلَوْ هَلَكَا جَمِيعًا مَعًا يَلْزَمُهُ نِصْفُ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِشُيُوعِ الْبَيْعِ وَالْأَمَانَةِ فِيهِمَا .
وَلَوْ كَانَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ لَهُ أَنْ يَرَهُمَا جَمِيعًا .
وَلَوْ مَاتَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَلِوَارِثِهِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ خِيَارُ التَّعْيِينِ لِلِاخْتِلَاطِ ، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ .
وَأَمَّا خِيَارُ الشَّرْطِ لَا يُورَثُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ .

( قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ إلَخْ ) الْمُرَادُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدَ ثَوْبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً غَيْرَ مُعَيِّنٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمَا شَاءَ ، وَهَذَا خِيَارُ التَّعْيِينِ : يَعْنِي أَيَّ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ شَاءَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِيمَا يُعَيِّنُهُ بَعْدَ تَعْيِينِهِ لِلْمَبِيعِ .
أَمَّا إذَا قَالَ بِعْتُك عَبْدًا مِنْ هَذَيْنِ بِمِائَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ فِي أَيِّهِمَا شِئْت لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا كَقَوْلِهِ بِعْتُك عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدٌ أَرْبَعَةً لَا يَجُوزُ ( وَالْقِيَاسُ أَنْ يَفْسُدَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ ) فِي أَحَدِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ كَمَا يَفْسُدُ فِي الْأَرْبَعَةِ ( وَهُوَ ) أَيْ الْقِيَاسُ ( قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ شَرْعَ الْخِيَارِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْحَاجَةِ إلَى رَفْعِ الْغَبْنِ لِيَخْتَارَ مَا هُوَ الْأَرْفَقُ وَالْأَوْفَقُ ، وَالْحَاجَةُ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْبَيْعِ مُتَحَقِّقَةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ ) قَدْ ( يَحْتَاجُ إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ ) فِي اخْتِيَارِ الْمَبِيعَاتِ وَهُوَ لَيْسَ بِحَاضِرٍ وَلَيْسَ يَحْضُرُ لِعُلُوِّهِ أَوْ لِتَحَجُّبِهَا خُصُوصًا إذَا كَانَتْ أَهْلَهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا تَلِجُ الْأَسْوَاقَ وَتُمَارِسُ الرِّجَالَ لِشِرَاءِ حَاجَتِهَا فَيَحْتَاجُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَدَدَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ لِيَخْتَارَ الْأَوْفَقَ ( وَلَا يُمَكِّنُهُ الْبَائِعُ مِنْ حَمْلِهِ إلَيْهِ إلَّا مَبِيعًا فَكَانَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ ) فَيَجُوزُ ( غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِالثَّلَاثِ لِتَحَقُّقِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالْوَسَطِ فِيهَا ) فَيَنْدَفِع بِحَمْلِ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَا تُشْرَعُ الرُّخْصَةُ فِي الزَّائِدِ ؛ لِأَنَّ شَرْعَ الرُّخْصَةِ لِلْحَاجَةِ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( وَالْجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ) جَوَابٌ عَنْ تَعْلِيلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ بِهَا ، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ جَوَازَ هَذَا الْبَيْعِ لِلْحَاجَةِ إلَى اخْتِيَارِ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78