كتاب : الحاوي في فقه الشافعي
المؤلف : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي

اسْتِدَامَتِهَا كَالْكُفْرِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَا صَارَ طَرْؤُ الْفِسْقِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ ، فَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ مَعَهَا إِخْرَاجُهَا عَنْ يَدِهِ وَاخْتِيَارِ مَنْ يَقُومُ بِهَا مِنْ أُمَنَائِهِ . فَإِنْ تَصَرَّفَ الْوَصِيُّ فِي الْمَالِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ نُظِرَ : فَإِنْ كَانَ عَقْدًا أَوْ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ ، رُدَّ وَكَانَ لَهُ ضَامِنًا إِنْ مَاتَ . وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ دَيْنٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ ، أَمْضَى وَلَمْ يَضْمَنْهُ . وَأَمَّا الْعَجْزُ عَنْهَا فَالضَّعْفُ الَّذِي يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا ، فَهَذَا مُقَرٌّ عَلَى حَالِهِ ، لَكِنْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ مِنْ أُمَنَائِهِ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى إِنْفَاذِ الْوَصَايَا وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْأَطْفَالِ ، فَلَوْ تَفَرَّدَ هَذَا الْوَصِيُّ قَبْلَ أَنْ يَضُمَّ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ أَمِينًا ، فَتَصَرَّفَ فِي الْوَصِيَّةِ ، أَمْضَى وَلَمْ يُضَمِّنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا انْفَرَدَ بِهِ إِلَّا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ . وَهَكَذَا لَوِ ابْتُدِئَ بِالْوَصِيَّةِ إِلَى غَيْرِ أَمِينٍ أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ . وَلَوْ أَوْصَى إِلَى ضَعِيفٍ ، ضَمَّ إِلَيْهِ غَيْرَهُ مِنْ أَبْنَائِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنِ الْأَوْصِيَاءِ وَوُلَاةِ الْأَيْتَامِ أَمْ لَا ؟ قُلْنَا هَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ فِيمَنْ يَلِي بِنَفْسِهِ مِنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ ، فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ حَالِهِ وَعَلَيْهِ إِقْرَارُهُ عَلَى وِلَايَتِهِ وَنَظَرِهِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ زَوَالَ نَظَرِهِ مِنْ فِسْقٍ أَوْ خِيَانَةٍ ، فَيَعْزِلُهُ حِينَئِذٍ وَيُوَلِّي غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْوَالِيَ بِنَفْسِهِ أَقْوَى نَظَرًا مِنَ الْحَاكِمِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ وِلَايَتُهُ بِغَيْرِهِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ أَمِينَ حَاكِمٍ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ وَصِيَّ أَبٍ . فَإِنْ كَانَ أَمِينَ الْحَاكِمِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ حَالِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ خِيَانَتُهُ أَوْ فِسْقُهُ ؛ لِأَنَّ مَا وَلَّاهُ الْحَاكِمُ قَدِ اعْتُبِرَ مِنْ حَالِهِ مَا صَحَّتِ بِهِ وِلَايَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّ أَبٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : لَا يَجُوزُ اسْتِكْشَافُ حَالِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ فِسْقِهِ ، كَالْأَبِ وَأَمِينِ الْحَاكِمِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي : أَنَّ عَلَى الْحَاكِمِ اسْتِكْشَافَ حَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ بِوِلَايَتِهِ حُكْمٌ ، وَلَا هُوَ مِمَّا تَنْتَفِي عَنْهُ التُّهْمَةُ كَالْأَبِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِوَصْفِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ ، فَافْتَقَرَ إِلَى الْكَشْفِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَصَايَاهُمْ لِيَرْجِعَ بِهِ فِي التَّرِكَةِ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ فِي التَّرِكَةِ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ قَبْلَ الدَّفْعِ حَاكِمٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا عَجَّلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ نَاوِيًا بِهِ الرُّجُوعَ رَجَعَ بِهِ .

وَهَذَا قَوْلٌ يَنْكَسِرُ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْحَيِّ إِذَا عَجَّلَهُ الْوَكِيلُ مِنْ مَالِهِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ فِي مَالِ مُوَكِّلِهِ ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَلَوْ أَوْصَى إِلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَغَيَّرَ أُبْدِلَ مَكَانُهُ آخَرَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ إِلَى وَاحِدٍ أَوْ إِلَى جَمَاعَةٍ عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إِلَى زَيْدٍ وَيَجْعَلَ عَمْرًا عَلَيْهِ مُشْرِفًا ، فَيَخْتَصُّ الْوَصِيُّ بِالْعَقْدِ وَالتَّنْفِيذِ وَيَخْتَصُّ عَمْرٌو بِالْإِشْرَافِ عَلَيْهِ . فَإِنْ أَرَادَ الْوَصِيُّ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَقْدِ وَالتَّنْفِيذِ مِنْ غَيْرِ مُطَالَعَةِ الْمُشْرِفِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُشْرِفُ أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ وَالتَّنْفِيذَ لَمْ يَجُزْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمُشْرِفُ وَصِيٌّ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْوَصِيُّ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ ، فَلَمْ تَقِفْ عَلَى شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ . وَهَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ نِيَابَةٌ عَنْ إِذْنٍ ، فَكَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْإِذْنُ كَالْوَكَالَةِ وَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ إِلَى الْمُشْرِفِ مُبَاشَرَةَ عَقْدٍ ، أَوْ تَنْفِيذَ أَمْرٍ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُشْرِفًا عَلَى الْوَصِيِّ فِي الْعَقْدِ وَالتَّنْفِيذِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا أَوْصَى إِلَى رَجُلَيْنِ جَعَلَهُمَا جَمِيعًا وَصِيَّيْنِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ مِنْ وَصِيَّتِهِ دُونَ صَاحِبِهِ . وَالثَّانِي : أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمَا . فَأَمَّا إِنْ خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهَا ، مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَ إِلَى أَحَدِهِمَا إِنْفَاذَ وَصَايَاهُ وَإِلَى الْآخَرِ الْوِلَايَةَ عَلَى أَطْفَالِهِ ، أَوْ يَجْعَلَ إِلَى أَحَدِهِمَا إِخْرَاجَ الثُّلُثِ وَإِلَى الْآخَرِ قَضَاءَ الدُّيُونِ ، فَوِلَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا جُعِلَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا جُعِلَ إِلَى الْآخَرِ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِإِنْفَاذِ الْوَصَايَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْأَطْفَالِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْوِلَايَةِ عَلَى الْأَطْفَالِ ، لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي إِنْفَاذِ الْوَصَايَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : النَّظَرُ فِي الْوَصِيَّةِ لَا يَتَمَيَّزُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّظَرُ فِي الْجَمِيعِ بِمَا جُعِلَ إِلَيْهِ وَإِلَى الْآخَرِ ، فَالْوَالِي عَلَى الْأَطْفَالِ إِلَيْهِ إِنْفَاذُ الْوَصَايَا وَالْوَالِي عَلَى إِنْفَاذِ الْوَصَايَا إِلَيْهِ الْوِلَايَةُ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهَا وِلَايَةٌ فَلَمْ تَقِفْ عَلَى شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ كَوِلَايَةِ الْحَاكِمِ . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وِلَايَةٌ عَنْ عَقْدٍ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْعَقْدُ كَالْوَكَالَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْكُلِّ لَمَا جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالنَّظَرِ فِي الْكُلِّ ، فَإِذَا خَصَّ أَحَدُهُمَا بِالْبَعْضِ ، فَأَوْلَى أَلَّا يَجُوزَ لَهُ النَّظَرُ فِي الْكُلِّ ، وَلِأَنَّ مَنِ اؤْتُمِنَ عَلَى بَعْضِ الْمَالِ ، لَمْ يَمْلِكْ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْيَدِ عَلَى جَمِيعِهِ ، كَالْمُودِعِ وَالْمُضَارِبِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ وَلَمْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهَا دُونَ صَاحِبِهِ ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :

أَحَدُهَا : أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنَ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيٌّ كَامِلُ النَّظَرِ ، فَأَيُّهُمَا انْفَرَدَ بِإِنْفَاذِ الْوَصَايَا وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْأَطْفَالِ جَازَ . وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَسَقَ ، فَالْبَاقِي مِنْهُمَا هُوَ الْوَصِيُّ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ بَدَلَ الْمَيِّتِ أَوِ الْفَاسِقِ أَحَدًا إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ ضَعْفٌ فَيُقَوِّيهِ بِغَيْرِهِ .

فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى أَلَّا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالنَّظَرِ دُونَ صَاحِبِهِ ، فَعَلَيْهِمَا الِاجْتِمَاعُ فِي إِنْفَاذِ الْوَصَايَا وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ الْأَطْفَالِ . فَإِنِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ لِمَا أَمْضَاهُ مِنْ ذَلِكَ ضَامِنًا إِنْ تَعَلَّقَ بِعَقْدٍ أَوِ اجْتِهَادٍ ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا مِنْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ إِنْفَاذِ وَصِيَّةٍ عُيِّنَتْ لِمُعَيَّنٍ لَمْ يُضَمَّنْ ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا مُنِعَ الْبَاقِي مِنْهُمَا مِنَ النَّظَرِ حَتَّى يُقِيمَ الْحَاكِمُ مَقَامَ الْمَيِّتِ غَيْرَهُ . فَلَوْ أَذِنَ الْحَاكِمُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْوَصِيَّةِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ . وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا رَدَّ الْحَاكِمُ الْوَصِيَّةَ إِلَى اثْنَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى أَلَّا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالنَّظَرِ دُونَ صَاحِبِهِ ، فَإِنْ رَدَّهَا إِلَى وَاحِدٍ ارْتَضَاهُ لَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَظَرَ فِيهَا الْحَاكِمُ بِنَفْسِهِ جَازَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا ، فَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَنَابَ فِيهَا وَاحِدًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ فِي وَصَايَاهُ إِلَّا بِنَظَرِ اثْنَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ اسْتِظْهَارًا لِنَفْسِهِ فِي وَصِيَّتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي إِرَادَتِهِ وَيَمْنَعَهُ فَضْلَ اسْتِظْهَارِهِ وَلَيْسَ كَالْحَاكِمِ النَّاظِرِ بِنَفْسِهِ .

فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا ، فَلَا يَأْمُرُهُمَا بِالِاجْتِمَاعِ وَلَا يَأْذَنُ لَهُمَا فِي الِانْفِرَادِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : عَلَيْهِمَا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى الْوَصِيَّةِ إِذَا أُطْلِقَتْ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّفَرُّدُ بِهَا ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُمَا بِالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِمَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ انْفِرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَخَافُ فَوَاتَهُ أَوْ ضَرَرَهُ وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ : الْكَفَنُ ، وَرَدُّ الْوَدَائِعِ ، وَقَضَاءُ الدُّيُونِ ، وَإِنْفَاذُ الْوَصَايَا الْمُعَيَّنَةِ ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَطْفَالِ وَكِسْوَتُهُمْ ، وَعَلَيْهِمَا الِاجْتِمَاعُ فِيمَا سِوَى هَذِهِ السِّتَّةِ ، فَإِنِ انْفَرَدَ بِهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ . وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْوَصَايَا مَوْضُوعَةٌ لِفَضْلِ الِاحْتِيَاطِ وَهِيَ أَغْلَظُ حَالًا مِنَ الْوَكَالَاتِ ، فَلَمَّا كَانَ تَوْكِيلُ اثْنَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَمْنَعُ مِنْ تَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِالْوَكَالَةِ ، كَانَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى اثْنَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ تَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلسِّتَّةِ مِنْ بَيْنِ الْجَمِيعِ خَوْفَ الضَّرَرِ ، قَوْلٌ يَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ طَعَامًا رَطْبًا يُخَافُ تَلَفُهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ وَإِنْ خِيفَ ضَرَرُهُ ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ إِطْلَاقِ الْوَصِيَّةِ إِلَيْهِمَا كَالْحُكْمِ فِي اجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَسَقَ أَبْدَلَ

الْحَاكِمُ مَكَانَهُ غَيْرَهُ ، فَإِنْ تَفَرَّدَ الْبَاقِي مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ ، ضَمِنَ مُتَعَلِّقٌ بِعَقْدٍ أَوِ اجْتِهَادٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " فَإِنِ اخْتَلَفَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا مَا كَانَ يَنْقَسِمُ وَجُعِلَ فِي أَيْدِيهِمَا نِصْفَيْنِ ، وَأُمِرَا بِالِاحْتِفَاظِ بِمَا لَا يَنْقَسِمُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى اثْنَيْنِ مَقْصُودُهَا فَضْلُ النَّظَرِ ، فَإِذَا دُعِيَ الْوَصِيَّانِ إِلَى قَسْمِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي قَدْ صَرَّحَ بِمَنْعِهِمَا مِنْهُ مُنِعَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَرَّحَ لَهُمَا بِالْإِذْنِ فِيهِ مُكِّنَا ، وَإِنْ أَطْلَقَ نُظِرَ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ أَضَرَّتْ بِالْمَالِ ، أَوْ كَانَ مِمَّا لَا تَتَأَتَّى فِيهِ الْقِسْمَةُ ، مُنِعَا مِنْهَا وَلَمْ يَجُزْ إِذَا كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِحِفْظِ الْمَالِ دُونَ صَاحِبِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِإِنْفَاذِ الْوَصَايَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَقَعُ بَيْنَهُمَا الْمُهَايَأَةُ ، فَيَحْفَظُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ تَقْتَضِي انْفِرَادَ أَحَدِهِمَا بِالْحِفْظِ فِي زَمَانِهِ ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ تَفَرُّدُهُ بِهِ فِي كُلِّ الزَّمَانِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُرْتَضَى بِانْفِرَادِهِ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ لَا يُرْتَضَى بِانْفِرَادِهِ فِي بَعْضِهِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقِسْمَةِ ضَرَرٌ وَلَا كَانَ مِنَ الْمُوصِي فِيهَا نَهْيٌ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَا مُنْفَرِدَيْنِ ، قَدْ جُعِلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلُ مَا إِلَى الْآخَرِ ، جَازَ أَنْ يَقْتَسِمَا الْمَالَ إِلَّا أَنَّهَا قِسْمَةُ حِفْظٍ وَلَيْسَتْ قِسْمَةَ مُنَاقَلَةٍ ، فَيَقْتَسِمَانِ عَلَى الْقِيَمِ لَا عَلَى الْأَجْزَاءِ ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمُنَاقَلَةِ تَكُونُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْأَجْزَاءِ ، وَقِسْمَةُ الْحِفْظِ تَخْتَصُّ بِالْأَوْصِيَاءِ وَتَكُونُ عَلَى الْقِيمَةِ ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا دَارًا وَالْآخَرُ مَتَاعًا ، ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ فِيمَا بِيَدِهِ وَفِيمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ فِي الْجَمِيعِ . وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ إلى اثنين مجتمعين مع قسمة الوصية بينهما إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعِينَ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا التَّفَرُّدُ بِالنَّظَرِ ، فَفِي جَوَازِ اقْتِسَامِ الْمَالِ حِفَاظًا لَهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي : لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ كَمَا لَيْسَ لَهُمَا التَّفَرُّدُ بِالْإِنْفَاذِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَهُمَا الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ اقْتِسَامَهُمَا الْمَالَ أَعْوَنُ لَهُمَا عَلَى حِفْظِهِ ، وَإِنَّمَا الِاجْتِمَاعُ عَلَى التَّنْفِيذِ ، فَإِذَا اقْتَسَمَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا بِيَدِهِ إِلَّا مَعَ اجْتِمَاعِ صَاحِبِهِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِوَصِيَّةٍ أَسْنَدَهَا إِلَى رَجُلٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهَا بِوَصِيَّةٍ أُخْرَى أَسْنَدَهَا إِلَى رَجُلٍ آخَرَ ، فَإِنْ صَرَّحَ فِي الثَّانِيَةِ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْأُولَى فَالْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْمَعْمُولُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الثَّانِيَةِ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْأُولَى ، عُمِلَ عَلَيْهِمَا مَعًا ، فَمَا كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ الْأُولَى مِنْ زِيَادَةِ تَفَرَّدَ بِهَا الْوَصِيُّ الْأَوَّلُ وَمَا كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ زِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا الْوَصِيُّ الثَّانِي ، وَمَا اتَّفَقَتْ فِيهِ الْوَصِيَّتَانِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ الْوَصِيَّانِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا التَّفَرُّدُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إِلَيْهِمَا مَعًا وَصِيَّةً مُطْلَقَةً .

وَلَوْ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ ، ثُمَّ صَحَّ بَعْدَهَا مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَعَاشَ دَهْرًا ثُمَّ مَاتَ ، أُمْضِيَتْ وَصِيَّتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا . وَلَكِنْ لَوْ قَالَ : قَدْ أُوصِيَ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، فَصَحَّ مِنْهُ ، بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا مَشْرُوطَةً بِمَوْتِهِ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْوَصِيَّةُ بِحَالِهَا مَا لَمْ يُخَرِّقِ الْمُوصِي كِتَابَ وَصِيَّتِهِ .

مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ بِمَا أُوصِيَ بِهِ إِلَيْهِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ بِمَا أُوصِيَ بِهِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَرْضَ الْمُوصَى إِلَيْهِ الْآخَرَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : إِذَا أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ بِإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْأَطْفَالِ ، ثُمَّ حَضَرَتِ الْوَصِيَّ الْوَفَاةُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِتِلْكَ الْوَصِيَّةِ إِلَى غَيْرِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : " إِنْ أَوْصَى بِهَا إِلَى غَيْرِهِ جَازَ ، وَلَوْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِ ثُلُثِهِ كَانَ لِوَصِيِّهِ الْقِيَامُ بِتِلْكَ الْوَصِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهَا ، اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْوَصِيَّ قَدْ مَلَكَ مِنَ النَّظَرِ بِالْوَصِيَّةِ مِثْلَمَا مَلَكَ الْجَدُّ مِنَ النَّظَرِ بِنَفْسِهِ ، فَلَمَّا جَازَ لِلْجَدِّ أَنْ يُوصِيَ بِمَا إِلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ ، جَازَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِ بِمَا إِلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ . وَالثَّانِي : أَنَّ وِلَايَةَ الْوَصِيِّ عَامَّةٌ فِي حَقِّ الْمُوصِي كَمَا أَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ عَامَّةٌ فِي حُقُوقِ الْأُمَّةِ ، فَلَمَّا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، جَازَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ . وَدَلِيلُنَا شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَنْ كَانَتْ نِيَابَتُهُ عَنْ عَقْدٍ بَطَلَ بِالْمَوْتِ كَالْوَكِيلِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ اسْتِنَابَتَهُ حَيًّا أَقْوَى مِنَ اسْتِنَابَتِهِ مَيِّتًا ، فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِبْدَالُ نَفْسِهِ بِغَيْرِهِ فِي الْحَيَاةِ ، فَأَوْلَى أَلَّا يَصِحَّ مِنْهُ إِبْدَالُ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الْوَفَاةِ . فَأَمَّا الْجَدُّ فَوِلَايَتُهُ بِنَفْسِهِ ، فَجَازَ أَنْ يُوصِيَ ، كَالْأَبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيُّ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوصِيَ كَالْحَاكِمِ ، عَلَى أَنَّ نَظَرَ الْحَاكِمِ أَقْوَى لِعُمُومِهِ . وَأَمَّا الْإِمَامُ : فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَهُ إِمَامًا يَنْظُرُ فِيمَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي اسْتِخْلَافِ عُمَرَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - ؛ لِأَنَّهُ عَامُّ الْوِلَايَةِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ مَا إِلَيْهِ ، فَجَازَ أَنْ يُخْتَصَّ لِفَضْلِ نَظَرِهِ بِالِاسْتِخْلَافِ كَمَا لَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ وِلَايَةُ خُلَفَائِهِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ ، وَمَنْ كَانَ خَاصَّ النَّظَرِ بَطَلَ بِمَوْتِهِ وِلَايَةُ خُلَفَائِهِ كَالْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ ، عَلَى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ صِحَّةَ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ بَعْدَهُ لِإِمَامٍ مُعْتَبَرًا بِرِضَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، وَرِضَاهُمْ أَنْ

يَعْلَمُوا بِهِ فَلَا يُنْكِرُوهُ ، كَمَا عَلِمَتِ الصَّحَابَةُ بِاسْتِخْلَافِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجُعِلَ إِمْسَاكُهُمْ عَنِ الْإِنْكَارِ رِضًا بِهِ انْعَقَدَتْ بِهِ الْإِمَامَةُ لَهُ . فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوِ اسْتَخْلَفَ إِمَامًا بَعْدَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِخْلَافُهُ وَلَمْ تَنْعَقِدْ إِمَامَتُهُ إِلَّا أَنْ يُجْمَعَ عَلَيْهِ وَيُرْضَى بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ مِمَّنْ يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ . وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَدِ انْعَقَدَتْ إِمَامَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ عِنْدَ الْعَهْدِ وَلَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْوِلَايَاتُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : وِلَايَةُ حُكْمٍ ، وَوِلَايَةُ عَقْدٍ ، وَوِلَايَةُ نَسَبٍ . فَأَمَّا وِلَايَةُ الْحُكْمِ فَضَرْبَانِ : عَامَّةٌ ، وَخَاصَّةٌ . فَالْعَامَّةُ : الْإِمَامَةُ وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ مَنْ يُقَلَّدُهَا ، وِلَايَةُ مُسْتَخْلَفٍ وَلَا نَظَرُ مُسْتَنَابٍ . وَأَمَّا الْخَاصَّةُ : فَالْقَضَاءُ وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ مَنْ يُقَلَّدُهُ وِلَايَةٌ لِمُسْتَخْلَفٍ وَنَظَرُ كُلِّ مُسْتَنَابٍ . وَأَمَّا وِلَايَةُ الْعَقْدِ : فَضَرْبَانِ : عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ نِيَابَةً عَنْ حَيٍّ ، وَعَقْدٌ يَتَضَمَّنُ نِيَابَةً عَنْ مَيِّتٍ . فَالَّذِي يَتَضَمَّنُ النِّيَابَةَ عَنِ الْحَيِّ هُوَ الْوَكَالَةُ ، فَإِنْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ بَطَلَتْ ، وَإِنْ مَاتَ الْوَكِيلُ لَمْ تَكُنْ لَهُ الْوَصِيَّةُ . وَالَّذِي يَتَضَمَّنُ النِّيَابَةَ عَنِ الْمَيِّتِ هُوَ الْوَصِيَّةُ ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوصِي اسْتَقَرَّتْ وِلَايَةُ الْوَصِيِّ ، وَإِنْ مَاتَ الْوَصِيُّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ . وَأَمَّا وِلَايَةُ النَّسَبِ : فَضَرْبَانِ : عَامَّةٌ ، وَخَاصَّةٌ . فَالْعَامَّةُ : وِلَايَةُ الْأَبِ وَالْجَدِّ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ وَتَصِحُّ مِنْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ الْوَصِيَّةُ . وَالْخَاصَّةُ : وِلَايَةُ الْعَصَبَاتِ فِي الْأَبْضَاعِ وَلَا تَصِحُّ فِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ الْوَصِيَّةُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ لَمْ يَخْلُ مَا تَوَلَّاهُ مِنْ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَعْجِيلِ إِنْفَاذِهِ ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِعًا عَنِ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ إِمْكَانَ تَنْفِيذِهَا مَعَ ضِيقِ وَقْتِهَا وَالْمُقَامِ عَلَى النَّظَرِ فِيهَا يَمْنَعُ مِنْ تَأْخِيرِهَا . وَالثَّانِي : أَلَّا يُمْكِنَ تَعْجِيلُ إِنْفَاذِهِ لِمَا تَتَضَمَّنُهَا مِنَ الْوِلَايَةِ عَلَى يَتِيمٍ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَالِهِ أَوْ قَضَاءُ دَيْنٍ لِغَائِبٍ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَالِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْفَظُ نَفْسَهُ كَالْعَقَارِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِهِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ حَقٌّ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَرْفَعُ يَدَهُ عَنِ النَّظَرِ لَا عَنِ الْحِفْظِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ ، كَالْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ ، فَعَلَيْهِ حَقَّانِ : الْحِفْظُ ، وَالنَّظَرُ . فَيَلْزَمُهُ عِنْدَ زَوَالِ نَظَرِهِ بِالْمَوْتِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حِفْظُهُ بِتَسْلِيمِهِ إِلَى مَنْ يَعُمَّ نَظَرُهُ وَهُوَ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ الْمُكْنَةِ كَانَ ضَامِنًا .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَلَوْ قَالَ : فَإِنْ حَدَثَ بِوَصِيٍّ حَدَثٌ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى مَنْ أَوْصَى إِلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْصَى بِمَالِ غَيْرِهِ ، ( وَقَالَ ) فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا قَالَ قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ بِتَرِكَةِ فُلَانٍ ، ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَقَوْلُهُ هَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَالَّذِي قَبْلَهُ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ إِذَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ ، فَأَمَّا إِذَا جَعَلَ إِلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُعَيِّنَ إِلَيْهِ مَنْ يُوصِي . وَالثَّانِي : أَلَّا يُعَيِّنَ . فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ مَنْ يُوصِي إِلَيْهِ ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ وَجَعَلْتُ لَكَ أَنْ تُوصِيَ إِلَى عَمْرٍو . وَسَوَاءٌ قَالَ : فَإِذَا أَوْصَيْتُ فَهُوَ وَصِيٌّ أَوْ لَمْ يَقُلْ ، فَهَذَا جَائِزٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ وَقَطَعَ اجْتِهَادَهُ فِي الِاخْتِيَارِ ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْلِهِ قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ ، فَإِنْ مُتَّ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى عَمْرٍو . وَلَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ : إِنْ مُتَّ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى عَمْرٍو ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ عَمْرٌو بِمَوْتِ الْوَصِيِّ وَصِيًّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى وَصِيَّةٍ مِنْ جِهَةِ الْوَصِيِّ . وَلَوْ قَالَ : وَقَدْ جَعَلْتُ إِلَيْكَ أَنْ تُوصِيَ إِلَى عَمْرٍو ، لَمْ يَصِرْ عَمْرٌو وَصِيًّا إِلَّا بِوَصِيَّةِ الْوَصِيِّ ، فَإِذَا أَوْصَى إِلَيْهِ صَارَ عَمْرٌو وَصِيًّا لِلْمَيِّتِ الْأَوَّلِ لَا لِلْوَصِيِّ . فَلَوْ مَاتَ الْوَصِيُّ قَبْلَ أَنْ يُوصِيَ إِلَى عَمْرٍو لَمْ تَثْبُتْ وَصِيَّةُ عَمْرٍو إِلَّا أَنْ يَرُدَّهَا الْحَاكِمُ إِلَيْهِ ، فَلَوْ أَرَادَ الْحَاكِمُ رَدَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى غَيْرِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ قَدْ قَطَعَ الِاجْتِهَادَ فِي تَعَيُّنِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ إِلَى غَيْرِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ إِنَّمَا جُعِلَ إِلَى الْوَصِيِّ ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوصِيَ بَطَلَ حُكْمُ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ ، فَصَارَ نَظَرُ الْحَاكِمِ فِيهَا نَظَرَ حُكْمٍ لَا نَظَرَ وَصِيٍّ ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ يَرَاهُ لِلنَّظَرِ أَوْفَقَ . وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُوصِي : قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى زَيْدٍ ، فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى عَمْرٍو ، فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى بَكْرٍ ، جَازَ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَصِيًّا بَعْدَ مَوْتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ ، فَقَدْ جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَيْشَ مُؤْتَةَ وَقَالَ لَهُمْ : أَمِيرُكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَإِنْ أُصِيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَإِنْ أُصِيبَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا .

فَأُصِيبَ زَيْدٌ فَقَامَ بِهِمْ جَعْفَرٌ ، ثُمَّ أُصِيبَ جَعْفَرٌ ، فَقَامَ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، ثُمَّ أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ فَارْتَضَى الْمُسْلِمُونَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ . فَلَوْ قَالَ : قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى زَيْدٍ سَنَةً ، ثُمَّ بَعْدَ السَّنَةِ إِلَى عَمْرٍو ، كَانَ هَذَا جَائِزًا . وَقِيلَ : إِنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَكَذَا أَوْصَى .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا جَعَلَ إِلَى وَصِّيهِ أَنْ يُوصِيَ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَنْ يُوصِي إِلَيْهِ من ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ : جَعَلْتُ إِلَيْكَ أَنْ تُوصِيَ ، أَوْ يَقُولَ : مَنْ أَوْصَيْتَ إِلَيْهِ فَهُوَ وَصِيٌّ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى سَوَاءٍ وَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ : يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ نَظَرَ الْوَصِيِّ أَقْوَى مِنْ نَظَرِ الْوَكِيلِ ، فَلَمَّا جَازَ لِلْوَكِيلِ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ مُعَيَّنًا وَغَيْرَ مُعَيَّنٍ ، كَانَ أَوْلَى فِي الْوَصِيِّ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ يُوصِيَ عَنْهُ إِلَى مُعَيَّنٍ وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَصِيَّ بِالْإِذْنِ قَدْ صَارَ كَالْأَبِ ، فَلَمَّا جَازَ لِلْأَبِ أَنْ يُوصِيَ جَازَ لِلْوَصِيِّ مَعَ الْإِذْنِ أَنْ يُوصِيَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ مَعَ عَدَمِ التَّعْيِينِ أَنْ يُوصِيَ وَإِنْ أُذِنَ لَهُ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ الِاخْتِيَارَ بِالْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ بِالْوَصِيَّةِ الْمُقَيَّدَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّ اخْتِيَارَ الْحَاكِمِ أَقْوَى مِنَ اخْتِيَارِ الْمُوصِي ؛ لِأَنَّ لَهُ الِاخْتِيَارَ بِإِذْنٍ وَغَيْرِ إِذْنٍ ، فَكَذَلِكَ كَانَ اخْتِيَارُ الْحَاكِمِ أَوْلَى مِنَ اخْتِيَارِ الْوَصِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَلَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ فِي إِنْكَاحِ بَنَاتِ الْمَيِّتِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ وِلَايَةَ الْوَصِيِّ عَلَى الْيَتِيمِ كَوِلَايَةِ الْأَبِ عَلَيْهِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ وَيَبِيعَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ . وَالثَّانِي : أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُوصِيَ بِالْوِلَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَهُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ . ثُمَّ الْوَصِيُّ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَالْأَبِ سَوَاءً ، فَلَوْ جَعَلَ الْأَبُ إِلَى الْوَصِيِّ مَا كَانَ

مُخْتَصًّا بِهِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، لِيَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِيهَا نُظِرَ ، فَإِنْ جَعَلَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِنَفْسِهِ ، أَوْ يَبِيعَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ إِذْنٌ بِعَقْدٍ فِي مَالٍ لَا يَمْلِكُهُ ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فَهُوَ عَلَى مَا مَضَى مِنَ التَّفْصِيلِ . وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ ، فَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَجَعَلَ الْوَصِيَّ أَحَقَّ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ، كَمَا كَانَ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ عَلَى الْمَالِ . وَمَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مُسْتَقْصَاةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى

بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَيُخْرِجُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كُلَّ مَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَجِنَايَتِهِ وَمَا لَا غِنَاءَ بِهِ عَنْهُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ مَنْدُوبٌ إِلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ ، قَالَ تَعَالَى : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الْأَنْعَامِ : 152 ] . وَالَّذِي يَلْزَمُهُ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : حِفْظُ أُصُولِ أَمْوَالِهِ . وَالثَّانِي : تَمْيِيزُ فُرُوعِهَا . وَالثَّالِثُ : الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ . وَالرَّابِعُ : إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ . فَأَمَّا حِفْظُ الْأُصُولِ فَيَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حِفْظُ الرِّقَابِ عَنْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا يَدٌ ، فَإِنْ فَرَّطَ ، كَانَ لِمَا تَلِفَ مِنْهَا ضَامِنًا . وَالثَّانِي : اسْتِيفَاءُ الْعِمَارَةِ لِئَلَّا يُسْرِعَ إِلَيْهَا خَرَابٌ ، فَإِنْ أَهْمَلَ عِمَارَتَهَا حَتَّى عَطِلَ ضِيَاعُهُ وَتَهَدَّمَ عَقَارُهُ ، نُظِرَ : فَإِنْ كَانَ لِأَعْوَانِ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ فَقَدْ أَثِمَ ، وَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَضْمَنُ وَيَصِيرُ بِهَذَا الْعُدْوَانِ كَالْغَاصِبِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ خَرَابَهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ ، فَيَضْمَنُ بِهِ وَلَا يَدُهُ غَاصِبَةٌ فَيَجِبُ بِهَا عَلَيْهِ ضَمَانٌ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا تَمْيِيزُ فُرُوعِهِ فَلِأَنَّ النَّمَاءَ مَالٌ مَقْصُودٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَهُ عَلَى الْيَتِيمِ كَالْأُصُولِ وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا كَانَ نَمَاؤُهُ أَعْيَانًا مِنْ ذَاتِهِ ، كَالثِّمَارِ وَالنِّتَاجِ ، فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا عَادَ يَحْفَظُهُ وَزِيَادَتُهُ ، كَتَلْقِيحِ النَّخْلِ وَعُلُوفَةِ الْمَاشِيَةِ . فَإِنْ أَخَلَّ بِعُلُوفَةِ الْمَاشِيَةِ ، ضَمِنَهَا وَجْهًا وَاحِدًا ، وَإِنْ أَخَلَّ بِتَلْقِيحِ الثَّمَرَةِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَجْهًا وَاحِدًا ؛

لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ مَا لَمْ يُخْلَقْ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ لِلْيَتِيمِ مِلْكٌ ، وَإِنْ خُلِقَتْ نَاقِصَةً فَالنُّقْصَانُ أَيْضًا مِمَّا لَمْ يُخْلَقْ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي : مَا كَانَ نَمَاؤُهُ بِالْعَمَلِ . وَذَلِكَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : تِجَارَةٌ بِمَالٍ ، وَالثَّانِي : اسْتِغْلَالُ الْعَقَارِ . فَأَمَّا التِّجَارَةُ بِالْمَالِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا ، أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ، يُؤْخَذُ الْوَلِيُّ بِهَا فِي التِّجَارَةِ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ مَالُهُ نَاضًّا ، فَإِنْ كَانَ عَقَارًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِلتِّجَارَةِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ آمِنًا ، فَإِنْ كَانَ مَخُوفًا لَمْ يَجُزْ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ السُّلْطَانُ عَادِلًا ، فَإِنْ كَانَ جَائِرًا لَمْ يَجُزْ . وَالرَّابِعُ : أَنْ تَكُونَ الْمَتَاجِرُ مُرْبِحَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مُخْسِرَةً لَمْ يَجُزْ . فَإِنِ اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ ، كَانَ مَنْدُوبًا إِلَى التِّجَارَةِ لَهُ بِالْمَالِ ، فَلَوْ لَمْ يَتَّجِرْ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ مِلْكٌ عَلَى رِبْحٍ مَعْلُومٍ فَيَصِحَّ ضَمَانُهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ بِالْعَقْدِ وَالْمَالِ تَبَعٌ ، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا رِبْحَ الْغَاصِبِ فِي الْمَالِ الْمَغْصُوبِ لَهُ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ . فَإِنِ اتَّجَرَ الْوَلِيُّ بِالْمَالِ مَعَ إِخْلَالِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، كَانَ ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ . وَأَمَّا اسْتِغْلَالُ الْعَقَارِ ، فَإِنَّمَا يَكُونُ بِإِجَارَتِهِ ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَاطِلًا لَمْ يُؤَجِّرْهُ ، فَقَدْ أَثِمَ وَفِي ضَمَانِهِ لِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي تَعْطِيلِهِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ تُمْلَكُ كَالْأَعْيَانِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا النَّفَقَةُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ اليتيم فَلِأَنَّ فِي الزِّيَادَةِ سَرَفًا وَفِي التَّقْصِيرِ ضَرَرًا ، فَلَزِمَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ ، وَكَذَلِكَ يُنْفِقُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ مِنْ وَالِدَيْنِ وَمَمْلُوكِينَ ، ثُمَّ يَكْسُوهُ وَإِيَّاهُمْ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ كِسْوَةَ مِثْلِهِمْ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : يُعْتَبَرُ بِكِسْوَةِ أَبِيهِ فَيَكْسُوهُ مِثْلَهَا . وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ قَدْ رُبَّمَا كَانَ مُسْرِفًا أَوْ مُقَصِّرًا ، فَكَانَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي الْكِسْوَةِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ عَادَةً وَعُرْفًا أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِهِ عَادَةَ أَبِيهِ . وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ عَادَةُ أَبِيهِ فِي صِفَةِ الْمَلْبُوسِ إِنْ كَانَ تَاجِرًا كَسَا كِسْوَةَ التُّجَّارِ ، وَإِنْ كَانَ جُنْدِيًّا كَسَا كِسْوَةَ الْأَجْنَادِ ، وَلَا يَعْدِلُ بِهِ عَنْ عَادَةِ أَبِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَلِيَ أَمْرَ نَفْسِهِ فَيُغَيِّرُهَا إِنْ شَاءَ . فَإِنْ أَسْرَفَ الْوَلِيُّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، ضَمِنَ زِيَادَةَ السَّرَفِ وَإِنْ قَصَّرَ بِهِ عَنِ الْعَقْدِ أَسَاءَ وَلَمْ يَضْمَنْ .

فَإِنِ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْوَلِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَخْتَلِفَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْمُدَّةِ كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ عَشْرَ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ دِينَارٍ ، فَقَالَتْ : أَنْفَقْتَ عَلَيَّ عَشْرَ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ خَمْسِينَ دِينَارًا . فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَلِيِّ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا ادَّعَاهُ سَرَفًا ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ وَصِيًّا أَوْ أَمِينَ حَاكِمٍ فَلَهُ إِحْلَافُهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ ، وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا فَفِي إِحْلَافِهِ لَهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَحْلِفُ كَالْأَجْنَبِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَحْلِفُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَارِقُ الْأَجْنَبِيَّ فِي نَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ وَكَثْرَةِ الْإِشْفَاقِ عَلَيْهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قَدْرِ النَّفَقَةِ وَيَخْتَلِفَا فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ عَشْرَ سِنِينَ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ دِينَارٍ ، فَقَالَ : بَلْ أَنْفَقْتَ عَلَيَّ خَمْسَ سِنِينَ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ دِينَارٍ . فَعِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ : أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَدْرِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْمُدَّةِ . وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا : بَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْيَتِيمِ مَعَ يَمِينِهِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقَدْرِ وَبَيْنَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمُدَّةِ أَنَّهُمَا فِي الْقَدْرِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَالِ ، فَقُبِلَ مِنْهُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ ، وَفِي الْمُدَّةِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَوْتِ الَّذِي يَعْقُبُهُ نَظَرُ الْوَلِيِّ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْتَمَنٍ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِ الْمَوْتِ فِي شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهِ ؛ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَ الْحُكْمُ فِيهِمَا .

فَصْلٌ : وَأَمَّا إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ فَضَرْبَانِ : حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى في مال اليتيم ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ . فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَالزَّكَوَاتُ وَالْكَفَّارَاتُ . أَمَّا الزَّكَوَاتُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَأَعْشَارُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا . وَأَمَّا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ فَقَدْ أَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَلَمْ يُوجِبْهَا إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ . وَعِنْدَنَا تَجِبُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، عَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ . وَإِذَا وَجَبَتْ لَزِمَ إِخْرَاجُهَا وَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا عَنْ مُسْتَحِقِّهَا ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُ وَيَتْرُكُهَا فِي مَالِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ فَيُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ " .

وَدَلِيلُنَا : مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَالَ ، فَنَقَصَ كَثِيرًا ، فَقَالُوا لَهُ : نَقُصَ الْمَالُ ، فَقَالَ : احْسِبُوا قَدْرَ الزَّكَاةِ وَالنُقْصَانِ ، فَحَسِبُوا فَوَافَقَ ، فَقَالَ : أَتَرَانِي أَلِي مَالًا وَلَا أُخْرِجُ زَكَاتَهُ ؟ فَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْوَلِيُّ لَزِمَ الْيَتِيمَ إِذَا بَلَغَ أَنْ يُخْرِجَهَا بِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ في مال اليتيم فَنَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : حَقٌّ وَجَبَ بِاخْتِيَارٍ كَالدُّيُونِ فَعَلَى الْوَلِيِّ قَضَاؤُهَا إِذَا ثَبَتَتْ وَطَالَبَ بِهَا أَرْبَابُهَا ، فَإِنْ أُبْرِئُوا مِنْهَا سَقَطَتْ ، وَإِنْ أَمْسَكُوا عَنِ الْمُطَالَبَةِ مِنْ غَيْرِ إِبْرَاءٍ ، نُظِرَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ ، فَإِنْ كَانَ نَاضًّا ، أَلْزَمَهُمُ الْوَلِيُّ قَبْضَ دُيُونِهِمْ أَوِ الْإِبْرَاءَ مِنْهَا ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتْلَفَ الْمَالُ وَيَبْقَى الدَّيْنُ . وَإِنْ كَانَ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا ، تَرَكَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدُيُونِهِمْ إِذَا شَاءُوا . وَالنَّوْعُ الثَّانِي : مَا وَجَبَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْجِنَايَاتِ وَهِيَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَى مَالٍ ، فَيَكُونُ غُرْمُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ كَالدُّيُونِ . وَالثَّانِي : عَلَى نَفْسٍ ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : عَمْدٌ ، وَخَطَأٌ . فَإِنْ كَانَ خَطَأٌ فِدْيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لَا فِي مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي عَمْدِ الصَّبِيِّ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْعَمْدِ أَوْ مَجْرَى الْخَطَإِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْعَمْدِ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْخَطَإِ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ . فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَفِي مَالِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : " لَا كَفَّارَةَ عَلَى الصَّبِيِّ " . فَهَذَا مَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا شَهَادَةُ الْوَصِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَصِيَّةِ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمُوصِي ، فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ . وَالثَّانِي : أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُوصِي ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظَرٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ ، كَأَنْ شَهِدَ لَهُ بِمَالٍ أَوْ مِلْكٍ هُوَ وَصِيٌّ فِي تَفْرِيقِ ثُلُثِهِ ، أَوْ وِلَايَةٍ عَلَى أَطْفَالٍ ، فَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَلَّا يَكُونَ لَهُ نَظَرٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ ، كَأَنَّهُ وَصِيٌّ فِي تَفْرِيقِ مَالٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تَرِكَتِهِ ، فَشَهِدَ لِلْمُوصِي بِمِلْكٍ لَا يَدْخُلُ فِي وَصِيَّتِهِ وَلَيْسَ وَارِثًا مَثَلًا ، فَيَكُونُ فِي وِلَايَتِهِ فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ وَلَمْ يَرْشُدْ زَوَّجَهُ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَادِمٍ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَا يُزَوِّجُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ . أَمَّا إِذَا كَانَ الْيَتِيمُ عَلَى حَالِ صِغَرِهِ فَلَا يَجُوزُ لِوَصِيِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فِي صِغَرِهِ كَالْأَبِ . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَمَّا مُنِعَ مِنْ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ اكْتِسَابِ الْمَهْرِ ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ الصَّغِيرِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْتِزَامِ الْمَهْرِ ، وَلِأَنَّ الْمُوصَى مَمْنُوعٌ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ مَا لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى النِّكَاحِ . فَإِذَا بَلَغَ الْيَتِيمُ زَالَ اسْمُ الْيَتِيمِ عَنْهُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ . ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ مِنْ أَنْ يَبْلُغَ رَشِيدًا أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ ، فَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا وَجَبَ ، فَلَهُ حَجْرُهُ وَإِمْضَاءُ تَصَرُّفِهِ . ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ وَلِيِّهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ أَبًا ، فَيَنْفَكُّ حَجْرُهُ بِظُهُورِ الرُّشْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوِلَايَةِ لِلْأَبِ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِهِ ، فَارْتَفَعَتْ بِالرُّشْدِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَمِينَ الْحَاكِمِ ، فَلَا يَنْفَكُّ حَجْرُهُ عَنْهُ بِظُهُورِ الرُّشْدِ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِفَكِّ حَجْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ ثَبَتَتْ بِحُكْمِهِ فَلَمْ تَرْتَفِعْ إِلَّا بِحُكْمِهِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ وَصِيًّا لِأَبٍ أَوْ جَدٍّ ، فَفِي فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ بِظُهُورِ رُشْدِهِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَنْفَكُّ حَجْرُهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ . وَالثَّانِي : لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ إِلَّا بِحُكْمٍ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ كَالْأَمِينِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ كَانَ حَجْرُهُ بَاقِيًا ؛ لِأَنَّ فَكَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطَيْنِ : الْبُلُوغُ ، وَالرُّشْدُ . فَلَمْ يَنْفَكَّ بِالْبُلُوغِ دُونَ الرُّشْدِ ، كَمَا لَا يَنْفَكُّ بِالرُّشْدِ دُونَ الْبُلُوغِ الولاية على اليتيم والحجر عليه . وَإِذَا كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَاقِيًا ، كَانَتْ وِلَايَةُ الْوَالِي عَلَيْهِ بِحَالِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَالِي عَلَيْهِ أَبًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ أَمِينًا . وَإِنْ كَانَ حَجْرُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ حَجْرَ سَفَهٍ ، لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا حَاكِمٌ ، ( تَقْدِيمُ حَجْرٍ ) مُسْتَدِيمٍ ، فَحَجْرٍ مُتَقَدِّمٍ ، فَدَامَتِ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِوَلِيِّهِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ تَوْلِيَةٍ ، كَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ حَجْرٍ . فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَجُزْ لِلْوَصِيِّ تَزْوِيجُهَا . وَإِنْ كَانَ غُلَامًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى النِّسَاءِ لَمْ يُزَوَّجْ .

وَإِنْ كَانَتْ بِهِ إِلَى النِّسَاءِ حَاجَةٌ لِمَا يَرَى مِنْ فَوْرَتِهِ عَلَيْهِنَّ وَمَيْلِهِ إِلَيْهِنَّ ، زَوَّجَهُ الْوَصِيُّ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ لَهُ وَتَحْصِينِ فَرْجِهِ ، وَلَا يَزِيدُهُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَلَا يُزَوِّجُهُ إِلَّا بِمَنِ اخْتَارَهَا مِنْ أَكْفَائِهِ . فَإِذَا أَذِنَ لَهُ الْوَصِيُّ فِي تَوَلِّي الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ ، جَازَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَمَا دُونَ ، وَإِنْ نَكَحَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، رُدَّتِ الزِّيَادَةُ عَلَى وَلِيِّهِ وَدَفَعَ الْمَهْرَ عِنْدَ طَلَبِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى زَوْجَتِهِ وَعَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ لِمِثْلِهَا مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَمِثْلُهُ يُخْدَمُ اشْتَرَى لَهُ وَلَا يَجْمَعُ لَهُ امْرَأَتَيْنِ وَلَا جَارِيَتَيْنِ لِلْوَطْءِ وَإِنِ اتَّسَعَ مَالُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضِيقَ فِي جَارِيَةٍ لِلْوَطْءِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَمِثْلُهُ يُخْدَمُ اشْتَرَى لَهُ خَادِمًا الولاية علي اليتيم . أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى خَادِمٍ ، تَرَكَهُ وَخَدَمَ نَفْسَهُ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَادِمٍ ، فَإِنِ اكْتَفَى بِخِدْمَةِ زَوْجَتِهِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكْتَفِ بِخِدْمَةِ زَوْجَتِهِ نُظِرَ ، فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ اكْتَرَى لَهُ خَادِمًا وَإِنِ اتَّسَعَ اشْتَرَى لَهُ خَادِمًا . فَإِنْ كَانَتْ خِدْمَتُهُ تَقُومُ بِهَا الْجَوَارِي وَأَمْكَنَ أَنْ تَقُومَ الْجَارِيَةُ بِخِدْمَتِهِ وَاسْتِمْتَاعِهِ ، اقْتَصَرَ عَلَى جَارِيَةِ الْخِدْمَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْجَارِيَةُ لِاسْتِمْتَاعِ مِثْلِهِ ، اشْتَرَى لَهُ مَعَ التَّزْوِيجِ جَارِيَةً لِخِدْمَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ خِدْمَتُهُ مِمَّا لَا يَقُومُ بِهَا إِلَّا الْغِلْمَانُ اشْتَرَى لَهُ غُلَامًا لِخِدْمَتِهِ ، فَإِنِ احْتَاجَ فِي خِدْمَتِهِ إِلَى خِدْمَةِ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ مَنْزِلِهِ وَغُلَامٍ لِخِدْمَتِهِ فِي تَصَرُّفِهِ ، اشْتَرَاهُمَا لَهُ إِذَا اتَّسَعَ مَالُهُ ، وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ يُرَاعِي فِي ذَلِكَ مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " فَإِنْ أَكْثَرَ الطَّلَاقَ لَمْ يُزَوَّجْ وَسُرِّيَ وَالْعِتْقُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : طَلَاقُ السَّفِيهِ هل يقع ؟ . وَاقِعٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : طَلَاقُ السَّفِيهِ لَا يَقَعُ . اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الطَّلَاقَ اسْتِهْلَاكُ مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْخُلْعِ فَمُنِعَ مِنْهُ السَّفِيهُ كَالْعِتْقِ . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَاطِعٌ لِلِاسْتِدَامَةِ وَمَانِعٌ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَيْسَ بِإِتْلَافِ مَالٍ ، إِنَّمَا يُسْتَفَادُ بِهِ إِسْقَاطُ مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَسْقَطَ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، أَسْقَطَ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ وَخَالَفَ الْعِتْقَ الَّذِي هُوَ اسْتِهْلَاكُ مَالٍ ، وَلِذَلِكَ جَازَ لِلْكَاتِبِ أَنْ يُطَلِّقَ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتِقَ ، وَجَازَ طَلَاقُ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ السَّيِّدُ وَالْعِوَضُ الْمَأْخُوذُ فِي الْخُلْعِ

إِنَّمَا هُوَ لِرَفْعِ الْيَدِ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْبُضْعِ بِالِاسْتِمْتَاعِ ، فَصَارَ الْعِوَضُ مَأْخُوذًا عَلَى تَرْكِ الِاسْتِمْتَاعِ لَا عَلَى أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ طَلَاقَ السَّفِيهِ حكم تصرفات السفيه إذا كان مطلاقا وَاقِعٌ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ مِطْلَاقًا يُكْثِرُ الطَّلَاقَ لَمْ يُزَوِّجْهُ لِمَا يَتَوَالَى فِي مَالِهِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ مَهْرٍ بَعْدَ مَهْرٍ وَسَرَّاهُ بِجَارِيَةٍ يَسْتَمْتِعُ بِهَا ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا ، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ بِهِ عَنِ التَّزْوِيجِ إِذَا كَانَ مِطْلَاقًا إِلَى التَّسَرِّي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لِمَالِهِ ، فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يُحْبِلُ الْجَارِيَةَ فَيَبْطُلُ ثَمَنُهَا فَصَارَ ذَلِكَ كَالطَّلَاقِ أَوْ أَسْوَأَ حَالًا . قِيلَ : إِحْبَالُهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، فَكَانَ مَقْصِدُهُ فِيهَا بَاقِيًا وَلَيْسَ كَالطَّلَاقِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَيَرْفَعُ الِاسْتِبَاحَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا اسْتَقَرَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْبَابُ مِنْ أَحْوَالِ الْأَوْصِيَاءِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَصِيِّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَطَوِّعًا ، أَوْ مُسْتَعْجِلًا . فَإِنْ تَطَوَّعَ فَهِيَ أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ ، أَوِ اسْتَعْجَلَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ بِعَقْدٍ . وَالثَّانِي : بِغَيْرِ عَقْدٍ . فَإِنْ كَانَ بِعَقْدٍ فَهِيَ إِجَارَةٌ لَازِمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا يَضْمَنُهَا وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهَا ، وَإِنْ ضَعُفَ عَنْهَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيمَا ضَعُفَ عَنْهُ ، وَلَوِ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَهِيَ جَعَالَةٌ ، ثُمَّ هِيَ ضَرْبَانِ : مُعَيَّنَةٌ وَغَيْرُ مُعَيَّنَةٍ . فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً : كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ قَامَ زَيْدٌ بِوَصِيَّتِي لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، فَإِنْ قَامَ بِهَا غَيْرُ زَيْدٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ قَامَ بِهَا زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَلَا شَيْءَ لِعَمْرٍو ، وَإِنْ عَاوَنَ زَيْدًا فِيهَا فَلِزَيْدٍ جَمِيعُ الْمِائَةِ ، وَإِنْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِزَيْدٍ إِلَّا نِصْفُ الْمِائَةِ ؛ لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الْعَمَلِ . وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ : كَقَوْلِهِ : مَنْ قَامَ بِوَصِيَّتِي هَذِهِ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، فَأَيُّ النَّاسِ قَامَ بِهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا فَلَهُ الْمِائَةُ ، فَإِنْ قَامَ بِهَا جَمَاعَةٌ ، كَانَتِ الْمِائَةُ بَيْنَهُمْ ، وَإِذَا قَامَ بِهَا وَاحِدٌ وَكَانَ كَافِيًا ، مُنِعَ غَيْرُهُ بَعْدَ الْعَمَلِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهَا . فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي إِنْفَاذِ الْوَصَايَا وَالْقِيَامِ بِالْوَصِيَّةِ عَنْ إِتْمَامِهَا لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْجَعَالَةِ لَا يَلْزَمُ وَجَازَ لِغَيْرِهِ بَعْدَ رَفْعِ يَدِهِ أَنْ يُتَمِّمَ مَا بَقِيَ وَلِلْأَوَّلِ مِنَ الْجَعَالَةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ ، وَلِلثَّانِي بِقَدْرِ عَمَلِهِ مُقَسَّطًا عَلَى أُجُورِ أَمْثَالِهَا . فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَصِيِّ إِذَا كَانَ مُسْتَعْجِلًا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا فِي كُلِّ الْمَالِ أَوْ فِي بَعْضِهِ ، فَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فِي جَمِيعِ مَا وَصَّى بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَا جَعَلَهُ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :

أَحَدُهَا : أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ . وَالثَّانِي : مِنْ ثُلُثِهِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُطْلِقَ . فَإِنْ جَعَلَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ نُظِرَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُجْرَةِ مُحَابَاةٌ ، كَانَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا مُحَابَاةٌ ، كَانَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مِنَ الْمُحَابَاةِ فِي الثُّلُثِ يُضَارِبُ بِهَا أَهْلَ الْوَصَايَا . فَإِنْ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهِ ، كَانَ فِي ثُلُثِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُجْرَةِ مُحَابَاةٌ وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا ، تَمَّتْ لَهُ الْأُجْرَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . فَلَوْ كَانَ فِي الثُّلُثِ مَعَ الْأُجْرَةِ وَصَايَا ، فَفِي تَقْدِيمِ الْوَصِيِّ بِأُجْرَتِهِ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا وكان في الثلث مع الأجرة وصايا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُقَدَّمُ بِأُجْرَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَنْ عَمَلٍ لَا مُحَابَاةَ فِيهِ ، ثُمَّ يُتَمَّمُ مَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُمْ فِي الْمُضَارَبَةِ بِهَا مَعَهُمْ فِي الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ لِبَاقِي أُجْرَتِهِ مَحَلًّا يَسْتَوْفِيهِ مِنْهُ وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ بُنِيَا عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ جَعَلَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ ثُلُثِهِ وَجَعَلَ دَيْنَهُ مِنْ ثُلُثِهِ ، هَلْ يُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا أَمْ لَا ؟ فَلَوْ كَانَ فِي أُكْرَةِ هَذَا الْوَصِيِّ مُحَابَاةٌ ، كَانَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا مُتَمَّةً مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَكَانَتِ الْمُحَابَاةُ وَصِيَّةً يُضَارَبُ بِهَا مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا وَسَقَطَ مِنْهَا مَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُ . وَإِنْ أَطْلَقَ أُجْرَةَ الْوَصِيِّ وَلَمْ يَجْعَلْهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَلَا مِنْ ثُلُثِهِ ، فَهِيَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ ، إِذَا تَعَلَّقَتْ بِوَاجِبٍ مِنْ قَضَاءِ دُيُونٍ وَتَأْدِيَةِ حُقُوقٍ وَكَانَ مَا تَعَلَّقَ بِهَا مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ تَبَعًا ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأُجْرَةِ مُحَابَاةٌ كَانَ قَدْرُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَكَانَتِ الْمُحَابَاةُ فِي الثُّلُثِ يُضَارَبُ بِهَا أَهْلُ الْوَصَايَا ، فَهَذَا حُكْمُ أُجْرَةِ الْوَصِيِّ ، إِذَا كَانَ وَصِيًّا فِي جَمِيعِ الْمَالِ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ وَصِيًّا فِي شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا فِي قَضَاءِ دُيُونٍ وَتَأْدِيَةِ حُقُوقٍ ، فَأُجْرَتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ تَكُنْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُحَابَاةٌ كَانَتْ فِي الثُّلُثِ يُضَارَبُ بِهَا أَهْلُ الْوَصَايَا . فَإِنْ جَعَلَ كُلَّ الْأُجْرَةِ فِي ثُلُثِهِ وَلَا مُحَابَاةَ فِيهَا تُمِّمَتْ ، وَعِنْدَ عَجْزِ الثُّلُثِ عَنْهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَدَخَلَهَا دَوْرٌ ، كَالْحَجِّ إِذَا أَوْصَى بِهِ فِي الثُّلُثِ فَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا فِي تَفْرِيقِ الثُّلُثِ ، فَأُجْرَتُهُ تَكُونُ فِي الثُّلُثِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ

فِيهَا مُحَابَاةٌ قَدَّمْتُهَا عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا مُقَابَلَةُ عَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِإِنْفَاذِ وَصَايَاهُمْ ، وَلَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ غَيْرَ الثُّلُثِ فَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ بِهَا . وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُحَابَاةٌ ، تَقَدَّمَهُمْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَشَارَكَهُمْ فِي الثُّلُثِ لِمُحَابَاتِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ وَصِّيًا عَلَى أَيْتَامِ وَلَدِهِ ، فَإِنَّ أُجْرَتَهُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْمُوصِي تَكُونُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ وَيَكُونُ الْوَصِيُّ وَكِيلًا مُسْتَأْجَرًا بِعَقْدِ الْأَبِ الْمُوصِي ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأُجْرَةِ مُحَابَاةٌ ، كَانَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَكَانَتِ الْمُحَابَاةُ وَصِيَّةُ ثُلُثِ الْمُوصِي يُضْرَبُ بِهَا مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا . فَإِنْ جَعَلَ الْمُوصِي جَمِيعَ الْأُجْرَةِ فِي ثُلُثِهِ كَانَتْ فِيهِ ، فَإِنِ احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ ، فَلَا شَيْءَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَلَا خِيَارَ لِلْوَصِيِّ ، وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ ضُرِبَ مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا بِجَمِيعِ الْأُجْرَةِ وَأُخِذَ مِنْهَا قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، ثُمَّ قُسِّطَ الْبَاقِي فِي الْمُسَمَّى لَهُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالْمُحَابَاةِ ، فَمَا بَقِيَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ رَجَعَ بِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْمُحَابَاةِ يَكُونُ بَاطِلًا . مِثَالُهُ : أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَقَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ مِنَ الْمِائَةِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ، فَإِذَا أَخَذَهَا فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الْمُسَمَّى مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالْمُحَابَاةِ وَبَقِيَ النِّصْفُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ، مِنْهَا نِصْفُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بَقِيَّةُ أُجْرَةِ مِثْلِهِ يَرْجِعُ بِهَا فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَنِصْفُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا نَصِيبُ الْمُحَابَاةِ ، فَتَكُونُ بَاطِلَةً وَيَكُونُ الْوَصِيُّ بِالْخِيَارِ فِي الْفَسْخِ لِنُقْصَانِ مَا عَاقَدَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ فَسَخَ أَقَامَ الْحَاكِمُ مِنْ أُمَنَائِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ نُصِّبَ لِلْقِيَامِ بِذَلِكَ وَرِزْقُهُ وَأُجُورُ أُمَنَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِبَيْتِ الْمَالِ مَالٌ يُدْفَعُ أُجْرَةَ أَمِينٍ ، وَلَا وَجَدَ مُتَطَوِّعًا ، كَانَتْ أُجْرَتُهُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ . وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَدْخُلُهَا دَوْرٌ وَطَرِيقُ عَمَلِهِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَجِّ ، فَصَارَ مَحْصُولُ هَذَا الْفَصْلِ فِي إِطْلَاقِ أُجْرَةِ الْوَصِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ أَنْ يُنْظَرَ ، فَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فِي الْبَعْضِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فِي تَأْدِيَةِ حُقُوقٍ فَأُجْرَتُهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فِي تَفْرِيقِ ثُلُثٍ فَأُجْرَتُهُ مُقَدَّمَةٌ فِي الثُّلُثِ ، وَإِنْ كَانَ وَصِيًّا عَلَى يَتِيمٍ فَأُجْرَتُهُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الْمُزَنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " هَذَا آخِرُ مَا وَصَفْتُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ وَضَعَهُ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَمِعَهُ مِنْهُ ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : لَوْ قَالَ أَعْطُوهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ دَنَانِيرِي أُعْطِيَ دِينَارَيْنِ ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ مِنْ دَنَانِيرِي أَعْطُوهُ مَا شَاءُوا اثْنَيْنِ " .

وَهَذَا الْفَصْلُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنْ يَقُولَ أَعْطُوهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ دَنَانِيرِي ، الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِدِينَارَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ عَدَدًا مِنْ دَنَانِيرِهِ دَلَّ عَلَى دِينَارَيْنِ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ مُخَرَّجٌ مِنَ الْإِقْرَارِ أَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِدِينَارٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرْدَيْنِ أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ وَهُمَا مَعًا دِينَارٌ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً بِمَا ذَكَرْنَا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَنَانِيرُ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِالْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَنَانِيرُ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَقُولَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدَّنَانِيرِ ، فَيَكُونُ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِدِينَارَيْنِ . وَالثَّانِي : بِدِينَارٍ ، لَكِنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَذَا الْقَدْرِ ، سَوَاءٌ تَرَكَ دَنَانِيرَ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَقُولَ كَذَا وَكَذَا فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ بَعْدَ دَيْنٍ يُرْجَعُ فِي بَيَانِهَا إِلَى الْوَارِثِ ، فَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا بَيَّنَهُ قَبِلْنَا مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ حَلَفَ فِيهِ ، وَسَوَاءٌ بَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : إِذَا قَالَ أَعْطُوا ثُلُثِي لِأَعْقَلِ النَّاسِ الوصية بغير معين ، فَقَدْ حَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُعْطِي أَزْهَدَ النَّاسِ وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ مَانِعٌ مِنَ الْقَبَائِحِ وَالزُّهَّادُ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ مَنْعًا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الشُّبُهَاتِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ أَعْطُوا ثُلُثِي لِأَجْمَلِ النَّاسِ الوصية بغير معين ، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ : يُعْطَاهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالَّذِي أَرَاهُ أَنْ يُعْطَاهُ أَهْلُ الْكِبَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ قَدْ أَقْدَمُوا عَلَى فِعْلِ مَا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْقَاقَ الْعَذَابِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ قَصْدِ الْمُسْلِمِ بِوَصِيَّتِهِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ .

فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ أَعْطُوا ثُلُثِي لِأَحْمَقِ النَّاسِ الوصية بغير معين ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْجُرَيْرِيُّ : يُعْطَاهُ مَنْ يَقُولُ بِالتَّثْلِيثِ مِنَ النَّصَارَى ، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنْ يُعْطَاهُ أَسْفَهُ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْحُمْقَ يَرْجِعُ إِلَى الْفِعْلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : أَعْطُوا ثُلُثِي لِأَعْلَمِ النَّاسِ الوصية بغير معين ، كَانَ مَصْرُوفًا فِي الْفُقَهَاءِ لِاضْطِلَاعِهِمْ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ بِأَكْثَرِ الْعُلُومِ مُتَعَلِّقَةً .

فَصْلٌ : وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِسَيِّدِ النَّاسِ كَانَ لِلْخَلِيفَةِ - رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَنَامِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ قُمْتُ أُمَاشِيهِ فَضَاقَ الطَّرِيقُ بِنَا فَوَقَفَ فَقُلْتُ تَقَدَّمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّكَ سَيِّدُ النَّاسِ قَالَ لَا تَقُلْ هَكَذَا قُلْتُ بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِسَيِّدِ النَّاسِ كَانَ لِلْخَلِيفَةِ أَنَا أُفْتِيكَ بِهَذَا فَخُذْ حَظِّي بِهِ ، وَلَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ

هَذَا الْمَنَامِ وَلَيْسَ الْجَوَابُ فِيهَا إِلَّا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ النَّاسِ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِمْ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَهَذِهِ صِفَةُ الْخَلِيفَةِ التَّقَدُّمُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . آخِرُ كِتَابِ الْوَصَايَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ
_____كِتَابُ الْوَدِيعَةِ _____

مَسْأَلَةٌ إِذَا أَوْدَعَ رَجُلٌ وَدِيعَةً فَأَرَادَ سَفَرًا فَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ يَجْعَلُهَا عِنْدَهُ فَسَافَرَ بِهَا

كِتَابُ الْوَدِيعَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : " وَإِذَا أَوْدَعَ رَجُلٌ وَدِيعَةً فَأَرَادَ سَفَرًا فَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ يَجْعَلُهَا عِنْدَهُ فَسَافَرَ بِهَا بَرًّا أَوْ بَحْرًا ضَمِنَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا اسْتِيدَاعُ الْوَدَائِعِ فَمِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْإِرْفَاقِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [ الْمَائِدَةِ : 2 ] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [ النِّسَاءِ : 58 ] . وَقَالَ تَعَالَى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [ آلِ عِمْرَانَ : 175 ] . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ . وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تَقَبَّلُوا إِلَيَّ بِسِتٍّ أَتَقَبَّلُ بِالْجَنَّةِ ، قَالُوا : وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِذَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَكْذِبْ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ فَلَا يَخُنْ ، وَإِذَا وَعَدَ فَلَا يُخْلِفْ ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ . وَقَدِ اسْتَوْدَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَائِعَ الْقَوْمِ وَكَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِقِيَامِهِ بِهَا مُحَمَّدًا الْأَمِينَ ، فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَرَكَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَخَلَّفَ عَلِيًّا - عَلَيْهِ

السَّلَامُ - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا ، فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا ، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا ، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا قَبِلَ الْوَدِيعَةَ كَانَ قَبُولُهَا مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ لَهُ الْمُقَامُ عَلَيْهَا وَالرُّجُوعُ فِيهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذَا قَبِلَهَا مَعْرِفَةُ مَا فِيهَا ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْدِعَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهَا ، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ الَّتِي يَلْزَمُهُ مَعْرِفَتُهَا لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَعْرِيفِهَا ، ثُمَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِحِفْظِهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا ، فَإِنْ فَرَّطَ كَانَ ضَامِنًا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . وَحُكِيَ عَنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إِنِ اتُّهِمَ فِي الْوَدِيعَةِ ضَمِنَهَا ، اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَوْدَعَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَسُرِقَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ ، فَتَخَاصَمَا إِلَى عُمَرَ فَقَالَ : هَلْ أُخِذَ مَعَهَا مِنْ ثِيَابِكِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : عَلَيْكَ الْغَرَامَةُ ، فَرُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لِابْنِ سِيرِينَ وَقَدْ حَمَّلَ مَعَهُ رَجُلٌ مَتَاعًا إِلَى الْبَصْرَةِ : يَا أَنَسُ ، احْفَظْهُ كَيْلَا تَغْرَمَهُ كَمَا غَرَّمَنِي عُمَرُ ، وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ وَاضِحُ الْفَسَادِ ، لِرِوَايَةِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوَدَعِ ضَمَانٌ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَوْدَعَ عِنْدَ جَابِرٍ وَدِيعَةً فَتَلِفَتْ ، فَتَحَاكَمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُؤْتَمَنِ ضَمَانٌ . وَهُوَ قَوْلٌ مُنْتَشِرٌ فِي الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ فِيهِ تَنَازُعٌ ، وَلِأَنَّ تَضْمِينَ الْوَدِيعَةِ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ التَّعَاوُنِ وَعُقُودِ الْإِرْفَاقِ ، فَأَمَّا أَنَسٌ فَإِنَّمَا ضَمَّنَهُ عُمَرُ لِتَفْرِيطِهِ ، فَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى خَادِمِهِ وَإِلَّا فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى صَحَابَةَ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ تَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ تُهْمَةٌ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا ، فَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فِي رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً فَأَرَادَ سَفَرًا هل تمنعه الوديعة عن السفر ، فَالْوَدِيعَةُ لَا تَحْبِسُهُ عَنِ السَّفَرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْتَنِعْ عَنِ الْهِجْرَةِ لِأَجْلِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْوَدَائِعِ ، وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوَدِيعَةِ غَيْرُ لَازِمٍ وَرَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا مَتَى شَاءَ الْمُسْتَوْدَعُ جَائِزٌ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا وَمَالِكُهَا حَاضِرٌ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ .

فَلَوْ قَالَ لِمَالِكِهَا : لَسْتُ أَدْفَعُهَا إِلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُشْهِدَ عَلَى نَفْسِكَ بِقَبْضِهَا الوديعة ، فَفِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَنْعُ مِنْهَا لِأَجْلِ الْإِشْهَادِ مُتَعَدِّيًا وَهَذَا أَصَحُّ الْوُجُوهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ إِشْهَادَ الْمَالِكِ عَلَى نَفْسِهِ وَاجِبٌ ؛ لِأَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ يَمِينٌ ، أَوْ نُوزِعَ فِي الرَّدِّ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ بِالْمَنْعِ مِنْهَا لِأَجْلِ الْإِشْهَادِ مُتَعَدِّيًا . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ يُنْظَرَ ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ عِنْدَ دَفْعِهَا إِلَيْهِ لَزِمَهُ الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ رَدِّهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ الدَّفْعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الرَّدِّ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا مَعَ حُضُورِهِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُسَافِرَ بِهَا مَعَهُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُخَلِّفَهَا فِي حِرْزِهِ . فَإِنْ سَافَرَ بِهَا ضَمِنَ ، سَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهُ مَأْمُونًا أَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَأْمُونًا ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْوَدِيعَةِ حِفْظَهَا ، فَإِذَا حَفِظَهَا فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ مِنْ حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ كَانَ مُؤَدِّيًا لِحَقِّ الْأَمَانَةِ فِيهَا ، قَالَ : وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَحْفَظَهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ مَأْمُونًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ مَأْمُونًا . وَالدَّلِيلُ عَلَى تَعَدِّيهِ إِذَا سَافَرَ بِهَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْمُسَافِرَ وَمَالَهُ عَلَى قَلْتٍ إِلَّا مَا وَقَى اللَّهُ ، يَعْنِي : عَلَى خَطَرٍ . وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَرُقَادَهُ ، وَلِأَنَّ السَّفَرَ مَخُوفٌ فِي الْغَالِبِ وَأَمْنُهُ نَادِرٌ لَا يُوثَقُ بِهِ وَلِذَلِكَ يَمْنَعُ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ مِنَ السَّفَرِ ، أَوْ يُمْنَعُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ مِنَ السَّفَرِ بِمَالِهِ ، وَلِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِالْوَدِيعَةِ مَعَ التَّغْرِيرِ بِهَا إِحَالَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَالِكِهَا بِإِبْعَادِهَا عَنْهُ وَهَذَا عُدْوَانٌ ، وَلِأَنَّ الْعُرْفَ فِي حِفْظِ الْوَدَائِعِ وَإِحْرَازِهَا جَازَ فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْأَسْفَارِ ، فَكَانَ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُرْفِ فِيهَا عُدْوَانًا وَلَيْسَ بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْحِفْظُ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَعَ الْحِفْظِ ، أَلَّا يُخَاطِرَ بِهَا وَلَا يُغَرِّرَ وَهُوَ بِالسَّفَرِ مُغَرَّرٌ وَمُخَاطِرٌ .

وَقَوْلُهُ : " إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَخْتَصَّ حِفْظُهَا بِمَكَانٍ مِنَ الْمِصْرِ دُونَ مَكَانٍ فَكَذَلِكَ فِي السَّفَرِ " فَلَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِصْرَ يَتَسَاوَى حُكْمُ أَمَاكِنِهِ الْمَأْمُونَةِ ، وَالسَّفَرُ مُخَالِفٌ لِلْمِصْرِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ دَفْعَهَا مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا إِلَى غَيْرِهِ الوديعة لَمْ يَخْلُ مِنْ دَفْعِهَا إِلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى وَكِيلِ مَالِكِهَا . وَالثَّانِي : أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ يَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهَا ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى وَكِيلِ مَالِكِهَا الوديعة لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا خَاصًّا فِي قَبْضِ وَدَائِعِهِ ، فَلَهُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ مَعَ حُضُورِ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا خَاصًّا فِي غَيْرِ قَبْضِ وَدَائِعِهِ فَلَهُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ مَعَ حُضُورِ الْمَالِكِ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا خَاصًّا فِي غَيْرِ قَبْضِ الْوَدِيعَةِ ، فَهَذَا فِي حَقِّ الْوَدِيعَةِ كَالْأَجَانِبِ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي غَيْرِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا عَامًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ ، فَفِي جَوَازِ رَدِّهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ الْعَامَّةِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا لَا تَصِحُّ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ رَدُّهَا عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : تَصِحُّ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ رَدُّهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ طَالَبَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَكِيلَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ مِنْهُ ، لَزِمَ الْوَكِيلَ الْإِشْهَادُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَجْهًا وَاحِدًا ، لِأَنَّ قَوْلَ الْمُسْتَوْدَعِ مَقْبُولٌ عَلَى الْمُودِعِ فَجَازَ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْإِشْهَادُ ، وَقَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى وَكِيلِهِ ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الْإِشْهَادُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ قَدْ قَبَضَهَا مِنَ الْمُودِعِ ، أَوْ مِنْ وَكِيلِهِ فِي لُزُومِ الْإِشْهَادِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَكِيلُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا فِي جَوَازِ دَفْعِهَا إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لِلْمُودِعِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ شَاءَ مِنْ عَدْلٍ أَوْ فَاسِقٍ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ .

فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِ الْمَالِكِ الوديعة ، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا رَشِيدٌ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْحَاكِمِ نَائِبَةٌ عَنْ كُلِّ مَالِكٍ فَعَلَى هَذَا إِنِ دَعَاهُ الْمُسْتَوْدَعُ إِلَى الْإِشْهَادِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَبْضِ قِيلَ لِلْحَاكِمِ : أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى نَفْسِكَ ، أَوْ فِي إِعْلَامِ مَالِكِهَا بِالِاسْتِرْجَاعِ ، فَإِنَّ أَخْذَهَا وَاجِبٌ عَلَيْكَ ، وَأَنْتَ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّهِمَا شِئْتَ .

فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَهَا مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ ائْتَمَنَهُ فَاسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا الوديعة ضَمِنَهَا لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ مَعَ حُضُورِ الْمَالِكِ إِلَى دَفْعِهَا إِلَى غَيْرِهِ ، فَصَارَ كَالسَّفَرِ بِالْمَالِ

وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِ دُونَ أَمَانَةِ غَيْرِهِ ، فَصَارَتْ يَدُ مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا يَدًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا ، فَصَارَتْ مُتَعَدِّيَةً وَلَزِمَ الضَّمَانُ ، وَكَانَ مَالِكُهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ مُطَالَبَةِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ إِنْ تَلِفَتْ أَوْ مُطَالَبَةِ الثَّانِي . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَوَافَقَ فِي الْغَاصِبِ إِذَا أَوْدَعَ أَنَّ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةَ أَيِّهِمَا شَاءَ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فِي الْوَدِيعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ ، كَمَا لَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يُودِعَ ، فَصَارَ الْمُسْتَوْدَعُ مِنْهُمَا جَمِيعًا يَدُهُ غَيْرُ مُحِقَّةٍ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِالْحَالِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهُ مُطَالَبَةَ أَيِّهِمَا شَاءَ بِغُرْمِهَا ، فَإِنْ أُغْرِمَهَا الثَّانِي نُظِرَ ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْحَالِ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِغُرْمِهَا وَجْهَانِ . وَإِنْ أُغْرِمَهَا الْأَوَّلُ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي عَالِمًا بِالْحَالِ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْغَاصِبِ إِذَا وَهَبَ مَا غَصَبَهُ ثُمَّ غَرِمَهُ ، هَلْ يَرْجِعُ بِالْغُرْمِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَعَلَى مَالِكِ الْوَدِيعَةِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ ، بِخِلَافِ قَبْضِ الْوَدِيعَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ .

فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى أَحَدٍ مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا وَخَلَّفَهَا وَسَافَرَ الوديعة ضَمِنَهَا وَقَالَ : إِنْ خَلَّفَهَا مَعَ أَمْوَالِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ بِغَيْرِ حَافِظٍ لَا يَكُونُ حِرْزًا وَتَغْرِيرُهُ بِمَالِهِ لَا يَكُونُ فِي الْوَدِيعَةِ عُذْرًا ، فَهَذَا حُكْمُ الْوَدِيعَةِ إِذَا كَانَ الْمُودِعُ حَاضِرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُودِعُ غَائِبًا عِنْدَ إِرَادَةِ الْمُسْتَوْدَعِ السَّفَرَ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِهَا . وَالثَّانِي : أَلَّا يَكُونَ لَهُ . فَإِنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ فَوَكِيلُهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ بِقَبْضِهَا ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي عُدُولِ الْمُسْتَوْدَعِ إِلَى غَيْرِهِ كَالْحُكْمِ فِي عُدُولِهِ عَنِ الْمُودِعِ مَعَ حُضُورِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّقْسِيمِ وَالْجَوَابِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ فَالْمُسْتَحِقُّ لِقَبْضِهَا هُوَ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ لَزِمَهُ الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَبْضِ ، فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْحَاكِمِ مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُونًا فَدَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ ثِقَةٍ ، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ عَلَيْهَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَاكِمَهُ الْمُودِعُ فِيهَا إِلَى الْحَاكِمِ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِمَا عِنْدَهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ الْحَاكِمِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ الْحَاكِمِ وَاخْتِيَارَ الْأَمِينِ اجْتِهَادٌ ، وَلِأَنَّ نَظَرَ الْحَاكِمِ عَامٌّ وَنَظَرَ الْأَمِينِ

خَاصٌّ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَوْ كَانَ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ جَازَ أَنْ يَخْتَارَ لَهَا أَمِينًا ثِقَةً يَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فِي حِفْظِهَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْدَعَ مَا خَلَّفَهُ مِنَ الْوَدَائِعِ عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ حِينَ هَاجَرَ وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فِي الرَّدِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْعِهَا إِلَيْهِ الوديعة أَمْ لَا ؟ أَحَدُهُمَا : يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ تَغَيُّرِ حَالِهِ وَحُدُوثِ جُحُودِهِ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ ضَمِنَهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنِ الْمَالِكِ ، وَلِأَنَّ قَوْلَ الْأَمِينِ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ثِقَةً يَسْتَوْدِعُهِ إِيَّاهَا من عنده وديعة وأراد السفر لَمْ يَخْلُ حِينَئِذٍ حَالُ الْمِصْرِ وَالسَّفَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْمِصْرُ مَخُوفًا بِغَارَةٍ ، أَوْ حَرِيقٍ وَالسَّفَرُ مَأْمُونًا ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ هِيَ أَحْفَظُ وَأَحْرَزُ ، فَإِنْ تَرَكَهَا وَسَافَرَ كَانَ ضَامِنًا وَإِنْ سَافَرَ بِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمِصْرُ مَأْمُونًا وَالسَّفَرُ مَخُوفًا ، فَعَلَيْهِ تَرْكُهَا فِي الْمِصْرِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا ، فَإِنْ سَافَرَ بِهَا ضَمِنَ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْمِصْرُ مَخُوفًا وَالسَّفَرُ مَخُوفًا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَوَى الْخَوْفَانِ كَانَ خَوْفُ السَّفَرِ أَعَمَّ . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْمِصْرُ مَأْمُونًا وَالسَّفَرُ مَأْمُونًا ، فَفِي جَوَازِ السَّفَرِ بِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا ، فَإِنْ سَافَرَ بِهَا ضَمِنَ ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ أَخْطَرُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، لِاسْتِوَاءِ الْأَمْنِ فِي الْحَالَيْنِ وَفَضْلِ حِفْظِهِ لَهَا بِنَفْسِهِ فِي السَّفَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ دَفَنَهَا فِي مَنْزِلِهِ وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَالِهِ فَهَلَكَتْ الوديعة ضَمِنَ ، وَإِذَا أَوْدَعَهَا غَيْرَهُ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عِنْدَ سَفَرِهِ ضَمِنَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَأَوْدَعَهَا أَمِينًا يُودِعُهُ مَالَهُ لَمْ يَضْمَنْ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ مَتَى مَا لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا وَلَا ثِقَةً يَسْتَوْدِعُهَا إِيَّاهُ فَدَفَنَهَا فِي الْأَرْضِ الوديعة ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الْمَدْفُونَةُ فِيهِ سَابِلًا لَا تَحْجِيرَ عَلَيْهِ يَمْنَعُ مِنَ الْوُصُولِ ، فَدَفْنُهَا فِي مِثْلِهِ عُدْوَانٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ ، سَوَاءٌ أَعْلَمَ بِهَا أَحَدًا أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ ؛ لِأَنَّ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ حَصِينًا حَرِيزًا كَالْمَنَازِلِ الْمَسْكُونَةِ الَّتِي لَا تَصِلُ الْيَدُ إِلَيْهَا إِلَّا مَنْ أَرَادَ ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُعْلِمَ بِهَا أَحَدًا ، أَوْ لَا يُعْلِمَ بِهَا

أَحَدًا ، فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُبَّمَا أَدْرَكَتْهُ مَنِيَّتُهُ فَلَمْ يُوصَلْ إِلَيْهَا ، فَصَارَ ذَلِكَ تَغْرِيرًا ، وَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً مُؤْتَمَنًا صَحَّ وَهَلْ يُرَاعِي فِي الْإِعْلَامِ بِهَا حُكْمَ الشَّهَادَةِ أَوْ حُكْمَ الِائْتِمَانِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حُكْمُ الشَّهَادَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَيَرَى الشَّاهِدَانِ ذَلِكَ عِنْدَ دَفْنِهِ لِيَصِحَّ تَحَمُّلُهُمَا لِذَلِكَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ عَنِ التَّعَدِّي وَسَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَأْذَنَ لِلشَّاهِدَيْنَ فِي نَقْلِهَا عِنْدَ الْخَوْفِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ حُكْمُ الِائْتِمَانِ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْلِمَ بِهَا وَاحِدًا ثِقَةً ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً ، وَيَجُوزُ أَلَّا يَرَاهَا وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي نَقْلِهَا إِنْ حَدَثَ بِمَكَانِهَا خَوْفٌ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الِاسْتِظْهَارِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَلْزَمُهُ ، لِمَا فِي نَقْلِهَا مِنَ التَّعْرِيضِ لِلْأَخْطَارِ ، فَإِنْ نَقَلَهَا الْمُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عِنْدَ حُدُوثِ الْخَوْفِ بِمَكَانِهَا ، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، هَلْ يَكُونُ إِعْلَامُهُ بِهَا يَجْرِي مَجْرَى الْخَبَرِ ، أَوْ مَجْرَى الْأَمَانَةِ ؟ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْخَبَرِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ نَقْلُهَا ، فَإِنْ نَقَلَهَا ضَمِنَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا وَأَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْهَا وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ عَلَيْهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْأَمَانَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ نَقْلُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا وَلَا أَنْ يَبْعُدَ عَنْهَا وَتَكُونُ يَدُهُ عَلَيْهَا ، فَأَمَّا إِذَا دَفَنَهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا مَعَ وُجُودِ حَاكِمٍ مَأْمُونٍ ، أَوْ عَدْلٍ مَوْثُوقٍ بِهِ يُودِعُهَا عِنْدَهُ الوديعة فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ إِنْ فَعَلَ . وَالثَّانِي : يَجُوزُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا تَرَكَ الْوَدِيعَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وسافر ، هل يضمن ؟ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : " يَضْمَنُ " وَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ مَالِكُهَا حَاضِرًا ، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَضْمَنْ وَهَذَا تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْوَدِيعَةِ إِلَى الْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِ صَاحِبِهَا وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِذَا لَمْ يُعْلِمْ صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ بِهَا وَلِمَنْ هِيَ ، فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِهَا وَلِمَنْ هِيَ لَمْ يَضْمَنْ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لَا يُجَوِّزُ دَفْعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ مَعَ حُضُورِ صَاحِبِهَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : " وَإِنْ تَعَدَّى فِيهَا ثُمَّ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ لِخُرُوجِهِ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْأَمَانَةِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ التَّعَدِّيَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ ضَمَانُ الْوَدِيعَةِ أقسامه ؟ فَعَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : التَّفْرِيطُ فِي الْحِرْزِ ، ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزٍ ، أَوْ يَكُونُ قَدْ وَضَعَهَا فِي

حِرْزٍ ثُمَّ أَخْرَجَهَا إِلَى مَا لَيْسَ بِحِرْزٍ ، أَوْ يَكُونُ قَدْ أَعْلَمَ بِمَكَانِهَا مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ التَّفْرِيطِ عُدْوَانٌ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : الِاسْتِعْمَالُ ، مِثْلَ أَنْ يَسْتَوْدِعَهُ ثَوْبًا فَيَلْبَسُهُ ، أَوْ دَابَّةً فَيَرْكَبُهَا ، أَوْ بُسَاطًا فَيَفْتَرِشُهُ ، فَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ عُدْوَانٌ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَخْلِطَهَا بِمَالِ نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ أَوْدَعَ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمَ حَتَّى لَمْ تَتَمَيَّزْ ، فَهَذَا عَدُوَانٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَطَهَا بِدَرَاهِمِ غَيْرِ الْمُودِعِ أَيْضًا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَخْلِطَهَا بِمَالِ الْمُودِعِ ، كَأَنَّهُ أَوْدَعَ وَدِيعَتَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَخَلَطَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، فَفِي تَعَدِّيهِ وَضَمَانِهِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا لَمَّا مَيَّزَهَا لَمْ يَرْضَ بِخَلْطِهَا ، وَلَكِنْ لَوْ خَلَطَهَا بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهَا ، مِثْلَ أَنْ يَخْلِطَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ لَمْ يَضْمَنْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْطُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ قَدْ نَقَصَ قِيمَتَهُ مِنَ الدَّنَانِيرِ فَيَضْمَنُ قَدْرَ النُّقْصَانِ . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : الْخِيَانَةُ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَهَا لِيَبِيعَهَا أَوْ لِيُنْفِقَهَا الوديعة ، فَهَذَا عُدْوَانٌ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَحَدَهَا . وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ : التَّعَرُّفُ لَهَا ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ دَرَاهِمُ فَيَزِنُهَا أَوْ يَعُدُّهَا ، أَوْ ثِيَابًا فَيَعْرِفُ طُولَهَا وَعَرْضَهَا الوديعة ، فَفِي تَعَدِّيهِ وَضَمَانِهِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ . وَالثَّانِي : لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُبَّمَا أَرَادَ بِهِ فَضْلَ الِاحْتِيَاطِ . وَالْقِسْمُ السَّادِسُ : التَّصَرُّفُ فِي بَعْضِ مَا اسْتَظْهَرَ بِهِ الْمُودِعُ فِي حِرْزِهَا وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَنِيعًا بِالْقُفْلِ الَّذِي يَفْتَحُهُ ، فَهَذَا عُدْوَانٌ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَنِيعٍ كَالْخَتْمِ يَكْسِرُهُ ، وَالشِّدَادِ يُحِلُّهُ ، فَفِي ضَمَانِهِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَضْمَنُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الْحِرْزِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - - لِشُرَيْحٍ : طِينَةٌ خَيْرٌ مِنْ طِينَةٍ ، يَعْنِي أَنَّ طِينَةَ الْخَتْمِ تَنْفِي التُّهْمَةَ . وَالْقِسْمُ السَّابِعُ : أَنْ يَنْوِيَ الْخِيَانَةَ وَالتَّعَدِّيَ ، فَقَدْ كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِضَمَانِهَا وَيَجْعَلُ النِّيَّةَ فِيهَا كَالْفِعْلِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي تَمَلُّكِ اللُّقَطَةِ يَقُومُ مَقَامَ التَّصَرُّفِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ ، فَكَذَلِكَ فِي ضَمَانِ الْوَدِيعَةِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا بِالنِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُرَاعَى فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَصِيرَ مُتَعَدِّيًا بِالنِّيَّةِ لَجَازَ أَنْ يَصِيرَ خَائِنًا وَسَارِقًا بِالنِّيَّةِ ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ مَا أَثَّرَتْ فِي حِرْزِهَا فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي ضَمَانِهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِهَا ، فَأَمَّا اللُّقَطَةُ فَمَعَ النِّيَّةِ فِي تَمَلُّكِهَا عِلْمٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ انْقِضَاءُ حَقِّ التَّعْرِيفِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مَالِكًا مَعَ النِّيَّةِ إِلَّا

بِالتَّصَرُّفِ ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ : يَجْعَلُهُ مَالِكًا مَعَ النِّيَّةِ إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ ، فَإِنْ نَوَى حَبْسَهَا لِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَى رَبِّهَا ضَمِنَهَا وَإِنْ نَوَى أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ حِرْزِهَا إِخْرَاجَ عُدْوَانٍ لَمْ يَضْمَنْهَا وَهَذَا أَصَحُّ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّهُ إِذَا نَوَى أَلَّا يَرُدَّهَا أَمْسَكَهَا لِنَفْسِهِ فَضَمِنَهَا ، وَإِذَا نَوَى أَنْ يُخْرِجَهَا فَقَدْ أَمْسَكَهَا لِمَالِكِهَا فَلَمْ يَضْمَنْهَا .

فَصْلٌ : فَإِذَا اسْتَقَرَّ ضَمَانُ الْوَدِيعَةِ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِالتَّعَدِّي ، ثُمَّ كَفَّ عَنْ تَعَدِّيهِ وَأَعَادَهَا إِلَى حِرْزِهَا هل يسقط عنه الضمان لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : قَدْ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ لِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فِي الْخَمْرِ وَالرِّدَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ قَدْ يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ بِالْإِخْرَاجِ كَمَا يَضْمَنُ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ بِالْإِمْسَاكِ ، فَلَمَّا كَانَ إِرْسَالُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ بَعْدَ إِمْسَاكِهِ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِعَادَةُ الْمُسْتَوْدَعِ لَهَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ حِرْزِ الْمُسْتَوْدَعِ سَارِقٌ فَضَمِنَهَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ بِرَدِّهَا كَانَ أَوْلَى إِذَا أَخْرَجَهَا الْمُسْتَوْدَعُ فَضَمِنَهَا أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الضَّمَانُ بِرَدِّهَا . وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ مَا ضُمِنَتْ بِهِ الْوَدِيعَةُ لَمْ يَسْقُطْ بِارْتِفَاعِ سَبَبِهِ كَالْجُحُودِ ، وَلِأَنَّ مَنْ ضَمِنَ بِالْيَدِ لَمْ يَنْفَرِدْ بِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ كَالْغَاصِبِ ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ إِذَا وَجَبَ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْحِرْزِ لَمْ يَخْرُجْ بِالرَّدِّ إِلَى الْحِرْزِ كَالسَّارِقِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِالتَّعَدِّي فِي الْأَمَانَةِ فَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا إِلَّا بِاسْتِئْنَافِ أَمَانَةٍ وَإِلَّا كَانَ أَمِينَ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ إِذَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَّا إِبْرَاءَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ لِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا فَالْعِلَّةُ لَمْ تَزُلْ ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ الْأَوَّلَ انْقَطَعَ وَلَمْ يَرْتَفِعْ ، وَأَمَّا إِرْسَالُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ فَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ قَدْ أَعَادَهُ إِلَى حَقِّهِ . وَمِثَالُهُ مِنَ الْوَدِيعَةِ أَنْ يُعِيدَهَا إِلَى مَالِكِهَا ، وَأَمَّا السَّارِقُ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِ هل يسقط الضمان عنه إذا رده ؟ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْهُ إِذَا رَدَّهُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : قَدْ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ عَلَى أَمَانَتِهِ ، فَصَارَ عَوْدُهَا إِلَى يَدِهِ كَعَوْدِهَا إِلَى الْمَالِكِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ هُوَ الضَّامِنُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْأَمَانَةِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ضَمَانَ التَّعَدِّي بَاقٍ وَإِنْ كَفَّ عَنْهُ فَسُقُوطُهُ عَنْهُ يَكُونُ بِرَدِّهَا عَلَى مَالِكِهَا ، أَوْ وَكِيلِ مَالِكِهَا فِي قَبْضِهَا ، فَأَمَّا إِبْرَاءُ الْمُودِعِ لَهُ مِنْ ضَمَانِهَا ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَلَفِهَا وَاسْتِقْرَارِ غُرْمِهَا فِي ذِمَّتِهِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ إِذَا كَانَ بَعْدَ تَلَفِهَا ، وَإِنْ كَانَ مَعَ بَقَائِهَا فَفِي سُقُوطِ ضَمَانِهَا وَجْهَانِ :

أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْمَرْوَرُوذِيِّ : قَدْ سَقَطَ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ اسْتِئْمَانٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَسْقُطُ عَنِ الْغَاصِبِ بِالْإِبْرَاءِ قَبْلَ الرَّدِّ ، وَلِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى مَا اسْتَقَرَّ مِنَ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ لَا إِلَى مَا فِي الْأَيْدِي مِنَ الْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا هِبَاتُ الْأَعْيَانِ لَا تُسْقِطُ ضَمَانَهَا ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَعَادَهَا الْمُسْتَوْدَعُ إِلَى حِرْزِهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا كَانَ سُقُوطُ الضَّمَانِ عَنْهُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ أَوْدَعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَأَنْفَقَ مِنْهَا دِرْهَمًا ، ثُمَّ رَدَّهُ فِيهَا وَلَوْ ضَمِنَ الدِّرْهَمَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ بِكَسْرِ الْخَتْمِ وَحَلِّ الشِّدَادِ وَجْهَانِ : فَأَمَّا إِذَا أَوْدَعَ دَرَاهِمَ غَيْرَ مَخْتُومَةٍ وَلَا مَشْدُودَةٍ فَأَخْرَجَ مِنْهَا دِرْهَمًا لِيُنْفِقَهُ قَدْ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ وَلَا يَضْمَنُ غَيْرَهُ ، فَإِنْ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُنْفِقْهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ضَمَانُهُ ، فَإِنْ خَلَطَهُ بِالدَّرَاهِمِ نُظِرَ ، فَإِنْ تَمَيَّزَ عَنْهَا ضَمِنَهُ وَحْدَهُ وَلَمْ يَضْمَنْ جَمِيعَ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْهَا ، فَفِي ضَمَانِ جَمِيعِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَضْمَنُ جَمِيعَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَطَ مَضْمُونًا بِغَيْرِ مَضْمُونٍ ، فَصَارَ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا فَضَمِنَ الْجَمِيعَ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ وَالْبَصْرِيِّينَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَالٌ وَاحِدٌ قَدْ آثَرَ مَالِكُهُ خَلْطَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي خَلْطِهِ خِلَافُ غَرَضِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَغْدَادِيِّينَ وَإِنْ أَنْفَقَ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ وَرَدَّ بَدَلَهُ وَخَلَطَهُ بِالدَّرَاهِمِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ الدِّرْهَمِ الَّذِي رَدَّهُ بَدَلًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَلَا يَتَمَيَّزَ مِنْ جَمِيعِ الدَّرَاهِمِ فَيَصِيرُ بِخَلْطِهِ مُتَعَدِّيًا فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَالِ نَفْسِهِ ، فَصَارَ ضَامِنًا بِجَمِيعِهَا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَتَمَيَّزَ ذَلِكَ الدِّرْهَمُ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ وَيَصِيرُ كَمَنْ خَلَطَ دَرَاهِمَ الْوَدِيعَةِ بِدَنَانِيرِ نَفْسِهِ عَنْ جَمِيعِ الدَّرَاهِمِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا ضَمَانُ ذَلِكَ الدِّرْهَمِ دُونَ غَيْرِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ عَنْ بَعْضِ الدَّرَاهِمِ وَلَا يَتَمَيَّزُ عَنْ بَعْضِهَا ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ بَعْضُ الدَّرَاهِمِ بَيْضَاءَ وَبَعْضُهَا سَوْدَاءَ وَالدَّرَاهِمُ الْمَرْدُودَةُ فِيهَا أَبْيَضُ أَوْ أَسْوَدُ ، فَيَضْمَنُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَتَمَيَّزُ عَنِ الدِّرْهَمِ الْمَرْدُودِ بَدَلًا وَلَا يَضْمَنُ مَا تَمَيَّزَ عَنْهُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً وَأَمَرَهُ بِعَلْفِهَا وَسَقْيِهَا فَأَمَرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا فِي دَارِهِ كَمَا يَفْعَلُ بِدَوَابِّهِ هل يضمن إن تلفت ؟ ، لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ بَعَثَهَا إِلَى غَيْرِ دَارِهِ وَهِيَ تُسْقَى فِي دَارِهِ ضَمِنَ ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِعَلْفِهَا وَلَا بِسَقْيِهَا وَلَمْ يَنْهَهُ فَحَبَسَهَا مُدَّةً إِذَا أَتَتْ عَلَى مِثْلِهَا لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ هَلَكَتْ ضَمِنَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ حَتَّى يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَى رَبِّهَا أَوْ يَبِيعُهَا ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ أَوْدَعَ رَجُلًا دَابَّةً ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ عِنْدَ إِيدَاعِهَا عِنْدَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَأْمُرَهُ بِعَلْفِهَا . وَالثَّانِي : أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ عَلْفِهَا . وَالثَّالِثُ : أَلَّا يَأْمُرَهُ وَلَا يَنْهَاهُ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِعَلْفِهَا ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْبِطَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا وَيَعْلِفَهَا وَيَسْقِيَهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا قَدْرَ كِفَايَتِهَا ، فَإِنْ عَلَفَهَا مَعَ دَوَابِّهِ فِي مَنْزِلِهِ وَكَانَ حِرْزًا جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا ضَمِنَ وَإِنْ عَلَفَهَا مَعَ دَوَابِّهِ وَفِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا ، أَوْ كَانَ إِلَّا أَنَّ الْقَيِّمَ بِهَا إِذَا لَمْ يُشَاهِدْهُ قَصَّرَ فِي عَلْفِهَا ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ حِرْزًا وَالْقَيِّمُ بِهَا إِذَا أَفْرَدَهُ بِعَلْفِهَا مَعَ غَيْرِ دَوَابِّهِ لَمْ يُقَصِّرْ فِي عَلْفِهَا لَمْ يَضْمَنْ وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإِطْلَاقِ الضَّمَانِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ : مَتَى عَزَلَهَا عَنْ دَوَابِّهِ وَعَلَفَهَا فِي غَيْرِ إصْطَبْلِهِ إيداع الدواب ضَمِنَهَا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ فِعْلِ نَظِيرِهِ لِنَفْسِهِ أَنَّ إِصْطَبْلَهُ أَحْرَزُ وَعَلْفَهَا مَعَ دَوَابِّهِ أَحْوَطُ ، فَإِنْ ثَبْتَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حَالِ حِرْزِهَا وَعَلْفِهَا ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِي الْإِذْنِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُ الرُّجُوعَ أَوْ لَا يَشْتَرِطَ لَهُ الرُّجُوعَ ، فَإِنْ شَرَطَ لَهُ الرُّجُوعَ فَقَالَ : أَنْفِقْ عَلَيْهَا لِتَرْجِعَ عَلَيَّ ، أَوْ أَنْفِقْ عَلَيَّ ، فَفِي وُجُوبِ تَقْدِيرِهِ لِلنَّفَقَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجِبُ تَقْدِيرُهَا لِتَنْتَفِيَ الْجَهَالَةُ عَنْ ضَمَانِهَا وَلِيَزُولَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي قَدْرِهَا ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ الْمُودِعِ كَانَ مُتَطَوِّعًا لَا يَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ وَإِنْ قَدَّرَ لَهُ قَدْرًا رَجَعَ بِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَجِبُ تَقْدِيرُهَا ؛ لِأَنَّ لِنَفَقَتِهَا حَدًّا يُرَاعَى فِيهِ كِفَايَتُهَا فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّقْدِيرِ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ الْمَالِكُ هُوَ الْآذِنُ فِي النَّفَقَةِ أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْمُسْتَوْدَعُ بِنَفْسِهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهَا إِذَا لَمْ يَدَّعِ سَرَفًا ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الرُّجُوعَ بِالنَّفَقَةِ حِينَ أَذِنَ فِيهَا إيداع الدواب ، فَفِي جَوَازِ رُجُوعِهِ بِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَرْجِعُ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ حَالِ الْإِذْنِ . وَالثَّانِي : لَا يَرْجِعُ لِاحْتِمَالِ الْإِذْنِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ عَلْفِهَا إيداع الدواب ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَدَعَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ نَفْسٍ يَحْرُمُ تَعْذِيبُهَا وَنَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَبْحِ الْبَهَائِمِ إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَقَالَ : فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ حَتَّى يُجْبِرَ الْمَالِكَ عَلَى عَلْفِهَا إِنْ كَانَ حَاضِرًا ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ فِي عَلْفِهَا لِيَرْجِعَ بِهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا ، فَإِنْ عَلَفَهَا مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ لَمْ يَرْجِعْ ، وَإِنْ تَرَكَهَا فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى هَلَكَتْ ، فَالْمَحْكِيُّ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ،

وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ عَنِ النَّفَقَةِ إِبْرَاءٌ مِنْ ضَمَانِ الذِّمَّةِ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ : يَضْمَنُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ ، فَكَانَ مُطْرَحًا وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَأْثَمُ ، وَإِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِي الْغُرْمِ ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ كَانَ فِي سُقُوطِ الْغُرْمِ عَنْ قَاتِلِهِ وَجْهَانِ وَقَدْ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُمَا مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الرَّهْنِ إِذَا أُذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَهْرُ بِالْإِذْنِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . فَأَمَّا إِنْ أُمِرَ بِقَطْعِ يَدِهِ أَوْ جَلْدِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَجْهًا وَاحِدًا ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِقَطْعِهِ حَدًّا فِي سَرِقَةٍ وَالْجَلَدُ حَدًّا فِي زِنًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَلَا يَأْمُرَهُ بِعَلْفِهَا وَلَا يَنْهَاهُ إيداع الدواب ، فَعَلَيْهِ عَلْفُهَا ، لِمَا يَلْزَمُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ حُرْمَةِ نَفْسِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى هَلَكَتْ فِي مُدَّةٍ إِنْ لَمْ تَأْكُلْ فِيهِ تَلِفَتْ ، فَعَلَيْهِ غُرْمُهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا تَضَمَّنَ الْحِفْظَ دُونَ الْعَلْفِ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِيمَا تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ فَلَمْ يَضْمَنْ وَتَعَلُّقًا بِأَنَّهُ لَوْ رَأَى بَهِيمَةً تَتْلَفُ جُوعًا فَلَمْ يُطْعِمْهَا لَمَا ضَمِنَ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لَأَنَّ مَا وَجَّبَ الشَّرْعُ فَهُوَ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْأَمْرِ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُتَّخَذَ الرُوحُ غَرَضًا ، وَذَكَرَ فِي صَاحِبَةِ الْهِرَّةِ الَّتِي دَخَلَتْ بِهَا النَّارُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْبَهِيمَةِ بِلَا عَلْفٍ ، وَلِأَنَّ عَلْفَهَا مِنْ شُرُوطِ حِفْظِهَا ، فَلَمَّا كَانَ حِفْظُهَا وَاجِبًا وَإِنْ جَازَ أَنْ تَبْقَى بِغَيْرِ حَافِظٍ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلْفُهَا وَاجِبًا إِذْ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى بِغَيْرِ عَلْفٍ ، وَبِهَذَا بَطَلَ اسْتِدْلَالُهُ . فَأَمَّا مَنْ رَأَى بَهِيمَةَ غَيْرِهِ تَمُوتُ جُوعًا فَلَمْ يُطْعِمْهَا هل يضمنها فَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَلَيْسَتْ كَالْوَدِيعَةِ الَّتِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا ، فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ عَلْفِهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يَضْمَنُهَا إِنْ لَمْ تُعْلَفْ فَالطَّرِيقُ إِلَى رُجُوعِهِ بِعَلْفِهَا أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ حَتَّى يَنْظُرَ حَالَ مَالِكِهَا ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا أَلْزَمَهُ عَلْفُهَا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا نُظِرَ أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ لَهُ مِنْ بَيْعِهَا إِنْ خَافَ أَنْ يَذْهَبَ فِي عَلْفِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا ، أَوِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا إِنْ رَأَى ذَلِكَ قَلِيلًا ، فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُسْتَوْدَعِ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَقْدِيرُهَا لَهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَالِكِ لَوْ كَانَ هُوَ الْآذِنَ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى النَّفَقَةَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ ، أَوْ يُنَصِّبَ لَهُ أَمِينًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي " اللُّقَطَةِ " ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالنَّفَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ ، فَفِي رُجُوعِهِ بِالنَّفَقَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهُمَا : يَرْجِعُ بِهَا أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ ، لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَعَدَمِ مَنْ يَحْكُمُ بِهَا لَهُ .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَرْجِعُ بِهَا أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ حَاكَمَ نَفْسَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إِنْ أَشْهَدَ رَجَعَ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَرْجِعْ ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ غَايَةُ إِمْكَانِهِ .

مَسْأَلَةٌ لَوْ أَوْصَى الْمُودِعُ إِلَى أَمِينٍ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ أَوْصَى الْمُودِعُ إِلَى أَمِينٍ هل يضمن ؟ لَمْ يَضْمَنْ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ضَمِنَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا حَضَرَ الْمُسْتَوْدَعَ الْمَوْتُ ، فَإِنْ كَانَ مَالِكُهَا حَاضِرًا أَوْ وَكِيلُهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوصِيَ بِهَا ، كَمَا لَا يَجُوزُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا أَنْ يُودِعَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَالِكُهَا غَائِبًا وَلَيْسَ لَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَاكِمٍ جَازَ أَنْ يُوصِيَ بِهَا إِلَى أَمِينٍ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَفِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِهَا غَيْرَهُ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي السَّفَرِ ، فَإِذَا جَازَ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِهَا مَعَ عَدَمِ الْحَاكِمِ وَمَعَ وُجُودِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَ لَهَا أَمِينًا ، فَإِنِ اخْتَارَ لَهَا أَمِينًا قَدِ اخْتَارَهُ لِوَصِيَّةِ نَفْسِهِ كَانَ أَوْلَى وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَفِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ بِهَا وَجْهَانِ ، وَإِنِ اخْتَارَ لَهَا أَمِينًا غَيْرَ مَنِ اخْتَارَهُ لِوَصِيَّةِ نَفْسِهِ الوديعة ، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَضْمَنُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِبَعْضِ مَالِهِ إِلَى رَجُلٍ وَبَعْضِهِ إِلَى غَيْرِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قِيَاسُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ فِي عَلْفِ الدَّابَّةِ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ : أَنَّهُ يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّنِ اخْتَارَهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ أَظْهَرُ أَمَانَةً ، قُلْنَا : إِنْ أَوْصَى بِهَا إِلَى غَيْرِ أَمِينٍ لَمْ يَجُزْ ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ وَصِيَّ نَفْسِهِ أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ فِسْقَهُ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ ، فَإِنْ فَعَلَ نُظِرَ ، فَإِنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ ضَمِنَهَا لِتَفْرِيطِهِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَيْهِ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ حَتَّى هَلَكَتْ ، فَفِي ضَمَانِهِ لَهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّهُ مَا أَحْدَثَ فِيهَا فِعْلًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سُلِّطَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا ، فَصَارَ ذَلِكَ عُدْوَانًا ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا حَتَّى مَاتَ نُظِرَ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِمُفَاجَأَةِ الْمَوْتِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا ضَمِنَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ قَرْيَةٍ آهِلَةٍ إِلَى غَيْرِ آهِلَةٍ ضمان الوديعة ضَمِنَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نَقْلِ هَذَا اللَّفْظِ ، فَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ : " وَلَوِ انْتَقَلَ مِنْ قَرْيَةِ أَهْلِهِ " يَعْنِي : كَثِيرَةَ الْأَهْلِ " إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ " يَعْنِي : قَلِيلَةَ الْأَهْلِ . وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " وَلَوِ انْتَقَلَ مِنْ قَرْيَةِ أَهْلِهِ " يَعْنِي : وَطَنَ أَهْلِهِ إِلَى غَيْرِ وَطَنِ أَهْلِهِ . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ : أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْقَرْيَةِ الَّتِي انْتَقَلَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ آمِنَةً أَوْ غَيْرَ آمِنَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ آمِنَةٍ كَانَ ضَامِنًا بِنَقْلِ الْوَدِيعَةِ إِلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ آمِنَةً لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ

قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً ، فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً ضَمِنٍ لِمَا فِي نَقْلِهَا مِنْ إِبْعَادِهَا عَنْ مَالِكِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً لَمْ يَخْلُ حَالُ الطَّرِيقِ مِنْ أَنْ يَكُونَ آمِنًا أَوْ مَخُوفًا ، فَإِنْ كَانَ مَخُوفًا ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ آمِنًا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْقَرْيَةِ الَّتِي انْتَقَلَ عَنْهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَخُوفَةً أَوْ آمِنَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مَخُوفَةً لَا يُأْمَنُ عَلَى الْوَدِيعَةِ فِيهَا مِنْ غَارَةٍ أَوْ حَرِيقٍ ، أَوْ غَرَقٍ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَتْ آمِنَةً فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ اللُّقَطَةِ وَكَمَا لَوْ نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى أُخْرَى . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي : أَنَّهُ يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ فِي إِخْرَاجِ الْمَالِ عَنِ الْقَرْيَةِ تَغْرِيرٌ لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَإِنْ شَرَطَ أَلَّا يُخْرِجَهَا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ هل يضمن الوديعة ؟ ضَمِنَ ، فَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً وَأَخْرَجَهَا إِلَى حِرْزٍ لَمْ يَضْمَنْ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَجُمْلَةُ حَالِ الْمُودِعِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُعَيِّنَ لِلْمُسْتَوْدَعِ عَلَى حِرْزٍ أَوْ لَا يُعَيِّنَ ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ عَلَى حِرْزٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِزَهَا حِرْزَ مِثْلِهَا ، وَيَجُوزُ لَهُ نَقْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ إِلَى حِرْزٍ مِثْلِهِ ، أَوْ آخَرَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّقْلُ مَخُوفًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يُحْرِزَهَا حَيْثُ شَاءَ ؛ فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُلَهَا حَيْثُ شَاءَ ، وَسَوَاءٌ أَحْرَزَهَا مَعَ مَالِهِ أَوْ نَقَلَهَا مَعَ غَيْرِ مَالِهِ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ مَتَى أَحْرَزَهَا مَعَ غَيْرِ مَالِهِ أَوْ نَقَلَهَا مَعَ غَيْرِ مَالِهِ ضَمِنَ كَالدَّابَّةِ .

فَصْلٌ : فَإِنْ عَيَّنَ عَلَى حِرْزٍ يُحْرِزُهَا أحوال نقل الوديعة من الحرز وضمانها ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ أَوْ لَا يَنْهَاهُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْحِرْزِ الَّذِي عَيَّنَهُ جَازَ إِحْرَازُهَا فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ حِرْزًا لِمِثْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا بِالتَّعْيِينِ قَدْ قَطَعَ اجْتِهَادَهُ فِي الِاخْتِيَارِ ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : لِضَرُورَةِ أَمْنِ غَشَيَانِ نَارٍ أَوْ حُدُوثِ غَارَةٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهَا مِنْهُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ فِي إِخْرَاجِهَا مَأْمُونًا ، وَلَوْ تَرَكَهَا مَعَ حُدُوثِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ لَكَانَ لَهَا ضَامِنًا ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ بِتَرْكِهَا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَنْقُلَهَا مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ حَدَثَتْ أحوال نقل الوديعة من الحرز ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْحِرْزِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَالْحِرْزُ الَّذِي نُقِلَتْ إِلَيْهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ غَيْرَ حَرِيزٍ وَالْمَنْقُولُ إِلَيْهِ حَرِيزًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ حَرِيزًا وَالْمَنْقُولُ غَيْرَ حَرِيزٍ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ غَيْرَ حَرِيزٍ وَالْمَنْقُولُ غَيْرَ حَرِيزٍ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَدَلَ عَنِ التَّعْيِينِ إِلَى غَيْرِهِ اخْتِيَارًا .

وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ حَرِيزًا وَالْمَنْقُولُ إِلَيْهِ حَرِيزًا ، فَيُنْظَرُ فِي الْحِرْزِ الْمُعَيَّنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ جَازَ نَقْلُهَا وَلَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْإِحْرَازِ دُونَ الْحِرْزِ ، وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ نَقْلُهَا وَلَا يَضْمَنُهَا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحِفْظِ الْمُعْتَبَرِ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَلِضِمْنِهَا اعْتِبَارًا بِالتَّعْيِينِ الْقَاطِعِ لِلِاخْتِيَارِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَجُوزُ لَهُ نَقَلُهَا اعْتِبَارًا بِالتَّعْيِينِ الْقَاطِعِ لِلِاخْتِيَارِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ نَهَاهُ مَعَ التَّعْيِينِ عَلَى الْحِرْزِ عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنْهُ الوديعة ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْحِرْزِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُودِعِ ، أَوِ الْمُسْتَوْدَعِ ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُودِعِ فَسَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا شَرْطُهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ نَقْلُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فَإِنْ نَقَلَهَا مَعَ ارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ ضَمِنَهَا ، سَوَاءٌ نَقَلَهَا مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ ضَمِنَ أَوْ نَقَلَهَا مَنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ ضَمِنَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ نَقَلَهَا مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ ضَمِنَ ، وَإِنْ نَقْلَهَا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ ، أَوْ مِنْ صُنْدُوقٍ إِلَى صُنْدُوقٍ لَمْ يَضْمَنِ احْتِجَاجًا بِأَنَّ الدُّورَ الْمُخْتَلِفَةَ قَدْ تَتَبَايَنُ فِي الْإِحْرَازِ وَالْبُيُوتُ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ لَا تَتَبَايَنُ ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْبُيُوتَ مِنَ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي الْحِرْزِ كَاخْتِلَافِ الدُّورِ . وَالثَّانِي : أَنَّ فِي نَقْلِهَا مَعَ الْمُعَيَّنِ تَصَرُّفًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَصَارَ بِهِ مُتَعَدِّيًا ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ فِي نَقْلِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَالثَّانِي مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ ، وَالثَّالِثُ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ ، وَالرَّابِعُ مِنْ صُنْدُوقٍ إِلَى صُنْدُوقٍ ، فَعِنْدَنَا يَضْمَنُ إِذَا نَقَلَهَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ التَّعْيِينِ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ فِي حَالَتَيْنِ فِي الْبَلَدِ وَالدَّارِ وَلَا يَضْمَنُ فِي حَالَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ وَالصُّنْدُوقِ ، وَإِنْ كَانَ الْحِرْزُ لِلْمُسْتَوْدَعِ ، فَفِي لُزُومِ مَا شَرَطَهُ لِلْمُودِعِ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ لَا يُحْرِزَهَا مِنْهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : أَنَّهُ شَرْطٌ وَاجِبٌ وَمَتَى أَخْرَجَهَا مِنْهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ لَمْ يَرْضَ لِإِحْرَازِ مَالِهِ إِلَّا مَا عَيَّنَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَجِبُ وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَهُ لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْحِرْزَ وَلَيْسَ يَسْتَحِقُّ إِلَّا الْحِفْظَ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى إِخْرَاجِهَا مِنَ الْحِرْزِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ فِيهِ مِنْ غَشَيَانِ نَارٍ ، أَوْ حُدُوثِ حَرِيقٍ هل يضمن المودع ؟ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَنُصَّ الْمُودِعُ عَلَى أَلَّا يُخْرِجَهَا مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ . وَالثَّانِي : أَلَّا يَنُصَّ ، فَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ نَهَى عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ جَازَ مَعَ حُدُوثِ هَذِهِ الضَّرُورَاتِ الْمُتَجَدِّدَةِ إِخْرَاجُهَا ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ عَنْ إِخْرَاجِهَا إِنَّمَا هُوَ لِفَرْطِ الِاحْتِيَاطِ فِي حِفْظِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهَا فِي مَكَانٍ يُفْضِي إِلَى تَلَفِهَا ، فَإِنْ تَرَكَهَا وَلَمْ يَنْقُلْهَا حَتَّى

تَلِفَتْ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ بِالتَّرْكِ ، وَإِنْ نَصَّ عَلَى أَلَّا تَخْرُجَ مِنْهُ وَإِنْ غَشِيَتْ نَارٌ أَوْ حَدَثَتْ غَارَةٌ ، فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَشَيَانِ النَّارِ كَانَ هَذَا فِيهِ شَرْطًا بَاطِلًا وَلَزِمَ إِخْرَاجُهُ مَعَ النَّهْيِ عَنْهُ ، كَمَا يَلْزَمُ عَلْفُهُ وَإِنْ نُهِيَ عَنْهُ ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَإِنْ تَرَكَهُ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ ، كَالدَّابَّةِ إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَعْلِفَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوَانًا يُخَافُ تَلَفُ نَفْسِهِ ، فَفِي لُزُومِ شَرْطِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ الْمَحْكِيَّيْنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِي الْوَكِيلِ إِذَا وُكِّلَ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ يَعْنِيهِ بِعَشَرَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا هل يصح هذا العقد ؟ ، فَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ الْمُوَكِّلُ عَنْ شِرَائِهِ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَإِنْ نَهَاهُ فَفِي لُزُومِ شَرْطِ وَصِحَّةِ عَقْدِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : الشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ وَالشِّرَاءَ بَاطِلٌ ، كَذَلِكَ هَذَا الشَّرْطُ وَهَذَا الْمَوْضِعُ يَخْرُجُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَلْزَمُ لِقَطْعِ الِاجْتِهَادِ بِالنَّصِّ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَخْرَجَهُ ضَمِنَ ، وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ يَضْمَنْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَلْزَمُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الِاحْتِيَاطِ فِي نَصِّهِ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَخْرَجَهُ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ تَرَكَهُ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّابَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْ عَلْفِهَا إِذَا لَمْ يَعْلِفْهَا ، فَأَمَّا مُؤْنَةُ إِخْرَاجِهَا وَنَقْلِهَا ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَانَ كَالْعَلْفِ عَلَى مَا مَضَى .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ قَالَ الْمُودِعُ أَخْرَجْتُهَا لَمَّا غَشِيَتْنِي النَّارُ ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ نَارٌ أَوْ أَثَرٌ يَدُلُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ . إِذَا أَخْرَجَ الْوَدِيعَةَ مِنْ حِرْزٍ شُرِطَ عَلَيْهِ أَلَّا يُخْرِجَهَا مِنْهُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ضَمِنَ ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَوْدَعُ فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ أَخْرَجْتُهَا لِنَارٍ غَشِيَتْ أَوْ لِغَارَةٍ حَدَثَتْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيَّ ، وَقَالَ الْمُودِعُ : بَلْ أَخْرَجْتَهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ فَعَلَيْكَ الضَّمَانُ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي غَشَيَانِ النَّارِ وَحُدُوثِ الْغَارَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَعْلَمَهُ عِيَانًا ، أَوْ خَبَرًا ، أَوْ يَرَى لِذَلِكَ أَثَرًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَخْرَجَهَا لِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ ، وَإِنْ عَلِمْنَا حَالَ الْعُذْرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُهُ لَهَا لِغَيْرِ هَذَا الْعُذْرِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ حُدُوثُ ذَلِكَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي جِوَارِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُعْلَمَ كَذِبُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ حُدُوثِ النَّارِ وَالْغَارَةِ ، فَدَعْوَاهُ مَرْدُودَةٌ بِيَقِينِ كَذِبِهِ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُودِعِ لِاسْتِحَالَةِ الدَّعْوَى . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ ، وَيَجُوزُ أَلَّا يَكُونَ ، فَيُقَالُ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَلَا عَلِمْتَ مِنَ الْحَالِ السَّلَامَةَ وَالظَّاهِرُ مِنْ إِخْرَاجِكَ التَّعَدِّي ، فَإِنْ

أَقَمْتَ بَيِّنَةً بِحُدُوثِ الْخَوْفِ يَنْتَقِلُ بِهَا عَنِ الظَّاهِرِ جَعَلْنَا حِينَئِذٍ الْقَوْلَ قَوْلَكَ مَعَ يَمِينِكَ بِأَنَّكَ أَخْرَجْتَهَا بِغَشَيَانِ النَّارِ وَحُدُوثِ الْغَارَةِ ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ تَنْقُلُنَا عَنِ الظَّاهِرِ غَلَّبْنَا حُكْمَ الظَّاهِرِ وَجَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُودِعِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي النَّاحِيَةِ نَارًا وَلَا غَارَةً ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَيَصِيرُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ ، فَأَمَّا إِنْ نَقَلَهَا خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ غَارَةٍ أَوْ نَارٍ فَلَمْ تَحْدُثْ غَارَةٌ وَلَمْ تَغْشَ نَارٌ ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَارَاتُ صِدْقِ دَعْوَاهُ ظَاهِرَةً وَدَوَاعِيهِ غَالِبَةً لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَ ظَنًّا وَتَوَهُّمًا ضَمِنَ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَلَوْ قَالَ دَفَعْتُهَا إِلَى فُلَانٍ بِأَمْرِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودِعِ ، وَلَوْ قَالَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْتَوْدَعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَالِكِهَا . وَالثَّانِيةُ : أَنْ يَدَّعِيَ دَفْعَهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا بِإِذْنِهِ الختلاف بين المودع والمستودع ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ مَعَ يَمِينِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُودِعُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدَّفْعِ لِلْوَدِيعَةِ إِلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ الْمُودِعُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدَّفْعِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ فِي الرَّدِّ ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ فَقَدْ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَتِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ مَقْبُولًا مَعَ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولًا مَعَ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَقْبُولًا فِي الْحَالَيْنِ وَقَوْلُ الْمُقْرِضِ وَالْمُسْتَعِيرِ فِي الرَّدِّ غَيْرَ مَقْبُولٍ فِي الْحَالَيْنِ ، كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ مُلْحَقًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ فِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولًا فِي الْحَالَيْنِ أَوْ مَرْدُودًا فِي الْحَالَيْنِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَحَدِ الْحَالَيْنِ مَقْبُولًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخَرِ مَقْبُولًا . فَإِذَا تَقَرَّرَ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِي الرَّدِّ فَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَا كَانَ عَلَى أَمَانَتِهِ ، فَلَوْ ضَمِنَهَا بِتَفْرِيطٍ أَوْ عُدْوَانٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُودِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَهُ الْغُرْمُ ، وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُودِعُ فَادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى وَارِثِهِ الختلاف بين المودع والمستودع لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ بِمَوْتِ الْمُودِعِ ضَامِنًا فَقَدْ صَارَ بِمَوْتِهِ خَارِجًا مِنْ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَوِلَايَةِ النَّظَرِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ عَلَى غَيْرِ مَنِ ائْتَمَنَهُ ، فَصَارَ كَالْوَصِيِّ الَّذِي لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْدَعُ فَادَّعَى وَارِثُهُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ : ارْتِفَاعُ الْعَقْدِ بِالْمَوْتِ وَعَدَمُ الِائْتِمَانِ فِي الْوَارِثِ .



فَصْلٌ : وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُودَعِ بِأَمْرِ الْمُودِعِ فَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَى الْمُودِعِ مِنَ الْأَمْرِ وَالدَّفْعِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَقْبُولٌ ، كَمَا لَوِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى أَمَانَتِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ فَأَوْلَى أَلَّا يُقْبَلَ عَلَى الْمُودِعِ الَّذِي لَيْسَ بِمَدْفُوعٍ إِلَيْهِ . وَالثَّانِي وَهُوَ قَرِينَةٌ وَدَلِيلٌ أَنَّهُ قَدِ ادَّعَى عَلَى الْمَدْفُوعِ إِذْنًا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ عَقْدُ الْوَدِيعَةِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ وَفِي ادِّعَاءِ الرَّدِّ يَكُونُ مُدَّعِيًا لِمَا تَضَمَّنَهُ عَمْدُ الْوَدِيعَةِ فَقِيلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِذْنِ وَالدَّفْعِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُودِعِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُقِرَّ بِالْإِذْنِ أَوْ يُنْكِرَهُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْإِذْنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَالْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنٌ لِلْوَدِيعَةِ المودع بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ دَفْعِهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ الْوَدِيعَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً فِي يَدِ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ أَوْ تَالِفَةً ، فَإِنْ كَانَتْ بَالِيَةً فَعَلَى الْمُسْتَوْدَعِ اسْتِرْجَاعُهَا مِنَ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ وَرَدُّهَا عَلَى الْمُودِعِ الْمَالِكِ وَلِلْمُودِعِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِالرَّدِّ وَإِنْ لَزِمَ فِي الرَّدِّ مُؤْنَةٌ الْتَزَمَهَا الْمُسْتَوْدَعُ ؛ لِأَنَّ بِعُدْوَانِهِ لَزِمَتْ . وَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ تَالِفَةً ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَدْفُوعَةِ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِقَبْضِهَا أَوْ مُنْكِرًا ، فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَدَّعِيهَا عَلَيْهِ وَالدَّافِعُ مُقِرٌّ لَهُ بِالْإِبْرَاءِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ دَفْعَهَا إِلَيْهِ قَرْضًا أَوْ عَارِيَةً وَلَا وَدِيعَةً ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ ، ثُمَّ لِلْمُودِعِ الرُّجُوعُ بِغُرْمِهَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ مُقِرًّا بِقَبْضِهَا مِنْهُ الوديعة فَالْمُودِعُ بِالْخِيَارِ فِي الرُّجُوعِ بِغُرْمِهَا عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ، فَإِنْ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ كَانَ لَهُ لِعُدْوَانِهِ بِالدَّفْعِ ، وَإِنْ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ كَانَ لَهُ لِعُدْوَانِهِ بِالْقَبْضِ ، فَإِذَا رَجَعَ بِهِمَا عَلَى أَحَدِهِمَا وَأَرَادَ الْغَارِمُ لَهُمَا الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى صَاحِبِهِ نُظِرَ فِي سَبَبِ الدَّفْعِ فَسَتَجِدُهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقُولَ أَمَرَنِي بِدَفْعِهَا قَرْضًا . وَالثَّانِي : عَارِيَةً . وَالثَّالِثُ : قَضَاءً مِنْ دَيْنٍ . وَالرَّابِعُ : هِبَةً . وَالْخَامِسُ : وَدِيعَةً . فَإِنْ قَالَ : أَمَرَنِي بِدَفْعِهَا قَرْضًا أَوْ عَارِيَةً ، فَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الضَّمَانِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ قَدْ رَجَعَ بِالْغُرْمِ عَلَى الدَّافِعِ ، رَجَعَ الدَّافِعُ بِهِ عَلَى

الْآخِذِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ بِالْغُرْمِ عَلَى الْآخِذِ لَمْ يَرْجِعِ الْآخِذُ بِهِ عَلَى الدَّافِعِ ، وَإِنْ قَالَ : أَمَرَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا قَضَاءً مِنْ دَيْنٍ ، فَإِنْ كَانَ الْمُودِعُ مُعْتَرِفًا بِالدَّيْنِ وَحُلُولِهِ وَكَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنْ جِنْسِهِ ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالْغُرْمِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ فِي دَيْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِلدَّيْنِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالْغُرْمِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ، فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الدَّافِعِ نُظِرَ ، فَإِنْ صَدَقَ الْآخِذُ فِي الدَّيْنِ لَمْ يَرْجِعِ الدَّافِعُ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْآخِذِ لَمْ يَرْجِعِ الْآخِذُ بِهِ عَلَى الدَّافِعِ بِكُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ عَلَى دَيْنِهِ أَوْ كَذَّبَهُ ، وَإِنْ قَالَ الدَّافِعَ : أَمَرَنِي بِدَفْعِهَا هِبَةً ، نُظِرَ فَإِنْ رَجَعَ الْمُودِعُ بِالْغُرْمِ عَلَى الدَّافِعِ لَمْ يَرْجِعِ الدَّافِعُ عَلَى الْآخِذِ ، فَإِنْ رَجَعَ بِالْغُرْمِ عَلَى الْآخِذِ لَمْ يَرْجِعِ الْآخِذُ عَلَى الدَّافِعِ ، وَإِنْ قَالَ الدَّافِعُ : أَمَرَنِي بِدَفْعِهَا وَدِيعَةً ، نُظِرَ ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُودِعُ عَلَى الدَّافِعِ لَمْ يَرْجِعِ الدَّافِعُ عَلَى الْآخِذِ ، وَإِنْ رَجَعَ بِالْغُرْمِ عَلَى الْآخِذِ المودع في الوديعة فَفِي رُجُوعِ الْآخِذِ بِهِ عَلَى الدَّافِعِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَلَّا رُجُوعَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ مَظْلُومٌ بِهِ . وَالثَّانِي : يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ أَلْجَأَهُ إِلَى الْغُرْمِ بِائْتِمَانِهِ لَهُ وَدَفْعِهِ إِلَيْهِ ، فَهَذَا حُكْمُ الْمُودِعِ إِذَا أَنْكَرَ الْإِذْنَ .

فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ الْمُودِعُ أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الدَّفْعِ الوديعة ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ مُقِرًّا بِالْقَبْضِ ، فَالدَّافِعُ يَتَبَرَّأُ مِنَ الضَّمَانِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمُودِعُ عَلَى الدَّفْعِ أَوْ كَذَّبَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى مِنْ جِهَةِ الْمُودِعِ الْإِذْنُ وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ وَالْمُرَاعَى مِنْ جِهَةِ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ الْقَبْضُ وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ مُنْكِرًا لِلْقَبْضِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُودِعِ الْمُقِرِّ بِالْإِذْنِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِلدَّافِعِ أَوْ مُكَذِّبًا ، فَإِنْ كَانَ مُكَذِّبًا لَهُ فَالدَّافِعُ ضَامِنٌ وَادِّعَاؤُهُ لِلدَّفْعِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى الْمُودِعِ لِتَكْذِيبِهِ وَلَا عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ لِإِنْكَارِهِ . وَإِنْ كَانَ الْمُودِعُ مُصَدِّقًا لَهُ عَلَى الدَّفْعِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا عِنْدَ الدَّفْعِ ، وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ غَائِبًا ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ الدَّفْعِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الدَّافِعِ ؛ لِأَنَّ التَّوَثُّقَ بِالْإِشْهَادِ مَعَ حُضُورِ الْإِذْنِ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ دُونَ الدَّافِعِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الدَّافِعِ تَفْرِيطٌ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ .

فَصْلٌ : وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ الْمُصَدِّقُ عَلَى الدَّفْعِ وَالْآذِنُ غَائِبًا عَنِ الدَّفْعِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الدَّفْعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ سِتَّةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ قَرْضًا . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عَارِيَةً ، وَالْحُكْمُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ سَوَاءٌ ، وَالدَّافِعُ ضَامِنٌ لِمَا دَفَعَ

وَإِنْ صَدَّقَهُ الْآذِنُ عَلَى الدَّفْعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الدَّفْعِ لِيَتَمَكَّنَ الْآذِنُ بِالشَّهَادَةِ أَنْ يَرْجِعَ بِبَدَلِ الْقَرْضِ وَقِيمَةِ الْعَارِيَةِ ، فَصَارَ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ مُفْرِطًا فَلَزِمَهُ الْغُرْمُ ، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا ، فَلَوْ كَانَ قَدْ أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ فَمَاتَا لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْإِشْهَادِ قَدْ فَعَلَهُ ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ قَدْ أَشْهَدَ عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ ، وَلَوْ أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ فَاسِقَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ فِسْقُهُمَا ظَاهِرًا ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِنًا فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَضْمَنُ كَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِرَدِّهِمَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ الْبَاطِنَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا الْحُكَّامُ لِفَضْلِ اجْتِهَادِهِمْ ، فَلَوْ أَشْهَدَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي الْأَمْوَالِ ، وَلَوْ أَشْهَدَ رَجُلًا وَاحِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ بَيِّنَةٌ فِي الْأَمْوَالِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ مِنَ الْحُكَّامِ مَنْ لَا يَحْكُمُ بِهَا ، فَصَارَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا .

فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَلَّا يَكُونَ الْأَمْرُ بِالدَّفْعِ قَضَاءً لِدَيْنٍ في الوديعة ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُودِعِ فِيهِ شَهَادَةٌ فَيَضْمَنُ الدَّافِعُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِالدَّفْعِ فَيَبْرَأُ الْمُودِعُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُودِعِ فِيهِ شَهَادَةٌ فَفِي ضَمَانِ الدَّافِعِ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ لِلْمُودِعِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الدَّيْنِ إِنْ طُولِبَ بِهِ فَيَبْرَأُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ ضَامِنٌ ؛ لِأَنَّ إِذْنَهُ يَضْمَنُ دَفْعًا لَا يَتَعَقَّبُهُ مُطَالَبَةٌ وَلَا يَتَوَجَّهُ فِيهِ يَمِينٌ ، فَصَارَ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الشَّهَادَةِ مُفَرِّطًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالدَّفْعِ هِبَةً دفع المودع الوديعة . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْمُكَافَأَةَ فِيهَا لَا تَسْتَحِقُّ لَمْ يَضْمَنِ الدَّافِعُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ . وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْمُكَافَأَةَ مُسْتَحَقَّةٌ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ .

فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالدَّفْعِ اسْتِيدَاعًا لَهَا عِنْدَ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ دفع المودع الوديعة ، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِيمَنْ أَوْدَعَ لِغَيْرِهِ مَالًا : أَحَدُهُمَا : يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ ، فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ .

فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ السَّادِسُ : أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالدَّفْعِ ؛ لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ أَمَرَهُ الْمُودِعُ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ دفع المودع الوديعة ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُودِعِ الْآمِرِ بِالرَّدِّ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى يَدِ هَذَا الْمُسْتَوْدَعِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ وَلَا عُذْرٍ ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ مُتَعَدِّيًا

ضَامِنًا وَقَوْلُ الدَّافِعِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ ، وَهَلْ يَكُونُ لِلْآمِرِ الرُّجُوعُ إِذَا أَغْرَمَهَا عَلَى الدَّافِعِ إِذَا لَمْ يُشْهِدْ عِنْدَ الدَّفْعِ ؟ دفع المودع الوديعة عَلَى الْوَجْهَيْنِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَرُدَّهَا بِغَيْرِ أَمْرٍ لَكِنْ بِعُذْرٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَالِ عُذْرِهِ بِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الدَّافِعِ الْمَأْمُورِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : قَوْلُهُ مَقْبُولٌ عَلَيْهِ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْآمِرِ عَلَيْهِ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدِ ائْتَمَنَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَجَازَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتَمِنَ الْمَأْمُورَ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّهَا بِأَمْرِ مَالِكِهَا ، لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَنْ يَرُدُّهَا مَعَهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ إِذَا صَدَّقَهُ الْمَالِكُ فِي الرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الْمَأْمُورُ لَهُ يَعْمَلُ ضَامِنًا لَهَا فِي حَقِّ الْمَالِكِ لَا فِي حَقِّ الْآمِرِ عَلَى الدَّفْعِ إِلَى الْمَأْمُورِ ، وَقَوْلُ الْمَأْمُورِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى الْمَالِكِ . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّهَا بِأَمْرِ مَالِكِهَا وَتَعْيِينِهِ لَهُ عَلَى الْمَأْمُورِ أَنْ يَرُدَّهَا مَعَهُ ، قَوْلُ الْمَأْمُورِ هَاهُنَا مَقْبُولٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدِ ائْتَمَنَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّعْيِينِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْمَالِكُ مُصَدِّقًا لِلْآمِرِ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْمَأْمُورِ ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فَالْآمِرُ ضَامِنٌ وَقَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْمَأْمُورِ غَيْرُ مَقْبُولٍ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ حَوَّلَهَا مِنْ خَرِيطَةٍ إِلَى أَحْرَزَ أَوْ مِثْلِ حِرْزِهَا لَمْ يَضْمَنْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لَهَا ضَمِنَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ . وَالْحُكْمُ فِي نَقْلِ الْوَدِيعَةِ مِنْ خَرِيطَةٍ إِلَى أُخْرَى ، أَوْ مِنْ صُنْدُوقٍ إِلَى صُنْدُوقٍ ، كَنَقْلِهَا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ ، وَمِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ ، وَإِنْ خَالَفَنَا أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْخَرِيطَةُ مَخْتُومَةً مَشْدُودَةً أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَتْ مَشْدُودَةً مَخْتُومَةً فَكَسَرَ خَتْمَهَا وَحَلَّ شَدَّهَا وَنَقَلَهَا إِلَى غَيْرِهَا ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ، وَلَوْ لَمْ يَنْقُلْهَا بَعْدَ كَسْرِ الْخَتْمِ وَحَلِّ الشِّدَادِ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْخَرِيطَةُ غَيْرَ مَشْدُودَةٍ وَلَا مَخْتُومَةٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ الْخَرِيطَةُ لِلْمُسْتَوْدَعِ ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ مُرْسَلَةً فَأَحْرَزَهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِي خَرِيطَةٍ فَلَهُ نَقْلُهَا إِلَى مِثْلِهَا أَوْ أَحْرَزَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا ضَمَانَ لِعُذْرٍ كَانَ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى أَدْوَنِ مِنْهَا مِمَّا لَا يَكُونُ حِرْزًا لَهَا ضَمِنَ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْخَرِيطَةُ لِلْمَالِكِ ، فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهَا مِنْ تِلْكَ الْخَرِيطَةِ إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ، فَإِنْ نَقَلَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَ ، سَوَاءٌ نَقَلَهَا إِلَى أَحْرَزَ مِنْهَا أَمْ لَا وَإِنْ نَقَلَهَا مِنْ عُذْرٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ النَّقْلِ هَلْ هُوَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِخْرَاجُهَا عُدْوَانًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عُذْرٍ .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَلَوْ أَكْرَهَهُ رَجُلٌ عَلَى أَخْذِهَا لَمْ يَضْمَنْ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى أَخْذِ الْوَدِيعَةِ . فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : هِيَ مُصَوَّرَةٌ فِي مَالِكِ مَالٍ أَرَادَ أَنْ يُودِعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ فَأَكْرَهَهُ عَلَى أَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ ، فَأَخَذَهَا الْمُسْتَوْدَعُ مِنْهُ كَرْهًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا فِي الْأَخْذِ ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ عُدْوَانٌ أَوْ تَفْرِيطٌ فَيَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا ، فَقَدْ صَارَ حِفْظُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ حُصُولِهَا فِي يَدِهِ وَاجِبًا ، فَإِذَا خَالَفَهُ ضَمِنَ ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْتِزَامَ حِفْظِهَا سَلَّمَهَا إِلَى الْحَاكِمِ ، فَسَقَطَ الْحِفْظُ وَالضَّمَانُ عَنْهُ بِتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الْمَالِكُ مُمْتَنِعًا مِنَ اسْتِرْجَاعِهَا .

فَصْلٌ : وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : هِيَ مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ قَبِلَ وَدِيعَةً طَوْعًا ، ثُمَّ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مُتَغَلِّبٌ فَأَكْرَهَهُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَأْخُذَهَا الْمُتَغَلِّبُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعَهَا الْمُسْتَوْدَعُ وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا ، فَهَذَا غَيْرُ ضَامِنٍ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْأَيْدِي الْغَالِبَةِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَدْفَعَهَا بِنَفْسِهِ مُكْرَهًا فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقِيَ مَالَ غَيْرِهِ بِنَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ فَحْلٌ فَغَلَبَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِمَالِ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَلْقَى فِي الْبَحْرِ مَالَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ جُعِلَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الصَّائِمِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ فَأَكَلَ بِنَفْسِهِ ، وَتَخْرِيجًا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ فَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، لَوِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِمَا وَحَلَفَ إِنْكَارًا لَهَا ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ ضَامِنًا لِلدَّفْعِ كَانَتْ يَمِينُهُ يَمِينَ مُكْرَهٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حِنْثٌ ، وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ ضَامِنًا بِالدَّفْعِ حَنِثَ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ ، وَلَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهَا فَتُؤْخَذُ بِدَلَالَتِهِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ سَبَبٌ وَالْأَخْذَ مُبَاشَرَةٌ ، فَصَارَ كَالْمُحْرِمِ إِذَا دَلَّ عَلَى صَيْدٍ لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَدِيعَةِ مَمْنُوعٌ مِنَ الْعُدْوَانِ وَالتَّفْرِيطِ وَالدَّلَالَةُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَضَمِنَ بِهَا وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ شَرَطَ أَلَّا يَرْقُدَ عَلَى صُنْدُوقٍ هِيَ فِيهِ فَرَقَدَ عَلَيْهِ الوديعة كَانَ قَدْ زَادَهُ حِرْزًا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا نَوْمُهُ عَلَى الصُّنْدُوقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْهُ فَهُوَ زِيَادَةُ حِرْزٍ لَا يَضْمَنُ بِهِ إِجْمَاعًا ، فَأَمَّا إِذَا نَهَاهُ عَنِ النَّوْمِ عَلَيْهِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَلَّا يَقْصِدَ بِنَهْيِهِ التَّخْفِيفَ عَنْهُ وَالتَّرْفِيهَ عَلَيْهِ ، فَمَتَى نَامَ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ .

وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَقْصِدَ بِالنَّهْيِ عَنِ النَّوْمِ عَلَيْهِ الْكَرَاهَةَ خَوْفًا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ ، فَفِي ضَمَانِهِ إِذَا نَامَ عَلَيْهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَادَهُ حِرْزًا ، فَصَارَ كَمَنْ أُودِعَ خَرِيطَةً فَجَعَلَهَا فِي خَرِيطَةٍ ثَانِيَةٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ : يَضْمَنُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا وَالْإِغْرَاءِ بِهَا ، وَهَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْفِلَهَا بِقُفْلٍ وَاحِدٍ فَقَفَلَهَا بِقُفْلَيْنِ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَهَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَدْفِنَهَا فِي أَرْضٍ لَيْسَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَدَفَنَهَا فِيهَا وَبَنَى عَلَيْهَا حَائِطًا ، كَانَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَهَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا فِي بَيْتٍ لَا يَحْفَظُهُ أَحَدٌ فَأَقَامَ فِيهِ مَنْ يَحْفَظُهُ فَسُرِقَتْ ، فَإِنْ كَانَ الْحَافِظُ لَهَا سَرَقَهَا ضَمِنَ وَإِنْ سَرَقَهَا غَيْرُهُ فَضَمَانُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ قَالَ لَمْ تُودِعْنِي شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتَ اسْتَوْدَعْتَنِيهِ فَهَلَكَ ضَمِنَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ أَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا فَجَحَدَهَا إنكار الوديعة ثم الاعتراف بها وَقَالَ : لَمْ تُودِعْنِي شَيْئًا ، ثُمَّ عَادَ فَاعْتَرَفَ بِهَا وَقَالَ : قَدْ كُنْتُ اسْتُودِعْتُهَا وَتَلِفَتْ ، أَوْ قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ فَادَّعَى بِتَلَفِهَا ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْجَحْدِ مُتَعَدِّيًا فَضَمِنَهَا ، وَمَنْ ضَمِنَ وَدِيعَةً لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْغُرْمُ بِتَلَفِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ بِالْإِنْكَارِ الْأَوَّلِ قَدْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِادِّعَاءِ التَّلَفِ فَعَلَى هَذَانِ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى تَلَفِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَشْهَدَ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِتَلَفِهَا بَعْدَ الْجُحُودِ ، فَلَا تُسْمَعُ ، وَالْغُرْمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بَعْدَ الضَّمَانِ ، وَلَوْ سَأَلَ إِحْلَافَ الْمُودِعِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِتَلَفِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَشْهَدَ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِتَلَفِهَا قَبْلَ الْجُحُودِ فَفِي اسْتِمَاعِهَا وَالْحُكْمِ بِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَسْمَحُ وَيَحْكُمُ بِهَا وَسَقَطَ عَنْهُ الْغُرْمُ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ ضَمَانِهَا بِالْجُحُودِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْغُرْمُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَذَّبَ لَهَا بِالْجَحُودِ الْمُتَقَدِّمِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ حِينَ طُولِبَ بِالْوَدِيعَةِ : لَيْسَ لَكَ مَعِي وَدِيعَةٌ ، أَوْ لَا حَقَّ لَكَ فِي يَدِي إنكار الوديعة ثم الاعتراف بها ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا وَادَّعَى تَلَفَهَا قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَوْلَيْنِ تَكَاذُبٌ وَمَنْ تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ مِنْهُ فَلَا وَدِيعَةَ مَعَهُ وَلَا فِي يَدِهِ ، وَخَالَفَ حَالُ الْمُنْكِرِ لَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَكَاذُبِ الْقَوْلَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَرْبِطَهَا فِي كَفِّهِ فَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَتَلِفَتْ هل يضمن ؟ لَمْ يَضْمَنْ وَيَدُهُ أَحْرَزُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هَكَذَا رَوَى الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَيَدُهُ أَحْرَزُ ، وَرَوَى الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يَضْمَنُ وَكُمُّهُ أَحْرَزُ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحْمِلُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا : أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَيَدُهُ أَحْرَزُ مِنْ كُمِّهِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْرَقُ مِنْ كُمِّهِ وَلَا تُسْرَقُ مِنْ يَدِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ فِي " الْأُمِّ " : أَنَّهُ يَضْمَنُ وَكُمُّهُ أَحْرَزُ مِنْ يَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ حِرْزٌ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ وَالْكُمُّ حِرْزٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ ، وَامْتَنَعَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَحَمَلُوا رِوَايَةَ الْمُزَنِيِّ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَلَى أَنَّهُ رَبَطَهَا فِي كُمِّهِ ، ثُمَّ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ ، فَلَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ مَعَ كُمِّهِ أَحْرَزُ مِنْ كُمِّهِ وَحَمَلُوا رِوَايَةَ الرَّبِيعِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ وَلَمْ يَرْبِطْهَا فِي كُمِّهِ فَيَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ كُمَّهُ أَحْرَزُ مِنْ يَدِهِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي يَدِهِ فَرَبَطَهَا فِي كَفِّهِ الوديعة ، فَمَنْ جَعَلَ يَدَهُ أَحْرَزَ ضَمَّنَهُ وَمَنْ جَعَلَ كُمَّهُ أَحْرَزَ خَرَجَ ضَمَانُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي نَصِّ الْمُودِعِ هَلْ يَقْطَعُ اجْتِهَادَ الْمُسْتَوْدَعِ ؟ وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُحْرِزَهَا فِي جَيْبِهِ فَأَحْرَزَهَا فِي كُمِّهِ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّ جَيْبَهُ أَحْرَزُ ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُحْرِزَهَا فِي كُمِّهِ فَأَحْرَزَهَا فِي جَيْبِهِ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ وَدِيعَةً وَلَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَهَا فِي كُمِّهِ وَلَا فِي جَيْبِهِ وَلَا فِي يَدِهِ كيف يكون حرزها ، فَإِنْ وَضْعَهَا فِي كُمِّهِ وَرَبَطَهَا كَانَ حِرْزًا ، سَوَاءٌ رَبَطَهَا مِنْ دَاخِلِ كُمِّهِ أَوْ مِنْ خَارِجِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ جَعَلَهَا فِي ظَاهِرِ كُمِّهِ وَرَبَطَهَا مِنْ دَاخِلِهِ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بَعْدَ الرَّبْطِ دَاخِلَةً فِي كُمِّهِ ، وَإِنْ جَعَلَهَا دَاخِلَ كُمِّهِ وَرَبَطَهَا مِنْ خَارِجِهِ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بَعْدَ الرَّبْطِ خَارِجَةً مِنْ كُمِّهِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْكُمَّ بِهِ يَصِيرُ حِرْزًا لَا بِانْفِرَادِهِ فَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ ، فَأَمَّا إِنْ تَرَكَهَا فِي كُمِّهِ وَلَمْ يَرْبِطْهَا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَفِيفًا قَدْ رُبَّمَا يَسْقُطُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُ سُقُوطِهِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَلَوْ تَرَكَ الْوَدِيعَةَ فِي جَيْبِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَزُرَّهُ عَلَيْهَا ضَمِنَ وَإِنْ زَرَّهُ عَلَيْهَا لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ الْجَيْبَ أَحْفَظُ لَهَا إِذَا أَمِنَ سُقُوطَهَا مِنْهُ لِبُعْدِهِ مِنَ السَّارِقِ ، فَلَوْ كَانَ الْجَيْبُ مَثْقُوبًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَسَقَطَتْ ، أَوْ حَصَلَتْ بَيْنَ قَمِيصِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهَا فَسَقَطَتْ ضَمِنَهَا ، وَلَوْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا كَانَتْ يَدُهُ أَحْرَزَ ، وَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا ، فَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً لَا يَأْمَنُ السَّهْوَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلَمْ تَكُنْ يَدُهُ حِرْزًا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَقِيلَةً يَأْمَنُ السَّهْوَ فِيهَا لَمْ يَضْمَنْ ، فَأَمَّا الْخَاتَمُ إِذَا لَبِسَهُ فِي أُصْبُعِهِ كَانَتْ حِرْزًا إِذَا كَانَ مُتَمَاسِكًا فِي خِنْصَرِهِ ، وَلَوْ كَانَ وَاسِعًا لَمْ يَكُنْ حِرْزًا ، وَلَوْ لَبِسَ الْخَاتَمَ الْمُسْتَقِرَّ فِي

خِنْصَرِهِ فِي الْبِنْصِرِ مِنْ أَصَابِعِهِ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ ، وَلَوْ لَبِسَهُ فِي الْإِبْهَامِ ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ فِيهَا وَإِنْ غَلُظَتْ ، وَلَوْ لَبِسَ الْخَاتَمَ فِي إِحْدَى يَدَيْهِ ، ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى الْيَدِ الْأُخْرَى ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَمَلٍ أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَهُ بِتِلْكَ الْيَدِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ سَبَبٍ ضَمِنَ .

فَصْلٌ : وَإِذَا حَمَلَ مَا فِي كُمِّهِ أَوْ جَيْبِهِ أَوْ يَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنَ الْوَدِيعَةِ كيفية حرزها ، فَعَلَيْهِ إِحْرَازُهُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ كُمُّهُ وَلَا جَيْبُهُ وَلَا يَدُهُ حِرْزًا لَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ فِي مَنْزِلِهِ ، فَإِنَّ مُنْزِلَهُ أَحْرَزُ لَهُ ، فَلَوْ خَرَجَ بِهَا فِي جَيْبِهِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ يَدِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ ضَمِنَ .

فَصْلٌ : وَلَوْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً وَهُوَ فِي دُكَّانِهِ فَحَمَلَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ كيفية حرزها ، فَإِنْ كَانَ الدُّكَّانُ حِرْزًا لِمِثْلِهَا ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لَمْ يَضْمَنْ إِذَا حَمَلَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَهَكَذَا لَوْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَحَمَلَهَا إِلَى دُكَّانِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُنْزِلُهُ حِرْزًا لِمِثْلِهَا ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِمِثْلِهَا وَكَانَ الدُّكَّانُ أَحْرَزَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً وَهُوَ فِي دُكَّانِهِ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَسُرِقَتْ ، فَإِنْ كَانَ وَضْعُهُ لَهَا ارْتِيَادًا لِمَوْضِعٍ مِنْ دُكَّانِهِ يُحْرِزُهَا فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ ، وَإِنْ كَانَ اسْتِرْسَالًا وَإِمْهَالًا ضَمِنَ .

فَصْلٌ : وَلَوْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَأَحْرَزَهَا فِيهِ ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْ سَرَقَهَا مِنْهُ هل يضمنها ، فَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ ضَمِنَ إِذَا نَالَتْهَا يَدُهُ ، وَلَوْ سَرَقَهَا بَعْضُ أَهْلِ مَنْزِلِهِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ خَادِمٍ أَوْ وَلَدٍ ، نُظِرَ فِي سَارِقِهَا ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِالسَّرِقَةِ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّ تَمْكِينَ مِثْلِهِ مِنْ مَنْزِلٍ فِيهِ وَدِيعَةٌ لِغَيْرِهِ أَوْ تَرْكَ الْوَدِيعَةِ فِي مَنْزِلٍ تَرْكُهَا فِي مِثْلِهِ تَفْرِيطٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْهُورٍ بِذَلِكَ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهَا مِنْ وَرَاءِ حِرْزٍ فِي الْمَنْزِلِ كَبَابٍ وَقُفْلٍ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى التَّفْرِيطِ ، وَإِنْ كَانَتْ بَارِزَةً تَمْتَدُّ إِلَيْهَا يَدُهُ فِي الْمَنْزِلِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا أَوْ ثِيَابًا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَكُونَ حِرْزُهَا فِي الْمَنَازِلِ مُفْرَدًا عَنْ مَوَاضِعِ سَاكِنِيهِ ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ خَافِيًا لَا يُحْرَزُ مِثْلَهُ إِلَّا فِي ظَوَاهِرِ الْمَنَازِلِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( بِالصَّوَابِ ) .

مَسْأَلَةٌ : " وَإِذَا هَلَكَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ بِعَيْنِهَا فَهِيَ لِرَبِّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرٍ عَنْهَا مِثْلَ دَنَانِيرَ ، أَوْ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ حَاصَّ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْغُرَمَاءَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَمَّا مَوْتُ الْمُسْتَوْدَعِ هل يبطل الوديعة فَمُبْطِلٌ لِعَقْدِ الْوَدِيعَةِ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا لَمْ يَأْتَمِنْ وَارِثَهُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ مَالِكُهَا حَاضِرًا وَجَبَ عَلَى الْوَارِثِ رَدُّهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ مَالِكُهَا غَائِبًا لَزِمَ الْوَارِثَ إِعْلَامُ الْحَاكِمِ بِهَا حَتَّى يَأْمُرَهُ فِيهَا بِمَا يَرَاهُ حَظًّا لِمَالِكِهَا مِنْ إِحْرَازِهَا فِي يَدِ الْوَارِثِ ، أَوْ نَقْلِهَا إِلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْحَاكِمُ بِهَا وَيَسْتَأْذِنْهُ فِيهَا ضَمِنَ ، وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ بَطَلَ الْعَقْدُ وَلَزِمَ الْمُسْتَوْدَعَ رَدُّهَا عَلَى وَارِثِهِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْمَوْتِ مِلْكًا لِلْوَارِثِ وَالْوَارِثُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْوَارِثُ إِيدَاعَهَا عِنْدَهُ فَتَصِيرُ وَدِيعَةً مُبْتَدَأَةً ، وَلَوْ أَنَّ الْمَالِكَ الْمُودِعَ جُنَّ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لَبَطَلَتِ الْوَدِيعَةُ وَكَانَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ رَدُّهَا عَلَى وَلِيِّهِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالْجُنُونِ وَالسَّفَهِ أَنْ يَكُونَ ذَا نَظَرٍ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ

الْمُسْتَوْدَعُ ذَلِكَ ضَمِنَ ، وَلَوْ جُنَّ الْمُسْتَوْدَعُ ، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ كَانَ عَلَى وَلِيِّهِ رَدُّ الْوَدِيعَةِ عَلَى رَبِّهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَهَا الْوَلِيُّ لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ بِطُرُوءِ الْجُنُونِ وَالسَّفَهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَمَاتَ الْمُسْتَوْدَعُ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَدِيعَةِ إذا مات المستودع مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً بِعَيْنِهَا أَوْ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَعَيْنُهَا بَاقِيَةٌ لَزِمَ الْوَارِثَ تَسْلِيمُهَا إِلَى مَالِكِهَا وَذَلِكَ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : إِمَّا بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ ، وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ يَضُمُّهَا الْمُودِعُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً وَلَا وَصِيَّةً وَأَنْكَرَ الْوَارِثُ وَادَّعَاهَا مِلْكًا فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مَوْجُودَةً بِعَيْنِهَا ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تُوجَدِ الْوَدِيعَةُ بِعَيْنِهَا فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُعْلَمَ تَلَفُهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ إِمَّا بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِذَلِكَ ، فَلَا ضَمَانَ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ أَكْذَبَ الْمَالِكُ الْمَيِّتَ فِي وَصِيَّتِهِ بِتَلَفِهَا فَلَهُ إِحْلَافُ الْوَرَثَةِ ثُمَّ هُمْ بَرَاءٌ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ وَتَعَدِّيهِ إِمَّا بِوَصِيَّةٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ ، فَهِيَ مَضْمُونَةٌ فِي مَالِهِ وَيُحَاصُّ الْمَالِكُ بِهَا جَمِيعَ الْغُرَمَاءِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يُجْهَلَ حَالُهَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيُحَاصُّ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْغُرَمَاءَ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهَا أَنَّهَا تَلِفَتْ بِفِعْلِهِ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي تَرِكَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى أَمَانَتِهِ . وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إِنْ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ مِنْ جِنْسِهَا كَانَتْ مَضْمُونَةً فِيهَا ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ جِنْسِهَا شَيْءٌ فِي تَرِكَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ وُجُودِ جِنْسِهَا أَنَّهَا فِيهِ أَوْ مِنْهُ . وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إِنْ ذَكَرَ فِي وَصِيَّتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّ عِنْدَهُ وَدِيعَةً كَانَتْ مَضْمُونَةً فِي تَرِكَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصِي بِالْوَدِيعَةِ إِلَّا وَهِيَ عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ إِذَا صَارَتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ مَضْمُونَةً فِي تَرِكَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِهَا شَيْءٌ حَاصَّ رَبُّ الْوَدِيعَةِ بِهَا جَمِيعَ الْغُرَمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِهَا فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَتَقَدَّمُ بِهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ مِنَ الْجِنْسِ أَنَّهُ مِنْهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَكُونُ أُسْوَتَهُمْ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمُ اعْتِبَارًا بِالْيَقِينِ فِي الِاشْتِرَاكِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوِ ادَّعَى رَجُلَانِ الْوَدِيعَةَ مِثْلَ عَبْدٍ أَوْ بَعِيرٍ فَقَالَ هِيَ لِأَحَدِكُمَا وَلَا أَدْرِي أَيُّكُمَا هُوَ قِيلَ لَهُمَا هَلْ تَدَّعِيَانِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا بِعَيْنِهِ ؟ فَإِنْ قَالَا : لَا ، أُحْلِفَ الْمُودَعُ بِاللَّهِ

مَا يَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ وَوَقَفَ ذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا حَتَى يَصْطَلِحَا فِيهِ ، أَوْ يُقِيمُ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً وَأَيُّهُمَا حَلَفَ مَعَ نُكُولِ صَاحِبِهِ كَانَ لَهُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ عَبْدٌ أَوْ بِعِيرٌ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رَجُلَيْنِ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إِيَّاهُ كيف يكون جواب صاحب اليد ؟ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي جَوَابِهِ لَهُمَا مِنْ سِتَّةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُنْكِرَهُمَا وَيَدَّعِيَهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ . وَالثَّانِي : أَنْ يُنْكِرَهُمَا وَيُقِرَّ بِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ لِغَيْرِهِمَا . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ لِأَحَدِهِمَا يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ . وَالرَّابِعُ : أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ لَهُمَا مَعًا . وَالْخَامِسُ : أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ لِأَحَدِهِمَا لَا يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ . وَالسَّادِسُ : أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ لَيْسَ يَعْرِفُ مُودِعَهَا هَلْ هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا ؟ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يُنْكِرَهُمَا وَيَدَّعِيَهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُدَّعِينَ بَيِّنَةٌ ، فَإِنْ حَلَفَ بِاللَّهِ أَنَّهَا لَهُ بَرِئَ مِنْ مُطَالَبَتِهَا وَتَصَرَّفَ فِيمَا بِيَدِهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِينَ ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَيْهِمَا ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَإِنْ سَبْقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَةِ بَرِئَ بِإِحْلَافِهِ وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُقَدِّمُ بِالْقُرْعَةِ مَنْ قُرِعَ مِنْهُمَا . وَالثَّانِي : يُقَدِّمُ بِاجْتِهَادِهِ مَنْ رَأَى مِنْهُمَا ، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ قَضَى بِهَا لِلْحَالِفِ دُونَهُ النَّاكِلُ ، وَإِنْ نَكَلَا مَعًا فَلَا حَقَّ فِيهِمَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكَانَتْ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِلْكًا وَإِنْ حَلَفَا مَعًا نُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ فِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : تُوَقَّفُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُنْكِرَهُمَا وَيُقِرَّ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ لِغَيْرِهِمَا الاختلاف في الوديعة فَلِلْمُدَّعِينَ حَالَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَسْأَلَاهُ عَنْ مَالِكِهَا . وَالثَّانِيةُ : أَلَّا يَسْأَلَاهُ ، فَإِنْ لَمْ يَسْأَلَاهُ عَنْ مَالِكِهَا جَازَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُ ، وَكَانَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِمَا لَهُمَا وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يُحَلِّفُهُ أَنَّهَا لِغَيْرِهِمَا ، فَإِنْ حَلَفَ أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ بِهَا ، فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا ، فَإِنْ نَكَلَا أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً لِمَنْ هِيَ لَهُ ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ سُلِّمَتْ إِلَى الْحَالِفِ مِنْهُمَا ، ثُمَّ نَظَرَ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِمَّا لَا تُنْقَلُ لَمْ يُطَالِبِ الْمَدْفُوعَةُ إِلَيْهِ بِكَفِيلٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُنْقَلُ طَالَبَهُ بِكَفِيلٍ إِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ أَنَّهَا مِلْكٌ لِغَائِبٍ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِقْرَارٌ وَلَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ .

وَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا وَيُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِكَفِيلٍ لِمَالِكِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تُوقَفُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ وَلَا تُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ ، فَإِنْ قَالَا الْمُدَّعِيَانِ لَا نَرْضَى بِأَمَانَتِهِ ضَمَّ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ أَمِينًا يَرْضَيَانِ بِهِ ، وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِيَانِ صَاحِبَ الْيَدِ عِنْ مَالِكِهَا حِينَ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا أَنْ يَذْكُرَهُ وَلَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْحَاضِرِ يُفِيدُ وَذِكْرَ الْغَائِبِ لَا يُفِيدُ وَإِذَا كَانَ هَذَا سَأَلَهُ الْحَاكِمُ أَحَاضِرٌ مَالِكُهَا أَمْ غَائِبٌ ؟ ( فَإِنْ قَالَ : غَائِبٌ ) لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ وَكَانَ عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ قَالَ : حَاضِرٌ ، سَأَلَهُ عَنْهُ ، فَإِنْ ذَكَرَهُ صَارَ هُوَ الْخَصْمُ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يَذْكُرَهُ ، لِامْتِنَاعِهِ مِنْ بَيَانِ مَا لَزِمَهُ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ الاختلاف في الوديعة فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَفِي وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِإِنْكَارِهِ الْآخَرَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لَمْ يُقْبَلْ ، فَإِذَا قُلْنَا : لَا يَمِينَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، فَحَلَفَ فَهِيَ لِلْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا ، فَإِنِ اسْتَأْنَفَ الْمُكَذَّبُ الدَّعْوَى عَلَى الْمُصَدَّقِ سُمِعَتْ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا : عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ عَنْهَا رُدَّتْ عَلَى الْمُكَذَّبِ ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا اسْتَقَرَّتِ الْوَدِيعَةُ مَعَ الْمُصَدَّقِ وَإِنْ حَلَفَ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ يَمِينَ الْمُكَذَّبِ بَعْدَ النُّكُولِ تُسَاوِي الْإِقْرَارَ لِلْمُصَدِّقِ فَاسْتَوَيَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تُنْتَزَعُ مِنْ يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ وَتُوقَفُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهَا لِلْأَوَّلِ وَيُغَرَّمُ الْمُكَذَّبُ الْحَالِفُ بَعْدَ نُكُولِهِ قِيمَتَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْإِقْرَارِ الْمُتَقَدِّمِ كَالْمُتْلِفِ لَهَا .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ لَهُمَا مَعًا الاختلاف في الوديعة فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ وَقَدْ صَارَ مُصَدِّقًا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى النِّصْفِ مُكَذِّبًا لَهُ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ ، فَهَلْ يَحْلِفُ فِي تَكْذِيبِهِ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ يَمِينًا أَمْ لَا ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، ثُمَّ الْجَوَابُ إِنْ حَلَفَ أَوْ نَكَلَ عَلَى مَا مَضَى ، فَإِذَا جَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا وَاسْتَأْنَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الدَّعْوَى عَلَى صَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي بِيَدِهِ سُمِعَتْ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ لِأَحَدِهِمَا لَا يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ الاختلاف في الوديعة فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَدَّعِيَا عِلْمَهُ . وَالثَّانِي : أَلَّا يَدَّعِيَاهُ ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِيَا عِلْمَهُ ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَيَتَحَالَفُ عَلَيْهِ الْمُدَّعِيَانِ ،

فَإِنْ نَكَلَا أُقِرَّ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا حُكِمَ بِهِ لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا وَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا . وَالثَّانِي : أَنَّهَا تُوقَفُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ، وَإِنِ ادَّعَيَا عِلْمَهُ أُحْلِفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَتَحَالَفَ الْمُدَّعِيَانِ ، فَإِنْ نَكَلَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ : أُقَسِّمُ الْوَدِيعَةَ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ وَأُغَرِّمُهُ الْقِيمَةَ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : لَا غُرْمَ عَلَيْهِ إِنْ نَكَلَ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قِيلَ لَهُمَا هَلْ تَدَّعِيَانِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا بِعَيْنِهِ ؟ فَإِنْ قَالَا : لَا ، أُحْلِفَ وَوُقِفَ ذَلِكَ لَهُمَا رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُغَرَّمُ الْقِيمَةَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مَا ادَّعَيَا إِلَّا وَدِيعَةً عَيْنُهَا بَاقِيَةٌ وَلَمْ يَسْتَهْلِكْهَا عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْإِقْرَارِ بِهَا لِغَيْرِهِ وَكَيْفَ يُغَرَّمُ قِيمَةً لَا يَدَّعِيَانِهَا وَمَا ادَّعَيَاهُ كَانَ لَهُمَا . فَإِنْ قِيلَ : فَإِحْلَافُ الْمُسْتَوْدَعِ لَا يُفِيدُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ شَيْئًا ، لِاسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِيهِ إِنْ نَكَلَ ؟ قِيلَ قَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ لِأَجْلِ هَذَا إِلَى أَنَّ الْيَمِينَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى وُجُوبِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا غُرِّمَ وَقَدْ يَجُوزُ إِذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنْ يَنْزَجِرَ بِهَا فَيُبَيِّنُ عِلْمًا قَدْ كَتَمَهُ فَعُلِمَ بِهِ ؛ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمُسْتَوْدَعِ بَيَانٌ تَحَالَفَ الْمُدَّعِيَانِ ، فَإِنْ نَكَلَا أُقِرَّتِ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِ الْمُسْتَوْدَعِ ، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ بِهَا لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا وَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِأَثْمَانِهِمَا . وَالثَّانِي : يَكُونُ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهَا وَأَيْنَ تُوقَفُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي يَدِ الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى مَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ . وَالثَّانِي : تُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ وَيُقِرُّهَا الْحَاكِمُ فِي يَدِ مَنْ يَرْضَيَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ قَدْ صَارَ بِالنُّكُولِ وَالْإِنْكَارِ خَصْمًا .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّادِسُ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ وَلَيْسَ يَعْلَمُ هَلْ هِيَ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا ؟ الاختلاف في الوديعة فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، ثُمَّ يَتَحَالَفُ الْمُتَدَاعِيَانِ فَإِنْ نَكَلَا أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُفِعَتْ إِلَيْهِ ، وَهَلْ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ بِكَفِيلِ الْمَالِكِ لَهَا لَوْ حَضَرَ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْوُرَّاثِ إِذَا دُفِعَتْ إِلَيْهِ التَّرِكَةُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بَعْدَ طُولِ الْكَشْفِ بِأَنْ لَا وَارِثَ سِوَاهُ وَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا وَفِي أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَانِ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا تُوقَفُ وَفِي الْمَوْقُوفَةِ عَلَى يَدِهِ وَجْهَانِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْدَعَ رَجُلًا دَابَّةً ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي رُكُوبِهَا هل له أن يركبها جَازَ أَنْ يَرْكَبَهَا ، ثُمَّ هُوَ قَبْلَ الرُّكُوبِ مُسْتَوْدَعٌ لَا يَضْمَنُ ، فَإِذَا رَكِبَ صَارَ مُسْتَعِيرًا ضَامِنًا ، فَإِنْ تَرَكَ الرُّكُوبَ لَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الضَّمَانُ إِلَّا بِالرَّدِّ ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمُودِعُ بَعْدَ الْكَفِّ عَنِ الرُّكُوبِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ضَمَانُهَا قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَفِي سُقُوطِهِ عَنْهُ بَعْدَ تَسْلِيمِهَا وَجْهَانِ مِنْ عُدْوَانِ الْمُسْتَوْدَعِ إِذَا أُبْرِئَ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ الْمُودِعُ لِلْمُسْتَوْدَعِ فِي إِجَارَةِ الدَّابَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا إِيَّاهُ فَهُوَ عَلَى أَمَانَتِهِ فِي يَدِهِ ، فَإِذَا أَخْرَجَهَا وَسَلَّمَهَا فَقَدِ ارْتَفَعَتْ يَدُهُ ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَلَوْ أَعَادَهَا بِإِذْنِهِ جَازَ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا مِنَ الْمُسْتَعِيرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّهَا فِي الْإِجَارَةِ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ يَدِهِ بِعَقْدٍ وَاجِبٍ وَفِي الْعَارِيَةِ بِعَقْدٍ جَائِزٍ .
فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ وَدِيعَةً إِلَى صَبِيٍّ اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا هل يضمن الصبي ؟ كَانَ مُغَرَّرًا بِمَالِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُبَاشِرُ حِفَاظَ مَالِهِ فَكَيْفَ بِمَالِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِ الصَّبِيِّ لَمْ يَخْلُ تَلَفُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَتْلَفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا جِنَايَةٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ لَا يَضْمَنُهَا . وَالثَّانِي : أَنْ تَتْلَفَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ ضَمِنَهَا الْبَالِغُ ؛ لِأَنَّ حِفْظَهَا لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ صَاحَبَهَا هُوَ الْمُفَرِّطُ دُونَهُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَتْلَفَ بِجِنَايَتِهِ فَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهَا فِي مَالِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى اسْتِهْلَاكِهَا ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ . وَالْوَجْهُ الثانِي : أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَانَ عَلَيْهَا لَيْسَ بِإِذْنٍ فِي اسْتِهْلَاكِهَا ، فَصَارَ كَمَنْ أَبَاحَ صَبِيًّا شُرْبَ مَاءٍ فِي دَارِهِ وَأَكْلَ طَعَامِهِ فَدَخَلَ وَاسْتَهْلَكَ عَلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ .
فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْدَعَ صَبِيٌّ رَجُلًا وَدِيعَةً هل يقبل الرجل وديعة الصبي ؟ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا نَظَرَ لَهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ ، فَإِنْ قَبِلَهَا الرَّجُلُ مِنْهُ ضَمِنَهَا حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلَى وَلِيِّهِ ، أَوِ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى الصَّبِيِّ لَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ عَنْهُ ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَخْذِ الْوَدِيعَةِ مِنَ الصَّبِيِّ خَائِفًا عَلَيْهَا مِنْ أَنْ يَسْتَهْلِكَهَا فَأَخَذَهَا لِيَدْفَعَهَا إِلَى وَلِيِّهِ أَوْ إِلَى الْحَاكِمِ فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ فَفِي ضَمَانِهِ لَهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ خَلَاصَهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْمُحْرِمِ إِذَا خَلَّصَ طَائِرًا فِي جَارِحٍ أَوْ حَيَّةٍ فَتَلِفَ فَفِي ضَمَانِهِ بِالْجَزَاءِ قَوْلَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . آخِرُ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَلِلَّهِ الْعِصْمَةُ .
_____مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَقَسْمِ الْغَنَائِمِ _____

مَسْأَلَةٌ في أصل هذا الكتاب

مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَقَسْمِ الْغَنَائِمِ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : " أَصْلُ مَا يَقُومُ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ جُمَلِ الْمَالِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ تَطْهِيرًا لَهُ فَذَلِكَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ لَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ ، وَالْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ فَكِلَاهُمَا مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِهِ فَأَحَدُهُمَا الْغَنِيمَةُ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] الْآيَةَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي : هُوَ الْفَيْءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [ الْحَشْرِ : 17 ] الْآيَةَ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - : فَالْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ فِيهِمَا مَعًا الْخُمُسَ مِنْ جَمِيعِهِمَا لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي الْآيَتَيْنِ مَعًا سَوَاءٌ ، ثُمَّ تَفْتَرِقُ الْأَحْكَامُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي فِعْلِهِ ، فَإِنَهُ قَسَّمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ وَهِيَ الْمُوجَفُ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ ، وَالْفَيْءُ هُوَ مَا لَمْ يُوجَفُ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابِ فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُرًى عَرَبِيَّةٍ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ يَضَعُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي أَمْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ فَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ وَلِيَهَا عُمَرُ بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ ، فَوَلَّيْتُكُمَاهَا عَلَى أَنْ تَعْمَلَا فِيهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ أَكْفِيكُمَاهَا . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَكَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ أَمْضَيَا مَا بَقِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْمَلُ بِهِ فِيهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مِمَّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ مِنَ الْفَيْءِ مَا لِلنَبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُمَا فِيهِ أُسْوَةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ سِيرَتُهُمَا وَسِيرَةُ مَنْ بَعْدَهُمَا وَقَدْ مَضَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ : إِنَّ

ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِمْ وَلَا خَالَفَ فِي أَنْ تُجْعَلَ تِلْكَ النَّفَقَاتِ حَيْثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْعَلُ فُضُولَ غَلَّاتِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ فِيمَا فِيهِ صَلَاحٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقْتَسِمَنَّ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ قَالَ : فَمَا صَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ فَيْءٍ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ فَخُمُسُهُ حَيْثُ قَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ ، وَكَذَلِكَ مَا أُخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ مِنْ جِزْيَةٍ وَصُلْحٍ عَنْ أَرْضِهِمْ ، أَوْ أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ لَا وَارِثَ لَهُ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا أَخَذَهُ الْوُلَاةُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَالْخُمُسُ فِيهِ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ قَسَّمَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْخُمُسِ الْمُوجَفِ عَلَيْهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْفَيْءَ ، وَفُتِحَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُوحٌ مِنْ قُرًى عَرَبِيَّةٍ وَعَدَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ قَبْلَ فَتْحِهَا فَأَمْضَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ سَمَّاهَا اللَّهُ وَلَمْ يَحْبِسْ مِنْهَا مَا حُبِسَ مِنَ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً يُرِيدُ مَا كَانَ يَكُونُ لِلْمُوجِفِينَ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ ، فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ خُمُسَ ذَلِكَ كَخُمُسِ مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ لِأَهْلِهِ وَجُمْلَةُ الْفَيْءِ مَا رَدَّهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ مِنْ مَالِ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الْغَنِيمَةُ فَهِيَ مِنَ الْغُنْمِ وَالْغُنْمُ مُسْتَفَادٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسَ : وَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الْآفَاقِ حَتَّى رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالْإِيَابِ وَأَمَّا الْفَيْءُ فَهُوَ الرُّجُوعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [ الْحُجُرَاتِ : 9 ] أَيْ تَرْجِعَ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنَ الظِّلِّ فَيْءٌ . لِرُجُوعِهِ وَالْأَنْفَالُ لِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيْءٌ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسَ : تَيَمَّمَتِ الْعَيْنُ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي

الْقَوْلُ فِي حَدِّ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ

[ الْقَوْلُ فِي حَدِّ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ ] وَالْغَنِيمَةُ كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَهْرًا - بِقِتَالٍ - بِإِيجَافِ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ . سُمِّيَ غَنِيمَةً لِاسْتِقَادَتِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ . وَالْفَيْءُ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَفْوًا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، سُمِّيَ فَيْئًا لِرُجُوعِهِ إِلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَهْلِ طَاعَتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْهُمْ إِلَى أَعْدَائِهِ وَأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ : الْغَنِيمَةُ مَا ظُهِرَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْفَيْءُ مَا ظُهِرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِينَ ، وَهَذَا قَوْلٌ شَذَّ بِهِ عَنِ الْكَافَّةِ ، فَكَانَ مُطْرَحًا ، وَمُعْمَلٌ فِي الْفَيْءِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [ الْحَشْرِ : 7 ] وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْقُرَى . وَالْأَصْلُ فِي الْغَنِيمَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] . وَالْأَصْلُ فِي الْفَيْءِ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [ الْحَشْرِ : 7 ] الْآيَةَ .

فَصْلٌ : وَقَدْ كَانَتِ الْغَنِيمَةُ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حل الغنيمة لهذه الأمة وَكَانَتْ تُجْمَعُ فَتَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُحْرِقُهَا إِلَى أَنْ أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَى أَنْ قَالَ : وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ الْحَدِيثَ . فَجَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِلْكًا لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصًا دُونَ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ [ الْأَنْفَالِ : 1 ] . وَالْأَنْفَالُ هِيَ : الْغَنَائِمُ ؛ لِأَنَّ النَّفْلَ فِي كَلَامِهِمْ هُوَ الزِّيَادَةُ مِنَ الْخَيْرِ وَمِنْهُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ ، وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ : إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ فَسُمِّيَتِ الْغَنَائِمُ أَنْفَالًا لِأَنَّهَا زِيَادَةُ مَالٍ مُسْتَفَادٍ وَفِي السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَجْلِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : أَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ شَكُّوا فِي غَنَائِمِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ [ الْأَنْفَالِ : 1 ] . وَلَمْ يَعْلَمُوا حُكْمَ إِبَاحَتِهَا وَحَظْرِهَا حَتَّى سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [ الْأَنْفَالِ : 1 ] . وَالثَّانِي : أَنَّ شُبَّانَ الْمُقَاتِلَةِ يَوْمَ بَدْرٍ تَسَارَعُوا إِلَى الْقِتَالِ وَثَبَتَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرَّايَاتِ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ الشُّبَّانُ : نَحْنُ أَحَقُّ بِالْغَنَائِمِ لِقِتَالِنَا ، وَقَالَ الشُّيُوخُ : لَا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنَا فَإِنَّا كُنَّا رِدَاءً لَكُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فِيهِمْ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ اخْتَلَفُوا وَكَانُوا أَثْلَاثًا فِي الْغَنَائِمِ أَيُّهُمْ أَحَقُّ بِهَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ وَجَعَلَهَا اللَّهُ لِرَسُولِهِ دُونَهُمْ حَسْمًا لِتَنَازُعِهِمْ ، فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَأَدْخَلَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةً لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا ، مِنْهُمْ

عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَطَلْحَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، أَمَّا عُثْمَانُ فَلِتَشَاغُلِهِ بِتَمْرِيضِ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَّا طَلْحَةُ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ أَنْفَذَهُ لِيَتَعَرَّفَ خَبَرَ الْعِيرِ وَأَبِي سُفْيَانَ ، ثُمَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] الْآيَةَ ، فَلَمَّا أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى مَالَ الْغَنِيمَةِ إِلَى الْغَانِمِينَ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ خُمُسِهِ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ سُمِّيَ مَعَهُ أَهْلَ الْخُمُسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [ النِّسَاءِ : 11 ] فَدَلَّ إِضَافَةُ الْمَالِ إِلَيْهِمَا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الثُّلُثِ مِنْهُ لِلْأُمِّ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي لِلْأَبِ ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَارَةً مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَتَارَةً مُسْنَدًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ " ، فَصَارَ مَالُ الْغَنِيمَةِ مَقْسُومًا عَلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا ، خَمْسَةٌ مِنْهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَوُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ يُذْكَرُ مِنْ بَعْدُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَهُوَ عِشْرُونَ سَهْمًا تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ وَلَا يُفَضَّلُ ذُو غِنًى عَلَى غَيْرِهِ ، فَهَذَا حُكْمُ مَالِ الْغَنِيمَةِ .

فَصْلٌ حُكْمُ مَالِ الْفَيْءِ

فَصْلٌ : [ حُكْمُ مَالِ الْفَيْءِ ] وَأَمَّا مَالُ الْفَيْءِ وَهِيَ الْأَمْوَالُ الْوَاصِلَةُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، كَالَّذِي انْجَلَى عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَوْفًا وَرُعْبًا ، كَالْأَمْوَالِ الَّتِي صَالَحُونَا بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمُ اسْتِكْفَافًا وَتَوَرُّعًا وَالْمَأْخُوذَةِ مِنْ عُشُورِ أَمْوَالِهِمْ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْنَا تُجَّارًا ، وَالْجِزْيَةِ الَّتِي نُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِنَا وَقَالَ : وَالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَرَاضِيهِمْ ، وَالْأَرْضِينَ الْمَأْخُوذَةِ عَفْوًا مِنْهُمْ وَقَالَ : مَنْ مَاتَ فِي دَارِنَا وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْهُمْ ، كُلُّ ذَلِكَ فَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ وَاصَلٌ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَلَهُ فِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّ الْفَيْءَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا انْجَلَى عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا وَرُعْبًا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [ الْحَشْرِ : 7 ] وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَعُشُورِ تِجَارَتِهِمْ وَمِيرَاثِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ فَيْئًا وَيَكُونُ مَصْرُوفًا فِي الْمَصَالِحِ وَلَا يُخَمَّسُ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِهِ أَصَحُّ ، لِاسْتِوَاءِ جَمِيعِهِمَا فِي الْوُصُولِ إِلَيْنَا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، وَإِذَا كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ فَيْئًا فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَمْلِكُ جَمِيعَ الْفَيْءِ كَمَا مَلَكَ جَمِيعَ الْغَنِيمَةِ ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ ، فَكَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْهِ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ وَصَارَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى :

مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [ الْحَشْرِ : 7 ] الْآيَةَ ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ حِينَئِذٍ ، فِيمَا اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْفَيْءِ مصارفه عَلَيْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ مَالَ الْفَيْءِ مَصْرُوفٌ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَلَا يُخَمَّسُ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهَا . وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ : أَنَّ مَالَ الْفَيْءِ مَقْسُومٌ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا سَهْمٌ كَأَحَدِ أَهْلِ الْخُمُسِ وَلَا يَخْتَصُّ بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ " . وَالثَّالِثُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنَّ خُمُسَهُ مَقْسُومٌ عَلَى خَمْسَةٍ ، مِنْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمٌ ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُ خَاصَّةً ، فَيَكُونُ جَمِيعُ مَالِ الْفَيْءِ مَقْسُومًا عَلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا ، مِنْهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ هِيَ لِأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ هُمْ ذَوُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ فَأَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَيْءَ إِلَى رَسُولِهِ كَمَا أَضَافَ الْغَنِيمَةَ إِلَى الْغَانِمِينَ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَنِ اسْتَثْنَاهُ فِي سَهْمِ الْغَانِمِينَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ مَا جُعِلَ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ مَحْمُولًا عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَجْعُولِ لَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ الْخُمُسُ وَيَكُونُ الْبَاقِي بَعْدَهُ لِمَنْ أَضَافَ الْمَالَ إِلَيْهِ وَهُوَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا كَانَ الْبَاقِي مِنَ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ أَضَافَهَا إِلَيْهِ وَهُمُ الْغَانِمُونَ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكَ بْنَ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ يَقُولُ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ فِي أَمْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عُمَرُ : كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصًا دُونَ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ فَمَا فَضَلَ مِنْهَا جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ وَلِيتُهَا بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، ثُمَّ سَأَلْتُمَانِي أَنْ أُوَلِّيكُمَاهَا فَوَلَّيْتُكُمَاهَا عَلَى أَلَّا تَعْمَلَا فِيهَا إِلَّا بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، ثُمَّ وَلِيتُمَاهَا ثُمَّ جِئْتُمَانِي تَخْتَصِمَانِ ، أَتُرِيدَانِ أَنْ أَدْفَعَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نِصْفًا ، أَتُرِيدَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرِ مَا قَضَيْتُ بَيْنَكُمَا أَوَّلًا ؟ فَلَا وَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا قَضَاءً غَيْرَ هَذَا ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ أَكْفِيكُمَاهَا .

فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ يَقْتَضِي كُلَّ مَرَّةٍ بِأَنَّ جَمِيعَ الْفَيْءِ مِلْكٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَظَاهِرُ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْفَيْءِ مَقْسُومٌ عَلَى خَمْسَةٍ فَاقْتَضَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْخَبَرِ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ خَالِصٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ خُمُسَهُ مَقْسُومٌ عَلَى خَمْسَةٍ حَتَّى يُسْتَعْمَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَنَافَيَا وَلَا يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَا يَمْلِكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ جَمِيعُهُ خُمُسًا كَالْغَنِيمَةِ ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ مِلْكًا لِلْغَانِمِينَ لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا بِالرُّعْبِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ بِالرُّعْبِ مِنْهُ ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَالْعَدُوُّ يَرْهَبُنِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصْرِفُ ذَلِكَ فِي الْمَصَالِحِ ، فَهُوَ أَنَّ أَمْوَالَهُ كَانَ يَصْرِفُهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَلَا يَدُلُّ لِقُرْبِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لَهَا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ مَالِكٍ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لِيَ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَنِيمَةِ دُونَ الْفَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْنَا ، وَالْغَنِيمَةُ هِيَ الْمُضَافَةُ إِلَيْنَا ، فَأَمَّا الْفَيْءُ فَهُوَ مُضَافٌ إِلَيْهِ لَا إِلَيْنَا .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ فَالَّذِي مَلَّكَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مِنْهُمَا مِمَّا يُبَيَّنُ : أَحَدُهُمَا : خُمُسُ الْخُمُسِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ . وَالثَّانِي : أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ ، فَأَمَّا الصَّفِيُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَقَدْ كَانَ مَخْصُوصًا بِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَيَصْطَفِي مِنَ الْغَنِيمَةِ مَا شَاءَ مِنْ جَارِيَةٍ وَثَوْبٍ وَعَبْدٍ وَفَرَسٍ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ ، وَكَانَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ مِمَّا اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ بِخَيْبَرَ ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا . وَقِيلَ إِنَّهَا سُمِّيَتْ صَفِيَّةً ؛ لِأَنَّهُ اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَكَانَتِ الصَّفَايَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا مُلُوكُ الْعَرَبِ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : لَكَ الْمِرْبَاعُ فِيهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ فَصَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالِكًا لِأَرْبَعَةِ أَمْوَالٍ : مَالَيْنِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ وَالصَّفِيُّ ، وَمَالَيْنِ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ خُمُسُ خُمُسِهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ . فَأَمَّا حُكْمُ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ قَدْ مَلَكَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ كَأَمْوَالِ بَنِي النَّضْرِ وَالنِّصْفِ مِنْ فَدَكٍ وَالثُّلُثِ مِنْ وَادِي الْقُرَى وَثُلُثِهِ حُصُونٍ مِنْ خَيْبَرَ الْكَتِيبَةِ وَالْوَطِيحِ وَالسَّلَالِمِ فَهَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا فِي حَيَاتِهِ لَا تُورَثُ عَنْهُ ، وَمَا مُلِكَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ

وَفَاتِهِ فَسَهْمُهُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ مَصْرُوفٌ بَعْدَهُ فِي الْمَصَالِحِ مِنَ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ وَعِمَارَاتِ الْمَسَاجِدِ وَقَنَاطِرِ السَّائِلَةِ ، وَأَمَّا سَهْمُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ فَفِي مَصْرِفِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : فِي الْمُقَاتِلَةِ مِنَ الْجَيْشِ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنِ الْبَيْضَةِ وَيُمْنَعُونَ عَنِ الْحِرْفَةِ وَيُجَاهِدُونَ الْعَدُوَّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَلَكَهُ فِي حَيَاتِهِ لِرُعْبِ الْعَدُوِّ مِنْهُ وَرُعْبِ الْعَدُوِّ بَعْدَهُ مِنَ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلَةِ ، فَمَلَكُوا بَعْدَهُ مَا مَلَكَهُ ، فَعَلَى هَذَا يُصْرَفُ جَمِيعُهُ فِيهِمْ وَإِنْ فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِمْ وَلَا يُصْرَفُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يُصْرَفُ جَمِيعُهُ فِي الْمَصَالِحِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ وَيَصْرِفُهُ فِيهَا ، فَمِنَ الْمَصَالِحِ إِعْطَاءُ الْجَيْشِ وَأَرْزَاقُ الْمُقَاتِلَةِ ، وَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِمَّا فِيهِ إِعْزَازُ الْإِسْلَامِ وَصَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَزْدَادُ جُيُوشُ الْمُقَاتِلَةِ عَلَى قَدْرِ كِفَايَاتِهِمْ ، لِخُرُوجِ الزِّيَادَةِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ ، وَأَمَّا الصَّفِيُّ فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُهُ وَبَطَلَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ سَهْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ كيف يصرف سهم النبي بعده ؟ مَصْرُوفٌ فِيمَا وَصَفْنَا فَالْإِمَامُ النَّاظِرُ فِيهِ كَأَحَدِ أَهْلِ الْجَيْشِ فِيمَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ وَهُوَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ ، يَأْخُذُهُ رِزْقًا كَأَرْزَاقِ الْجَيْشِ . وَقَالَ : يَمْلِكُ الْإِمَامُ بَعْدَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَصِيرُ مَالِكًا لِخُمُسِ الْخُمُسِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ وَلِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً ثُمَّ قَبَضَهُ إِلَّا جَعَلَهَا لِلَّذِي أَتَى بَعْدَهُ . وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ ، فَصَارَ مَرْدُودًا عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ لَا عَلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يَتَمَلَّكُوا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ ، فَانْعَقَدَ بِهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى رَدِّ مَا خَالَفَهُ . فَأَمَّا الْخَبَرُ الْمُسْتَدَلُّ بِهِ فَمَعْنَاهُ : مَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً إِلَّا جَعَلَ النَّظَرَ فِيهَا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ لَا مِلْكًا لَهُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورَثُ وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ لَا يَمْلِكُهُ ، ثَبَتَ مِنَ التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَصْرِفَهُ فِيمَا وَصَفْنَاهُ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْفَيْءُ وَالْغَنِيمَةُ يَجْتَمِعَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، فَأَمَّا وَجْهَا الِاجْتِمَاعِ . فَأَحَدُهُمَا : أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ .

وَالثَّانِي : أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخَمَّسُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَالُ الْفَيْءِ لَا يُخَمَّسُ وَفِي نَصِّ الْآيَةِ مَا يَدْفَعُ قَوْلَهُ . وَأَمَّا وَجْهُ الِافْتِرَاقِ : فَأَحَدُهُمَا : فِي الِاسْمِ ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْتَصُّ بِاسْمٍ ، وَالثَّانِي : فِي حُكْمِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا ، فَإِنَّ مَصْرِفَهَا مُخْتَلِفٌ .
فَصْلٌ : فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ أَصْلُ مَا يَقُومُ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ جَعْلِ الْمَالِ ثَلَاثَةَ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ تَطْهِيرًا لَهُ فَذَاكَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ لَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ ، وَالْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ وَكِلَاهُمَا مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِهِ فَجُعِلَ نَظَرُ الْإِمَامِ فِي الْأَمْوَالِ مُخْتَصًّا بِثَلَاثَةِ أَمْوَالٍ : أَحَدُهَا : مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ تَطْهِيرًا لَهُمْ وَهِيَ الزَّكَاةُ . وَالثَّانِي : مَا أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَنْوَةً وَهُوَ الْغَنِيمَةُ . وَالثَّالِثُ : مَا أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَفْوًا وَهُوَ الْفَيْءُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الثَّلَاثَةِ مَنْصُوصٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى وُجُوبِهِ وَجِهَةِ مَصْرِفِهِ وَلَيْسَ قِيَامُ الْإِمَامِ بِهِ إِلَّا قِيَامَ نِيَابَةٍ إِلَّا أَنَّهُ فِي الزَّكَاةِ يَنُوبُ عَنْ مُعْطِيهَا وَمُسْتَحِقِّهَا مَعًا وَفِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ يَنُوبُ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا دُونَ مُعْطِيهَا ؛ لِأَنَّ نِيَابَتَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَنَا اعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الْفَصْلِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَالُوا : قَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ نَظَرَ الْإِمَامِ مَقْصُورًا عَلَى النَّظَرِ فِي ثَلَاثَةِ أَمْوَالٍ وَقَدْ يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي الْمَوَاتِ وَفِي الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا قَدْ خُصَّ الْأَمْوَالُ الثَّلَاثَةُ بِنَظَرِهِ لِاخْتِصَاصِ وُجُوبِهَا لِكِتَابِ اللَّهِ وَتَعَيُّنِ مُسْتَحِقِّيهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسَ غَيْرُهَا مُسَاوِيًا لَهَا فِي هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ فَتَمَيَّزَتْ فِي نَظَرِهِ . وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي : أَنْ قَالُوا : قَدْ جُعِلَ الْإِمَامُ مُخْتَصًّا بِالْوِلَايَةِ عَلَى الصَّدَقَاتِ ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا أَرْبَابُهَا أَجْزَاءً فَلَمْ يَكُنْ يَخْتَصُّ بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهَا ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : أَمَّا الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ وَإِنْ جَازَ لِأَرْبَابِهَا أَنْ يَنْفَرِدُوا بِإِخْرَاجِهَا فَوِلَايَتُهُ فِيهَا عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ جَبْرًا ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهَا لَمَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي أَخْذِهَا جَبْرًا مِنْهُمْ وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ أَرْبَابِهَا أَنْ يَنْفَرِدُوا بِإِخْرَاجِهَا ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَامَّةً عَلَى الْمُعْطِي وَالْمُمْتَنِعِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُمْ أَنْ يَنْفَرِدُوا بِإِخْرَاجِهَا ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ دُونَ الْمُعْطِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ الْأَنْفَالِ

مَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُشْرِكًا فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَلَبُهُ

بَابُ الْأَنْفَالِ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَلَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْخُمُسِ شَيْءٌ غَيْرُ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ . قَالَ أَبُو قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَامَ حُنَيْنٍ قَالَ : فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ فَقَالَ مَا بَالُ النَّاسِ ؟ قُلْتُ : أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ، ثُمَّ جَلَسْتُ يَقُولُ وَأَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنُ الْقَوْمِ صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمَدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ " فَأَعْطَانِيهِ فَبِعْتُ الدِّرْعَ وَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلَمَةَ فَإِنَّهُ لَأُوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَرُوِيَ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ عَلْقَمَةَ قَالَ بَارَزْتُ رَجُلًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَبَلَغَ سَلَبُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَنَفَّلَنِيهِ سَعْدٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُشْرِكًا فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَلَبُهُ ، سَوَاءٌ شَرَطَهُ الْإِمَامُ لَهُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَلَا يُخَمِّسْهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَهُ سَلَبُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، لَكِنْ يُخَمِّسُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لَهُ سَلَبُهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْإِمَامُ لَهُ فَيُعْطِيهِ لِلشَّرْطِ مِنْ جُمْلَةِ الْخُمُسِ اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] . وَرِوَايَةُ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ وَبِرِوَايَةِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَرَافَقَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَتَلَ رُومِيًّا فَأَخَذَ سَلَبَهُ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَخَذَ مِنْهُ السَّلَبَ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : يَا خَالِدُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ ، قُلْتُ لَتَرُدَّنَّهُ عَلَيْهِ أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرُدَّهُ ،

فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْيَمَنِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا خَالِدُ ، ارْدُدْهُ عَلَيْهِ ، قَالَ عَوْفٌ : فَقُلْتُ يَا خَالِدُ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا ذَاكَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ فَغَضِبَ وَقَالَ : يَا خَالِدُ لَا تَرُدَّهُ عَلَيْهِ ، هَلْ أَنْتَمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي ؟ لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ " . قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : فَلَوِ اسْتَحَقَّهُ الْقَاتِلُ لَمَا اسْتَجَازَ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ لِغَضَبٍ وَلَا غَيْرِهِ ، قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَوْفٍ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو قَتَلَا أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَبَهُ مُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو ، فَلَوْ كَانَ لِلْقَاتِلِ مَا خَصَّ بِهِ أَحَدَهُمَا . وَاسْتَدَلُّوا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ بِأَنْ قَالُوا : كُلُّ مَالٍ يُسْتَحَقُّ بِالتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ اسْتِحْقَاقُهُ بِشَرْطِ الْإِمَامِ كَالنَّفْلِ ، وَلِأَنَّ السَّلَبَ لَوِ اسْتُحِقَّ بِالْقَتْلِ لَوَجَبَ إِذَا قَتَلَ وَلِيًّا ، أَوْ رَمَاهُ مِنْ صِفَةٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ أَنْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ مَعَ وُجُودِ الْقَتْلِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْقَتْلِ ، وَلِأَنَّ السَّلَبَ لَوْ صَارَ بِالْقَتْلِ مِلْكًا لِلْقَاتِلِ لَوَجَبَ إِذَا وُجِدَ قَتِيلًا عَلَيْهِ سَلَبٌ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ أَلَّا يَغْنَمَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مِلْكًا لِمُسْلِمٍ لَا يُعْرَفُ وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى قِسْمَةٍ فِي الْغَنِيمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْقَتْلِ . وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ : مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ كَافِرًا فَأَخَذَ أَسَلَابَهُمْ . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ شَرْعٍ بَيِّنٍ فِيهِ فَاسْتُحِقَّ بِهِ السَّلَبُ وَهُوَ الْقَتْلُ ، وَاعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي حَمَدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ قَالَ : فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُلْتُ لَهُ : مَا بَالُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ فَجَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ وَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ فَجَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ

رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهْ عَنِّي ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا هَا اللَّهِ إِذَنْ لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : فَأَعْطَانِيهِ ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلَمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ وَإِجَازَةِ الْغَنِيمَةِ وَبَعْدَ قَتْلِ أَبِي قَتَادَةَ لِلْكَافِرِ ، فَعَلِمَ أَنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِالْقَتْلِ لَا بِالشَّرْطِ ، فَإِنْ حَمَلُوا عَلَى شَرْطِ تَقَدُّمٍ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ إِثْبَاتُ مَا لَمْ يُنْقَلْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ بَيَانُ شَرْعٍ وَإِنْ تَقَدَّمَ كَمَا يَكُونُ بَيَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ سَبَبٍ عُلِّقَ عَلَيْهِ حُكْمٌ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ شَرْطٌ لَأَخَذَهُ أَبُو قَتَادَةَ وَلَمْ يَدَّعِيهِ ، أَوْ لَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ عَلَى قَتْلِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ بَالْبَيِّنَةِ وَقَدْ أَعْطَاهُ أَبَا قَتَادَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ نَفْلًا لَاحِقًا ، فَعَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَنْ كَانَ يَدُهُ عَلَى السَّلَبِ فَقَدْ صَدَّقَهُ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَيِّنَةٍ . وَالثَّانِي : رُوِيَ أَنَّهُ شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ اثْنَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَالٌ مَغْنُومٌ ، يُسْتَحَقُّ بِسَبَبٍ لَا يَفْتَقِرُ تَقْدِيرُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، فَوَجَبَ أَلَّا يُعْتَبَرَ فِيهِ شَرْطُ الْإِمَامِ كَسَهْمِ الْغَانِمِينَ طَرْدًا أَوِ النَّفْلِ عَكْسًا ، وَلِأَنَّهُ ذُو سَهْمٍ تَحَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِ كَافِرٍ فَقَاتَلَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ إِذَا شَرَطَهُ الْإِمَامُ لَهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ السَّلَبَ خَارِجٌ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] وَلَيْسَ السَّلَبُ مَا غَنِمُوهُ وَإِنَّمَا غَنِمَهُ أَحَدُهُمْ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ نَفْسَ الْإِمَامِ - إِمَامِ الْأَئِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ طَابَتْ بِهِ فَكَانَتْ أَوْكَدَ مِنْ أَنْ تَطِيبَ بِهِ نَفْسُ إِمَامٍ مِنْ بَعْدِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَامٌّ يُحْمَلُ عَلَى النَّفْلِ وَيُخَصُّ مِنْهُ السَّلَبُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ عَوْفًا وَخَالِدًا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ ، وَلَكِنِ اسْتَكْثَرَهُ خَالِدٌ وَاسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ لَا يَسْقُطُ بِالْكَثْرَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّ عَوْفًا حِينَ أَخْبَرَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ عَنِ الشَّرْطِ .

وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ أَمَرَ خَالِدًا بِرَدِّهِ عَلَى الْقَاتِلِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ لِخَالِدٍ حِينَ غَضِبَ " لَا تَرُدَّهُ " فَتَأْدِيبٌ مِنْهُ لِعَوْفٍ حَتَّى لَا يَنْبَسِطَ الرَّعَايَا عَلَى الْأُمَرَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّهُ مِنْ بَعْدُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِعْطَائِهِ سَلَبَ أَبِي جَهْلٍ لِأَحَدِ قَاتِلِيهِ فَالْمَرْوِيُّ أَنَّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ أَثْخَنَا أَبَا جَهْلٍ جِرَاحًا وَخَرَّ صَرِيعًا فَأَتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لِيَجُزَّ رَأْسَهُ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ رُوَيْعِينَا بِالْأَمْسِ فَمَكِّنْ يَدَيْكَ وَجُزَّ الرَّقَبَةَ مَعَ الرَّأْسِ إِذَا لَقِيتَ أُمَّكَ فَأَخْبِرْهَا أَنَّكَ قَتَلْتَ أَبَا الْحَكَمِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ رَأْسَهُ مَعَ الرَّقَبَةِ وَكَانَ قَصْدُ أَبِي جَهْلٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَبْهَى لِرَأْسِهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ أُمَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْتَقَ تِسْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِكَ . وَدَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ابْنَيْ عَفْرَاءَ أَوْ إِلَى أَحَدِهِمَا بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَثْخَنَهُ بِالْجِرَاحِ وَبِإِثْخَانِ الْمَقْتُولِ يُسْتَحَقُّ السَّلَبُ لَا بِإِمَاتَةِ نَفْسِهِ وَرُوحِهِ ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى النَّفْلِ فَالْمَعْنَى فِيهِ افْتِقَارُ النَّفْلِ إِلَى تَقْدِيرِ الْإِمَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ السَّلَبُ . وَأَمَّا الْجَوْبُ عَنْ قَوْلِهِمْ : لَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا بِالْقَتْلِ لَاسْتَحَقَّهُ إِذَا قَتَلَهُ مُوَلِّيًا أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ ، فَهُوَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ بِقَتْلٍ عَلَى صِفَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْقَاتِلِ مِغْرَارًا بِنَفْسِهِ وَيَكُفَّ شَرَّ الْمَقْتُولِ بِقَتْلِهِ وَهُوَ إِذَا رَمَاهُ لَمْ يُغَرِّرْ وَإِذَا قَتَلَهُ مُوَلِّيًا فَقَدْ كَفَّ الْمُوَلِّي شَرَّ نَفْسِهِ ، أَلَا تَرَاهُ لَوِ اسْتَحَقَّهُ بِشَرْطِ الْإِمَامِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ : لَوْ كَانَ السَّلَبُ مُسْتَحَقًّا بِالْقَتْلِ لَوَجَبَ أَلَّا يُغْنَمَ سَلَبُ مَقْتُولٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقُّ بِقَتْلٍ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يُغْنَمْ بِغَنِيمَةٍ فَيُمْنَعُ مِنْ قَسْمِهِ ؛ فَلِذَلِكَ قُسِّمَ أَلَا تَرَى لَوْ شَرَطَهُ الْإِمَامُ لَكَانَ مَغْنُومًا إِذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ مُسْتَحِقَّهُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَلَى صِفَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا السَّلَبَ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى تَخْمِيسِ السَّلَبِ بِقَوْلِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَغْنُومٌ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْغَنَائِمِ ، وَدَلِيلُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ مِنْ إِعْطَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّلَبَ مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ . وَرُوِيَ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَتَلَ رَجُلًا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَتَلَهُ ؟ قَالُوا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ : لَهُ سَلَبُهُ " . وَهَذَا نَصٌّ . وَرَوَى سُفْيَانُ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ : قَتَلْتُ رَجُلًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَبَلَغَ سَلَبُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَنَفَّلَنِيهِ سَعْدٌ ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْغَنِيمَةِ أَقْوَى مِنْ أَهْلِ الْخُمُسِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا كَثْرَةُ سَهْمِهِمْ ، وَالثَّانِي حُضُورُهُمُ الْوَقْعَةَ مَعَ الْقَاتِلِ ، ثُمَّ كَانُوا مَعَ قُوَّتِهِمْ لَا يُشَارِكُونَ الْقَاتِلَ فِي السَّلَبِ ، فَلَأَنْ لَا يُشَارِكَهُ أَهْلُ الْخُمُسِ الَّذِينَ هُمْ أَضْعَفُ أَوْلَى ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ قَدْ مَضَى وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ مَدْفُوعٌ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ .



فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ فَهُوَ لَهُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : هُوَ لَهُ مِنَ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُعَدِّ لِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ ، فَإِنْ زَادَ السَّلَبُ عَلَيْهِ رُدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى الْقِسْمَةِ اعْتِبَارًا بِالنَّفْلِ الْمُسْتَحَقِّ مِنَ الْخُمُسِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ قَتِيلَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَبَهُ لَهُ أَجْمَعَ - وَكَانَ جَمِيعَ الْغَنِيمَةِ - ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْنَمْ سِوَاهُ ، وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا شَرْطٍ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ دُونَ الْخُمُسِ كَالسِّهَامِ وَخَالَفَ النَّفْلَ الَّذِي لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ أَوْ شَرْطٍ .

فَصْلٌ : فَإِذَا صَحَّ مَا وَصَفْنَا مِنَ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ : هَلْ هُوَ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ وَلِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بَيَانٌ نَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " فَالَّذِي لَا أَشُكُّ فِيهِ أَنْ يُعْطَى السَّلَبُ مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا مُقْبِلًا مُقَاتِلًا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ قَتَلَهُ مُبَارِزًا أَوْ غَيْرَ مُبَارِزٍ ، وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَبَ مَرْحَبٍ مَنْ قَتَلَهُ مُبَارِزًا ، وَأَبُو قَتَادَةَ غَيْرُ مُبَارِزٍ ، وَلَكِنَّ الْمَقْتُولَيْنِ مُقْبِلَانِ ، وَلِقَتْلِهِمَا مُقْبِلَيْنِ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ مُؤْنَةٌ لَيْسَتْ لَهُ إِذَا انْهَزَمُوا ، أَوِ انْهَزَمَ الْمَقْتُولُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ " يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْدَمَا قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ الرَّجُلَ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ حُكْمٌ عِنْدِنَا ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَلَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَدَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ ، فَإِنَّ سَلَبَهُ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَقَتَلَهُ آخَرُ فَإِنَّ سَلَبَهُ لِلْآخَرِ ، وَلَوْ قَتَلَهُ اثْنَانِ كَانَ سَلَبُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَهَذَا صَحِيحٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ فَاسْتِحْقَاقُ الْقَاتِلِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَكُونَ الْحَرْبُ قَائِمَةً وَالْقِتَالُ مُسْتَمِرًّا اسْتِحْقَاقُ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ ، فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَانْجِلَاءِ الْوَاقِعَةِ فَلَا سَلَبَ لَهُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مُقْبِلًا عَلَى الْحَرْبِ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ يُقَاتِلُ أَوْ لَا يُقَاتِلُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَهُوَ رَدٌّ لِمَنْ تَقَاتَلَ ، فَأَمَّا إِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ مُوَلٍّ عَنِ الْحَرْبِ تَارِكٌ لَهَا ، فَلَا سَلَبَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَّ ، فَيَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ كَرٌّ وَفَرٌّ ، لَكِنْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ مِنْ أَمَامِهِ أَوْ مِنْ وَرَائِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ سَلَبِهِ ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَتَلَ الْمُشْرِكَ الَّذِي أَخَذَ سَلَبَهُ مِنْ وَرَائِهِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ فِي قَتْلِهِ مُغَرِّرًا بِنَفْسِهِ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ إِمَّا بِأَنْ يَقْتُلَهُ مُبَارَزَةً أَوْ غَيْرَ مُبَارَزَةٍ ، وَإِذَا خَرَجَ الْقَاتِلُ عَنْ صَفِّهِ فَغَرَّرَ ، فَأَمَّا إِذَا قَتَلَهُ مِنَ الصَّفِّ بِسَهْمٍ رَمَاهُ فَلَا سَلَبَ لَهُ .

وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مُمْتَنِعًا بِسَلَامَةِ جِسْمِهِ حَتَّى قُتِلَ لِيَكُونَ فِي الْقَتْلِ كَفٌّ لِشَرِّهِ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ صَارَ بِجِرَاحٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَسَلَبُهُ لِمَنْ كَفَّهُ وَمَنَعَهُ دُونَ مَنْ قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى سَلَبَ أَبِي جَهْلٍ ابْنَ عَفْرَاءَ دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّهُمَا صَرَعَاهُ فَجَرَحَاهُ وَكَفَّاهُ عَنِ الْقِتَالِ وَصِفَةُ الْكَفِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ أَنْ يَجْتَمِعَ شَرْطَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَنَالَهُ مِنَ الْجِرَاحِ مَا يَعْجِزُ مَعَهُ عَنِ الْقِتَالِ فَيَصِيرُ بِهِ مَكْفُوفَ الشَّرِّ ، وَسَوَاءٌ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الْأَرْبَعَةَ أَوْ بَعْضَهَا ، أَوْ كَانَ الْجِرَاحُ فِي غَيْرِ أَطْرَافِهِ ، وَقَدْ رَوَى الْمُزَنِيُّ : " وَلَوْ ضَرَبَهُ فَقَدَّ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ ، فَإِنَّ سَلَبَهُ لِلْأَوَّلِ " . وَرَوَى الرَّبِيعُ : " وَلَوْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ " وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِيمَا يَصِيرُ بِهِ مَكْفُوفًا كَمَا وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِأَنْ يَصِيرَ بِالْجِرَاحِ عَاجِزًا عَنِ الْقِتَالِ صَرِيعًا . وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَلَّا تَطُولَ بِهِ مُدَّةُ الْحَيَاةِ بَعْدَ الْجِرَاحِ ، فَيُكْفَى شَرَّ رَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ فَيَصِيرُ بِاجْتِمَاعِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ سَلَبُهُ لِلْجَارِحِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي الْقَاتِلِ . وَأَمَّا إِنْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً لَا تَطُولُ مُدَّةُ الْحَيَاةِ بَعْدَهَا لَكِنَّهُ قَدْ يُقَابِلُ مَعَهُ هل يستحق القاتل السلب ؟ ، فَلَا سَلَبَ لِجَارِحِهِ ؛ لِأَنَّ مَا كَفَى شَرَّ قِتَالِهِ وَالسَّلَبُ لِقَاتِلِهِ ، وَلَوْ نَالَهُ بِالْجِرَاحِ مَا كَفَّهُ عَنِ الْقِتَالِ وَأَعْجَزَهُ عَنْهُ أَبَدًا ، لَكِنْ طَالَتْ بِهِ مُدَّةُ الْحَيَاةِ بَعْدَهُ فَفِي سَلَبِهِ قَوْلَانِ مِنْ قَتْلِ الشُّيُوخِ : أَحَدُهُمَا : السَّلَبُ لِجَارِحِهِ دُونَ قَاتِلِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الشُّيُوخَ وَالرُّهْبَانَ لَا يُقْتَلُونَ . وَالثَّانِي : لِقَاتِلِهِ دُونَ جَارِحِهِ إِذَا قِيلَ يُقْتَلُونَ ، فَهَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرْنَا يُسْتَحَقُّ السَّلَبُ بِهَا وَقَالَ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ : " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ " وَهَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى سَلَبَ أَبِي جَهْلٍ لِابْنِ عَفْرَاءَ دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِنْ كَانَ قَاتِلًا وَقِيلَ : إِنَّهُ تَقَلَّدَ مِنْهُ سَيْفَهُ وَحْدَهُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَالسَّلَبُ الَّذِي يَكُونُ لِلْقَاتِلِ كُلُّ ثَوْبٍ يَكُونُ عَلَيْهِ وَسِلَاحُهُ وَمِنْطَقَتُهُ وَفَرَسُهُ إِنْ كَانَ رَاكِبَهُ ، أَوْ مُمْسِكَهُ وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ يَدِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَ السَّلَبُ مُسْتَحَقًّا بِالْقَتْلِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ انْتَقَلَ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : أَحَدُهَا : فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ مِنَ الْقَاتِلِينَ . الثَّانِي : فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ عَنِ الْمَقْتُولِينَ . وَالثَّالِثُ : فِيمَا يَكُونُ سَلَبًا مُسْتَحَقًّا بِالْقَتْلِ . فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ : الْقَاتِلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ من هو فَهُوَ كُلُّ ذِي سَهْمٍ فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ فَلَهُ سَلَبُ قَتِيلِهِ . فَأَمَّا مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ فَضَرْبَانِ :

أَحَدُهُمَا : مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ لِكُفْرِهِ . وَالثَّانِي : لِنَقْصِهِ . فَأَمَّا مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ بِكُفْرِهِ كَالْمُشْرِكِ إِذَا قَتَلَ مُشْرِكًا فَلَا سَلَبَ لَهُ إِنْ قُتِلَ ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ غَنِيمَةٌ نَقَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَلَ عَنْهُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَإِنَّمَا يُعْطَوْنَ إِذَا قَاتَلُوا أَجْرًا مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ لَا سَهْمًا مِنَ الْغَنِيمَةِ . وَأَمَّا مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ لِنَقْصِهِ كَالْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمْ فِي السَّلَبِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي السَّلَبِ ، هَلْ هُوَ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيَهُ الْقَاتِلُ عَبْدًا كَانَ أَوْ صَبِيًّا أَوِ امْرَأَةً ؟ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ لَمْ يُعْطَ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانُوا قَاتِلِينَ ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَ السَّهْمِ مِنَ الْغَنِيمَةِ مُسْتَحَقٌّ لِمُجَرَّدِ الْحُضُورِ ، فَلَمَّا ضَعُفُوا عَنْ تَمَلُّكِهِ كَانُوا عَنْ تَمَلُّكِ السَّلَبِ أَضْعَفَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ مِنَ الْمَقْتُولِينَ فَهُمْ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مُقَاتِلَةٌ وَمَنْ دُونَهُمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ مِنَ الشُّيُوخِ وَالرُّهْبَانِ . فَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَسَلَبُ مَنْ قُتِلَ سَهْمٌ لِقَاتِلِهِ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ مُبَاحٌ لَهُ سَوَاءٌ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا ، وَأَمَّا الذُّرِّيَّةُ وَهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، فَإِنْ قَاتَلُوا كَانَ قَتْلُهُمْ مُبَاحًا وَلِلْقَاتِلِ سَلَبُ مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا حَرُمَ قَتْلُهُمْ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَلَا سَلَبَ لِقَاتِلِهِمْ ؛ لِحَظْرِ قَتْلِهِمْ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يَكُونُ مَغْنُومًا ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مُشْرِكٍ . وَأَمَّا الشُّيُوخُ وَالرُّهْبَانُ فَإِنْ قَاتَلُوا جَازَ قَتْلُهُمْ وَكَانَ لِلْقَاتِلِ سَلَبُ مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا فَفِي جَوَازِ قَتْلِهِمْ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ سَلَبُهُمْ لِلْقَاتِلِ . وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ، فَعَلَى هَذَا لَا سَلَبَ لِقَاتِلِهِمْ وَيَكُونُ مَغْنُومًا .

فَصْلٌ الْقَوْلُ فِيمَا يَكُونُ السَّلَبُ

فَصْلٌ : [ الْقَوْلُ فِيمَا يَكُونُ السَّلَبُ ] وَأَمَّا مَا يَكُونُ سَلَبًا فَمَا ظُهِرَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْعَةِ مِنْ مَالِ الْمَقْتُولِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَكُونُ سَلَبًا وَهُوَ مَا كَانَ رَاكِبَهُ مِنْ فَرَسِهِ أَوْ بَعِيرٍ ، وَمُسْتَجِنًّا بِهِ مِنْ دِرْعٍ وَمِغْفَرٍ وَمُتَّقٍ بِهِ مِنْ تُرْسٍ وَدَرَقَةٍ وَمُقَاتِلٍ بِهِ مِنْ سَيْفٍ أَوْ رُمْحٍ ، فَهَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا عَلَى الْفَرَسِ مِنْ سَرْجٍ وَلِجَامٍ وَمَا عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ حُلِيٍّ وَلِبَاسٍ سَلَبٌ يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : مَا لَا يَكُونُ سَلَبًا وَيَكُونُ غَنِيمَةً وَهُوَ مَا فِي رَحْلِهِ مِنْ مَالٍ وَرَحْلٍ وَسِلَاحٍ وَخَيْلٍ ، فَهَذَا كُلُّهُ غَنِيمَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الْجَيْشِ وَلَا يَخْتَصُّ الْقَاتِلُ بِشَيْءٍ مِنْهُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ فِي الْمَعْرَكَةِ قُوَّةً عَلَى الْقِتَالِ

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُقَاتِلٍ بِهِ فِي الْحَالِ كَالْفَرَسِ الَّذِي بِجَنْبِهِ عُدَّةٌ لِقِتَالِهِ ، أَوْ هِمْيَانِ النَّفَقَةِ الَّذِي فِي وَسَطِهِ قُوَّةً لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى قِتَالِهِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ سَلَبًا ؛ لِأَنَّهُ قُوَّةٌ لَهُ عَلَى قِتَالِنَا ، فَصَارَ كَالَّذِي يُقَاتِلُ بِهِ . وَالثَّانِي : يَكُونُ غَنِيمَةً وَلَا يَكُونُ سَلَبَا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَاتِلٍ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ قُوَّةً لَهُ كَالَّذِي فِي رَحْلِهِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَسَرَ الْمُسْلِمُ مُشْرِكًا غَرَّرَ بِنَفْسِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فِي أَسْرِهِ وَلَمْ يَقْتُلْهُ هل له سلبه ؟ فَفِي اسْتِحْقَاقِ سَلَبِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَسْتَحِقُّهُ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَهَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَا كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَسْرِهِ هل للقاتل سلبه ؟ ، فَإِنْ كَانَ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَسْتَحِقُّهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْهُ فِي وَقْتِ الْحَرْبِ . وَالثَّانِي : لَا سَلَبَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ قَدِ انْقَطَعَ حُكْمُهَا بِانْقِضَائِهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَلَبَ أَسْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ ؛ لِأَنَّ تَغْرِيرَهُ لِنَفْسِهِ فِي الْأَسْرِ أَعْظَمُ ، وَلِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَسْرِ فَهُوَ عَلَى الْقَتْلِ أَقْدَرُ ، فَإِنْ سَلَّمَهُ إِلَى الْإِمَامِ حَيًّا أَعْطَاهُ الْإِمَامُ سَلَبَهُ وَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ ، أَوْ يَمُنَّ عَلَيْهِ ، أَوْ يَسْتَرِقَّهُ ، أَوْ يُفَادِيَ ، فَإِنْ قَتَلَهُ أَوْ مَنَّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلَّذِي أَسَرَهُ غَيْرُ سَلَبِهِ ، وَإِنِ اسْتَرَقَّهُ أَوْ فَادَى بِهِ عَلَى مَالٍ كَانَ حُكْمُ اسْتِرْقَاقِهِ وَمَالِ فِدَائِهِ كَحُكْمِ السَّلَبِ ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : غَنِيمَةٌ إِذَا قُلْنَا إِنَّ السَّلَبَ مَغْنُومٌ . وَالثَّانِي : لِمَنْ أَسَرَهُ إِذَا قُلْنَا إِنَّ السَّلَبَ لِمَنْ أَسَرَهُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَالنَّفْلُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَنِيمَةٍ قِبَلَ نَجْدٍ بَعِيرًا بَعِيرًا . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : كَانُوا يُعْطَوْنَ النَّفْلَ مِنَ الْخُمُسِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - : نَفَّلَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خُمُسِهِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِسَائِرِ مَالِهِ فِيمَا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا سِوَى سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَمِيعِ الْخُمُسِ لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ إِذَا كَثُرَ الْعَدُوُّ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ وَقَلَّ مَنْ بِإِزَائِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَيُنَفِّلُ مِنْهُ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا لَمْ يَفْعَلْ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّفْلِ فِي الْبَدَاءَةِ وَالرَّجْعَةِ : الثُّلُثُ فِي وَاحِدَةٍ وَالرُّبُعُ فِي الْأُخْرَى ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ نَفَّلَ نِصْفَ السُّدُسِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْلِ حَدٌّ لَا يُجَاوِزُهُ الْإِمَامُ وَلَكِنْ عَلَى الِاجْتِهَادِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ .

قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ النَّفْلَ فِي كَلَامِهِمْ هُوَ زِيَادَةٌ مِنَ الْخَيْرِ ، وَهُوَ هَاهُنَا الزِّيَادَةُ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُخْتَصُّ بِهَا بَعْضُ الْغَانِمِينَ دُونَ بَعْضٍ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : السَّلَبُ ، يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ . وَالثَّانِي : مَا دَعَى إِلَى التَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الظَّفَرِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ : مَنْ يُقَدَّمْ فِي السَّرَايَا إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا ، وَمَنْ فَتَحَ هَذِهِ الْقَلْعَةَ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ مَنْ قَتَلَ فُلَانًا فَلَهُ كَذَا أَوْ مَنْ أَقَامَ كَمِينًا فَلَهُ كَذَا ، فَهَذَا جَائِزٌ ، سَوَاءً جَعَلَ مَا بَذَلَهُ مُقَدَّرًا فِي الْغَنِيمَةِ كَقَوْلِهِ فَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ ، أَوْ جَعَلَهُ شَائِعًا فِي الْغَنِيمَةِ كَقَوْلِهِ فَلَهُ رُبْعُ الْغَنِيمَةِ ، أَوْ ثُلُثُهَا ، أَوْ جَعَلَهُ مُقَدَّرًا بِالسَّهْمِ فِيهَا كَقَوْلِهِ فَلَهُ نِصْفُ مِثْلِ سَهْمٍ ، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ، ثُمَّ نَفَلُوا بَعِيرًا . وَرَوَى زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بُدَائِهِ . وَرَوَى مَكْحُولٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْفُلُ فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبُعَ وَفِي الرُّجْعَةِ الثُّلُثَ . وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْبُدَاءَةَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِإِنْفَاذِ سَرِيَّةٍ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَجَعَلَ لَهَا الرُّبُعَ وَالرُّجْعَةَ أَنْ يُنْفِذَ بَعْدَهَا سَرِيَّةً ثَانِيَةً فَيَجْعَلُ لَهَا الثُّلُثَ فَيَزِيدُ الثَّانِيَةَ : لِأَنَّهَا تَدْخُلُ بَعْدَ عِلْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْأُولَى . وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : أَنَّ الْبُدَاءَةَ أَنْ يُنْفِذَ سَرِيَّةً فِي ابْتِدَاءِ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ فَيَجْعَلُ لَهَا الرُّبُعَ ، وَالرُّجْعَةَ أَنْ يُنْفِذَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنْ دَارِ الْحَرْبِ فَيَجْعَلُ لَهَا الثُّلُثَ : لِأَنَّهَا بِرُجُوعِ الْجَيْشِ أَكْثَرُ تَغْرِيرًا مِنَ الْأُولَى . وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْبُدَاءَةَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُ : مَنْ يَفْتَحُ هَذَا الْحِصْنَ وَلَهُ الرُّبُعُ إِمَّا مِنْ غَنَائِمِهِ وَإِمَّا مِثْلُ رُبْعِ سَهْمِهِ ، فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ فَيَرْجِعَ فَيَقُولُ ثَانِيَةً : مَنْ يَفْتَحُهُ وَلَهُ الثُّلُثُ فَيُجَابُ إِلَيْهِ ؛ فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بُدَاءَةً وَالثَّانِي رُجْعَةً ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ يَتَحَدَّدُ الْأَقَلُّ فِي الْبُدَاءَةِ بِالرُّبُعِ : لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّهُ نَفَلَ نِصْفَ السُّدُسِ بَعِيرًا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَا يَتَحَدَّدُ الْأَكْثَرُ فِي الرُّجْعَةِ بِالثُّلُثِ : لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ ، وَكَانَ تَقْدِيرُهُ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ مُوكَلًا

إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، وَلَوْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنْ يَبْذُلَ فِي الْبُدَاءَةِ بِدُخُولِهِ الْحَرْبَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَبْذُلُهُ فِي الرُّجْعَةِ مِنْهُمَا : لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي الْبُدَاءَةِ مُتَوَفِّرُونَ وَفِي الرُّجْعَةِ مَهْزُومُونَ جَازَ . ثُمَّ يَكُونُ هَذَا النَّفْلُ الَّذِي جُعِلَ لَهُمْ فِي الْبُدَاءَةِ وَالرُّجْعَةِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَصْرُوفُ بَعْدَهُ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ لِرِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يُعْطَوْنَ النَّفْلَ مِنَ الْخُمُسِ ، يَعْنِي : خُمُسَ الْخُمُسِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَبْذُولٌ فِي الْمَصَالِحِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَصَالِحِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّرَ بِشَرْطِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ بِخِلَافِ السَّلَبِ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْغَنِيمَةِ بِخِلَافِ السَّلَبِ . وَحَكَى ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلًا ثَانِيًا : أَنَّهُ كَالرَّضْخُ الْمُسْتَحَقُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ : لِأَنَّ الرُّبُعَ فِي الْبُدَاءَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرُّجْعَةِ أَكْثَرُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ : لِأَنَّ الثُّلُثَ سَهْمٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَخُمُسَ الْخُمُسِ سَهْمٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ . وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ تَأْوِيلَانِ ، وَهُمَا لَهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَعَلَ الرُّبُعَ فِي الْبُدَاءَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرُّجْعَةِ مِمَّا اخْتَصَّتْ تِلْكَ السَّرِيَّةُ بِغَنِيمَةٍ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خُمُسَ خُمُسِ جَمِيعِ الْغَنَائِمِ ، ثُمَّ الَّتِي أَجَازَهَا جَمِيعَ الْخُمُسِ وَأَقَلَّ مِنْهُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى خُمُسِ الْخُمُسِ تَمَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِ الَّتِي خُصَّ بِهَا ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ وَخُمُسُ خُمُسِهِ وَمَا يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ .

فَصْلٌ : وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : مِنَ النَّفْلِ وَهُوَ الرَّضْخُ وَالرَّضْخُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يَرْضَخُ بِهِ الْإِمَامُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الْوَقْعَةَ . وَالثَّانِي : مَا يَرْضَخُ بِهِ لِمَنِ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ فِي الْحَرْبِ مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ ، زِيَادَةً عَلَى سَهْمِهِ لِحُسْنِ أَثَرِهِ ، وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ الزَّائِدِ سَهْمَ فَارِسٍ وَلَا رَاجِلٍ ؛ فَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ وَنَفَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ وَنَفَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَكَانَ يُسَمَّى ذَا الْكَاشِفَةِ . وَفِي الرَّضْخِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ . وَالثَّانِي : مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .

فَصْلٌ : وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنَ النَّفْلِ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ قَبْلَ اللِّقَاءِ : مَنْ غَنِمَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ . تَحْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا يُخَافُ مِنْ كَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ - أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ كُلِّ إِنْسَانٍ بِمَا أَخَذَهُ ، وَالْوَاجِبُ رَدُّ جَمِيعِهِ إِلَى الْمَغْنَمِ وَإِخْرَاجُ خُمُسِهِ وَقِسْمَةُ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ فِي جَمِيعِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَهَذَا الشَّرْطُ لَازِمٌ ، وَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَلَا يُخَمَّسُ : لِأَنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَزَوْا وَبِهِ رَضَوْا .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ كَانَ مَذْهَبًا ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَهُ قَوْلًا لَهُ ثَانِيًا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ . وَدَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَصَحِّ فِي أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا حُكْمَ لَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمُسْنَدًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ " ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا بَعْضُهُمْ ، وَلِأَنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ الْغَنِيمَةَ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْإِمَامِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ لِشَرْطِ الْإِمَامِ كَمَا لَوْ شَرَطَهَا لِغَيْرِ الْقَائِمِينَ . فَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ : " مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ " ، فَلَيْسَ بِثَابِتٍ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ : لِأَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ ، حَتَّى جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ بَدْرٍ لِمَنْ شَهِدَهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ تَفْرِيقِ الْغَنِيمَةِ

بَابُ تَفْرِيقِ الْغَنِيمَةِ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " كُلُّ مَا حُصِّلَ مِمَّا غُنِمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قُسِّمَ إِلَّا الرِّجَالَ الْبَالِغِينَ فَالْإِمَامُ فِيهِمْ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَمُنَّ ، أَوْ يَقْتُلَ ، أَوْ يُفَادِيَ ، أَوْ يَسْبِيَ . وَسَبِيلُ مَا سُبِيَ ، أَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ مِنْ شَيْءٍ عَلَى إِطْلَاقِهِمْ سَبِيلُ الْغَنِيمَةِ . وَفَادَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ هِيَ أَمْوَالٌ مَنْقُولَةٌ وَقِسْمٌ هِيَ أَرْضٌ ثَابِتَةٌ وَقِسْمٌ هُمْ آدَمِيُّونَ مَقْهُورُونَ . فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْمَنْقُولَةُ : كَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالسِّلَاحِ وَالْآلَةِ وَالْعُرُوضِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ ؛ فَالْوَاجِبُ إِخْرَاجُ خُمُسِهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، ثُمَّ يُقَسَّمُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ شَهِدَ الْوَاقِعَةِ بِالسَّوِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ إِلَّا مَا اسْتَحَقَّهُ الْفَارِسُ بِفَرَسِهِ ، وَلَا يُفَضِّلُ ذَا شَجَاعَةٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا مَنْ قَاتَلَ عَلَى مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، وَلَا يُعْطِي مِنَ الْغَنِيمَةِ مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الْوَاقِعَةَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَسْمِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْوَاقِعَةَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاضَلَ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَنَائِمِ حُنَيْنٍ . وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ مِنْهَا مَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمُ ؛ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ لِثَمَانِيَةٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ الْخُمُسِ لِمَنْ غَنِمَ ، كَمَا قَالَ : وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [ النِّسَاءِ : 11 ] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَبِ ؛ إِذِ اقْتَضَتِ الْآيَةُ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِلْغَانِمِينَ ؛ أَوْجَبَ بِذَلِكَ التَّسْوِيَةَ مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِالتَّفْضِيلِ وَأَنْ لَا يُشَارِكَهُمْ غَيْرُهُمْ لِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ مِنَ الْمَغْنَمِ جُبَّةَ غَزْلٍ مِنْ شَعْرٍ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْذَعَةَ بَعِيرِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا مَا كَانَ لِيَ وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

فَهُوَ لَكَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا إِذْ بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلَا أَرَبَ لِي بِهَا ؛ فَلَوْ جَازَ التَّفْضِيلُ لَفَضَّلَ بِهَذَا الْقَدْرِ الْيَسِيرِ ؛ وَلِأَنَّ مَا اشْتَرَكُوا فِي سَبَبِ تَمَلُّكِهِ أَوْجَبَ تَسَاوِيَهُمْ فِي مِلْكِهِ كَالِاشْتِرَاكِ فِي صَيْدٍ وَاحْتِشَاشٍ . فَأَمَّا تَفْضِيلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ فِي غَنَائِمِ حُنَيْنٍ ، فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، فَأَلَّفَ عَدَدًا مِنْهُمْ ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِائَةِ بَعِيرٍ ، مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ، وَاسْتَعْتَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ فَقَالَ : أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيـ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْطَعُوا لِسَانَهُ عَنِّي . وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ بَعِيرًا . وَكَانَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ إِمَّا مِنْ سَهْمِهِ مِنَ الْخُمُسِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ بِحُنَيْنٍ مَعَ ثَمَانِيَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَانْهَزَمَ جَمِيعُ النَّاسِ : فَصَارَتْ جَمِيعُ الْغَنَائِمِ لَهُ ، فَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ وَتَأَلَّفَ بِهَا مَنْ شَاءَ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ - حِينَ رَأَوْهُ قَدْ تَأَلَّفَ قُرَيْشًا - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَزَمَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، إِنَّكُمْ لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَنْصَرِفُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالُوا : رَضِينَا . فَكَانَ مَا فَعَلَهُ مِنَ التَّفْضِيلِ بِحُنَيْنٍ مَحْمُولًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَأَمَّا غَنَائِمُ بَدْرٍ فَكَانَتْ خَالِصَةً لَهُ فَوَضَعَهَا فِيمَنْ شَاءَ مِنْ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ عَلَى تَسَاوٍ وَتَفْضِيلٍ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا مَا لَا يُنْفَلُ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ فَحُكْمُهُ عِنْدَنَا حُكْمُ الْأَمْوَالِ الْمَنْفُولَةِ ، يَكُونُ خُمُسُهُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ ، وَتُقَسَّمُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْإِمَامُ فِي الْأَرَضِينَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمَهَا عَلَى الْغَانِمِينَ ، أَوْ يُقَسِّمَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ يُقِرَّهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا الْمُشْرِكِينَ بِخَرَاجٍ يَضْرِبُهُ عَلَيْهَا وَجِزْيَةٍ عَلَى رِقَابِ أَهْلِهَا ، تَصِيرُ خَرَاجًا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ لَا تَسْقُطُ عَنْ رِقَابِهِمْ . وَقَالَ مَالِكٌ : قَدْ صَارَتْ بِالْغَلَبَةِ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ . فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا فَتَحَ أَرْضَ السَّوَادِ ، أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، فَشَاوَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - فَقَالَ دَعْهَا تَكُونُ عُدَّةً لِلْمُسْلِمِينَ ، فَتَرَكَهَا وَلَمْ يُقَسِّمْهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا فُتِحَتْ مِصْرُ وَكَانَ الْأَمِيرُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، قَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ اقْسِمْهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، فَقَالَ : لَا حَتَّى أَكْتُبَ إِلَى عُمَرَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ عُمَرُ دَعْهَا حَتَّى يَغْدُوَ

فِيهِمَا حَبَلُ الْحَبَلَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى خَرَاجِهَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ كَالرِّقَابِ . وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [ الْحَشْرِ : 15 ] ، فَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ مِنْهُمْ لِأَجْلِ مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ فُتُوحِ بِلَادِهِمُ الَّتِي اسْتَبْقَوْهَا وَقْفًا عَلَيْهِمْ ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً فَلَمْ يُقَسِّمْهَا وَقَسَّمَ غَنَائِمَ هَوَازِنَ وَلَمْ يُقَسِّمْ أَرْضَهُمْ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ وَقْفًا لَا يَجُوزُ أَنْ تُقَسَّمَ ، وَلِأَنَّ الْغَنَائِمَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا ؛ فَأَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأُمَّتِهِ ، وَالنَّارُ إِنَّمَا تَخْتَصُّ بِأَكْلِ الْمَنْقُولِ دُونَ الْأَرَضِينَ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَنْقُولِ بِالْغَنِيمَةِ الْمُسْتَبَاحَةِ دُونَ الْأَرَضِينَ . وَالدِّلَالَةُ عَلَيْهَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ الْأَنْفَالِ : 41 ] وَرَوَى مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ خَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْغَانِمِينَ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ ، مِنْهُمْ مِائَتَا فَارِسٍ أَعْطَى كُلَّ فَارِسٍ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ، فَكَانَ لَهُمْ سِتُّمِائَةِ سَهْمٍ وَلِأَلْفٍ وَمِائَتَيْ رَجُلٍ أَلْفٌ وَمِائَتَا سَهْمٍ : صَارَتْ جَمِيعُ السِّهَامِ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ فَقَسَّمَهَا عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ وَأَعْطَى كُلَّ مِائَةٍ سَهْمًا ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَلَكَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ ابْتَاعَهَا وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ مَا لَمْ أُصِبْ قَطُّ مِثْلَهُ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ : فَدَلَّتْ قِسْمَتُهَا وَابْتِيَاعُ عُمَرَ لَهَا لِمِائَةِ سَهْمٍ مِنْهَا عَلَى أَنَّهَا طِلْقٌ مَمْلُوكٌ وَمَالٌ مَقْسُومٌ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَهَرَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَقَسَّمَ عَقَارَهُمْ مِنَ الْأَرَضِينَ وَالنَّخِيلِ قِسْمَةَ الْأَمْوَالِ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : عُصْبَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَخُمُسُهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي إِنَّمَا قُرْبَةٌ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَغْنُومٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَسَّمَ كَالْمَنْفُولِ ، وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ بِهِ قِسْمَةُ الْمَنْفُولِ اسْتُحِقَّ بِهِ قِسْمَةُ غَيْرِ الْمَنْفُولِ كَالْمِيرَاثِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَاوَرَ عَلِيًّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَسْمِ السَّوَادِ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالتَّرْكِ ، فَهُوَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَسَمَ أَرْضَ السَّوَادِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، وَأَشْغَلُوهُ أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ رَأَى أَنَّ الْغَانِمِينَ قَدْ تَشَاغَلُوا بِهِ عَنِ الْجِهَادِ : فَاسْتَنْزَلَهُمْ عَنْهُ فَنَزَلُوا : وَتَرَكَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ وَأَكْثَرَ قَوْمِهِ وَكَانَتْ نَخِيلُهُ رُبُعَ النَّاسِ ، فَأَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ

يَنْزِلُوا فَعَاوَضَهُمْ عَنْهُ ، وَجَاءَتْهُ أُمُّ كُرْزٍ فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي شَهِدَ الْقَادِسِيَّةِ وَإِنَّهُ مَاتَ ، وَلَا أَنْزِلُ عَنْ حَقِّي إِلَّا أَنْ تُرْكِبَنِي نَاقَةً زَلُولًا عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ ، وَتَمْلَأَ كَفِّي ذَهَبًا ، فَفَعَلَ حَتَّى نَزَلَتْ عَنْ حَقِّهَا ، وَكَانَ قَدْرُ مَا مُلِئَ بِهِ كَفُّهَا ذَهَبًا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ مِثْقَالًا . فَلَوْلَا أَنَّ قِسْمَةَ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ ، وَأَنَّ أَمْلَاكَ الْغَانِمِينَ عَلَيْهَا مُسْتَقِرَّةٌ ؛ لَمَا اسْتَنْزَلَهُمْ عَنْهَا بِطِيبِ نَفْسٍ وَمُعَاوَضَةٍ . فَلَمَّا صَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ شَاوَرَ عَلِيًّا فِيهَا ، فَقَالَ : دَعْهَا تَكُونُ عُدَّةً لَهُمْ ، فَوَقَفَهَا عَلَيْهِمْ وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أُجْرَةٌ وَعِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ثَمَنٌ . وَأَمَّا أَرْضُ مِصْرَ فَبَعْضُ فُتُوحِهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ نِزَاعُ عَمْرٍو وَالزُّبَيْرِ فِي أَحَدِهِمَا ولَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَنِ الرِّقَابِ فَهُوَ أَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالْمَنْفُولِ ، فَإِنَّ عُمَرَ صَالَحَ نَصَارَى الْعَرَبِ عَلَى مُضَاعَفَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَاشِيهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ ؛ وَكَانَ ذَلِكَ خَرَاجًا بِاسْمِ الصَّدَقَةِ ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ قَسْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ كَذَلِكَ الْأَرَضُونَ ، ثُمَّ لَو سَلِمَ مِنْ هَذَا النَّقْصُ لَكَانَ الْمَعْنَى فِي الرِّقَابِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي وَقْتِ خِيَارِ الْإِمَامِ فِيهَا مَالًا ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ بِالِاسْتِرْقَاقِ مَالًا وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ خِيَارٌ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [ الْحَشْرِ : 10 ] ، فَهُوَ أَنَّ هَذَا مِنْهُمْ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَاهُ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِتَمْهِيدِ الْأَرْضِ لَهُمْ وَإِزَالَةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمْ وَنُصْرَةِ الدِّينِ بِجِهَادِهِمْ ، ثُمَّ بِمَا صَارَ إِلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِ الْفَيْءِ وَمَوَارِيثِ الْعَنْوَةِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ فَتْحِ مَكَّةَ فَهُوَ أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عِنْدَنَا صُلْحًا ، فَالْكَلَامُ فِي فَتْحِهَا يَأْتِي ، وَأَمَّا أَرْضُ هَوَازِنَ فَلَمْ تُغْنَمْ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ، وَإِنَّمَا قُوتِلُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا إِلَى حُنَينٍ وَأَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ فِي أَوْطَاسٍ ، فَلَمَّا أَظْفَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَسُبِيَتْ ذَرَارِيهِمْ ، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدْلُونَ إِلَيْهِ بِحُرْمَةِ الرَّضَاعِ : لِأَنَّ حَلِيمَةَ مُرْضِعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ مِنْ هَوَازِنَ ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا مَلَّحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ وَنَزَلْنَا مَعَهُ مَنْزِلَنَا مِنْكَ لَوَعَى ذَاكَ ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْكَفِيلَيْنِ . وَقَوْلُهُمْ مَلَّحْنَا : أَيْ : رَضَّعْنَا ، وَأَنْشَدَ شَاعِرُهُمْ : امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ فَقَالَ : اخْتَارُوا أَمْوَالَكُمْ أَوْ ذَرَارِيَكُمْ ، فَقَالُوا : خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَمْوَالِنَا وَأَحْسَابِنَا فَنَخْتَارُ أَحْسَابَنَا عَلَى أَمْوَالِنَا ، فَقَالَ : أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي هَاشِمٍ فَلِلَّهِ وَلَكُمْ ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ : وَأَمَّا مَا لَنَا فَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَكُمْ فَانْكَفَوْا إِلَى دِيَارِهِمُ الَّتِي لَا تُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ آمِنِينَ وَقَدْ أَسْلَمُوا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَكْلِ النَّارِ الْمَنْفُولِ دُونَ الْأَرَضِينَ ، فَكَانَ هُوَ الْمَغْنُومُ ، فَهُوَ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110