كتاب : الحاوي في فقه الشافعي
المؤلف : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي

فَأَمَّا النَّسَبُ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَأَنَّهُ لَاحِقٌ هَاهُنَا بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي . وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَهِيَ عِدَّتَانِ فَتَنْقَضِي عِدَّةُ الْأَوَّلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ لِلُحُوقِهِ بِهِ وَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الثَّانِي بَعْدَ مُدَّةِ النِّفَاسِ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ . وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ ، فَيَكُونُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ لِصِحَّةِ نِكَاحِهِ دُونَ الثَّانِي لِفَسَادِ نِكَاحِهِ ، فَإِذَا اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَلَيْسَ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا فِي مُدَّةِ اجْتِمَاعِهَا مَعَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ فِيهَا عَنْ عِدَّتِهِ ، وَفِرَاشٌ لِغَيْرِهِ فَإِنْ رَاجَعَ فِيهَا كَانَتِ الرَّجْعَةُ بَاطِلَةً ، فَإِذَا فَارَقَتِ الثَّانِي صَارَتْ دَاخِلَةً فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأَوَّلُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، فَإِذَا رَاجَعَهَا فَلَهُ حِينَ الرَّجْعَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَعْلَمَ فِي وَقْتِ الرَّجْعَةِ بِتَقَدُّمِ حَمْلِهَا عَلَى وَطْءِ الثَّانِي فَرَجْعَتُهُ صَحِيحَةٌ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَعْلَمَ تَحَمُّلَهَا وَقْتَ رَجْعَتِهَا ، وَلَا يَعْلَمَ تَقَدُّمَهُ عَلَى وَطْءِ الثَّانِي فَفِي صِحَّةِ رَجْعَتِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي إِطْلَاقِهِ أَنَّ الرَّجْعَةَ صَحِيحَةٌ ، لِأَنَّهَا صَادَفَتْ مُدَّةَ عِدَّتِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الرَّجْعَةَ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ قَبْلَ وَضْعِهِ مُشْتَبِهُ الْحَالِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فَيَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَمْلِكُهَا فَصَارَ شَاكًّا فِي اسْتِحْقَاقِهَا فِيهِ فَبَطَلَتْ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يُرَاجِعَهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِحَمْلِهَا فَيَنْظُرَ فِي وَقْتِ رَجْعَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا بَقِيَّةُ عِدَّتِهِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّهَا لَمْ تَصِحَّ . مِثَالُهُ : أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مِنْ عِدَّتِهِ قُرْآنِ فَرَاجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقُرْأَيْنِ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ مُدَّةَ عِدَّتِهِ اعْتِقَادًا وَحُكْمًا ، وَإِنْ رَاجَعَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْقُرْأَيْنِ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ مِنِ انْقِضَائِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَاطِنِ بَاقِيَةً فِيهَا وَصَارَتْ رَجْعَتُهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ عَبَثًا مِنْهُ ، وَإِنْ وَافَقَتْ زَمَانَ الْعِدَّةِ . وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَلَا يَجُوزُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ بِحَالٍ ، وَأَمَّا فِي عِدَّةِ الثَّانِي بَعْدَ الْحَمْلِ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِيهَا ، وَيَجُوزُ لِلثَّانِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَالتَّخْرِيجُ الْمَحْكِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ قَدْ حَرُمَتْ عَلَى الثَّانِي أَبَدًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ .

وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا مَسْطُورًا مِنْ بَعْدُ ، فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَحْوَالِهَا الْأَرْبَعِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَحْوَالِهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ ، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مَنْ أَوَّلِ دُخُولِ الثَّانِي ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِاسْتِكْمَالِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ أَوَّلِ دُخُولِهِ ، وَنُقْصَانِهَا مِنْ آخِرِ دُخُولِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا الْوَلَدُ لَاحِقٌ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ طَلَاقُهُ بَائِنًا ، وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا فَعَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا : أَحَدُهُمَا : كَالْبَائِنِ يُلْحَقُ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْبَائِنِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَيَكُونَ كَالْقِسْمِ الرَّابِعِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَالتَّفْرِيعُ هَاهُنَا يَكُونُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ تَفْرِيعَ الْقَوْلِ الثَّانِي يَدْخُلُ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَوَجَّهَ الْكَلَامُ إِلَى بَيَانِ ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ : الْعِدَّةُ ، وَالرَّجْعَةُ ، وَالتَّزْوِيجُ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مَضَى ، وَالنَّفَقَةَ تَأْتِي . فَأَمَّا الْعِدَّةُ فَتَنْقَضِي عِدَّةُ الثَّانِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ حَمْلٌ تَعْتَدُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهُ لِحِفْظِ مَائِهِ ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ مَا بَقِيَ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِ النِّفَاسِ ، وَالْبَاقِي مِنْهَا قُرْآنِ ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ مِنْهَا قُرْءٌ ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْهَا حَلَّتْ ، وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ، فَإِنْ رَاجَعَهَا بَعْدَ نِفَاسِهَا فِي بَقِيَّةِ عِدَّتِهِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ ، وَإِنْ رَاجَعَهَا قَبْلَ دُخُولِهَا فِي عِدَّتِهِ فَفِي صِحَّةِ رَجْعَتِهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا : أَحَدُهُمَا : الرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ لِبَقَاءِ عِدَّتِهِ . وَالثَّانِي : فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ عِدَّتِهِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ يُفْصَلَ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ بَطَلَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ صَحَّتْ ؛ لِأَنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ مُعْتَدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ ، وَفِي مُدَّةِ النِّفَاسِ غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ . وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَحَدٌ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي بَقِيَّةِ عِدَّتِهِ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ ، فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَغْنَتْهُ الرَّجْعَةُ عَنِ النِّكَاحِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهَا وَحَلَّتْ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَلَمْ يُحِلَّهَا الثَّانِي لَهُ لِفَسَادِ نِكَاحِهِ ؛ وَلِأَنَّ إِصَابَتَهُ كَانَتْ فِي مُدَّةِ عِدَّتِهِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْوَالِهَا الْأَرْبَعَةِ ، وَهُوَ أَنْ لَا يُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ وَلَا

بِالثَّانِي فَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مَنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ آخِرِ دُخُولِ الثَّانِي ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَمْ يُلْحَقْ بِالْأَوَّلِ وَلَا بِالثَّانِي لِتَجَاوُزِ مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَمْلِ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ ، وَلِقُصُورِهِ عَنْ مُدَّةِ أَقَلِّ الْحَمْلِ فِي حَقِّ الثَّانِي ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَعَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : كَالْبَائِنِ لَا يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يُلْحَقُ بِهِ وَيَكُونُ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ لِدُخُولِ حُكْمِ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُلْحَقِ الْوَلَدُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَعَلَيْهَا عِدَّتَانِ : بَقِيَّةُ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَكُلُّ عِدَّةِ الثَّانِي وَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَنْ تَرَى فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ دَمًا أَوْ لَا تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَرَ عَلَيْهِ دَمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَسْقُطُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِحْدَى الْعِدَّتَيْنِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ تَخْرِيجًا أَنَّهُ تَنْقَضِي بِهِ إِحْدَى الْعِدَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ نَفْيَهُ لَا يَمْنَعُ مِنِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِهِ كَالْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ ، فَعَلَى هَذَا تَنْقَضِي بِهِ إِحْدَى الْعِدَّتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا ، وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِعِدَّةٍ أَوْ فِي الْعِدَّتَيْنِ احْتِيَاطًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعِدَّتَيْنِ بَاقِيَتَانِ لَا تَسْقُطُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا بِوَضْعِهِ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مَوْضُوعَةٌ لِحِفْظِ مَاءٍ مُسْتَلْحَقٍ ، وَهَذَا الْحَمْلُ غَيْرُ لَاحِقٍ فَخَرَجَ زَمَانُهُ عَنْ حُكْمِ الْعِدَّةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَسْتَكْمِلَ بَعْدَ دَمِ نِفَاسِهَا مَا بَقِيَ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَهِيَ قُرْآنِ ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ بَعْدَهُمَا عِدَّةَ الثَّانِي ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ ، فَإِنْ رَأَتْ عَلَى الْحَمْلِ دَمًا كيف تقضي عدتها ، فَإِنْ قِيلَ فِيهِ : إِنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ كَانَتْ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ تَرَ دَمًا عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ حَيْضٌ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْحَمْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَعْتَدَّ بِالْحَيْضِ الَّذِي عَلَى الْحَمْلِ ؛ لِأَنْ لَا تَتَدَاخَلَ عِدَّتَانِ فِي حَقَّيْ شَخْصَيْنِ ، وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِالْحَمْلِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِانْتِفَائِهِ عَنْهُمَا ، فَهَلْ تَحْتَسِبُ حَيْضَهَا عَلَيْهِ مِنْ أَقْرَاءِ عِدَّتِهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَحْتَسِبُ بِهِ عِدَّةَ أَقْرَائِهَا ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَعْتَدَّ بِالْحَمْلِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَعْتَدَّ بِالْأَقْرَاءِ الَّتِي عَلَى الْحَمْلِ ، وَيَكُونُ زَمَانُ الْحَمْلِ كُلُّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِدَّتَيْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنِ اسْتِئْنَافِهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَحْتَسِبُ بِهِ مِنْ عِدَّةِ أَقْرَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ حُكْمُ الْحَمْلِ مِنَ الْعِدَّةِ ثَبَتَ فِيهَا حُكْمُ الْأَقْرَاءِ ، وَكَمَا تَعْتَدُّ بِهَا مَعًا إِذَا كَانَتِ الْعِدَّتَانِ مَعًا مِنْ صَاحِبِ الْحَمْلِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ مِنْ قَبْلُ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا مَضَتْ لَهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ خَمْسَةُ أَقْرَاءٍ ووضعت لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول ولأقل من ستة أشهر من آخر دخول الثاني ( احتساب عدتها ) انْقَضَتْ عِدَّتَاهَا قُرْآنِ مِنْهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ هِيَ عِدَّةُ الثَّانِي لَكِنْ لَا يُحْكَمُ لَهَا فِي

الْحَالِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ بَعْدَ وَضْعِهَا أَنَّ حَمْلَهَا غَيْرُ لَاحِقٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا عَلِمَ تَبَيَّنَا انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا مِنْ قَبْلُ بِانْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ الْخَمْسَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ أَقَرَاؤُهَا عَلَى الْحَمْلِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْخَمْسَةِ الْأَقْرَاءِ بَعْدَ وِلَادَتِهَا ، فَإِنْ كَانَ الْمَاضِيَ عَلَى حَمْلِهَا قُرْآنِ اسْتَكْمَلَتْ بِهِمَا عِدَّةَ الْأَوَّلِ وَاعْتَدَّتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ هِيَ عِدَّةُ الثَّانِي بِكَمَالِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمَاضِيَ عَلَى حَمْلِهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ كَانَ قُرْآنِ مِنْهَا بَقِيَّةَ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَالثَّالِثُ أَوَّلَ قُرْءِ الثَّانِي فَتَأْتِي بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِقُرْأَيْنِ تَمَامَ عِدَّتِهِ . وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ فِي طَلَاقِهِ الرَّجْعِيِّ وَاسْتِحْقَاقُهَا مُعْتَبَرٌ بِالْحَمْلِ فِي سُقُوطِ إِحْدَى الْعِدَّتَيْنِ بِهِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ قَدْ سَقَطَتْ بِهِ إِحْدَى الْعِدَّتَيْنِ فَلَا رَجْعَةَ لِلْأَوَّلِ لَا فِي زَمَانِ الْحَمْلِ ، وَلَا فِي زَمَانِ الْأَقْرَاءِ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّمَانَيْنِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِدَّةِ الثَّانِي فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَشْكُوكًا فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّجْعَةِ فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا بِالشَّكِّ فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ رَجْعَتِهَا فِي الْحَمْلِ وَرَجْعَتِهَا فِي الْقُرْأَيْنِ بَعْدَ الْحَمْلِ احْتَمَلَ صِحَّةُ رَجْعَتِهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَصِحُّ رَجْعَتُهُ لِمُصَادَفَةِ إِحْدَاهُمَا زَمَانَ الْعِدَّةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تَصِحُّ رَجْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنِ الصِّحَّةَ فِي إِحْدَاهُمَا لَمْ يَصِحَّ مَعَ إِبْهَامِهِمَا . وَإِنْ قِيلَ : الْحَمْلُ لَا تَسْقُطُ بِهِ إِحْدَى الْعِدَّتَيْنِ وَافَتْهَا بِالْأَقْرَاءِ فَعِدَّةُ الْأَوَّلِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى عِدَّةِ الثَّانِي سَوَاءٌ اعْتَدَّتْ بِأَقْرَائِهَا عَلَى الْحَمْلِ أَوْ لَمْ تَعْتَدَّ بِهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فِي الْبَاقِي مِنْ أَقْرَاءِ عِدَّتِهِ ، وَفِي جَوَازِ مُرَاجَعَتِهَا فِي الْحَمْلِ قَبْلَ عِدَّتِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ بِهِ مِنْهُ . وَالثَّانِي : يَجُوزُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَمْلِ وَلَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَيَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ فِي عِدَّتِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا فِيهَا ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْخُطَّابِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَحْوَالِهَا الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ أَنْ يُمْكِنَ لُحُوقُهُ بِالْأَوَّلِ وَبِالثَّانِي ، فَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَهَا مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ ، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا مِنْ دُخُولِ الثَّانِي فَيُمْكِنُ أَنْ يُلْحَقَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذِهِ أَكْثَرُ الْحَمْلِ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ مُدَّةِ أَقَلِّ الْحَمْلِ فِي حَقِّ الثَّانِي فَاسْتَوَيَا فِي لُحُوقِهِ بِهِمَا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُدْعَى لَهُ الْقَافَةُ حَتَّى يُلْحِقُوهُ بِأَحَدِهِمَا ، فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالْأَوَّلِ انْقَضَتْ

بِهِ عِدَّتُهُ ، وَاسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الثَّانِي بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالثَّانِي انْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ وَكَمَّلَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ بِقُرْأَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَافَةِ بَيَانٌ وُقِفَ الْوَلَدُ إِلَى زَمَانِ الِانْتِسَابِ لِيَنْتَسِبَ بِطَبْعِهِ إِلَى أَبِيهِ مِنْهُمَا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الرَّحِمَ إِذَا تَمَاسَّتْ تَعَاطَفَتْ وَفِي زَمَانِ انْتِسَابِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : إِذَا اسْتَكْمَلَ سَبْعَ سِنِينَ ، وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِذَا بَلَغَ لِيَجْرِيَ عَلَيْهِ الْقَلَمُ فَيَكُونَ لِقَوْلِهِ حُكْمٌ ، فَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا أُلْحِقَ بِهِ وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ أُبُوَّةُ الْآخَرِ ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَنِ الِانْتِسَابِ أُخِذَ بِهِ جَبْرًا حَتَّى يَنْتَسِبَ لِمَا فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ حَقٍّ لَهُ وَعَلَيْهِ . فَأَمَّا الْعِدَّةُ : فَقَدِ انْقَضَتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِحْدَى الْعِدَّتَيْنِ ، لَا بِعَيْنِهَا ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهَا إِحْدَاهَا لَا بِعَيْنِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِقُرْأَيْنِ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ لَاحِقًا بِالثَّانِي أَوْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ إِنْ كَانَ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ ، فَلَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَوْفَاهُمَا وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ لِتَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ قَضَائِهَا ، وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَلَا تَخْلُو مُرَاجَعَةُ الْأَوَّلِ لَهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَمْلِ أَوْ فِي الْأَقْرَاءِ فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الْحَمْلِ كَانَ مُعْتَبَرًا بِحَالِ الْحَمْلِ فَإِنْ لَحِقَ بِالثَّانِي فَرَجْعَةُ الْأَوَّلِ فِيهِ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ فَفِي صِحَّةِ رَجْعَتِهِ وَجْهَانِ حَكَاهَا أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ : أَحَدُهُمَا : تَصِحُّ رَجْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ عِدَّتَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَلَى شَكٍّ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الرَّجْعَةِ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ كَمَنْ بَاعَ دَارَ أَبِيهِ يَعْتَقِدُ حَيَاتَهُ ، وَكَانَ مَيِّتًا فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ رَاجَعَ فِي الْأَقْرَاءِ الَّتِي بَعْدَ الْحَمْلِ نُظِرَ فِي رَجْعَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْءِ الثَّالِثِ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّتِهِ يَقِينًا ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَحِقَ بِهِ الْحَمْلُ كَانَتْ عِدَّتُهُ بِهِ ، وَالْأَقْرَاءُ مِنَ الثَّانِي ، وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ الْحَمْلُ كَانَتْ عِدَّتُهُ قُرْأَيْنِ ، وَكَانَ الثَّالِثُ مِنْ غَيْرِ عِدَّتِهِ فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ رَجْعَتُهُ فِيهِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ رَاجَعَ فِي الْقُرْأَيْنِ كَانَ مُعْتَبَرًا بِالْحَمْلِ فَإِنْ كَانَ لَاحِقًا بِهِ بَطَلَتْ رَجْعَتُهُ فِي الْقُرْأَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي عِدَّةِ الثَّانِي ، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ لَاحِقًا بِالثَّانِي ، وَكَانَ الْقُرْآنِ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ فَفِي صِحَّةِ رَجْعَتِهِ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ عِدَّتَهُ . وَالثَّانِي : لَا تَصِحُّ لِوُجُودِهَا فِي زَمَانِ الشَّكِّ ، وَأَمَّا تَزْوِيجُهَا فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ، فَأَمَّا الثَّانِي إِذَا قِيلَ بِالصَّحِيحِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ سَوَاءٌ لَحِقَ بِهِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ فَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ لَحِقَ بِهِ فَعَلَيْهَا بَعْدَهُ عِدَّةٌ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْأَقْرَاءِ بَعْدَ الْحَمْلِ نُظِرَ فِي حَالِ تَزْوِيجِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْأَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِدَّتِهِ فَيَصِحَّ ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ فَيَبْطُلُ فَصَارَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ

حَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ فَبَطَلَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُسْتَبَاحُ بِالشَّكِّ وَسَوَاءٌ بَانَ مِنْ بَعْدُ أَنَّهُ مِنْ عِدَّتِهِ أَمْ لَا ، بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى خُلُوِّهَا مِنَ الْعِدَّةِ ، وَالرَّجْعَةُ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً عَلَى بَقَاءِ الْعِدَّةِ ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْقُرْءِ الثَّالِثِ صَحَّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مُعْتَدَّةً مِنْهُ أَوْ خَالِيَةً مِنْ عِدَّةٍ ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعٌ مِنْ نِكَاحِهَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ لَمْ يُلْحِقُوهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ أَلْحَقُوهُ بِهِمَا أَوْ لَمْ يَكُنْ قَافَةٌ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ الْقَافَةُ أَوْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ولد لأربع سنين فمادونها من طلاق الأول ولستة أشهر فما فوق من دخول الثاني فَلَا يَكُونُ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا الرُّجُوعَ إِلَى بَيَانِ الْقَافَةِ مَعَ إِشْكَالِ النَّسَبِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ بَيَانٌ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ خَمْسَ مَسَائِلَ : أَحَدُهَا : أَنْ لَا يُلْحِقُوهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ بَيَانٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ نَفْيُهُ عَنْهُمَا وَقَدْ ثَبَتَ فِرَاشُهُمَا ، وَأَوْجَبَ الشَّرْعُ لُحُوقَهُ بِأَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَوْقُوفَ النَّسَبِ عَلَيْهِمَا فَقُبِلَ مِنْهُمْ لُحُوقُهُ بِأَحَدِهِمَا ، لِأَنَّهُ تَمْيِيزٌ مَا اقْتَضَاهُ الشَّرْعُ ، وَلَمْ يَقْبَلْ نَفْيَهُ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ فَصَارُوا مِمَّنْ لَا بَيَانَ فِيهِمْ . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إِذَا أَلْحَقُوهُ بِهِمَا فَلَا يَلْحَقُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ مَنَعَ مِنْ لُحُوقِهِ بِأَبَوَيْنِ فَصَارُوا مُثْبِتِينَ لِمَا نَفَاهُ الشَّرْعُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ بَيَانٌ . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا لَمْ يَكُنْ قَافَةٌ - يُرِيدُ فِي مَوْضِعِ الْوَلَدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَمَا قَارَبَهُ إِلَى مَسَافَةِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَنِصْفِ لَيْلَةٍ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ لَا يَكُونُوا فِي الدُّنْيَا كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنَ الْحِجَارِ ، وَلَا يَلْزَمُ إِذَا بَعُدُوا أَنْ يُحْمَلَ الْوَلَدُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا أَنْ يُحْمَلُوا إِلَيْهِ كَالشُّهُودِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ نَقْلُهُمْ وَلَا الِانْتِقَالُ إِلَيْهِمْ ، وَكَالْوَلِيِّ الْغَائِبِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ نَقْلُهُ وَلَا الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ ، وَيَكُونُ خُلُوُّ الْمَوْضِعِ وَمَا قَارَبَهُ مِنَ الْقَافَةِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْعَدَمِ لَهُمْ وَفَقْدِ الْبَيَانِ مِنْهُمْ ، فَإِنْ تَكَلَّفُوا الِانْتِقَالَ إِلَيْهِمْ أَوْ نَقْلَ الْقَافَةِ إِلَيْهِمْ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ وَلَزِمَ بَعْدَ حُضُورِهِمْ أَنْ يُعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِمْ إِذَا كَانَ فِيهِ بَيَانٌ . وَالْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ بَيَانِ الْقَافَةِ مَيِّتٌ فَيُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتَ الْمُتَنَازِعَانِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، وَكَانَ الْقَافَةُ يَعْرِفُونَ الْمَيِّتَ فِي حَيَاتِهِ بِكَلَامِهِ وَأَلْحَاظِهِ وَشَمَائِلِهِ وَأَمَارَاتِهِ فَلَنْ يُؤَثِّرَ مَوْتُهُ فِي حُكْمِ الْقَافَةِ ، وَجَازَ أَنْ يُلْحِقُوهُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِمَنْ حَكَمُوا بِشَبَهِهِ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْوَلَدَ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ ، نُظِرَ حَالُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ تَغَيَّرَ فِي أَوْصَافِهِ وَحُلَاهُ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْقَافَةِ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَكَانَ بَاقِيًا عَلَى أَوْصَافِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : قَدْ بَطَلَ حُكْمُ الْقَافَةِ فِيهِمْ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ مَعَ الشَّبَهِ الظَّاهِرِ مَا خَفِيَ مِنَ الشَّبَهِ الْخَفِيِّ فِي الْكَلَامِ وَالْأَلْحَاظِ وَالشَّمَائِلِ وَالْإِشَارَاتِ ، وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى

أَحَدِهِمَا وَهَذَا الشَّبَهُ الْخَفِيُّ مَفْقُودٌ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَوْتَ لَا يَمْنَعُ حُكْمَ الْقَافَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّبَهَ الظَّاهِرَ أَقْوَى ، وَبَيَانَهُ فِي الْحُلَى وَالْأَوْصَافِ أَوْضَحُ ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُونَ إِلَى الشَّبَهِ الْبَاطِنِ فِي الْإِشَارَاتِ عِنْدَ إِشْكَالِ الشَّبَهِ الظَّاهِرِ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ فَقَدْ مَرَّ مُجَزِّرٌ الْمُدْلِجِيُّ بِأُسَامَةَ وَزَيْدٍ نَائِمَيْنِ وَقَدْ تَغَطَّيَا بِقَطِيفَةٍ بَدَتْ مِنْهُمَا أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهُمَا مِنْ بَعْضٍ فَقَضَى فِيهِمْ بِالشَّبَهِ الظَّاهِرِ ، وَلَمْ يَفْتَقِرْ مَعَهُ إِلَى الشَّبَهِ الْبَاطِنِ فِي الْإِشَارَاتِ وَالنَّوْمِ فِي خَفَاهَا عَلَيْهِ كَالْمَوْتِ . وَالْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إِذَا أَلْقَتِ الْمَوْلُودَ مَيِّتًا ، فَخَلَطَ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ أَوْصَافَهُ وَتَتَنَاهَى صُورَتُهُ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِالْقَافَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَنَاهِيهَا وَاسْتِكْمَالِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، إِذَا مَاتَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ حَيَّا ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْقَافَةِ فِي الْمَوْلُودِ مَيِّتًا أَضْعَفَ ، فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إِذَا عُدِمَ بَيَانُ الْقَافَةِ ، فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْنِي بِعَيْنِهِ لِلْجَهْلِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَحَدِهِمَا لَا يُعَيِّنُهُ كَأَنَّهُ لَا أَبَّ لَهُ سِوَاهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنْ كَانَ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ وُقِفَ حَتَّى يَصْطَلِحَا فِيهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : يَعْنِي بِهِ هَذَا الْوَلَدَ الْمَوْقُوفَ نَسَبُهُ إِذَا أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ ، ثُمَّ مَاتَ فَالْوَصِيَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُوصِيَ لَهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ . وَالثَّانِي : أَنْ يُوصِيَ لَهُ فِي حَالِ حَمْلِهِ . فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ فَلَا يَخْلُو مَوْتُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ أَوْ قَبْلَهَا ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ ، وَقَبُولُهَا قَدْ يَصِحُّ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبِلَهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ ، وَمَاتَ قَبْلَ انْتِسَابِهِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَقْبَلَهَا الْحَاكِمُ لَهُ فِي صِغَرِهِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَقْبَلَهَا لَهُ الْمُتَنَازِعَانِ فِي نَسَبِهِ فَيَصِحَّ قَبُولُهَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَبُوهُ ، فَإِنْ قَبِلَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا ، وَإِنْ قَبِلَتْهَا أُمُّهُ ، فَفِي صِحَّةِ قَبُولِهَا وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي ثُبُوتِ وِلَايَتِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ فَقْدِ الْأَبِ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ قَبُولِهَا لَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ وَكَانَ قَبُولُهَا مَوْقُوفًا عَلَى اجْتِمَاعِ وَرَثَتِهِ عَلَى قَبُولِهَا ، وَهُوَ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمُّ مَعَ الْمُتَنَازِعَيْنِ عَلَى الْقَبُولِ فَيَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ وَرِثُوهُ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا

بِاجْتِمَاعِهِمْ ، فَإِنْ تَفَرَّدَتِ الْأُمُّ بِالْقَبُولِ صَحَّ فِي حَقِّهَا ، وَإِنْ تَفَرَّدَ الْمُتَنَازِعَانِ بِالْقَبُولِ صَحَّ فِي حَقِّهَا ، وَإِنْ تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَبُولِ لَمْ يَصِحَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْحَقَّيْنِ ، وَإِنْ قَبِلَ الْحَاكِمُ لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ ، وَإِنْ صَحَّ فِي حَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِمَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَفِي تِلْكَ الْحَالِ لَا مَوْلَى عَلَيْهِ فَإِذَا صَحَّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ يَمِينُ أُمِّهِ وَأَبِيهِ وَلِلْأُمِّ فِي قَدْرِ مِيرَاثِهَا مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : حَالٌ تَسْتَحِقُّ فِيهَا الثُّلُثَ يَقِينًا ، وَحَالٌ تَسْتَحِقُّ فِيهَا السُّدُسَ يَقِينًا ، وَحَالٌ شُكَّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِثُلُثٍ أَوْ سُدُسٍ . فَأَمَّا الْحَالُ الْمُتَيَقَّنُ فِيهَا اسْتِحْقَاقُهَا لِلثُّلُثِ فَهُوَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ لِلْمَيِّتِ أَخَوَانِ مُتَحَقِّقَانِ إِمَّا بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهَا وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَلَدٌ وَيَكُونَ لَهَا وَلَدٌ ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ ، أَوْ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَ لَهَا وَلَدٌ فَمُسْتَحَقُّ الثُّلُثِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَحْجُوبَةٍ عَنْهُ لِفَقْدِ الْأَخَوَيْنِ ، وَيَكُونُ الثُّلُثَانِ الْبَاقِيَانِ بَعْدَ ثُلُثِهَا مَوْقُوفَيْنِ عَلَى الْمُتَنَازِعَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ عَنْ تَرَاضٍ ، إِمَّا بِالتَّسَاوِي فِيهِ أَوْ بِالتَّفَاضُلِ أَوْ بِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ . وَأَمَّا الْحَالُ الْمُتَيَقَّنُ فِيهَا اسْتِحْقَاقُهَا لِلسُّدُسِ فَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ لِلْمَيِّتِ أَخَوَانِ مُتَحَقَّقَانِ إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدَانِ فَيَكُونَا أَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ ، وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَلَدٌ فَيَكُونَ لَهُ أَخَوَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ أُمٍّ وَالْآخَرُ مِنْ أَبٍّ وَأُمٍّ فَيَحْجُبُونَهَا إِلَى السُّدُسِ فَتُعْطَاهُ ، وَيَكُونُ مَا عَدَاهُ مَوْقُوفًا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْحَالُ الْمَشْكُوكُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِثُلُثٍ أَوْ سُدُسٍ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ أَخَوَانِ فِي حَالٍ وَوَاحِدٌ فِي حَالٍ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ لِأُمِّهِ وَلَدٌ وَلِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَلَدٌ ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ وَلَدٌ أَوْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا وَلَدَانِ ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ إِلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ ، فَقَدْ تَرِثُ الْأُمُّ إِنْ لَحِقَ بِصَاحِبِ الْوَلَدَيْنِ السُّدُسَ ، وَإِنْ لَحِقَ بِصَاحِبِ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ الثُّلُثَ وَفِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مَعَ هَذَا الشَّكِّ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : أَحَدُهُمَا : تُعْطَى السُّدُسَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوَرَّثُ بِالشَّكِّ وَيَكُونُ السُّدُسُ الْآخَرُ مَوْقُوفًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ حَتَّى يُصَالِحْنَهَا عَلَيْهِ ، وَتَكُونُ مَا عَدَاهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ تُعْطَى الثُّلُثَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْجَبُ بِالشَّكِّ ، فَإِنْ بَانَ حَجْبُهَا رُجِعَ عَلَيْهَا بِالسُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى حَقِّهَا إِنْ لَمْ يَبِنْ فَلَا رُجُوعَ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ وَالثَّانِي أَقْيَسُ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُوصِيَ لَهُ فِي حَالِ حَمْلِهِ الْوَلَدَ الْمَوْقُوفَ ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ تُطْلَقَ الْوَصِيَّةُ لَهُ . وَالثَّانِي : أَنْ يُضَافَ فِيهَا إِلَى أَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ . فَإِنْ أُطْلِقَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، فَقَالَ الْمُوصِي : قَدْ وَصَّيْتُ لِحَمْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ ، وَلَهُ حَالَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنْ تَضَعَهُ حَيًّا فَتَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ ، وَيَكُونَ الْقَبُولُ لَهَا وَالْمِيرَاثُ فِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ تَلِدَهُ مَيِّتًا لَمْ يَسْتَهِلَّ ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُضَافَةً إِلَى حَمْلِهِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ كَقَوْلِهِ : قَدْ وَصَّيْتُ لِحَمْلِهَا مِنْ زَيْدٍ ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ ، وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى لُحُوقِهِ بِهِ وَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : - أَحَدُهَا : أَنْ يُلْحَقَ بِهِ فَتَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ، وَيَكُونَ قَبُولُهَا مَقْصُورًا عَلَيْهِ وَمِيرَاثُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُلْحَقَ بِغَيْرِهِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ شَرْطِهَا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ لَا يُلْحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا لِبَقَاءِ الْإِشْكَالِ وَالْإِيَاسِ مِنَ الْبَيَانِ ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِالشَّكِّ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ الصَّحِيحِ النِّكَاحِ وَلَا آخُذُهُ بِنَفَقَتِهَا حَتَى تَلِدَهُ ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ أَعْطَيْتُهَا نَفَقَةَ الْحَمْلِ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَهَا وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ لَمْ آخُذْهُ بِنَفَقَتِهِ حَتَى يَنْتَسِبَ إِلَيْهِ فَإِنْ أُلْحِقَ بِصَاحِبِهِ فَلَا نَفَقَةَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا حُبْلَى مِنْ غَيْرِهِ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : خَالَفَ الشَّافِعِيُّ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ الرَّجْعَةُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَى بَيَانِ النَّفَقَةِ لِلْمَنْكُوحَةِ فِي الْعِدَّةِ ، وَمُقَدِّمَتُهَا أَنَّ الْعِدَّةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ . وَالثَّانِي : مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ . فَأَمَّا الْعِدَّةُ مِنَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : رَجْعِيَّةٌ .

وَالثَّانِي : مَبْتُوتَةٌ . فَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي الْعِدَّةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ حَائِلًا ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعَانِي الزَّوْجَاتِ وَنَفَقَتُهَا مُعَجَّلَةٌ ، وَتَسْتَحِقُّهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ . وَأَمَّا الْمَبْتُوتَةُ فَلَهَا حَالَتَانِ : حَامِلٌ وَحَائِلٌ فَالْحَائِلُ لَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَالْحَامِلُ لَهَا النَّفَقَةُ وَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّفَقَةَ وَجَبَتْ لَهَا . وَالثَّانِي : لِحَمْلِهَا وَفِي صِفَةِ اسْتِحْقَاقِهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مُعَجَّلَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ . وَالثَّانِي : مُؤَجَّلَةٌ بَعْدَ الْوَضْعِ . وَأَمَّا الْعِدَّةُ مِنَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ هل تلزم فيها النفقة فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ حَمْلٍ إِمَّا بِشُهُورٍ أَوْ أَقْرَاءٍ ، فَلَا نَفَقَةَ فِيهَا لِلْمُعْتَدَّةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ بِحَمْلٍ فَفِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا قِيلَ : إِنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْحَمْلِ لِكَوْنِهَا حَامِلًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَهَا النَّفَقَةُ إِذَا قِيلَ : إِنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْحَمْلِ ، وَهَلْ تَسْتَحِقُّهَا مُعَجَّلَةً أَوْ بَعْدَ الْوَضْعِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ ، وَكَانَتِ الْمَنْكُوحَةُ فِي الْعِدَّةِ ذَاتَ حَمْلٍ تَرَتَّبَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ : أَحَدُهَا : أَنْ يُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَنَفَقَتُهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ لِصِحَّةِ نِكَاحِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً اسْتَحَقَّتْهَا مُعَجَّلَةً يَوْمًا بِيَوْمٍ مِنْ بَعْدِ فِرَاقِ الثَّانِي ، وَإِلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ وَلَا تَسْتَحِقُّهَا فِي نِفَاسِ الْوِلَادَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَسْتَحِقُّهَا مُعَجَّلَةً كَذَلِكَ . وَالثَّانِي : مُؤَجَّلَةٌ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي فِي امْتِدَادِهَا مِنْهُ بِالْإِقْرَاءِ لِفَسَادِ نِكَاحِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ، فَهَلْ عَلَى الثَّانِي نَفَقَتُهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا قِيلَ : إِنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ لِكَوْنِهَا حَامِلًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَهَا النَّفَقَةُ إِذَا قِيلَ لِحَمْلِهَا ، وَفِي تَعْجِيلِهَا وَتَأْجِيلِهَا قَوْلَانِ : فَأَمَّا نَفَقَتُهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ بِالْأَقْرَاءِ بَعْدَ الْحَمْلِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَهَا النَّفَقَةُ ، وَفِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - أَنَّهَا تَسْتَحِقُّهَا مِنْ بَعْدِ انْقِطَاعِ دَمِ نِفَاسِهَا ، لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِهِ . . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ بَعْدِ الْوِلَادَةِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ ، وَمَا بَعْدَهَا إِلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ فِي الْعِدَّةِ ، وَإِنْ لَمْ تَعْتَدَّ بِالنِّفَاسِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا حَائِضًا كَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ فِي حَيْضِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُعْتَدَّةٍ بِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ لَا يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُدَّةِ حَمْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَاحِقٍ بِهِ وَلَا فِي حَالِ عِدَّتِهَا مِنَ الثَّانِي لِفَسَادِ نِكَاحِهِ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً مِنْهُ فَكَذَلِكَ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي الْعِدَّةِ . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : وَهُوَ الْمَنْظُورُ أَنْ يُمْكِنَ لُحُوقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَنَفَقَتُهَا مُعْتَبَرَةٌ بِطَلَاقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : رَجْعِيٍّ ، وَبَائِنٍ ، فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا فَالنَّفَقَةُ فِي عِدَّتِهِ مُسْتَحَقَّةٌ وَيَتَرَتَّبُ اسْتِحْقَاقُهَا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَمْلِ إِنْ لَحِقَ بِالثَّانِي ، فَهَلْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَمْ لَا ؟ في المولد المختلف في إلحاقه عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ : إِنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَامِلِ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِالثَّانِي فَتَسْقُطَ نَفَقَتُهُ ، وَبَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ فَتَجِبَ نَفَقَتُهُ فَصَارَتْ نَفَقَتُهُ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ وُجُودٍ وَإِسْقَاطٍ ، فَلَمْ تَجِبْ لَكِنَّهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ مُسْتَحِقَّةٌ لِلنَّفَقَةِ لِكَوْنِهَا رَجْعِيَّةً ، وَنَفَقَتُهَا مُعَجَّلَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ وَعِدَّتُهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِالْحَمْلِ إِنْ لَحِقَ بِهِ أَوْ بِالْأَقْرَاءِ إِنِ انْتَفَى عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِنَفَقَةِ أَقْصَى الْمُدَّتَيْنِ لِاسْتِحْقَاقِهَا يَقِينًا ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَمْلِ أَقْصَرَ أُخِذَ بِنَفَقَتِهَا فِي مُدَّةِ حَمْلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْأَقْرَاءِ أَقْصَرَ أُخِذَ بِنَفَقَةِ قُرْأَيْنِ ، لِأَنَّهُمَا قَدْرُ الْبَاقِي مِنْ عِدَّتِهِ ، ثُمَّ يُرَاعَى حَالُ الْحَمْلِ بَعْدَ وِلَادَتِهِ ، فَإِنْ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ تَقَدَّرَتْ نَفَقَتُهَا بِمُدَّةِ الْحَوْلِ ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَقْصَرَ الْمُدَّتَيْنِ فَقَدِ اسْتَوْفَتْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَهَا رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالْبَاقِي مِنْهَا ، وَإِنْ لَحِقَ بِالثَّانِي تَقَدَّرَتْ نَفَقَتُهَا بِمُدَّةِ الْقُرْأَيْنِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَقْصَرَ الْمُدَّتَيْنِ فَقَدِ اسْتَوْفَتْهَا ، وَهَلْ تَسْتَحِقُّ مَعَهَا نَفَقَةَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَمْ لَا ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ الْمُدَّتَيْنِ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا ، وَهَلْ يُضَافُ إِلَيْهَا مُدَّةُ النِّفَاسِ أَمْ لَا ؟

عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَهَذَا حُكْمُ النَّفَقَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى الثَّانِي ، إِنْ لَحِقَ بِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ ، فَعَلَى هَذَا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ مُعَجَّلَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ مُؤَجَّلَةً بَعْدَ الْوِلَادَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تُسْتَحَقُّ مُؤَجَّلَةً بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يُؤْخَذُ بِالثَّانِي بِشَيْءٍ مِنْهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِجَوَازِ أَنْ يُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ ، وَيَكُونُ مَأْخُوذًا بِنَفَقَةِ الْعِدَّةِ فِي أَقْصَرِ الْمُدَّتَيْنِ عَلَى مَا مَضَى مُعَجَّلَةً ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ نَفَقَةُ زَوْجِيَّةٍ ، وَفِي حَقِّ الثَّانِي نَفَقَةُ حَمْلٍ ، ثُمَّ يُرَاعَى مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ حَالُ الْحَمْلِ ، فَإِنْ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي ، وَقَدْ تَقَدَّرَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى الْأَوَّلِ بِمُدَّةِ الْحَمْلِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ ، هَلْ هِيَ أَقْصَرُ الْمُدَّتَيْنِ أَوْ أَطْوَلُهُمَا ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ لَحِقَ بِالثَّانِي رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَتَقَدَّرَتْ عِدَّةُ الْأَوَّلِ بِقُرْأَيْنِ فَتَكُونُ عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ لَحِقَ بِالثَّانِي رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَتَقَدَّرَتْ عِدَّةُ الْأَوَّلِ بِقُرْأَيْنِ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ هل هي معجلة أم مؤجلة تُسْتَحَقُّ مُعَجَّلَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَعَلَى هَذَا قَدِ اسْتَوَى الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِي نَفَقَةِ الْحَمْلِ لِوُجُوبِهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِنْ لَحِقَ بِهِ ، وَتَكُونُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةَ وَقَدْ صَارَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِيهَا سَوَاءً فَيُؤْخَذَانِ جَمِيعًا بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِتَحَمُّلِهَا مِنَ الْآخَرِ ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ حَالُهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، فَإِنْ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي ، وَيُرْجَعُ عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا أَنْفَقَ ، وَإِنْ لَحِقَ بِالثَّانِي رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ ، وَكَانَ عَلَى الْأَوَّلِ نَفَقَةُ عِدَّتِهِ بِالْأَقْرَاءِ ، وَهِيَ قُرْآنِ ، وَهَلْ يُضَمُّ إِلَيْهَا نَفَقَةُ النِّفَاسِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .

فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ طَلَاقُ الْأَوَّلِ بَائِنًا ، فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ لَا تَجِبُ عَلَى الثَّانِي إِنْ لَحِقَ بِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ ، وَلَا عَلَى الْأَوَّلِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَلْحَقَ ، ثُمَّ رُوعِيَ أَمْرُهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، فَإِنْ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، وَإِنْ لَحِقَ بِالثَّانِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، وَلَوْ قُلْنَا : إِنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ عَلَى الثَّانِي وَاجِبَةٌ ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا مُؤَجَّلَةً لَمْ يُؤْخَذْ وَاحِدٌ مِنْهَا بِهَا حَتَّى تَضَعَ ، فَإِذَا لَحِقَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ هُوَ الْمَأْخُوذَ بِهَا دُونَ الْآخَرِ ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا مُعَجَّلَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ أُخِذَا جَمِيعًا بِهَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهَا ، فَإِذَا أُلْحِقَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِأَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ ، وَصَارَ هُوَ الْمُخْتَصَّ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَا عَلَى اشْتِرَاكٍ فِي تَحَمُّلِ نَفَقَتِهِ بَعْدَ وَضْعِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا ، فَيَصِيرُ الَّذِي انْتَسَبَ إِلَيْهِ هُوَ الْمُتَحَمِّلُ لِجَمِيعِ نَفَقَتِهِ فِي حَالِ حَمْلِهِ ، وَبَعْدَ وِلَادَتِهِ . وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ نفقته ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِتَحَمُّلِهَا مِنَ الْآخَرِ وَأُخِذَا جَمِيعًا بِكَفَنِهِ ، وَمَئُونَةِ دَفْنِهِ

إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ ، فَتَكُونَ نَفَقَتُهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَئُونَةُ كَفَنِهِ وَدَفْنِهِ فِي مَالِهِ دُونَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهِ ، فَأَمَّا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ : " فَإِنْ أُشْكِلَ الْأَمْرُ لَمْ آخُذْهُ بِنَفَقَتِهِ " يَعْنِي لَمْ يَأْخُذْهُ وَحْدَهُ بِهَا كَأَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْهُمَا

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَاشْتَرَكَا فِي تَحَمُّلِ نَفَقَتِهِ حَمْلًا وَمَوْلُودًا ، ثُمَّ لَحِقَ بِأَحَدِهِمَا ، فَإِنْ أَرَادَ الْآخَرُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ لَمْ تَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا لِلْوَلَدِ أَوْ غَيْرَ مُدَّعٍ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا أَنْفَقَ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ أَنْفَقَهَا عَلَى وَلَدٍ ، وَإِنْ نَفَاهُ الشَّرْعُ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَّعٍ لَهُ وَلَا مُنَازِعٍ فِيهِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُ تَحَمُّلَهَا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَإِنْ شَرَطَ الرُّجُوعَ فِي حَالِ الْإِنْفَاقِ رَجَعَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ تَطَوُّعًا ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهَا ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَهَا مَعَ الِاشْتِبَاهِ قَدْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَاسْتَوَى فِي الرُّجُوعِ بِهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ وَعَدَمُهُ . فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَوْلُودِ مِنَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ كَالْبَائِنِ ، وَاخْتَارَهُ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

بَابُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ

بَابُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ . مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا ، ثُمَ مَاتَ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَوَرِثَتْ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : إِذَا كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَمَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَوْ بِسَاعَةٍ بَطَلَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ " وَسَوَاءٌ كَانَتْ تَعْتَدُّ مِنَ الطَّلَاقِ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ بِالشُّهُورِ فَلَوِ اعْتَدَّتْ مِنْ شُهُورِ الطَّلَاقِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إِلَّا سَاعَةً اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ : لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي مَعَانِي الزَّوْجَاتِ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ طَلَاقِهِ ، وَظِهَارِهِ ، وَإِيلَائِهِ ، كَذَلِكَ مَا يَلْحَقُهَا مِنْ فُرْقَةِ وَفَاتِهِ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةُ بَتَاتٍ فَسَقَطَ بِهَا فُرْقَةُ الرَّجْعِيَّةِ وَلَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ عَنِ الْوَفَاةِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ بِهَا وَقَعَتْ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْتَنَبَ بِمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْوَفَاةِ مِنَ الشُّهُورِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِتُقَدُّمِهِ عَلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ . وَالثَّانِي : لِاخْتِلَافِ مُوجِبِهَا كَمَنْ زَنَا بِكْرًا ثُمَّ زَنَا ثَيِّبًا لَزِمَهُ حَدَّانِ ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ لَزِمَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ ، فَإِذَا ثَبَتَ انْتِقَالُهَا إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ كَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَيْهَا ، وَتَكُونُ مُسَاوِيَةً لِمَنْ يُطَلِّقُهَا مِنْ زَوْجَاتِهِ ، وَهَكَذَا لَوْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ بِسَاعَةٍ كَانَ لَهُ الْمِيرَاثُ مِنْهَا .

فَصْلٌ : فَأَمَّا مِيرَاثُ الْمَنْكُوحَةِ فِي الْعِدَّةِ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا وَأَمْكَنَ لُحُوقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الثَّانِي لِفَسَادِ نِكَاحِهِ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ بَائِنًا فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا فَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ فِي حَالِ الْحَمْلِ تَوَارَثَا ، سَوَاءٌ لَحِقَهُ الْحَمْلُ أَوِ انْتَفَى عَنْهُ ، لِأَنَّهُ إِنْ لَحِقَ بِهِ كَانَتْ بِهِ فِي عِدَّتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْهُ بَعْدَ وَضْعِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ بَعْدَ الْحَمْلِ فِي عِدَّةِ الْأَقْرَاءِ نُظِرَ حَالُ الْحَفْلِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ فَلَا تَوَارُثَ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُلْحَقَ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ إِنْ كَانَ الْمَوْتُ فِي الْقُرْأَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ .

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ لَا يُلْحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِدَوَامِ إِشْكَالِهِ فَفِي التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا فِي عِدَّةِ الْقُرْأَيْنِ وَجْهَانِ مِنْ وَجْهَيْ مِيرَاثِهَا مِنْ وَلَدِهَا إِذَا حَجَبَهَا وَأَوْلَادَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مَعَ بَقَاءِ الْإِشْكَالِ : أَحَدُهُمَا : لَهَا الْمِيرَاثُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِدَّةِ كَمَا كَانَ الْأَصْلُ هُنَاكَ عَدَمَ الْحَجْبِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا مِيرَاثَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يُسْتَحَقُّ بِالشَّكِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدَهُمَا تَعْتَدُّ مِنَ الطَّلَاقِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَمَنْ قَالَ هَذَا انْبَغَى أَنْ يَقُولَ رَجْعَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِنِكَاحِهِ إِيَّاهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَمْ تَعْتَدَّ فَكَذَلِكَ لَا تَعْتَدُّ مِنْ طَلَاقٍ أَحْدَثَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ رَجْعَةٌ إِذَا لَمْ يَمَسَّهَا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : الْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالْحَقِّ عِنْدِي ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا سَقَطَتْ عِدَّتُهَا وَصَارَتْ فِي مَعْنَاهَا الْقَدِيمِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ لَا بِنِكَاحٍ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنَمَا طَلَّقَ امْرَأَةً مَدْخُولًا بِهَا فِي غَيْرِ عِدَّةٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَنِ ابْتَدَأَ طَلَاقَهُ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : وَلَوْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا فَإِنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا مِنْ أَوَّلِ طَلَاقِهَا ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِدَّةَ لَمْ تَبْطُلْ حَتَى طَلَّقَ وَإِنَمَا زَادَهَا طَلَاقًا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ بِإِجْمَاعٍ فَلَا تُبْطِلُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ عِدَّةٍ قَائِمَةٍ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ مِثْلِهِ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى نَظِيرِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ إِذَا رَاجَعَهَا زَوْجُهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَخْلُ الطَّلَاقُ الثَّانِي مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْوَطْءِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا فِي رَجْعَتِهِ ، فَقَدْ بَطَلَ بِالْوَطْءِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِدَّةِ ، وَعَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ مِنَ الطَّلَاقِ الثَّانِي ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الرَّجْعَةِ حَتَّى طَلَّقَ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ قَطَعَتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ ، وَهِيَ فِيمَا بَيْنَ الرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ الثَّانِي غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْقَطِعُ عِدَّتُهَا بِالرَّجْعَةِ حَتَّى يَطَأَ ، وَهَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إِبَاحَةٌ ، وَالْعِدَّةَ حَظْرٌ ، وَهُمَا ضِدَّانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ ، وَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعَا فَالْإِبَاحَةُ ثَابِتَةٌ ، وَبَطَلَ حُكْمُ الْحَظْرِ لِأَجْلِ الْعِدَّةِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ مُفْضٍ إِلَى أَنْ تَبِينَ مِنْهُ بَعْدَ رَجْعَتِهَا إِذَا

أَخَّرَ الْإِصَابَةَ إِلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَيَصِيرُ سِرَايَةُ الطَّلَاقِ مُبْطِلًا لِحُكْمِ الرَّجْعَةِ ، وَالْمُسْتَقِرُّ مِنْ حُكْمِ الرَّجْعَةِ أَنْ تَبْطُلَ سِرَايَةُ الطَّلَاقِ فَصَارَ عَكْسًا فَبَطَلَ قَوْلُهُ ، فَإِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ الثَّانِي فَهَلْ تَسْتَأْنِفُ لَهُ الْعِدَّةَ أَوْ تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ : وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ مِنَ الطَّلَاقِ الثَّانِي ، وَلَا تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ الثَّانِي بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ لَكِنِ احْتَجَّ الْمُزَنِيُّ لِمَا اخْتَارَهُ مِنِ اسْتِئْنَافِ الْعِدَّةِ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرَّجْعَةَ لَمَّا انْقَطَعَتْ بِهَا سِرَاءَةُ الْعِدَّةِ وَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِدَّةِ كَالْوَطْءِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ بِالْمُخْتَلِعَةِ إِذَا نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَطَعَ الْعِدَّةَ ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا ، وَالطَّلَاقُ فِيهِ مُوجِبٌ لِلْبِنَاءِ دُونَ الِاسْتِئْنَافِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الرَّجْعَةَ لَمَّا رَفَعَتْ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ رَفَعَتْ عِدَّةَ تَحْرِيمِهِ وَصَارَتْ بِمَثَابَةِ مَنْ لَمْ تُطَلَّقْ ، فَإِذَا طُلِّقَتْ مِنْ بَعْدُ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهَا قَطَعَتِ التَّحْرِيمَ وَلَمْ يُرْفَعْ مَا تَقَدَّمَ ، فَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ تَنْقَطِعُ بِالرَّجْعَةِ وَلَا تَرْفَعُ مَا تَقَدَّمَ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَيُشْبِهُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَقُولَ : ارْتَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْتَجِعْ سَوَاءٌ وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ زَوْجَهَا لَوْ مَاتَ اعْتَدَّتْ مِنْهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَوَرِثَتْ كَمَنْ لَمْ تُطَلَّقْ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْعِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَيُرَاعِيَ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا لَمْ تَبْنِ بِهِ وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا قَوْلًا وَاحِدًا لِاسْتِوَاءِ حُكْمِ الطَّلَاقَيْنِ وَالْعِدَّتَيْنِ ، وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ تَبْنِي مِنْهُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ ، وَالطَّلَاقُ الثَّانِي إِنْ لَمْ يَزِدْهَا تَحْرِيمًا لَمْ يَنْقُصْهَا ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ الثَّانِي بَائِنًا وَذَلِكَ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَسْتَكْمِلَ بِهِ عِدَدَ الثَّلَاثِ ، وَإِمَّا بِأَنْ يَقْتَرِنَ بِخُلْعٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ ، وَابْنِ عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ : أَنَّهُمَا كَالَّتِي قَبْلَهَا إِذَا ارْتَجَعَهَا هَلْ تَبْنِي أَوْ تَسْتَأْنِفُ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ الثَّانِي مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِ الثَّانِي بَائِنًا وَالْأَوَّلِ رَجْعِيًّا ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ عَدَمُ الرَّجْعَةِ فِي

اسْتِئْنَافِ الْعِدَّةِ كَالْمَوْتِ الَّذِي يُوجِبُ اسْتِئْنَافَ الْعِدَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ رَجْعَةٌ ، وَتَمَسَّكَ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ بِظَاهِرِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : ارْتَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْتَجِعْ سَوَاءٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : إِنَّهَا تَبْنِي عَلَى الْعِدَّةِ وَلَا تَسْتَأْنِفُهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ اخْتَارَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ أَنْ تَسْتَأْنِفَ وَقَبْلَ الرَّجْعَةِ أَنْ تَبْنِيَ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَمَّا رَفَعَتِ التَّحْرِيمَ رَفَعَتِ الْعِدَّةَ ، وَالتَّحْرِيمُ لَا يَرْتَفِعُ بِعَدَمِ الرَّجْعَةِ فَلَمْ تَرْتَفِعِ الرَّجْعَةُ . وَاحْتَجَّ أَبُو إِسْحَاقَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ عِدَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَسَوَاءٌ اجْتَمَعَتْ أَوْ تَفَرَّقَتْ إِذَا لَمْ يَتَخَلَّلْهَا إِبَاحَةٌ ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ : " ارْتَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْتَجِعْ سَوَاءٌ " عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ لِيُبْطِلَ بِهِ مَا أَوْجَبَهُ وَدَعَا إِلَيْهِ ، وَهُنَا لَا يَلْزَمُ ، فَكَذَلِكَ مَا اقْتَضَاهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ . وَمِثَالُهُ مَا قَالَهُ فِي كِتَابِ " الْبُيُوعِ " مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي اللُّحْمَانِ وَمَنْ قَالَ : إِنَّ اللُّحْمَانَ صِنْفٌ وَاحِدُ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الثِّمَارِ أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ أَيْ لَمْ يَقْبَلْ بِهَذَا أَحَدٌ فِي الثِّمَارِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ بِهِ فِي اللُّحْمَانِ ، فَأَمَّا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ بِإِجْمَاعٍ ، فَلَا يَبْطُلُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِنْ عِدَّةٍ قَائِمَةٍ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ مِثْلِهِ ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى نَظِيرِهِ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ لِمَنْ خَالَفَهُ فِي اخْتِيَارِهِ ، وَهُوَ مَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بِإِجْمَاعٍ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ عِدَّتِهَا إِلَّا بِإِجْمَاعٍ ، وَالْإِجْمَاعُ أَنْ تَأْتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ مِنَ الطَّلَاقِ الثَّانِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَعِدَّتِهَا إِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ

بَابُ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَعِدَّتِهَا إِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " فِي امْرَأَةِ الْغَائِبِ أَيَّ غَيْبَةٍ كَانَتْ لَا تَعْتَدُّ وَلَا تَنْكِحُ أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَهَا يَقِينُ وَفَاتِهِ وَتَرِثُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ وَفَاتِهِ وَمِثْلُهَا يَرِثُ إِلَّا وَرِثَتْ زَوْجَهَا الَّذِي اعْتَدَّتْ مِنْ وَفَاتِهِ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ : " إِنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَلِغَيْبَةِ الرَّجُلِ عَنْ زَوْجَتِهِ حَالَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْأَخْبَارِ مَعْلُومَ الْحَيَاةِ حالات المفقود فَنِكَاحُ زَوْجَتِهِ مُحَالٌ ، وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ لَهَا مَالًا أَمْ لَا ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعَ الْأَخْبَارِ مَجْهُولَ الْحَيَاةِ حالات المفقود فَحُكْمُهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ فِي سَفَرِهِ وَاحِدٌ ، سَوَاءٌ قَعَدَ فِي بَلَدِهِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فِي بَرٍّ كَانَ سَفَرُهُ أَوْ فِي بَحْرٍ ، وَسَوَاءٌ كُسِرَ مَرْكَبُهُ أَوْ فُقِدَ بَيْنَ صَفَّيْ حَرْبٍ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مَفْقُودٌ ، وَمَالُهُ عَلَيْهِ مَوْقُوفٌ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وُكَلَاؤُهُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَرَثَتُهُ ، فَأَمَّا زَوْجَتُهُ إِذَا بَعُدَ عَهْدُهُ ، وَخَفِيَ خَبَرُهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ امرأة المفقود ، ثُمَّ بِحُكْمِ مَوْتِهِ فِي حَقِّهَا خَاصَّةً ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَإِذَا انْقَضَتْ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا فَرَّقَ بَيْنَ خُرُوجِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَجَعَلَهُ مَفْقُودًا إِذَا خَرَجَ لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ . وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [ الْبَقَرَةِ : ] وَفِي حَبْسِهَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ إِضْرَارٌ وَعُدْوَانٌ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ زَوْجِي خَرَجَ إِلَى مَسْجِدِ أَهْلِهِ ، وَفُقِدَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ فَتَرَبَّصَتْ ،

ثُمَّ عَادَتْ ، فَقَالَ لَهَا : اعْتَدِّي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَفَعَلَتْ ثُمَّ عَادَتْ ، فَقَالَتْ : قَدْ حَلَلْتُ لِلْأَزْوَاجِ ، فَتَزَوَّجَتْ فَعَادَ زَوْجُهَا فَأَتَى عُمَرَ فَقَالَ : زَوَّجْتَ امْرَأَتِي ؟ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ ، فَقَالَ : غِبْتُ أَرْبَعَ سِنِينَ فَزَوَّجْتَهَا ، فَقَالَ : يَغِيبُ أَحَدُكُمْ أَرْبَعَ سِنِينَ فِي غَيْرِ غَزَاةٍ وَلَا تِجَارَةٍ ، ثُمَّ يَأْتِينِي فَيَقُولُ : زَوَّجْتَ امْرَأَتِي ، فَقَالَ : خَرَجْتُ إِلَى مَسْجِدِ أَهْلِي فَاسْتَلَبَنِي الْجِنُّ فَكُنْتُ مَعَهُمْ فَغَزَاهُمْ جِنٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَجَدُونِي مَعَهُمْ فِي الْأَسْرِ ، فَقَالُوا : مَا دِينُكَ ؟ قُلْتُ : الْإِسْلَامُ فَخَيَّرُونِي بَيْنَ أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ ، وَبَيْنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِي فَاخْتَرْتُ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِي فَسَلَّمُونِي إِلَى قَوْمٍ فَكُنْتُ أَسْمَعُ بِاللَّيْلِ كَلَامَ الرِّجَالِ وَأَرَى بِالنَّهَارِ مِثْلَ الْغُبَارِ فَأَسِيرُ فِي أَثَرِهِ حَتَّى هَبَطْتُ عِنْدَكُمْ فَخَيَّرَهُ عُمَرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ زَوْجَتَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَهْرَهَا . وَرَوَى عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ عُثْمَانَ ، قَالَ : أَتَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، فَقَالَتِ اسْتَهْوَتِ الْجِنُّ زَوْجَهَا ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ أَمَرَ وَلِيَّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الْجِنُّ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ انْتَشَرَتْ فِي الصَّحَابَةِ ، وَحُكِمَ بِهَا عَنْ رَأْيِ الْجَمَاعَةِ فَكَانَتْ حُجَّةً ؛ وَلِأَنَّ الْفَسْخَ لَمَّا اسْتُحِقَّ بِالْعُنَّةِ وَهُوَ فَقْدُ الِاسْتِمْتَاعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ ، وَاسْتُحِقَّ بِالْإِعْسَارِ وَهُوَ فَقْدُ النَّفَقَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ ، فَلِأَنْ تُسْتَحَقُّ بِغَيْبَةِ الْمَفْقُودِ ، وَهُوَ - جَامِعٌ بَيْنَ فَقْدِ الِاسْتِمْتَاعِ وَفَقْدِ النَّفَقَةِ أَوْلَى . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الزَّوْجَةِ مَحْبُوسَةٌ عَلَى قُدُومِ الزَّوْجِ ، وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ مَا لَمْ يَأْتِهَا يَقِينُ مَوْتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : أَبُو حَنِيفَةَ وَالْعِرَاقِيُّونَ . وَوَجْهُ مَا رَوَاهُ سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْخَبَرُ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَهُوَ نَصٌّ إِنْ ثَبَتَ ؛ وَلِأَنَّ مَنْ جُهِلَ مَوْتُهُ لَمْ يُحْكَمْ بِوَفَاتِهِ كَمَنْ غَابَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْوَفَاةِ فِي مَالِهِ مَعَ الْجَهْلِ بِحَيَاتِهِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَيَاةِ فِي زَوْجَاتِهِ كَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَيَاةِ فِي أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ غَابَتِ الزَّوْجَةُ حَتَّى خَفِيَ خَبَرُهَا لَمْ يُجْزِهَا أَنْ يُحْكَمَ بِمَوْتِهَا فِي إِبَاحَةِ أُخْتِهَا لِزَوْجِهَا ، وَنِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا كَذَلِكَ غَيْبَةُ الزَّوْجِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَرَى عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ حُكْمُ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى غَيْرِهِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَضِيَّتِهِ حِينَ رَجَعَ الزَّوْجُ ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانُ فَصَارَ إِجْمَاعًا بَعْدَ خِلَافٍ ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْعُنَّةِ وَالْإِعْسَارِ مَعَ فَسَادِهِ بِغَيْبِهِ الْمَعْرُوفِ حَيَاتِهِ ، فَالْمَعْنَى فِي الْعُنَّةِ : نَقْصُ الْخِلْقَةِ ، وَفِي الْإِعْسَارِ وَمَا أُلْزِمَهُ ، وَهُمَا مَفْقُودَانِ فِي الْمَفْقُودِ بِسَلَامَةِ خِلْقَتِهِ وَصِحَّةِ ذِمَّتِهِ .



فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ تَفَرَّعَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا ، فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ بِنَفْسِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فَإِنَّمَا تَقَدَّرَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ لامرأة المفقود بِأَرْبَعِ سِنِينَ : لِأَنَّهَا مُدَّةُ أَكْثَرِ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ ، ثُمَّ أُلْزِمَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ الْمَفْقُودِ مَوْتُهُ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَاقٍ ، فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ وَلِيَّ الْمَفْقُودِ أَنْ يُطَلِّقَ ، قِيلَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ ذَلِكَ اسْتِظْهَارًا ؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِمَوْتِهِ لَا تَقِفُ فُرْقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى طَلَاقِ غَيْرِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ مَا سِوَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، وَقَدِ اسْتَبْرَأَتْ هَذِهِ نَفْسَهَا بِأَرْبَعِ سِنِينَ فَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِبْرَاءِ ، وَأُلْزِمَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ إِحْدَادًا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَوَّلُ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ لزوجة المفقود مِنْ وَقْتِ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَهَا بِالتَّرَبُّصِ . وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَوَّلُهَا مِنْ وَقْتِ الْغَيْبَةِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَمَرَهَا بِالتَّرَبُّصِ مِنْ وَقْتِ قَضَائِهِ وَالْعَمَلِ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا مُدَّةٌ تَقَدَّرَتْ بِاجْتِهَادٍ فَاقْتَضَى أَنْ تَتَقَدَّرَ بِالْحُكْمِ كَأَجَلِ الْعُنَّةِ ، وَخَالَفَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ الْمُقَدَّرَةُ بِالنَّصِّ ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهَا وَتَقَدُّرِهَا ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا بِوَفَاتِهِ أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ حُكْمٍ : عَلَى وَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحُكْمِ بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ حُكْمٌ بِالْمَوْتِ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ التَّقْدِيرِ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ لَمْ يَلْزَمْهَا مُعَاوَدَةُ الْحَاكِمِ ، وَصَارَتْ دَاخِلَةً فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، فَإِذَا اقْتَضَتْ عِدَّتَهَا حَلَّتْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ حُكْمًا بِالْمَوْتِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا حَتَّى يَحْكُمَ لَهَا الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ : لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَأْنَفَ حُكْمَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ : وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِأَجْلِ الْعُنَّةِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْفُرْقَةِ حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا الْحَاكِمُ ، كَذَلِكَ الْحُكْمُ بِأَجْلِ الْغَيْبَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إِلَّا بِأَنْ يَحْكُمَ لَهَا الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ فَتَقَعَ الْفُرْقَةُ لِمَا حُكِمَ بِهِ مِنَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ تَدْخُلُ بَعْدَ حُكْمِهِ فِي الْعِدَّةِ وَتَحِلُّ حِينَئِذٍ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَإِذَا حُكِمَ بِالْفُرْقَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا تَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى إِنْ قَدِمَ الزَّوْجُ حَيًّا لَمْ يَبْطُلْ بِهِ النِّكَاحُ .

وَالثَّانِي : لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ مَدْخَلًا فِي إِيقَاعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَقَعُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَإِنْ قَدِمَ الزَّوْجُ حَيًّا بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الْأُمُورَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ ، وَفِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ خَيَّرَ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى احْتِمَالِ الْوَجْهَيْنِ ، فَهَذَا حُكْمُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي إِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وَمَحْبُوسَةٌ عَلَى نِكَاحِهِ حَتَّى يُعْرَفَ يَقِينُ مَوْتِهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعْمَلُ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَحَتْ قَبْلَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ أَوْ بَعْدَهَا امرأة المفقود كَانَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا ، وَعَلَى هَذَا لَوْ حَكَمَ لَهَا الْحَاكِمُ بِالْمُدَّةِ قَضَى بَعْدَ انْقِضَائِهَا بِالْفُرْقَةِ فَفِي نَقْضِ حُكْمِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُنْقَضُ لِنُفُوذِهِ عَنِ اجْتِهَادٍ مُسَوِّغٍ وَخِلَافٍ مُنْتَشِرٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ حُكْمَهُ يُنْقَضُ ، وَقَضَاءَهُ يُرَدُّ ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ مِنْ رُجُوعِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَدْ رَفَعَ الْخِلَافَ وَعَقَدَ الْإِجْمَاعَ ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِمَا قَوِيٌّ لَا يُحْتَمَلُ خِلَافُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ خَفِيُّ الْغَيْبَةِ أَوْ أَلَى مِنْهَا أَوْ تَظَاهَرَ أَوْ قَذَفَهَا لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْحَاضِرَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ فِي غَيْبَتِهِ الَّتِي خَفِيَ فِيهَا خَبَرُهُ مِنْ طَلَاقٍ ، وَظِهَارٍ ، وَإِيلَاءٍ وَقَذْفٍ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَهُ فَكُلُّ ذَلِكَ نَافِذٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ ، وَالظِّهَارُ ، وَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ وَيُؤْخَذُ بِحُكْمِ الْإِيلَاءِ وَوَقْفِ الْمُدَّةِ ، وَيَلْزَمُهُ الْقَذْفُ وَلَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ لِذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ كَفِعْلِهِ فِي حُضُورِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنِهِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الزَّوْجِ أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ يَقِينُ مَوْتِهِ ، فَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِالْفُرْقَةِ قَدْ بَطَلَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ تَيَقَّنَ حَيَاتَهُ فَصَارَ كَحُكْمِهِ مُجْتَهِدًا إِذَا خَالَفَ فِيهِ نَصًّا ، وَلَا يَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي نَقْضِ حُكْمِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي نَقْضِهِ مَعَ بَقَاءِ الْإِشْكَالِ لَا مَعَ ارْتِفَاعِهِ ، فَعَلَى هَذَا يُؤْخَذُ بِحُكْمِ طَلَاقِهِ ، وَظِهَارِهِ ، وَإِيلَائِهِ وَقَذْفِهِ . وَإِنْ قِيلَ : بِقَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ الْفُرْقَةَ وَاقِعَةٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ كَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي نُفُوذِ حُكْمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ حُكْمَهُ قَدْ نَفَذَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ كَانَ حُكْمُهُ إِذَا بَانَتْ حَيَاةُ الزَّوْجِ بَاطِنًا ، وَالزَّوْجُ مَأْخُوذٌ بِحُكْمِ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ وَلِعَانِهِ وَقَذْفِهِ ، وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ حُكْمَهُ قَدْ

نَفَذَ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ صَحَّ حُكْمُهُ مَعَ حَيَاةِ الزَّوْجِ وَمَوْتِهِ ، وَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ وَلَا ظِهَارُهُ ، وَلَا إِيلَاؤُهُ وَيُحَدُّ مِنْ قَذْفِهِ وَلَا يَلْتَعِنُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَوِ اعْتَدَّتْ بِأَمْرِ حَاكِمٍ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أَوْ نَكَحَتْ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ كَانَ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ بِحَالِهِ غَيْرَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ فَرْجِهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ إِذَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ لَهَا الْحَاكِمُ بِفَسْخِ نِكَاحِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ قَدِمَ الْأَوَّلُ حَيًّا أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ . فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنَ الثَّانِي وَبَيْنَ أَنْ يُقِرَّهَا عَلَيْهِ ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ مَهْرَ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ خَيَّرَ الْمَفْقُودَ حِينَ قَدِمَ بَيْنَ زَوْجَتِهِ أَوْ مَهْرِ مِثْلِهَا ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِلْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقِرَّ مَعَ الثَّانِي ، أَوْ تَكُونَ زَوْجَةً لِلثَّانِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَزِعَهَا الْأَوَّلُ ، وَإِذَا بَطَلَ التَّخْيِيرُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ النِّكَاحُ مَحْمُولًا عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِ الثَّانِي وَفَسَادِهِ ، فَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ نِكَاحُ الثَّانِي وَهِيَ زَوْجَةٌ لِلْأَوَّلِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الثَّانِي ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَحَلَّتْ لِلْأَوَّلِ مِنْ وَقْتِهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ وَطْءَ شُبْهَةٍ يُوجِبُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ، فَإِذَا انْقَضَتْ حَلَّتْ لَهُ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ إِذَا قَدِمَ الْأَوَّلُ حَيًّا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نِكَاحِ الْأَوَّلِ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِفَسْخِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى حُكْمٍ الْحَاكِمِ هَلْ نَفَذَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، أَوْ نَفَذَ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مَعًا ، فَإِنْ قِيلَ بِنُفُوذِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مَعًا ، فَقَدْ بَطَلَ نِكَاحُ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ، وَيَكُونُ نِكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا . وَإِنْ قِيلَ : بِنُفُوذِهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَنِكَاحُ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ سَوَاءٌ نَكَحَتْ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ تَنْكِحْ لِزَوَالِ الظَّاهِرِ مَعَ وُجُودِ الْحَيَاةِ ، وَيَكُونُ نِكَاحُ الثَّانِي بَاطِلًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَسْخِ تَغْلِيبُ حُكْمِ الْمَوْتِ ، وَقَدْ بَطَلَتْ مَعَ وُجُودِ الْحَيَاةِ سَوَاءٌ تَزَوَّجَتْ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ بَاطِلٌ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَسْخِ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِأَثَرِهِ ، وَهَذِهِ الْعِلَّةِ مَوْجُودَةٌ ، وَإِنْ بَانَ حَيًّا مِنْ بَعْدُ سَوَاءٌ تَزَوَّجَتْ أَوْ لَمْ

تَتَزَوَّجْ ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ كَانَ نِكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا سَوَاءٌ بَانَتْ حَيَاةُ الْأَوَّلِ أَوْ مَوْتُهُ . وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ : حَكَاهُ الدَّارِكِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ إِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بِغَيْرِهِ ، وَبَاطِلٌ إِنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحُكْمِ بِفَسْخِ نِكَاحِهِ لِتَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِ ، فَإِذَا وُجِدَ الْمَقْصُودُ اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَسْتَقِرَّ كَالْمُتَيَمِّمِ مَقْصُودُهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ ، وَإِذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا بَطَلَ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ نُخَرِّجُ مِنْهَا فِي نِكَاحِ الْأَوَّلِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بَاطِلٌ عَلَى تَفْصِيلِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نِكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى لِلزَّوْجَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ ، وَحَكَى الْكَرَابِيسِيُّ أَنَّ عَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ مَهْرَ مِثْلِهَا ، وَأَنْكَرَهُ سَائِرُ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ عَلَى تَفْصِيلِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نِكَاحُ الثَّانِي بَاطِلًا وَفِي زَمَانِ بُطْلَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا حِينَ الْعَقْدِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَيْهِ إِنْ دَخَلَ بِهَا مَهْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ نِكَاحَ الثَّانِي صَحِيحٌ وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَبَاطِلٌ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَيَاةِ الْأَوَّلِ كَالْغَاصِبِ إِذَا غَرِمَ قِيمَةَ الْعَبْدِ بَعْدَ إِبَاقِهِ ، أَوِ الْجَانِي إِذَا غَرِمَ دِيَةَ الْعَيْنِ بَعْدَ بَيَاضِهَا ، ثُمَّ وُجِدَ الْعَبْدُ ، وَبَرَأَتِ الْعَيْنُ رُدَّتِ الْقَيِّمَةُ بَعْدَ صِحَّةِ مِلْكِهَا كَذَلِكَ النِّكَاحُ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى بَعْدَ الدُّخُولِ وَنِصْفُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ ، فَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ فَلَا يَخْتَلِفُ أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ ، وَنِكَاحَ الثَّانِي بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا نَكَحَتْ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ نِكَاحِهَا فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ نِكَاحُهَا جَائِزٌ ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : بَاطِلٌ اعْتِبَارًا بِحَظْرِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ . وَالثَّانِي : صَحِيحٌ اعْتِبَارًا بِظُهُورِ الْإِبَاحَةِ مِنْ بَعْدُ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ كَاخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ بَاعَ دَارَ أَبِيهِ يَظُنُّهُ حَيًّا فَبَانَ مَيِّتًا ، وَكَاخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْوَكِيلِ إِذَا بَاعَ بَعْدَ عَزْلِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْعَزْلِ ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ نِكَاحُ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُعْتَقَدُ أَنَّهَا أُخْتُهُ فَكَانَتْ أَجْنَبِيَّةً أَوْ يُعْتِقُ أَمَةَ أَبِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَارِثُهَا ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ رَاكِبًا فَزَحَمَ امْرَأَةً ، فَقَالَ لَهَا : تَأَخَّرِي عَنِ الطَّرِيقِ يَا حُرَّةُ ، ثُمَّ عَرَفَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ فَلَمْ يَتَمَلَّكْهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَاحْتَمَلَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَتَقَتْ عِنْدَهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْتَقَهَا تَبَرُّعًا وَتَوَرُّعًا .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَا نَفَقَةَ لَهَا مِنْ حِينَ نَكَحَتْ ، وَلَا فِي حِينِ عِدَّتِهَا مِنَ الْوَطْءِ الْفَاسِدِ زوجة المفقود ؛ لِأَنَّهَا مُخْرِجَةٌ نَفْسَهَا مِنْ يَدَيْهِ وَغَيْرُ وَاقِفَةٍ عَلَيْهِ وَمُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي دَخَلَتْ فِيهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ لَهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا ، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا مِنْهَا ، فَإِنْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى حَاكِمٍ لَمْ يَرَ الْفُرْقَةَ وَلَا ضَرْبَ الْمُدَّةِ كَانَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنَ النَّفَقَةِ ، وَإِنْ رَأَى وَحَكَمَ لَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ ؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ فِيهَا عَلَيْهِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ بِهِ التَّرَبُّصَ وَدَخَلَتْ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ لَا نَفَقَةَ لَهَا لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِالْفُرْقَةِ لَكِنْ فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِلسُّكْنَى فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ قَوْلَانِ : لِأَنَّهَا فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ لَهَا النَّفَقَةُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ : لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ ، وَالْحُكْمَ بِهَا لَمْ يُنَفَّذْ وَاعْتِقَادَهَا لِلتَّحْرِيمِ لَا يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا مَا كَانَتْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقَهَا الزَّوْجُ ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ سَقَطَتْ حِينَئِذٍ نَفَقَتُهَا بِالتَّزْوِيجِ سَوَاءٌ قِيلَ : إِنَّ نِكَاحَ الثَّانِي صَحِيحٌ أَوْ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالنِّكَاحِ نَاشِزًا ، فَإِنْ فَارَقَهَا الثَّانِي وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ إِصَابَتِهِ ، فَإِنْ حَضَرَ الْأَوَّلُ وَأُقِرَّتْ عَلَى نِكَاحِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا مِنَ الثَّانِي لِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، فَإِذَا قَضَتْهَا وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نَفَقَتُهَا وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ حِينَ فَارَقَهَا الثَّانِي غَائِبًا ، وَقَضَتْ عِدَّتَهَا وَعَادَتْ إِلَى مَسْكَنِ الْأَوَّلِ مُسَلِّمَةً نَفْسَهَا ، فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا قَبْلَ أَنْ يَعُودَ فَيَتَسَلَّمَهَا ، ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا يَقْتَضِي وُجُوبَ نَفَقَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا نَفَقَةَ لَهَا مِنْ حِينِ نَكَحَتْ وَلَا فِي حِينِ عِدَّتِهَا فَدَلَّ مَجْرَى كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ بَعْدَ عِدَّتِهَا . وَرَوَى الرَّبِيعُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ خَرَّجُوا وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ : أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ : لَهَا النَّفَقَةُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ : لِأَنَّهَا قَدْ عَادَتْ إِلَى يَدِهِ بِمَعْنَاهَا الْأَوَّلِ مِنَ الْإِبَاحَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى يَعُودَ الْأَوَّلُ فَيَتَسَلَّمَهَا عَلَى مَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا إِنَّمَا يَصِحُّ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَتَسَلَّمُهَا أَلَا تَرَاهُ لَوْ نَكَحَهَا ، ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ أَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا ، ثُمَّ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا فِي غَيْبَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْلِيمًا تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ كَذَلِكَ هَذِهِ ؛ وَلِأَنَّهَا بِنِكَاحِ الثَّانِي مُتَعَدِّيَةٌ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ فَصَارَتْ كَالْمُتَعَدِّي فِي الْوَدِيعَةِ لَا يَسْقُطُ التَّعَدِّي بِالْكَفِّ عَنْهَا إِلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِهَا إِلَى مَالِكِهَا كَذَلِكَ هَذِهِ فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْ أَصْحَابِنَا .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِاخْتِلَافِهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لَهَا إِذَا كَانَتْ هِيَ الزَّوْجَةَ لِنَفْسِهَا دُونَ الْحَاكِمِ فَلَوْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى يَتَسَلَّمَهَا الْأَوَّلُ زوجة المفقود : لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ رَافِعٌ لِيَدِ الْأَوَّلِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ لَهَا إِذَا أَعَادَهَا الْحَاكِمُ إِلَى نِكَاحِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ عَادَتْ هِيَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ مُثَبِّتٌ لِيَدِ الْأَوَّلِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَمْ أُلْزِمِ الْوَاطِئَ بِنَفَقَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجَيْنِ إِلَّا لُحُوقَ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ فِرَاشٌ بِالشُّبْهَةِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا نَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي فَمُعْتَبَرَةٌ بِحُكْمِ نِكَاحِهِ زوجة المفقود إن تزوجت . فَإِنْ قِيلَ بِقَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ : إِنَّ نِكَاحَهُ صَحِيحٌ فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، وَإِلَى حِينِ الْفُرْقَةِ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِيهَا الرَّجْعَةَ ، وَلَهَا السُّكْنَى كَالْمَبْتُوتَةِ . وَإِنْ قِيلَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ : إِنَّ نِكَاحَهُ بَاطِلٌ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ نِكَاحِهِ ، وَلَا فِي حَالِ دُخُولِهِ ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجِيَّةِ تُسْتَحَقُّ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَفَسَادُ النِّكَاحِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ التَّمْكِينِ فَمَنَعَ مِنِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا كَانَ كَالْمُتَصَرِّفِ عَنْ إِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مَعَ فَسَادِ عَقْدِهِ . قِيلَ : لِأَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ فِي يَدِهِ تَضَمَّنَهَا بِالْيَدِ ، وَمَنَافِعَ الِاسْتِمْتَاعِ فِي يَدِهَا فَلَمْ يُضَمَّنْهَا إِلَّا بِالِاسْتِهْلَاكِ وَالِاسْتِهْلَاكُ هُوَ الْوَطْءُ ، فَالْوَطْءُ مُوجِبٌ لَغُرْمِ الْمَهْرِ دُونَ النَّفَقَةِ ، وَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ وَإِنْ لَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا شَبَهٌ بِهِ مِنْ وَجْهٍ ، وَفَرْقٌ مِنْ آخَرَ ، فَإِنْ فَارَقَهَا الثَّانِي فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ فِي عِدَّتِهِ وَلَا سُكْنَى ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ قَبْلَ التَّفْرِقَةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ بَعْدَهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَفِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا مُدَّةَ حَمْلِهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَهَا النَّفَقَةُ إِذَا قِيلَ : إِنَّهَا لِلْحَمْلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا قِيلَ : إِنَّ النَّفَقَةَ لِكَوْنِهَا ذَاتَ حَمْلٍ ، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ وَضْعِهَا فَفِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ مُدَّةَ نِفَاسِهَا وَجْهَانِ مَضَيَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِذَا وَضَعَتْ فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِلَّا اللَّبَأَ زوجة المفقود وَمَا إِنْ تَرَكَتْهُ لَمْ يَعْتَدَّ غَيْرُهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا عَادَ الزَّوْجُ الْمَفْقُودُ وَزَوْجَتُهُ حَامِلٌ مِنْ نِكَاحِ

غَيْرِهِ كَانَ الْحَمْلُ لَاحِقًا بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا تَرَبَّصَتْ لِلْأَوَّلِ بِمُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَمْلِ ، وَهِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْهُ وَأُلْحِقَ بِالثَّانِي : لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بِوَطْءِ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةِ فِرَاشٍ لَهُ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِ حَتَّى تَضَعَ لِبَقَاءِ عِدَّتِهَا مِنَ الثَّانِي ، فَإِذَا وَضَعَتْ عَادَتْ إِلَى إِبَاحَةِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي نِفَاسِهَا مِنْهُ ، فَأَمَّا رِضَاعُ الْوَلَدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهَا مِنْ رِضَاعِ اللِّبَأِ وَمَا لَا يَغْذُوهُ غَيْرُهُ ، وَلَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِهَا فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنِ اللِّبَأِ نُظِرَ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مُرْضِعَةٌ غَيْرُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَمْكِينُهَا مِنْ رَضَاعِهِ اسْتِيفَاءً لِحَيَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ اسْتِهْلَاكٌ لِحَقِّهِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ كَمَا يَلْزَمُهُ فِي الضَّرُورَةِ أَنْ يُحْيِيَ بِمَالِهِ نَفْسَ غَيْرِهِ ، وَإِنْ وُجِدَ لَهُ مُرْضِعَةٌ غَيْرُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِهِ : لِأَنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُتَطَوِّعَةٌ لَا تُجْبَرُ عَلَى رَضَاعِهِ إِذَا امْتَنَعَتْ ، وَفِي الْحَالِ الْأُولَى مُعْتَرِضَةٌ تُجْبَرُ عَلَى رَضَاعِهِ لَوِ امْتَنَعَتْ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَعَ التَّطَوُّعِ بِرَضَاعِهِ أَنْ تُسْقِطَ بِهِ حَقَّ اسْتِمْتَاعِهِ ، كَمَا لَا يَسْقُطُ بِرِضَاعِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَدُلُّ مَنْعُهُ لَهَا مِنَ الرِّضَاعِ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الرِّضَاعَ كَمَا يَمْنَعُهَا مِنْ خِدْمَةِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا خِدْمَةَ نَفْسِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْبِنَاءِ وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فِي رِضَاعِهَا وَلَدَ غَيْرِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا أَرْضَعَتْ وَلَدَ الثَّانِي بَعْدَ عَوْدِهَا إِلَى الْأَوَّلِ فعلى من تكون النفقة لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تُرْضِعَهُ فِي بَيْتِ الْأَوَّلِ أَوْ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ ، فَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي بَيْتِ الْأَوَّلِ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَرْضَعَتْهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَكِنْ إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ لَمْ تَعْصِهِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عَصَتْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رِضَاعُهُ وَاجِبًا عَلَيْهَا فَلَا تَكُونُ بِهِ عَاصِيَةً ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي غَيْرِ بَيْتِ الْأَوَّلِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَقَدْ عَصَتْهُ ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ لَمْ تَعْصِهِ ، وَفِي اسْتِحْقَاقِهَا لِلنَّفَقَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَهَا النَّفَقَةُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ . وَالثَّانِي : لَا نَفَقَةَ لَهَا لِتَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَذَلِكَ كَالْمُسَافِرَةِ إِنْ كَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ، وَإِنِ انْفَرَدَتْ عَنْهُ بِالسَّفَرِ ، وَكَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَفِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا وَجْهَانِ :

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوِ ادَّعَاهُ الْأَوَّلُ أُرِيَتْهُ الْقَافَةُ من ولدته زوجة المفقود " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا أَتَتْ بِوَلَدِ زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ بِنَفْسِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ ، فَفِي لُحُوقِ وَلَدِهَا بِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا لِغَيْرِهِ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى حُكْمِ فِرَاشِهِ .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يُلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَفْقُودَ مَنْ عُدِمَتْ أَخْبَارُهُ ، وَانْقَطَعَتْ آثَارُهُ ، وَقَدْ مَضَى مِنْ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ مَا يَمْنَعُ مِنْ بَقَاءِ مَائِهِ مَعَهَا ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا مِنْهُ ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَوَلَدَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ دُخُولِ الثَّانِي فَهُوَ لَاحِقٌ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَدِّعِهِ الْأَوَّلُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ تَلِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الثَّانِي يَكُونُ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمَشْرِقِيِّ إِذَا تَزَوَّجَ بِمَغْرِبِيَّةٍ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ ، فَإِنِ ادَّعَاهُ الْأَوَّلُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : " أُرِيَتْهُ الْقَافَةُ " فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ادِّعَائِهِ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَقُولَ فِي الدَّعْوَى : إِنِّي رَجَعْتُ سِرًّا فَأَصَبْتُهَا ، وَيَكُونُ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنًا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الثَّانِي فَيَرَى الْقَافَةُ حَتَّى يُلْحِقُوهُ بِأَشْبَهِهِمَا بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي دَعْوَاهُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ وَيَكُونُ مِنَ الثَّانِي ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ إِذَا ادَّعَاهُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً قَبِلْنَا دَعَوَاهُ ، وَجَعَلْنَا لَهُ فِي الْوَلَدِ حَقًّا فَيَرَى الْقَافَةُ ، فَيُلْحِقُوهُ بِأَحَدِهِمَا ، وَلَوْ لَمْ يَدَّعِهِ لَجَعَلْنَاهُ لِلثَّانِي تَغْلِيبًا لِلظَّاهِرِ وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ وَالْآخُرُ وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا زوجة المفقود بَدَأَتْ فَاعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ؛ لِأَنَّهُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، ثَمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ بِالْحُكْمِ بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ ، ثُمَّ يَمُوتُ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْكَلَامُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى بَيَانِ حُكْمَيِ الْعِدَّةِ ، وَالْمِيرَاثِ ، فَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَقْدِ الثَّانِي : هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ ، فَإِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهِ ، وَأَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ قَدِ انْفَسَخَ بِالْحُكْمِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ نُظِرَ فِي الْمَيِّتِ مِنْهُمَا ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الثَّانِيَ فَلَهَا مِيرَاثُهُ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا هُوَ الْمَيِّتُ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَا مِيرَاثَ لَهَا : لِأَنَّ الزَّوْجَ مِنْهُمَا هُوَ الثَّانِي وَهِيَ شَاكَّةٌ فِي مَوْتِهِ فَكَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى نِكَاحِهِ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ فَتَعْتَدَّ مِنْهُ وَتَرِثَهُ . وَإِنْ قِيلَ بِفَسَادِ نِكَاحِ الثَّانِي وَبَقَائِهَا عَلَى نِكَاحِ الْأَوَّلِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : إِمَّا الْأَوَّلُ أَوِ الثَّانِي أَوْ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ أَوْ هُمَا جَمِيعًا مَعًا .

فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي الميراث والعدة لزوجة المفقود بعد زواجها فَهُوَ الزَّوْجُ الْمَوْرُوثُ ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَا يَكُونُ أَوَّلَهَا وَقْتُ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لِلثَّانِي بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى فِرَاشِ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي بَدَأَتْ بِعِدَّةِ الْأَوَّلِ وَاسْتَحَقَّتْ مِيرَاثَهُ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ الميراث والعدة لزوجة المفقود بعد زواجها فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ يُورَثُ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ مَوْتِهِ بِالْأَقْرَاءِ دُونَ الشُّهُورِ ؛ لِأَنَّهَا عِدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ لَا عِدَّةَ زَوْجِيَّةٍ ، فَتَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ بِخِلَافِ مَوْتِ الْأَوَّلِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّهَا فِرَاشٌ لِلْأَوَّلِ بِالْعَقْدِ وَفِرَاشٌ لِلثَّانِي بِالْوَطْءِ فَرَاعَيْنَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ أَنْ تَبْتَدِئَهَا بَعْدَ رَفْعِ فِرَاشِ الْأَوَّلِ : لِأَنَّهُ ثَابِتٌ مُسْتَحَقٌّ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا وَلَا يُعْلَمُ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا الميراث والعدة لزوجة المفقود بعد زواجها فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَكْثَرَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَيِّتَ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْمَيِّتُ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ : وَهُوَ أَنْ يَمُوتَا مَعًا فَلَا يَخْلُو حَالُ مَوْتِهِمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : إِمَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ مَوْتُ الْأَوَّلِ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ مَوْتُ الثَّانِي ، وَإِمَّا أَنْ يَمُوتَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِمَّا أَنْ يُجْهَلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَوْتُ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَمُوتَ الثَّانِي بَعْدَهُ فَتَبْدَأُ بِعِدَّةِ الْأَوَّلِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ الثَّانِي بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَلَهَا مِيرَاثُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَوْتُ الثَّانِي ، ثُمَّ يَمُوتَ الْأَوَّلُ بَعْدَهُ ، فَأَوَّلُ عِدَّتِهَا مِنَ الثَّانِي مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ ، ثُمَّ يُرَاعَى مَوْتُ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّةِ الثَّانِي فَقَدْ وَفَّتْ عِدَّةَ الثَّانِي ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَمُوتَ الْأَوَّلُ فِي تَضَاعِيفِ عِدَّةِ الثَّانِي ، كَأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ قُرْءٍ وَاحِدٍ مِنْ عِدَّتِهِ فَتَقْطَعُ وَفَاةُ الْأَوَّلِ عِدَّةَ الثَّانِي لِصِحَّةِ عَقْدِهِ وَقُوَّةِ حَقِّهِ وَتَعْتَدُّ مِنْهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْهَا عَادَتْ فَتَمَّتْ عِدَّةُ الثَّانِي ، وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا وَهُوَ قُرْءٌ وَاحِدٌ فَتَأْتِي بِقُرْأَيْنِ ، وَقَدْ حَلَّتْ مِنَ الْعِدَّتَيْنِ ، وَهَكَذَا لَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ بِشُبْهَةٍ فَشَرَعَتْ فِي الِاعْتِدَادِ مِنْ وَطْئِهِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فِي تَضَاعِيفِ عِدَّتِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا انْقَطَعَتْ عِدَّةُ الْوَطْءِ ، وَلَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِلزَّوْجِ مِنْ طَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ ، فَإِذَا أَكْمَلَتْ عِدَّتَهُ

عَادَتْ فَتَمَّتْ عِدَّةَ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ لِقُوَّةِ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى حَقِّهِ بِصِحَّةِ عَقْدِهِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يُجْهَلَ مَا بَيْنَ مَوْتِهِمَا فَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْمَلَ عَلَى أَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ تَبْتَدِئَ بِعِدَّةِ أَقْرَبِ الْمَوْتَيْنِ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ عَنِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَهَا عَنِ الثَّانِي بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنْ يَمُوتَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا عِدَّتَانِ لَا يَتَدَاخَلَانِ فَتُقَدَّمُ عِدَّةُ الْأَوَّلِ لِصِحَّةِ عَقْدِهِ وَقُوَّةِ حَقِّهِ فَتَعْتَدُّ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ انْقِضَائِهَا عَنِ الثَّانِي بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ، فَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِمَا حَتَّى مَضَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّتَانِ حَلَّتْ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مَضَى زَمَانٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ ، ثُمَّ قَدْ مَضَى الزَّمَانُ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ بِهِ الِاعْتِدَادُ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ : وَهُوَ أَنْ لَا يُعْلَمَ أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ مَوْتُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِاعْتِدَادُ بِمَا بَيْنَ الْمَوْتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَوْتُ الثَّانِي فَتَعْتَدَّ بِهِ مِنْ أَقْرَائِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَوْتُ الْأَوَّلِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ شُهُورِهِ فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْإِشْكَالِ أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَأَمَّا مَا بَعْدَ الْمَوْتَتَيْنِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ شُهُورِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يُحْتَسَبُ مِنْ أَقْرَاءِ الثَّانِي ، لِأَنَّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى عِدَّةِ الثَّانِي ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا اسْتَأْنَفَتْ لِلثَّانِي ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ ، وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَ الْمَوْتَيْنِ مَجْهُولًا اسْتَظْهَرَتْ فِيهِ بِأَقْرَبِ عَهْدِهِ وَأَقْرَبِهِ عَهْدًا مَسَافَةً ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ عَلَى مَسَافَةِ شَهْرٍ احْتُسِبَ بِشَهْرٍ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَبَنَتْ ، وَإِنْ كَانَ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ بَعْدَ الْمَوْتَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ احْتَسَبَتْ بِهَا ثُمَّ بَنَتِ اسْتِكْمَالَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ عِنْدَ مَوْتِهِمَا حَامِلًا فَحَبَلُهَا لَاحِقٌ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الثَّانِي ، وَإِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ ، لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يُعْتَدُّ بِوَضْعِهِ إِلَّا مِمَّنْ هُوَ لَاحِقٌ بِهِ ، ثُمَّ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ الْوَضْعِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ عَنِ الْأَوَّلِ ، وَهَلْ تُحْتَسَبُ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ فِيهَا أَمْ لَا : عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا تُحْتَسَبُ مُدَّةُ نِفَاسِهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ النِّفَاسِ مِنْ تَوَابِعِ الْعِدَّةِ الْفَاسِدَةِ فَكَانَ فِي حُكْمِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُحْتَسَبُ مُدَّةُ النِّفَاسِ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا بِالْوِلَادَةِ خَارِجَةٌ عَنْ عِدَّةِ الثَّانِي ، وَتَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ لَوْ حَلَّتْ مِنْ عِدَّةٍ أُخْرَى .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا مَاتَتِ الزَّوْجَةُ عِنْدَ الثَّانِي من يرثها لمن وطئت من رجل بشبهة فَمِيرَاثُهَا لِمَنْ صَحَّ نِكَاحُهُ مِنْهَا .

فَإِنْ قِيلَ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الثَّانِي عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ كَانَ مِيرَاثُهَا لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ قِيلَ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ لِلْأَوَّلِ وَفَسَادِ نِكَاحِ الثَّانِي كَانَ مِيرَاثُهَا لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " ثُمَّ قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَهْرَهَا ، وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ ذَلِكَ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : هَذَا غَلَطٌ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَهْرَ ، لِأَنَّهَا مَلَكَتْهُ فَصَارَ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهَا ، وَهَذَا الَّذِي تَوَهَّمَهُ الْمُزَنِيُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ مَهْرُهَا عَلَى الثَّانِي مِلْكٌ لَهَا ، وَمِنْ جَمَاعَةِ تَرِكَتِهَا وَيَرِثُ الْأَوَّلُ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا عَنَاهُ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ : " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَهْرَهَا " عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ - أَنَّهُ بِهَذَا التَّخْيِيرِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إِقْرَارِهَا عَلَى الثَّانِي وَأَخْذِ مَهْرِهَا مِنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ مَهْرَ الِاسْتِمْتَاعِ ، لِأَنَّهُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ بِخِلَافِ مَا حَكَاهُ الْكَرَابِيسِيُّ فَيَكُونُ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَدْرُ مِيرَاثِهِ مِنْهُ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ جَمِيعُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ اسْتِبْرَاءِ أُمِّ الْوَلَدِ

بَابُ اسْتِبْرَاءِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ كِتَابَيْنِ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَعِدَّتِهَا إِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ يُتَوَفَّى عَنْهَا سَيِّدُهَا تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ لَزِمَهَا أَنْ تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ ، وَالْأَمَةُ الْمُشْتَرَاةُ ، وَالْحُرَّةُ الْمُسْتَرَقَّةُ بِالسَّبْيِ فَيَلْزَمُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَ أَنْ يَسْتَبْرِئْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْأَمَةِ وَالْمَسْبِيَّةِ أَنَّهُمَا يَسْتَبْرِئَانِ نَفْسَهُمَا بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَخَالَفَ فِي الْمُدَبَّرَةِ فَقَالَ : لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا ، وَخَالَفَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ، فَيُقَالُ : تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : أُمُّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ عَنْهَا سَيِّدُهَا تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا كَالْحُرَّةِ . فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ بِمَا رُوِيَ أَنَّ مَارِيَةَ اعْتَدَّتْ لِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ، وَهِيَ لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ : لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، قَالَ : وَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ وَجَبَتْ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ . قَالَ : وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَحَدِ طَرَفَيْهَا وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي طَرَفَيْ عِدَّتِهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهَا عِدَّةَ حُرَّةٍ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [ الْبَقَرَةِ : ] فَجَعَلَ الْأَقْرَاءَ الثَّلَاثَةَ عِدَّةَ مَنْ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجَاتِ دُونَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ عَنْ مِلْكٍ فَوَجَبَ أَنْ تَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى قُرْءٍ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ ، وَلِأَنَّ ذَوَاتَ الْأَعْدَادِ مِنَ الْعِدَدِ لَا يَجِبُ اسْتِيفَاءُ عَدَدِهَا عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ ؛ وَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ وَجَبَتْ عَنِ انْتِقَالٍ وَحُرِّيَّةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ كَامِلَةً كَالْمَسْبِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمَسْبِيَّةَ كَانَتْ حُرَّةً فَرُقَّتْ كَالسَّبْيِ ، وَهَذِهِ كَانَتْ أَمَةً فَعَتَقَتْ بِالْمَوْتِ ، وَالْجَمِيعُ انْتِقَالُ عِتْقٍ وَحُرِّيَّةٍ ، وَلِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَمَّا انْتَفَى عَنْهَا أَحْكَامُ

النِّكَاحِ مِنَ الطَّلَاقِ ، وَالظِّهَارِ ، وَالْإِيلَاءِ انْتَفَى عَنْهَا عِدَّةُ النِّكَاحِ ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَخْلُو فِي اسْتِبْرَائِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً بِالْحَرَائِرِ ، أَوْ بِالْإِمَاءِ فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَطَلَ اعْتِبَارُهَا بِالْحَرَائِرِ ، وَثَبَتَ اعْتِبَارُهَا بِالْإِمَاءِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِدَادِ مَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ فَهُوَ أَنَّ فِعْلَهَا أَضْعَفُ حُكْمًا مِنْ قَوْلِهَا ، وَلَيْسَ قَوْلُهَا حُجَّةً فَفِعْلُهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حُجَّةً وَعَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تُعْتَبَرُ مِمَّنْ تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ وَمَارِيَةُ مُحَرَّمَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، فَكَانَ كُلُّ زَمَانِهَا عِدَّةً فَلَمْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْحُرَّةِ فَالْمَعْنَى فِيهَا : أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي أُمِّ الْوَلَدِ فَكَذَلِكَ الْأَقْرَاءُ الثَّلَاثَةُ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِكَمَالِ طَرَفَيْهَا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ حَالُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي الرِّقِّ ، وَهُوَ طَرَفٌ نَاقِصٌ وَنُقْصَانُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مُوجِبٌ لِنُقْصَانِ الْعِدَّةِ كَالْحُرَّةِ إِذَا سُبِيَتْ لَمَّا نَقَصَ طَرَفُهَا الْأَدْنَى ، وَإِنْ كَمُلَ طَرَفُهَا الْأَعْلَى اقْتَصَرَتْ عَلَى قُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ وَانْفِصَالٌ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، فَقَدْ رَوَى رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، قَالَ : لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، يَعْنِي أُمَّ الْوَلَدِ فَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَ كَالرِّوَايَةِ عَنْهُ نَقْلًا ، وَهَذَا أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ الْبَقَرَةِ : ] فَجَعَلَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مَقْصُورَةً عَلَى الْأَزْوَاجِ دُونَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ عَنْ مِلْكٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِقُرْءٍ كَالْأَمَةِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَمِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : مَا حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ؛ لِأَنَّ قَبِيصَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرِو ، وَالثَّانِي : أَنَّ الرِّوَايَةَ " لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا " يَعْنِي بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مَحْمُولٌ مِنْهُ عَلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاجْتِهَادِ الْمَعْمُولِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ لَا تَحِلُّ أُمُّ الْوَلَدِ لِلْأَزْوَاجِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَا تَحِلُّ أُمُّ الْوَلَدِ لِلْأَزْوَاجِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِبْرَاءَ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَهَا فِي حَيَاتِهِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ كَالْأَمَةِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْقُرْءِ هَلْ مَقْصُودُهُ الطُّهْرُ ، وَالْحَيْضُ فِيهِ تَبَعٌ كَالْعِدَّةِ ، أَمْ مَقْصُودُهُ الْحَيْضُ ، وَالطُّهْرُ فِيهِ تَبَعٌ بِخِلَافِ الْعِدَّةِ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَغْدَادِيُّ . وَوَجْهٌ ثَالِثٌ ذَكَرَهُ الْبَصْرِيُّونَ فَصَارَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِيهَا مُحْتَمَلٌ وَلِاحْتِمَالِهِ خَرَّجَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَقَاوِيلَ عَنْهُ ، فَأَحَدُ الْوُجُوهِ : أَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ الطُّهْرُ ، وَالْحَيْضُ تَبَعٌ كَالْعِدَّةِ ، فَعَلَى هَذَا لَهَا عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ عِتْقِهِ حَالَتَانِ ، حَائِضٌ أَوْ طَاهِرٌ ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَعْتَدَّ بِبَقِيَّةِ الْحَيْضِ ، فَإِذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا دَخَلَتْ فِي قُرُونِهَا ؛ فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ طُهْرَهَا وَرَأَتْ دَمَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ أم الولد حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هَلْ يَكُونُ قُرْءًا مُعْتَدًّا بِهِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يَكُونُ قُرْءًا كَمَا يَكُونُ فِي الْعِدَّةِ قُرُوءٌ لَكِنْ تُضَمُّ إِلَيْهِ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ لِيُعْرَفَ بِهَا بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ ، فَإِذَا مَضَتْ بَقِيَّةُ طُهْرِهَا وَاسْتَكْمَلَتِ الْحَيْضَةَ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَانْقَطَعَتْ حَلَّتْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِبَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْرِ قُرْءًا وَإِنْ كَانَ فِي الْعِدَّةِ قُرُوءٌ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُرْءًا لَوَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ تُضَمَّ إِلَيْهِ حَيْضَةٌ مُسْتَكْمِلَةً ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْءٍ . وَالثَّانِي : وَهُوَ فَرْقٌ وَتَوْجِيهٌ : أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْعِدَّةِ قُرُوءًا لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِأَقْرَاءٍ كَامِلَةٍ فَقَوِيَ حُكْمُهُ بِأَتْبَاعِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ قُرْءًا فِي الْعِدَّةِ لِانْفِرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَضَعُفَ عَنْ حُكْمِ الْكَمَالِ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَعْتَدُّ بِبَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْرِ حَتَّى يَنْقَضِيَ وَتَحِيضَ ثُمَّ الطُّهْرُ ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ هَذَا الطُّهْرَ وَرَأَتْ دَمَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ حَلَّتْ فَهَذَا حُكْمُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الطُّهْرَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْقُرُوءِ كَالْعِدَّةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَقْصِدَ فِي هَذَا الْقُرُوءَ وَالْحَيْضَ ، وَالطُّهْرُ فِيهِ تَبَعٌ بِخِلَافِ الْعِدَّةِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ حَيْضًا كَامِلًا فَقَوَّى طُهْرَهَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، فَكَانَ الطُّهْرُ فِيهَا مَقْصُودًا وَطُهْرُ الِاسْتِبْرَاءِ يَضْعُفُ بِانْفِرَادِهِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَصَارَ الْحَيْضُ فِيهِ عُقُودًا ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ لَا يُنَافِي الْحَمْلَ ، وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ الْحَيْضُ ، فَعَلَى هَذَا لَهَا حَالَتَانِ حَائِضٌ أَوْ طَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَعْتَدَّ بِبَقِيَّةِ هَذَا الْحَيْضِ بِوِفَاقِ الْبَغْدَادِيِّينَ

وَالْبَصْرِيِّينَ ، وَإِنْ خَالَفَ الْبَغْدَادِيُّونَ فِي الِاعْتِدَادِ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ ، وَجَعَلَهُ الْبَصْرِيُّونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّةِ الطُّهْرِ ، وَفَرَّقَ الْبَغْدَادِيُّونَ بَيْنَهُمَا : بِأَنَّ بَقِيَّةَ الْحَيْضِ يَتَعَقَّبُهُ طُهْرٌ لَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ، وَبَقِيَّةُ الطُّهْرِ تَتَعَقَّبُهُ حَيْضٌ يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَاعْتَدَّتْ بِهِ وَهَذَا ، وَهَذَا تَزْوِيقٌ ، وَلَيْسَ تَحْقِيقًا وَلَوْ عُكِسَ لَكَانَ أَشْبَهَ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا فِي أَوَّلِ حَيْضِهَا اعْتَدَّتْ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ أم الولد ، وَإِنْ مَاتَ فِي آخِرِهَا لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَوَّلِ الْحَيْضِ وَآخِرِهِ بِأَنَّ قُوَّةَ أَوَّلِهِ تَمْنَعُ مِنْ عُلُوقِ الْوَلَدِ فَبَرَأَ بِهِ الرَّحِمُ ، وَضَعْفُ آخِرِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ عُلُوقِ الْوَلَدِ ، فَلَمْ يَبْرَأْ بِهِ الرَّحِمُ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ بَرِئَ بِهِ الرَّحِمُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ لَبَرِئَ بِهِ الرَّحِمُ فِي الْعِدَّةِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ بَرِئَ الرَّحِمُ بِأَوَّلِهِ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى اسْتِكْمَالِ آخِرِهِ . فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بَقِيَّةَ حَيْضِهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهَا ، وَدَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ دَخَلَتْ فِي قُرْئِهَا فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَدُخُولِهَا فِي الطُّهْرِ الثَّانِي حَلَّتْ ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ طَاهِرًا لَمْ تَعْتَدَّ بِبَقِيَّةِ طُهْرِهَا ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ دَخَلَتْ فِي قُرْئِهَا فَإِذَا اسْتَكْمَلَتِ الْحَيْضَةَ ، وَطَهُرَتْ حَلَّتْ فَهَذَا حُكْمُ الْوَجْهِ الثَّانِي : أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْحَيْضُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْبَصْرِيُّونَ أَنَّ الطُّهْرَ وَالْحَيْضَ مَقْصُودَانِ مَعًا فِي قُرُوءِ الِاسْتِبْرَاءِ عدة أم الولد ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدَا مَعًا فِي أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ : لِأَنَّهُمَا فِي أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ يَجْتَمِعَانِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَقْصُودًا ، وَفِي قُرُوءِ الِاسْتِبْرَاءِ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا أَنْ يُقْصَدَا ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِيهِ مَقْصُودَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا لَهَا عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ حَالَتَانِ : حَائِضٌ ، أَوْ طَاهِرٌ ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا ، فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا وَرَأَتِ الطُّهْرَ دَخَلَتْ فِي قُرْئِهَا ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ طُهْرَهَا ثُمَّ حَاضَتْ حَيْضَةً كَامِلَةً بَعْدَهُ ، وَدَخَلَتْ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي حَلَّتْ ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا ، فَهَلْ تَعْتَدُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِبَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْرِ أَمْ لَا ؟ ام الولد عند موت السيد عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَعْتَدُّ بِهِ كَمَا لَا تَعْتَدُّ بِهِ عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ إِذَا كَانَ الطُّهْرُ وَحْدَهُ مَقْصُودًا ، فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ بَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْرِ دَخَلَتْ فِي قُرْئِهَا ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ حَيْضَتَهَا ، ثُمَّ اسْتَكْمَلَتْ بَعْدَهَا طُهْرًا كَامِلًا ، وَرَأَتْ دَمَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ حَلَّتْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِبَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْرِ إِذَا كَانَا مَقْصُودَيْنِ ، وَلَا تَعْتَدُّ بِهِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَقْصُودًا لِقُوَّتِهِ إِذَا قُرِنَ بِغَيْرِهِ ، وَضَعْفِهِ إِذَا انْفَرَدَتْ بِذَاتِهِ ، فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِي قُرْئِهَا فِي بَقِيَّةِ طُهْرِهَا ، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ ، وَاسْتَكْمَلَتْهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ ، وَدُخُولِ الطُّهْرِ حَلَّتْ وَيَصِيرُ اسْتِبْرَاؤُهَا بِذَلِكَ مُوَافِقًا لِأَحْكَامِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الْمُزَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ إِمْلَاءً عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَشَهْرٌ ( قَالَ ) وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ عدتها لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا كَانَتْ أُمُّ الْوَلَدِ مُؤَيَّسَةً عدتها اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا بِالشُّهُورِ وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ - أَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِشَهْرٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا قُرْءًا وَاحِدًا ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَقْرَاءَ الثَّلَاثَةَ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَصَارَ الْقَرْءُ الْوَاحِدُ مُقَابِلًا لِشَهْرٍ وَاحِدٍ ، فَلِذَلِكَ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا فِي الْقُرْءِ الْوَاحِدِ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَالْحُرَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الزَّمَانِ الَّذِي يَبْرَأُ فِيهِ الرَّحِمُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ ابْنَ آدَمَ يَمْكُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً ، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَةً ، فَهُوَ بَعْدَ انْتِقَالِهِ مِنَ الْعَلَقَةِ إِلَى الْمُضْغَةِ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ تَظْهَرُ أَمَارَاتُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَيُعْرَفُ بِهِ حَالُ الْحَمْلِ ، وَبِفَقْدِ أَمَارَاتِهِ تُعْرَفُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ فَلَمْ يَتَبَعَّضْ هَذَا الزَّمَانُ فِيهِ ، وَجَرَى مَجْرَى الْحَمْلِ الَّذِي لَا يَتَبَعَّضُ فَاسْتَوَى فِيهِ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ ، وَهَذِهِ الْحُرَّةِ كَذَلِكَ الشُّهُورُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَأَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا عدة أم الولد " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ كُلِّ ذَاتِ حَمْلٍ مِنْ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ يَكُونُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطَّلَاقِ : ] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسَ : أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ . وَرَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " عِدَّةُ كُلِّ ذَاتِ حَمْلٍ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا " وَلِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَبَعَّضُ فَعَمَّ حُكْمُهُ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا لَكِنْ يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا فِي النِّفَاسِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْهُ وَصَارَ اسْتِبْرَاءُ أُمِّ الْوَلَدِ ، وَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ ، وَالْحُرَّةِ الْمَسْبِيَّةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : بِالْحَمْلِ إِنْ كَانَ وَهْمًا وَهُوَ مِمَّا تَسَاوَى فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، وَبِالطُّهْرِ وَالْحَيْضِ إِنْ فُقِدَ الْحَمْلُ ، وَكَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ، وَهُوَ مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْحُرَّةُ ، وَبِالشُّهُورِ إِنْ فُقِدَتِ الْأَمْرَانِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مُسَاوَاتِهِمَا فِيهِ لِلْحُرَّةِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُدَبَّرَةُ إِذَا مَاتَ عَنْهَا سَيِّدُهَا عدتها ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ عَنْهُ ، وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ مِنْ سَاعَتِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِلْأَزْوَاجِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ .

فَأَمَّا الْأَمَةُ إِذَا مَاتَ عَنْهَا سَيِّدُهَا عدتها لَمْ يَلْزَمْهَا عَنْهُ اسْتِبْرَاءٌ ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا أَمْ لَا ، لَكِنْ لَيْسَ لِمَنِ انْتَقَلَتْ إِلَى مِلْكِهِ مِنْ وَارِثٍ أَوْ مُشْتَرٍ أَنْ يَطَأَهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا كَمَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، وَإِنْ كَانَ وَاطِئًا لَهَا ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ الْأَمَةِ ، وَإِنْ حَرُمَتْ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا إِذَا حُرِّمَتْ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ فَلِذَلِكَ تَقَدَّمَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ عَلَى النِّكَاحِ ، وَتَأَخَّرَ عَنِ الْبَيْعِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنِ اسْتَرَابَتْ الأمة ( حكمها ) فَهِيَ كَالْحُرَّةِ الْمُسْتَرِيبَةِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَرِيبَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَهَذِهِ إِذَا اسْتَرَابَتْ فِي حُكْمِهَا وَلَا يَخْلُو حَالُ اسْتِرَابَتِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَكُونَ فِي حَالِ قُرْئِهَا فَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، فَإِنْ نَكَحَتْ قَبْلَ زَوَالِ الرِّيبَةِ بَطَلَ نِكَاحُهَا لَا يَخْتَلِفُ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ تَحْدُثَ الرِّيبَةُ بَعْدَ نِكَاحِهَا ، وَتَقْضِي مُدَّةَ اسْتِبْرَائِهَا فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ إِلَّا أَنْ يَحْدُثَ بَعْدَ وِلَادَتِهَا لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَا يُوجِبُ فَسَادَ النِّكَاحِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بَاطِلًا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَحْدُثَ الرِّيبَةُ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَقَبْلَ النِّكَاحِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ حُدُوثَ الرِّيبَةِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ وَيُوجِبُ بَقَاءَهَا فِيهِ ، فَإِنْ نَكَحَتْ كَانَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا كَمَا لَوْ تَقَدَّمَتِ الرِّيبَةُ فِي زَمَانِ الِاسْتِبْرَاءِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ حُدُوثَ الرِّيبَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِ الصِّحَّةِ ، وَلَا يُوجِبُ بَقَاءَهَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنْ نَكَحَتْ كَانَ نِكَاحُهَا جَائِزًا كَمَا لَوْ حَدَثَتِ الرِّيبَةُ بَعْدَ النِّكَاحِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ أَوْ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ أم الولد فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ فَرْجَهَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَاحَهُ لِزَوْجِهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا مَاتَ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ وَهِيَ ذَاتُ حَمْلٍ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا بِمَوْتِهِ لِأَمْرَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِرَاشَهُ قَدْ زَالَ عَنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ . وَالثَّانِي : لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لِغَيْرِهِ . فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا من مات سيدها وهي تحت زوج أوفي عدة زوج لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ طَلَاقُ الزَّوْجِ أَوْ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِطَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ عِدَّةَ حُرَّةٍ لِكَمَالِ طَرَفَيْهَا بِالْحُرِّيَّةِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُ الزَّوْجِ أَوْ مَوْتُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مَوْتِ السَّيِّدِ أم الولد لَمْ يَخْلُ مَوْتُ السَّيِّدِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ إِلَى إِبَاحَتِهِ مِعِ بَقَاءِ عِدَّةِ الزَّوْجِ ، وَقَدْ كَانَتْ فِي أَوَّلِ عِدَّتِهَا مِنَ الزَّوْجِ فِي حُكْمِ الْأَمَةِ ، ثُمَّ صَارَتْ فِي آخِرِهَا حُرَّةً فَهَلْ تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ أَوْ تَسْتَكْمِلُ عِدَّةَ حُرَّةٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا مِنْ قَبْلُ ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنَ الزَّوْجِ أم الولد لَمْ تَكُنْ عِدَّتُهَا مِنَ الزَّوْجِ إِلَّا عِدَّةَ أَمَةٍ لِنُقْصَانِ طَرَفَيْهَا بِالرِّقِّ قَبْلَ الطَّلَاقِ ، وَبَعْدَهُ وَهَلْ تَصِيرُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ وَيُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ أَمْ لَا ؟ أم الولد فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا ظَهَرَ مِنْ مَنْصُوصَاتِهِ فِي كُتُبِهِ : أَنَّهَا قَدْ عَادَتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إِلَى فِرَاشِ السَّيِّدِ ، وَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ لِرَحِمِهَا بِالْعِدَّةِ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَطِئَ أَوْ لَمْ يَطَأْ ، وَحَكَى ابْنُ خَيْرَانَ قَوْلًا ثَانِيًا تَفَرَّدَ بِنَقْلِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَلَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهَا اسْتِبَاحَةٌ تَجَدَّدَتْ فِي مَالِكٍ فَلَزِمَ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ كَالْمُشْتَرِي يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَلَا يُجْزِئُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَائِعِ ، فَعَلَى هَذَا إِنِ اسْتَبْرَأَهَا السَّيِّدُ وَوَطِئَهَا صَارَتْ بِهَذَا الْوَطْءِ فِرَاشًا ، وَإِنْ مَاتَ لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِمَوْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ مَاتَ ، وَهِيَ غَيْرُ فِرَاشٍ لَهُ ، وَفِي وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ بِمَوْتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي اسْتِبْرَاءِ أُمِّ الْوَلَدِ ، هَلْ وَجَبَ لِحُرْمَةِ الْوَلَدِ أَوْ لِرَفْعِ الْفِرَاشِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ وَجَبَ لِحُرْمَةِ الْوَلَدِ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ لِثُبُوتِ حُرْمَتِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ وَجَبَ لِرَفْعِ الْفِرَاشِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهَا الِاسْتِبْرَاءُ ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَمْ يَعُدْ .

فَصْلٌ : وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنْ يُزَوِّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا مِنْ وَطْئِهِ ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ ، وَتَعْتَدُّ مِنْ طَلَاقِهِ فَفِي اسْتِبَاحَةِ السَّيِّدِ لَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا وَجْهَانِ وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا لَهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّ فِرَاشَ أُمِّ الْوَلَدِ أَثْبَتُ ؛ لِأَنَّ

وَلَدَهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنِ اسْتِبْرَائِهَا يُلْحَقُ بِالسَّيِّدِ ، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَدُ الْأَمَةِ ، وَإِذَا مَاتَ عَنِ الْأَمَةِ لَمْ يَلْزَمْهَا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " فَإِنْ مَاتَا فَعُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَاتَ قَبْلَ الْآخَرِ بِيَوْمٍ أَوْ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا نَعْلَمُ أَيُّهُمَا أَوَّلًا الزوج والسيد اعْتَدَّتْ مِنْ يَوْمِ مَاتَ الْآخِرُ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فِيهَا حَيْضَةٌ ، وَإِنَّمَا لَزِمَهَا إِحْدَاهُمَا فَإِذَا جَاءَتْ بِهِمَا فَذَلِكَ أَكْمَلُ مَا عَلَيْهَا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا عِنْدِي غَلَطٌ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَوْتِهِمَا إِلَّا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ فَلَا مَعْنَى لِلْحَيْضَةِ لِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا كَانَ مَاتَ أَوَّلًا فَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ مَشْغُولَةٌ بِهِ عَنِ الْحَيْضَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُ الزَّوْجِ أَوَّلًا فَلَمْ يَنْقَضِ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ حَتَى مَاتَ السَّيِّدُ فَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِعِدَّةِ الزَّوْجِ عَنِ الْحَيْضَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ فَقَدْ أَمْكَنَتِ الْحَيْضَةُ فَكَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَمَّا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ يَقِينَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَيَقِينَ مَوْتِ الزَّوْجِ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي وُقُوعِ الشَّكِّ فِي مَوْتِهِمَا وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ بَعْدَ غَيْبِهِمَا ، هَلْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَمْ لَا ؟ فَلَا حُكْمَ لِهَذَا الشَّكِّ وَهِيَ عَلَى حُكْمِهَا كَمَا لَوْ كَانَا بَاقِيَيْنِ فَإِذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُمَا ، فُقِدَ خَبَرُهُمَا جَرَى عَلَيْهِمَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ حُكْمُ الْمَفْقُودِ ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ السَّيِّدِ حُكْمُ الْمَفْقُودِ ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ مُعْتَبَرَةٌ بِمَالِهِ ، وَفِي حَقِّ الزَّوْجَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِنِكَاحِهِ ، وَإِذَا قَضَى لَهَا الْحَاكِمُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ بِالتَّرَبُّصِ لِلزَّوْجِ وَوُقُوعِ الْفُرْقَةِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ : لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ نَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُعْلَمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا وَيُشَكَّ فِي الْمَيِّتِ مِنْهُمَا هَلْ هُوَ السَّيِّدُ أَوِ الزَّوْجُ فَلَا تَعْتِقُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ هُوَ الزَّوْجَ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ هُوَ السَّيِّدَ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّكِّ ، وَتَكُونُ مُتَرَدِّدَةَ الْحَالِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً ذَاتَ زَوْجٍ إِنْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمَيِّتَ أَوْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ خَلِيَّةً مِنْ زَوْجٍ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمَيِّتَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالشَّكِّ أَحَدُهُمَا أُجْرِيَ عَلَيْهِمَا بَقَاءُ حُكْمِهِمَا وَيَجُوزُ أَنْ يُجْرَى عَلَيْهَا فِي الزَّوْجِ حُكْمُ الْمَفْقُودِ دُونَ السَّيِّدِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ أَنْ يُعْلَمَ مَوْتُهُمَا ، وَيَقَعَ الشَّكُّ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ مِنْهُمَا فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُعْلَمَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ . وَالثَّانِي : أَنْ يُعْلَمَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ .

وَالثَّالِثُ : أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ فِيمَا بَيْنُ مَوْتِهِمَا ، فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ الزوج والسيد ( عدتها ) ، فَهَذِهِ يَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حَيْضَةٌ اعْتِبَارًا بِأَغْلَظِ حَالَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّيِّدُ مَاتَ أَوَّلًا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا بِمَوْتِهِ وَقَدْ عَتَقَتْ ، وَعَلَيْهَا بِمَوْتِ الزَّوْجِ بَعْدَهُ أَنْ تَعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَاتَ أَوَّلًا قبل السيد ( عدتها ) فَعَلَيْهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ ، وَمَوْتُ السَّيِّدِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا سَقَطَ لِاسْتِبْرَائِهَا مِنْهُ فَيَسْقُطُ اسْتِبْرَاءُ السَّيِّدِ مِنَ الْحَالَيْنِ يَقِينًا ، وَصَارَ الشَّكُّ فِي وُجُوبِ عِدَّتِهَا مِنَ الزَّوْجِ هَلْ هِيَ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُ الزَّوْجِ أَوْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُ السَّيِّدِ فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهَا أَطْوَلَ الْعِدَّتَيْنِ اعْتِبَارًا بِأَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ لِتَخْرُجَ مِنَ الْعِدَّةِ بِيَقِينٍ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسٍ لَيَالٍ الزوج والسيد ( عدتها ) فَهَذِهِ يَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ بَعْدِ آخِرِهِمَا مَوْتًا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِيهَا حَيْضَةٌ ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ عِدَّةَ حُرَّةٍ ، أَوْ قُرُوءٍ وَهُوَ اسْتِبْرَاءُ أُمِّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ أَسْبَقَهُمَا مَوْتًا ، وَهُوَ الزَّوْجُ فَقَدْ مَضَتْ عِدَّتُهُ : شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَلَزِمَهَا أَنْ تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِحَيْضَةٍ لِمَوْتِ السَّيِّدِ ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ أَسْبَقَهُمَا مَوْتًا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا لِمَوْتِهِ ، وَعَلَيْهَا إِذَا مَاتَ أَنْ تَعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَصَارَتْ حَالُهَا مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَنْ يَلْزَمَهَا حَيْضَةٌ لَا غَيْرَ إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُ الزَّوْجِ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُ السَّيِّدِ ، فَأَلْزَمْنَاهَا أَغْلَظَ الْأَمْرَيْنِ وَأَطْوَلَ الزَّمَانَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، أَوْ قُرْءٍ كَامِلٍ كَالْمُطَلِّقِ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ إِذَا مَاتَ عَنْهُمَا قَبْلَ الْبَيَانِ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِأَبْعَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَةً ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْحَيْضَةُ الَّتِي فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ قَبْلَ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ بَعْدَهَا ، وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَحَكَاهُ عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ، فَقَالَ : إِنَّمَا يُجْزِئُهَا الْحَيْضَةُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ إِذَا كَانَتْ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ لِجَوَازِ أَنْ يَتَأَخَّرَ مَوْتُ السَّيِّدِ بَعْدَهَا ، فَلَا يَجْرِي تَقَدُّمُ الْحَيْضَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ إِلَّا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ . وَالثَّانِي : أَنَّنَا نَأْمُرُهَا بِذَلِكَ بِعِدَّةِ آخِرِهِمَا مَوْتًا ، فَلَيْسَ تُوجَدُ الْحَيْضَةُ إِلَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ شُهُورِهِمَا أَوْ تَأَخَّرَتْ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنْ يُشَكَّ فِيمَا بَيْنَ مَوْتِهِمَا فَلَا يُعْلَمُ هَلْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ

شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ الزوج والسيد ( عدتها ) فَيُحْمَلُ عَلَى أَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ ، وَأَغْلَظُهُمَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ لَزِمَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ فِيهِمَا حَيْضَةٌ فَلَزِمَهَا مَعَ هَذَا الشَّكِّ أَنْ تَعْتَدَّ بِأَبْعَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، أَوْ قُرْءٍ وَاحِدٍ لِتَخْرُجَ مِنْ عَدَّتِهَا بِيَقِينٍ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيَّ أَطْلَقَ الْجَوَابَ فِي إِيجَابِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ عدة أم الولد فِيهَا حَيْضَةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فِيمَا بَيْنَ الْمَوْتَيْنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي إِطْلَاقِهِ وَنَسَبَهُ إِلَى الْغَلَطِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَفَصَّلَ الْمُزَنِيُّ اعْتِرَاضَهُ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ : إِنْ أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسٍ فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَقَلَّ فَهُوَ سَهْوٌ وَغَلَطٌ ، وَهَذَا الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ الْمُزَنِيُّ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفِقْهِ صَحِيحًا فَهُوَ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الشَّافِعِيِّ سُوءُ ظَنٍّ بِهِ وَوَهْمٌ مِنْهُ ، وَقَدْ فَصَّلَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " بِمَا يُغْنِي عَنْهُ الظَّنُّ وَالِاشْتِبَاهُ ، وَفِي إِطْلَاقِهِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَسْطُورَةٌ فِي الْعِلْمِ بِمَوْتِهِمَا ، وَوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا ، وَفِيمَا بَيْنُ مَوْتِهِمَا وَفِي مَسْطُورِهَا مَا يَقْتَضِيهِ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَعُمُّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ ، وَالْجَوَابُ عَائِدٌ إِلَى قِسْمَيْنِ مِنْهَا : لِأَنَّ حُكْمَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَأْخُوذٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْ تَفْصِيلِ جَوَابِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ لَا تَرِثُ زَوْجَهَا حَتَّى يُسْتَيْقَنَ أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ قَبْلَ زَوْجِهَا فَتَرِثَهُ وَتَعْتَدَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ كَالْحُرَّةِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَرِثُ زَوْجَهَا حَتَّى يُسْتَيْقَنَ أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ قَبْلَ زَوْجِهَا فَتَرِثَهُ وَتَعْتَدَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ كَالْحُرَّةِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا اسْتَدَامَ الشَّكُّ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ مِنْهُمَا لَمْ تَرْثِ زَوْجَهَا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الرِّقِّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ . فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ غَلَّبْتُمْ حُكْمَ الْحُرِّيَّةِ فِي الْعِدَّةِ دُونَ الْمِيرَاثِ ، وَغَلَّبْتُمْ حُكْمَ الرِّقِّ فِي الْمِيرَاثِ دُونَ الْعِدَّةِ . قِيلَ : لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِيَقِينٍ فَلَمْ تَرِثْ بِالشَّكِّ ، وَالْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ بِيَقِينٍ فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا بِالشَّكِّ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمِيرَاثَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ حَقِّهِ بِالشَّكِّ ، وَلَا يَتَعَلَّقَ بِتَغْلِيظِ الْعِدَّةِ إِسْقَاطُ حَقٍّ فَجَازَ أَنْ يَتَغَلَّظَ بِالشَّكِّ .

فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا مُنِعَتْ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِالشَّكِّ فَهَلَّا أَوْجَبَتْ بِالشَّكِّ وَقْفَ مِيرَاثِهَا ، حَتَّى يَزُولَ الشَّكُّ كَمَنْ طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ ، وَلَمْ يَبْقَ حَتَّى مَاتَ وَقَفَ عَلَيْهِمَا مَعَ الشَّكِّ بِمِيرَاثِ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَزُولَ الشَّكُّ ، فَهَلَّا كَانَ مِيرَاثُ أُمِّ الْوَلَدِ مَوْقُوفًا كَذَلِكَ ، قِيلَ : لِأَنَّ مِيرَاثَ أُمِّ الْوَلَدِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِهِ وَإِسْقَاطِهِ فَلَمْ يَجُزْ وَقْفُهُ مَعَ الشَّكِّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، وَمِيرَاثُ إِحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ مُسْتَحَقٌّ قَطْعًا ، وَإِنْ أَشْكَلَ مُسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا فَجَازَ أَنْ يُوقَفَ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ عَلَى بَيَانِ مُسْتَحِقِّهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا الْفَرْقُ يَفْسُدُ بِمَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ ، مُسْلِمَةٌ وَذِمِّيَّةٌ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا ، وَلَمْ يَبِنْ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يُوقَفُ مِنْ مَالِهِ مِيرَاثُ زَوْجَتِهِ ، وَإِنَّ شَكَّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، كَأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ هِيَ الذِّمِّيَّةَ فَتَسْتَحِقَّ الْمُسْلِمَةُ الْمِيرَاثَ ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُسْلِمَةُ هِيَ الْمُطَلَّقَةَ فَلَا تَسْتَحِقُّ الذِّمِّيَّةُ الْمِيرَاثَ ، وَلَمْ يَمْنَعْ هَذَا الشَّكُّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَهَلَّا كَانَ مِيرَاثُ أُمِّ الْوَلَدِ مَوْقُوفًا . قِيلَ : فَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ : لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمَةِ أَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلْمِيرَاثِ ، فَلَمْ تُسْقِطْ مِيرَاثَهَا بِالشَّكِّ ، وَالْأَصْلُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهَا غَيْرُ وَارِثَةٍ فَلَمْ يُوقَفْ لَهَا مِيرَاثٌ بِالشَّكِّ ، فَصَحَّ بِهَذَا الْفَرْقِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْفَرْقِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالْأَمَةُ يَطَؤُهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ فَإِنْ نَكَحَتْ قَبْلَهَا فَمَفْسُوخٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ جَازَ لَهُ بَيْعُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ كَالْبَيْعِ ، وَهَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَ بَعْدَ مِلْكِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ ، وَالزَّوْجُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَ بَعْدَ نِكَاحِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ فَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلَمْ يَجُزْ نِكَاحُهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، فَإِذَا مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ قَدِ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ أَمْ لَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ : أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَذَلِكَ لِاسْتِحْدَاثِ الْمِلْكِ بِالسَّبْيِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مِلْكٍ مُسْتَحْدَثٍ فَإِنْ أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدِ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ بَيْعِهِ جَازَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عِتْقِهِ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْبَائِعُ لَوْ لَمْ يَبِعْهَا . وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَطَأَهَا بِالْمِلْكِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَطَأَهَا بِالنِّكَاحِ فَتَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ هُوَ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْبَائِعِ لَهَا قَبْلَ بَيْعِهَا قَدْ أَبْرَأَ رَحِمَهَا فِي الظَّاهِرِ ،

فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ أَمْكَنَ نَفْيُهُ فِي النِّكَاحِ بِاللِّعَانِ دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ نَفْيُهُ فِي الْمِلْكِ إِلَّا بِالِاسْتِبْرَاءِ ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ تَجْدِيدُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ ، وَلَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَا اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ بَيْعِهِ لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي إِذَا أَعْتَقَهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا وَيَمْنَعُ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ كَمَا يَمْنَعُ مِنْهُ وُجُوبُ الْعِدَّةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ، وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَهُ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ " الرَّشِيدِ " فَإِنَّهُ اسْتَبْرَأَ أَمَةً ، فَمِنْ شِدَّةِ مَيْلِهِ إِلَيْهَا اسْتَصْعَبَ الصَّبْرَ عَنْهَا إِلَى أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا فَسَأَلَ أَبَا يُوسُفَ عَنِ الْمَخْرَجِ فِي تَعْجِيلِ الِاسْتِبَاحَةِ ، فَقَالَ : تُعْتِقُهَا وَتَتَزَوَّجُهَا فَحَظِيَ عِنْدَهُ وَوَصَلَهُ وَشَكَرَتْهُ الْجَارِيَةُ وَوَصَلَتْهُ ، وَقَالَتْ : فَكَكْتَ رِقِّي ، وَجَعَلْتَنِي زَوْجَةَ الرَّشِيدِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَشْتَرِكُ رَجُلَانِ فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ وَتَزْوِيجُهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مُفْضٍ إِلَى اشْتِرَاكِ الْبَائِعِ وَالزَّوْجِ عَلَى وَطْئِهَا فِي الطُّهْرِ الْوَاحِدِ ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَسْقِ بِمَائِكَ زَرْعَ غَيْرِكَ فَلَمْ يَجُزْ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْقِيَ زَرْعَ الْبَائِعِ بِمَائِهِ ؛ وَلِأَنَّ وَطْءَ الْبَائِعِ وَطْءٌ لَهُ حُرْمَةٌ فَلَمْ يَجُزْ نِكَاحُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا مِنْهُ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ مَعَ حَظْرِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَإِبَاحَةِ وَطْءِ السَّيِّدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ وَطِئَ الْمُكَاتِبُ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ ، وَمَنَعَتْهُ الْوَطْءَ وَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَبِيعُهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنِّي حَكَمْتُ لِوَلَدِهَا بِحُكْمِ الْحُرِّيَّةِ إِنْ عُتِقَ أَبُوهُ ، وَالثَّانِي أَنَّ لَهُ بَيْعَهَا خَافَ الْعَجْزَ أَوْ لَمْ يَخَفْهُ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا كَمَا لَا يَبِيعُ وَلَدَهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : يَجُوزُ لِلْمَكَاتِبِ أَنْ يَسْتَبْرِئَ الرَّقِيقَ مِنَ الْعَبِيدِ ، وَالْإِمَاءِ إِذَا قَصَدَ بِهِ تَمْيِيزَ الْمَالِ لِوُجُودِ الْفَضْلِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، فَإِذَا مَلَكَ أَمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطْؤُهَا لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرِّ الْمِلْكِ كَالْعَبْدِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَ بِالْمِلْكِ إِلَّا مَالِكٌ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ رُبَّمَا أَحْبَلَهَا فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا ، وَلَمْ يُؤْمَنْ تَلَفُهَا ، وَالْمُكَاتَبُ مَمْنُوعٌ مِنْ إِتْلَافِ مَا بِيَدِهِ أَوْ إِحْدَاثِ نَقْصٍ فِيهِ ، فَإِنِ اسْتَأْذَنَ سَيِّدَهُ فِي وَطْئِهَا ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَالْحَظْرُ بَاقٍ لِحَالِهِ ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي وَطْئِهَا ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَالْحَظْرُ بَاقٍ بِحَالِهِ ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي وَطْئِهَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَمْلِيكٍ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَالِكٌ بِالْكِتَابَةِ ، وَفِي جَوَازِ وَطْئِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ قَوْلَانِ ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْعَبْدِ ، هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ ، فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَ إِذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ لَا يَمْلِكُ

وَإِنْ مُلِّكَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالْوَطْءِ أَنْ لَا يَمْلِكَ إِبَاحَةَ الْفَرْجِ الْمَمْلُوكِ ، وَالْفَرْجُ لَا يَحِلُّ بِالْإِبَاحَةِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا الْمُكَاتَبُ فَأَحْبَلَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ اسْتَأْذَنَ سَيِّدَهُ أَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مَالِكٌ ، وَعَلَى الثَّانِي فِي شُبْهَةِ مِلْكٍ ، وَلَا حَدَّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَهْرَهَا مِنْ كَسْبِهِ ، وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ وَلَدَهُ فِي حُكْمِهِ ، وَهُوَ لَا يُعْتَقُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَدُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ وَلَدِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ نَفْسِهِ ، فَإِنْ خَافَ الْعَجْزَ إِنْ لَمْ يَبِعْهُ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ عَجْزَهُ مُفْضٍ إِلَى رِقِّهَا ، فَكَانَ بَيْعُهُ فِي عِتْقِ الْأَبِ أَوْلَى مِنِ اسْتِرْقَاقِهِ مَعَ الْأَبِ . وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ إِنْ خَافَ الْعَجْزَ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِبَيْعِهِ مَظْنُونٌ لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ فِي الْكِتَابَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ بِهَذَا التَّجْوِيزِ مَا اسْتَحَقَّهُ عَلَى أَبِيهِ ، وَقَدْ يُقَابِلُ هَذَا التَّجْوِيزَ مِثْلُهُ مِنْ أَنْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكْتَسِبَ الْمُكَاتِبُ مَالًا قَبْلَ تَعَجُّزِهِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ لَفْظَةٍ فَيُعْتَقَانِ مَعًا فَلَا يُرْفَعُ هَذَا التَّجْوِيزُ بِمِثْلِهِ ، وَإِذَا تَقَابَلَ التَّجْوِيزُ إِنْ سَقَطَا ، وَكَانَ الْأَصْلُ حَظْرَ بَيْعِهِ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا أُمُّهُ فَهَلْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمَكَاتِبِ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمَكَاتِبِ ، وَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِمَمْلُوكٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةُ حُرِيَّةِ مُشْتَرًى إِلَيْهَا ، وَلَيْسَ مَا يُرْجَى مِنْ حُدُوثِ عِتْقِهِ بِمُوجِبٍ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهَا كَمَا لَوْ أَوْلَدَهَا بِعَقْدِ نِكَاحٍ لَمْ تَصِرْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ إِنْ مَلَكَهَا ، وَلَوِ اشْتَرَاهُمَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ عُتِقَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ ، وَلَمْ يُوجِبْ حُدُوثُ عِتْقِهِ تَحْرِيمَ بَيْعِهَا ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا سَوَاءٌ أَدَّى فَعُتِقَ أَوْ عَجَزَ فَرُقَّ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمَكَاتِبِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا ، لِأَنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ بَيْعِ وَلَدِهَا انْتَشَرَتْ حُرْمَةُ هَذَا الْمَنْعِ إِلَيْهَا فَصَارَ مَمْنُوعًا مِنْ بَيْعِهَا ، فَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ وَلَدِهَا ، وَبَيْعِ أَمَتِهِ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ مَا يَكُونُ مِنْ حَالِهِ فِي الْكِتَابَةِ فَإِنْ أَدَّى فَعَتَقَ عُتِقَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ عِنْدَ عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ ، وَاسْتَقَرَّ لِأَمَتِهِ حُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ فَحَرُمَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا عَلَى الْأَبَدِ ، وَعَتَقَتْ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ ، وَإِنْ عَجَزَ وَرُقَّ صَارَ الْوَلَدُ وَأَمَتُهُ مَمْلُوكَيْنِ لِلسَّيِّدِ مَعَ الْأَبِ ، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهُمْ إِذَا شَاءَ .

فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتِبُ زَوْجَتَهُ صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَبَطَلَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ يَطَؤُهَا بِالزَّوْجِيَّةِ ، وَالْمُكَاتِبُ لَا يُمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ بِالزَّوْجِيَّةِ ، وَبَعْدَ الشِّرَاءِ يَطَؤُهَا بِالْمِلْكِ ، وَالْمُكَاتِبُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ كَانَ عَلَى مَا مَضَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ

بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ وَالْإِمْلَاءِ . مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ سَبْيِ أَوَطَاسٍ أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، أَوْ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَلَا يُشَكُّ أَنَّ فِيهِنَّ أَبْكَارًا أَوْ حَرَائِرَ كُنَّ قَبْلَ أَنْ يُسْتَأْمَيْنَ وَإِمَاءً وَوَضِيعَاتٍ وَشَرِيفَاتٍ ، وَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِنَّ وَاحِدًا ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَكُلُّ مِلْكٍ يَحْدُثُ مِنْ مَالِكٍ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْوَطْءُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ كَانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ الْمِلْكِ ، ثُمَّ حَلَّ بِالْمِلْكِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : كُلُّ مَنِ اسْتَحْدَثَ مِلْكَ أَمَةٍ بِابْتِيَاعٍ ، أَوْ مِيرَاثٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ مَغْنَمٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا شَرِيفَةً كَانَتْ أَوْ وَضِيعَةً مَنْ يَجُوزُ حَبَلُهَا أَوْ لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ جُومِعَ مِثْلُهَا لَزِمَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا ، وَإِنْ لَمْ يُجَامَعْ مِثْلُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِنْ كَانَ مِثْلُهَا يَحْبَلُ لَزِمَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا وَإِنْ لَمْ يَحْبَلْ مِثْلُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَزِمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا ثَيِّبٌ حَتَّى تَحِيضَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْبِكْرِ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَى الْعَذْرَاءِ " . قَالُوا : وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مَوْضُوعٌ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَلَمْ يَلْزَمْ فِيمَنْ عَلِمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا ؛ وَلِأَنَّ عَدَدَ الْحَرَائِرِ أَعْلَى مِنِ اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ ، وَذَلِكَ سَاقِطٌ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَكَانَ الِاسْتِبْرَاءُ بِذَلِكَ أَوْلَى . وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ حَائِلٍ مِنْ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ وَبِكْرٍ

وَثَيِّبٍ مَعَ وُرُودِ ذَلِكَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ ، وَكَانَ فِيهِنَّ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَعَمَّ وَلَمْ يُفَرِّقْ . فَإِنْ قِيلَ : فَاسْمُ الْحَائِلِ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى مَنْ أَخْلَفَ حَمَلُهَا بَعْدَ تَقَدُّمِهِ مِنْهَا كَمَا يُقَالُ : نَاقَةٌ حَائِلٌ إِذَا أَخْلَفَتْ بَعْدَ أَنْ حَمَلَتْ ، وَتَسْمِيَةُ حَائِلٍ لَا يَنْطَلِقُ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ تَحْمِلْ مِنْ فَسِيلِ النَّخْلِ ، وَصِغَارِ الْبَهَائِمِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ ضِدُّ الْحَامِلِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ رَوَى أَبُو الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ مَا تَكَلَّفُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ ؛ وَلِأَنَّ مَنِ اسْتَجَدَّ مِلْكَ أَمَةٍ مُحَرَّمَةٍ لَزِمَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ الِاسْتِمْتَاعِ قِيَاسًا عَلَى مَوْضِعِ الْوِفَاقِ ؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ مَنْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا ، وَلَا يُجَامَعُ ، وَمَنْ يَحْبَلُ مِثْلُهَا وَلَا يَحْبَلُ يَشُقُّ لِاخْتِلَافِهِ فِي النَّاسِ ، وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ ؛ وَلَا سِيَّمَا مَعَ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ فَحُسِمَ الْبَابُ ، وَقُطِعَ التَّنَازُعُ كَالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ حِينَ قُدِّرَ شَرْعًا لِحَسْمِ التَّنَازُعِ ، وَتَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ حَسْمًا لِمَا تُفْضِي إِلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ عُمُومُ الِاسْتِبْرَاءِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ رِوَايَتِهِمْ لِقَوْلِهِ : وَلَا ثَيِّبٌ حَتَّى تَحِيضَ فَالْأَثْبَتُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ قَوْلِهِ : وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ بَعْضَ مَا شَمِلَهُ مِنَ الْعُمُومِ فَلَمْ يُعَارِضْهُ . فَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَى عَذْرَاءَ " ، فَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ خِلَافُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي جَمِيعِهِنَّ . وَقَوْلُهُمْ : إِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلِ الِاسْتِبْرَاءُ لِاسْتِحْدَاثِ الْمِلْكِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ تَارَةً وَلِلتَّعَبُّدِ أُخْرَى ، كَالْعِدَّةِ تَكُونُ اسْتِبْرَاءً لِلرَّحِمِ تَارَةً وَلِلتَّعَبُّدِ أُخْرَى إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعِدَدِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " فَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً مِنِ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ وَقَبَضَتْهَا وَتَفَرَّقَا بَعْدَ الْبَيْعِ ، ثُمَ اسْتَقَالَهَا فَأَقَالَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْفَرْجَ حُرِّمَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ حَلَّ لَهُ بِالْمِلْكِ الثَّانِي " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا مِمَّا أَوْضَحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ اسْتِبْرَاءَ الْإِمَاءِ مَعَ يَقِينِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَمَتَهُ عَلَى امْرَأَةٍ ، وَتَفَرَّقَا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ ثُمَّ اسْتَقَالَهَا فَأَقَالَتْهُ لَزِمَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا .

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا إِنْ أَقْبَضَهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا إِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا اسْتِحْسَانًا ، وَإِنْ لَزِمَهُ قِيَاسًا ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَوْ دَفَعَ الْقِيَاسَ لَكَانَ بِإِيجَابِ الِاسْتِبْرَاءِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ أَحَقَّ ، فَأَمَّا إِنْ تَفَاسَخَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْبِرَامِ الْبَيْعِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ " الْبُيُوعِ " بِمَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالِاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي طَاهِرًا بَعْدَ مِلْكِهَا ، ثَمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً مَعْرُوفَةً فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهَا فَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ وَاجِبٌ ، فَمَلَكَ الرَّجُلُ أَمَةً بِالِابْتِيَاعِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ ، وَيُسْتَحَبُّ لَوِ اسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ . وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيِّ : الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا الْمُشْتَرِي . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي . وَقَالَ مَالِكٌ : الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ بَعْدَ رَفْعِ يَدِ الْبَائِعِ ، وَقَبْلَ دُخُولِ يَدِ الْمُشْتَرِي . فَأَمَّا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا لَزِمَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ ابْتِيَاعِ الْمُشْتَرِي لَهَا . وَأَمَّا النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، فَإِنَّهُمَا اسْتَدَلَّا بِأَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا مِنْ مَاءِ الْبَائِعِ لِتَقَدُّمِ إِصَابَتِهِ ، وَمِنْ مَاءِ الْمُشْتَرِي لِمُسْتَحْدِثِ إِصَابَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ لِحِفْظِ مَائِهِ ، وَفِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِحِفْظِ مَائِهِ . وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ اسْتِبْرَاءَهَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ تَنُوبُ عَنِ الْحَقَّيْنِ ، وَفِي يَدِ أَحَدِهِمَا تَنُوبُ عَنْ حَقِّهِ فَكَانَ اسْتِيفَاءُ الْحَقَّيْنِ بِالْمُوَاضَعَةِ أَوْلَى مِنِ اسْتِيفَاءِ أَحَدِهِمَا بِالِانْفِرَادِ . وَدَلِيلُنَا عَلَى جَمَاعَتِهِمْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحَيْضَ مُبِيحًا لِلْوَطْءِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَكَانَ مَانِعًا مِنَ الْوَطْءِ ، وَإِنَّمَا يُبِيحُهُ إِذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَهَا بَعْدَ حَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا بَعْدَ حَيْضَتَيْنِ ، وَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ السَّبْيِ فِي مِلْكِ الْغَانِمِينَ ، وَفِي أَيْدِيهِمْ ، وَلِأَنَّهُ

اسْتِبْرَاءٌ عَنْ إِصَابَةٍ ، فَإِنِ احْتَجَجْتُ بِهِ عَلَى الْبَتِّيِّ قُلْتُ : فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ زَوَالِ الْإِبَاحَةِ كَالزَّوْجِيَّةِ ، وَإِنِ احْتَجَجْتُ بِهِ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ ، قُلْتُ : فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ فِيهِ إِلَّا اسْتِبْرَاءُ وَاحِدٌ كَالزَّوْجِيَّةِ ، وَإِنِ احْتَجَجْتُ بِهِ عَلَى مَالِكٍ ، قُلْتُ : فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ فِيهِ الْمُوَاضَعَةُ كَالزَّوْجَةِ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْبَتِّيِّ بِالنِّكَاحِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِابْتِيَاعِ وَإِنْ كَانَا بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ مِلْكَ الْمُطَلِّقِ يَزُولُ عَنِ الزَّوْجَةِ إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ ، فَأَمْكَنَ تَقْدِيمُ اسْتِبْرَائِهَا عَلَى عَقْدِ الثَّانِي ، وَمِلْكُ الْبَائِعِ يَزُولُ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يُمْكِنْ تَقْدِيمُ اسْتِبْرَائِهَا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي . وَالثَّانِي : أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَنْكُوحَةِ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ نِكَاحِهَا ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَيْهِ وَتَحْرِيمُ الْأَمَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهَا ، فَجَازَ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْعَقْدِ فَمَنَعَ بَقَاءُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ صِحَّتِهِ وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ فِرَاشًا بِالْبَيْعِ فَلَمْ يَمْنَعْ بَقَاءُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ صِحَّتِهِ . وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ فَخَالَفَا مَوْضِعَ الِاسْتِبْرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا يَتَمَيَّزُ لَهُ حِفْظُ مَا فِي الرَّحِمِ عَلَى مُسْتَحَقِّهِ وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا وَاحِدٌ ؛ فَلِذَلِكَ وَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ ، وَلَوْ وَجَبَ اسْتِبْرَاءَانِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا بِاثْنَيْنِ ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ . وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ بَيْنَ الْقَبِيحَةِ وَالْمَلِيحَةِ فَأَوْجَبَ الْمُوَاضَعَةَ فِي الْمَلِيحَةِ ، وَلَمْ يُوجِبْهُ فِي الْقَبِيحَةِ ، وَحُكْمُ الِاسْتِبْرَاءِ لَا يَفْتَرِقُ فِي الْقَبَائِحِ ، وَالْمِلَاحِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ قَدْ مَنَعْتَ بِهِ الْمُشْتَرِيَ مِنْ قَبْضِ مَا هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِقَبْضِهِ مِنْ مِلْكِهِ بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ : وَفَوَّتَ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعَ ، وَلَيْسَ مَنْعُهُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ ، وَقَدْ يَتْلَفُ فِي الْمُوَاضَعَةِ فَمِنْ مَالِ أَيِّهِمَا يَتْلَفُ ، فَإِنْ قَالَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ، وَهُوَ مَذْهَبُهُ ، قِيلَ : قَدْ أَقْبَضَ مَا بَاعَ فَلِمَ جَعَلْتَهُ تَالِفًا مِنْ مَالِهِ بَعْدَ إِقْبَاضِهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَكُونُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَبَعْدَ حُدُوثِ كُلِّ مِلْكٍ بِغَيْرِ شِرَاءٍ مِنْ وَصِيَّةٍ ، وَهِبَةٍ ، وَمَغْنَمٍ ، وَمِيرَاثٍ انْقَسَمَتْ أَسْبَابُ الْأَمْلَاكِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ لَا يَصِحُّ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَهُوَ مَا كَانَ الْقَبْضُ شَرْطًا فِي ثُبُوتِ مِلْكِهِ وَهُوَ الْهِبَةُ وَالْمَغْنَمُ ، فَإِنْ وُجِدَ الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الْمِلْكِ ، وَلَزِمَ أَنْ تَسْتَبْرِئَ بَعْدَهُ . وَقِسْمٌ ثَانٍ : يُعْتَدُّ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَهُوَ الْمِيرَاثُ ، فَإِذَا وُجِدَ الِاسْتِبْرَاءُ

بَعْدَ الْإِرْثِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ اعْتُدَّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْرُوثَ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ . وَقِسْمٌ ثَالِثٌ : يُخْتَلَفُ فِيهِ وَهُوَ الِابْتِيَاعُ فَالَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ ، أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِالِاسْتِبْرَاءِ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِالِاسْتِبْرَاءِ فِيهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَالتَّفْرِيقِ ، وَقَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَوْرُوثَةِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بَعْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ لِيُعْلَمَ بِهِ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ .

فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالَّذِي يَكُونُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي اسْتِبْرَاءِ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَيُوضَعُ الْحَمْلُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الشُّهُورِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ . وَالثَّانِي : بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ . وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ هَاهُنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْحَيْضُ في إستبراء أم الولد فَتَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِحَيْضَةٍ كَامِلَةٍ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ " ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَةً مَعْرُوفَةً " يَعْنِي كَامِلَةً ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ وَعِدَّةِ الْحُرَّةِ مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيهِ بِالطُّهْرِ كَالْحُرَّةِ وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا : " ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَةً مَعْرُوفَةً " لِيَقْوَى بِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يَكْمُلْ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَفَرَّدَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَقْوِيَةً لِحُكْمِهِ ، وَزِيَادَةً فِي الِاسْتِظْهَارِ بِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنِ اعْتِبَارِ حَالِهِمَا عَلَى اخْتِلَافِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ مَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَبَاعَدَ حَيْضُهَا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْحُرَّةِ إِذَا تَبَاعَدَ حَيْضُهَا فِي الْعِدَّةِ ، فَإِنْ كَانَ لِعِلَّةٍ مَكَثَتْ حَتَّى تَحِيضَ فَتَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِقُرْءٍ أَوْ تَبْلُغَ زَمَانَ الْإِيَاسِ فَتَسْتَبْرِئَ بِشَهْرٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ بِنَفْسِهَا غَالِبَ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَسْتَبْرِئُ بِالشُّهُورِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : تَتَرَبَّصُ بِنَفْسِهَا مُدَّةَ أَكْثَرِ الْحَمْلِ أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ تَسْتَبْرِئُ بِالشُّهُورِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ تَتَرَبَّصُ بِنَفْسِهَا أَبَدًا حَتَّى تَبْلُغَ زَمَانَ الْإِيَاسِ ثُمَّ تَسْتَبْرِئُ بِالشُّهُورِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ حَالَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ تَظْهَرَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا في استبراء الأمة ، وَأَنْ لَا حَمْلَ مَعَهَا فَتَحِلَّ لِلْمُشْتَرِي وَلِكُلِّ مَالِكٍ مِنْ وَارِثٍ وَغَانِمٍ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا بِوَضْعِ وَلَدٍ في استبراء الأمة فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ لَا تَكُونَ فِرَاشًا لِزَوْجٍ وَلَا لِسَيِّدٍ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مَسْبِيَّةً ، أَوْ تَكُونَ حَامِلًا مِنْ زِنًا فَيَكُونَ وَضْعُ الْحَمْلِ اسْتِبْرَاءً ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ صِحَّةِ الشِّرَاءِ ، وَهِيَ حَلَالٌ لَهُ بَعْدَ الْوَضْعِ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ النِّفَاسِ ، وَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لَهُ ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِمَا يَخَافُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، فَأَمَّا بَعْدَهَا فَإِنْ تَحَقَّقَ حَمْلُهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَالْإِمْسَاكُ عَنِ الْعَيْبِ رِضًا بِالْعَيْبِ ، فَلَا رَدَّ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَمْلَهَا حَتَّى وَلَدَتْ نُظِرَ حَالُهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهَا بِالْوِلَادَةِ فَلَا رَدَّ لَهُ لِزَوَالِ الْخَوْفِ وَعَدَمِ الْعَيْبِ ، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا اعْتُبِرَ النَّقْصُ ، فَإِنْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلَا رَدَّ لَهُ لِحُدُوثِهِ فِي يَدِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا وَقْتَ الْحَمْلِ فَلَهُ الرَّدُّ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ كَأَنَّهَا زَوْجَةُ الْبَائِعِ أَوِ الْوَاهِبِ بِهَا ، فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِزَوْجِهَا إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي أَوِ الْمُسْتَوْهِبِ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا مِنَ الزَّوْجِ بِوِلَادَتِهِ ، وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي اسْتِبْرَاؤُهَا بَعْدَهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ لِمَا عَلِمَ مِنْ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا بِالْوِلَادَةِ ، وَتَكُونُ الْوِلَادَةُ اسْتِبْرَاءً فِي حَقِّ الزَّوْجِ وَالْمُشْتَرِي مَعًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي حَقِّ اثْنَيْنِ لِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ تَدَاخُلِ الْعِدَّتَيْنِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ الْبَائِعِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ وِلَادَتُهَا قَبْلَ وَطْءِ الْمُشْتَرِي . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ وَطْءِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَخْلُ حَالُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْوَلَدِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا مِنْ وَطْئَهِ وَقَدْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ بَيْعِهِ ، فَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا حَقًّا بِالْبَائِعِ ، وَقَدْ صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيهَا وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَتَصَادَقَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبَائِعِ : لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَطَأْهَا أَوْ لِأَنَّهَا

وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهِ لَهَا فَيَكُونُ الْبَيْعُ مَاضِيًا ، وَالْوَلَدُ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي وَتَكُونُ وِلَادَتُهَا اسْتِبْرَاءً فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي ، وَيَجُوزُ لَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ نِفَاسِهَا أَنْ يَطَأَهَا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَدَّعِيَهُ الْبَائِعُ وَيُنْكِرَهُ الْمُشْتَرِي فَيَقُولَ الْبَائِعُ : وَطِئْتُهَا وَلَمْ أَسْتَبْرِئْهَا وَقَدْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ وَطْئِي وَقَبْلَ اسْتِبْرَائِي ، وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي هُوَ مِنْ زِنًا فَلِلْبَائِعِ حَالَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَكُونَ هُوَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ الْإِقْرَارَ بِوَطْئِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ إِمَّا مَعَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا سَوَاءٌ ، فَيَكُونُ الْوَلَدُ لَاحِقًا بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اعْتِرَافِهِ بِالْوَطْءِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَقَدْ صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَيَكُونُ الْبَيْعُ فِيهِمَا بَاطِلًا وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إِنْكَارُ الْمُشْتَرِي وَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ النَّسَبِ وَسُقُوطِ الْعِتْقِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ لَا يُسْمَعَ مِنَ الْبَائِعِ الِاعْتِرَافُ بِوَطْئِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَيَدَّعِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي إِبْطَالِ الْبَيْعِ وَعِتْقِ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْبَيْعِ الصِّحَّةُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى السَّلَامَةِ وَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِ دَعْوَى الْبَائِعِ لِإِبْطَالِهِ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَاضِيًا عَلَى الصِّحَّةِ ، وَالْأَمَةُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُشْتَرِي ، فَتَكُونُ وِلَادَتُهَا اسْتِبْرَاءً فِي حَقِّهِ يَسْتَبِيحُهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِ النِّفَاسِ ، وَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لَهُ وَفِي لُحُوقِ نَسَبِهِ بِالْبَائِعِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : قَالَهُ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " وَ " الْإِيلَاءِ " يُلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي لُحُوقِ نَسَبِهِ وَإِنَّمَا الضَّرَرُ عَلَيْهِ فِي عِتْقِهِ فَأَرْفَقْنَاهُ لِنَفْيِ الضَّرَرِ عَنْهُ ، وَلَمْ نَنْفِ نَسَبَهُ عَنِ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ ذَا نَسَبٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : رَوَاهُ عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ لَا يُلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْخِلُ عَلَى الْمُشْتَرِي ضَرَرًا فِي لُحُوقِ نَسَبِهِ بِالْبَائِعِ ، إِذَا مَاتَ بَعْدَ عِتْقِهِ فِي أَنْ يَصِيرَ مِيرَاثُهُ لِأَبِيهِ دُونَ مُعْتِقِهِ لِتَقَدُّمِ الْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ عَلَى الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ : أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِيُ : إِنَّهُ مِنَ الْبَائِعِ ، وَيُنْكِرَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ مِنْ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَدْ سُمِعَ مِنْهُ الِاعْتِرَافُ بِوَطْئِهَا ، فَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إِذَا وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ إِنْكَارُهُ ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ حَقٌّ لِلْوَلَدِ لَا يَسْقُطُ بِالْجُحُودِ وَتَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ يَبْطُلُ فِيهَا الْبَيْعُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِثَمَنِهَا . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ لَا يُسْمَعَ مِنْهُ الِاعْتِرَافُ بِوَطْئِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ ،

لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَسَلَامَةُ الْعَقْدِ لَكِنْ يُعْتَقُ الْوَلَدُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّهُ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِبَائِعِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى غَيْرِهِ ، فَهَذَا حُكْمُ الْوَلَدِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرِي قَدْ وَطِئَهَا .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا وَلَدَتْ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَلَدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُلْحَقَ بِالْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ أَنْ تَضَعَ مَعَ اعْتِرَافِهَا بِالْوَطْءِ ، لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الْمُشْتَرِي ، فَيَكُونَ لَاحِقًا بِالْبَائِعِ تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ فِيهَا بَاطِلًا ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي مَهْرُ مِثْلِهَا لِلْبَائِعِ لِوَطْئِهِ أُمَّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ ، وَيَتَقَاصَّا ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِهَا وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِبَاقِيهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا بِالْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ لِوَضْعِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنِ اسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ ، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الْمُشْتَرِي ، فَالْبَيْعُ مَاضٍ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَا تَرَاجُعَ فِيهِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ لَا يُلْحَقَ بِالْبَائِعِ وَلَا بِالْمُشْتَرِي ، وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنِ اسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ ، وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الْمُشْتَرِي ، فَيَكُونُ الْوَلَدُ مَنْفِيًّا عَنْهُمَا وَمَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ لِحُدُوثِهِ فِي مِلْكِهِ ، وَهِيَ مَمْلُوكَةُ الْمُشْتَرِي وَحَلَالٌ لَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ : الَّذِي يُمْكِنُ لُحُوقُهُ بِهِمَا فَهُوَ مُمْكِنٌ فِي الْحُرَّةِ وَمُمْتَنِعٌ فِي الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ لَاحِقٌ بِهِ إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ مِنَ الْعِدَّةِ ، وَوَلَدَ الْأَمَةِ لَا يُلْحَقُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ فَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ تَخْرِيجُ الْقِسْمِ الرَّابِعِ ، فَأَمَّا عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ مُنْتَفٍ عَنْهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ فَتَخْرِيجُهُ فِي إِمْكَانِ لُحُوقِهِ بِهِمَا مُمْتَنِعٌ ؛ لِأَنَّهَا إِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنِ اسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ فَهُوَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ بَعْدَ وَطْءِ الْبَائِعِ ؛ فَيَكُونَ لَاحِقًا بِالْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنِ اسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ اسْتِبْرَاءَهُ قَبْلَ وَطْءِ الْمُشْتَرِي ؛ فَيَكُونَ لَاحِقًا بِالْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَلِذَلِكَ مَا امْتَنَعَ تَخْرِيجُ هَذَا الْقِسْمِ فِي إِمْكَانِ لُحُوقِهِ بِهِمَا وَإِنْ وَهِمَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنِ اسْتَرَابَتْ أَمْسَكَتْ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ تِلْكَ الرِّيبَةَ لَمْ يَكُنْ حَمْلًا وَلَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَهِيَ تَرَى أَنَّهَا حَامِلٌ لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، أَوِ الْبَرَاءَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَمْلًا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْحُرَّةِ إِذَا اسْتَبْرَأَتْ ، وَحُكْمَ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا اسْتَبْرَأَتْ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَمَةِ إِذَا اسْتَبْرَأَتْ لَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَظْهَرَ الرِّيبَةُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الِاسْتِبْرَاءِ ، فَتَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ تَظْهَرَ الرِّيبَةُ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَبَعْدَ إِصَابَةِ الْمُشْتَرِي فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِصَابَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ لَهُ بِالْإِصَابَةِ فِرَاشًا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَظْهَرَ الرِّيبَةُ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَقَبْلَ إِصَابَةِ الْمُشْتَرِي فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ : أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : أَنَّهَا حَلَالٌ لَهُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ حَمْلُهَا .

مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ التَّلَذُّذُ بِمُبَاشَرَتِهَا وَلَا نَظَرٌ بِشَهْوَةٍ إِلَيْهَا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ التَّلَذُّذُ بِمُبَاشَرَتِهَا وَلَا نَظَرٌ بِشَهْوَةٍ إِلَيْهَا وَقَدْ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : إِذَا وَجَبَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ عَلَى مَنِ اسْتَحْدَثَ مِلْكَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هُوَ اعْتِزَالُ الْوَطْءِ سَوَاءٌ مَلَكَهَا عَنْ شِرَاءٍ أَوْ سَبْيٍ ، فَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا عَدَا الْوَطْءِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْحَمْلِ إِنْ ظَهَرَ بِهَا هَلْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لِمَنْ كَانَ مَالِكَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ : لِأَنَّهَا مُشْتَرَاةٌ مِنْ مَالِكٍ كَانَتْ لَهُ فِرَاشًا أَوْ مَوْرُوثَةً عَنْهُ أَوْ مُسْتَوْهَبَةً مِنْهُ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّلَذُّذُ بِمُبَاشَرَتِهَا ، وَالنَّظْرَةُ إِلَيْهَا بِشَهْوَةٍ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِيرُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ كَالْمَسْبِيَّةِ وَالْحَامِلِ مِنْ زِنًا فَفِي تَحْرِيمِ التَّلَذُّذِ بِمُبَاشَرَتِهَا وَمَا دُونُ الْفَرَجِ مِنْهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَحْرُمُ تَبَعًا لِلْوَطْءِ كَالْمُشْتَرَاةِ مِنْ ذِي فِرَاشٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تَحْرُمُ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَاةَ تَصِيرُ بِالْحَمْلِ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَحَرُمَتْ قَبْلَهَا ، وَالْمَسْبِيَّةُ وَالزَّانِيَةُ لَا تَصِيرُ بِحَمْلِهَا أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، وَإِنَّمَا يَسْتَبْرِئُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ بِمَائِهِ مَاءُ غَيْرِهِ ، فَإِذَا اجْتَنَبَ الْوَطْءُ حَلَّ لَهُ مَا عَدَاهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : وَقَعَ فِي سَهْمِي جَارِيَةٌ مِنْ سَبْيِ جَلُولَاءَ فَرَأَيْتُ لَهَا عُنُقًا كَإِبْرِيقِ الْفِضَّةِ فَمَا تَمَالَكْتُ أَنْ قَبَّلْتُهَا ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَامْتَنَعَ مِنْهُ وَلَأَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا إِذَا وُطِئَتْ زَوْجَةٌ بِشُبْهَةٍ ، وَلَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ مِنْ وَطْئِهِ حَرُمَ عَلَى زَوْجِهَا وَطْؤُهَا فِي عِدَّةِ الشُّبْهَةِ ، وَفِي تَحْرِيمِ التَّلَذُّذِ بِمَا دُونَ الْوَطْءِ

وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعِدَّةِ حَذَرًا مِنِ اخْتِلَاطِ الْمَائَيْنِ ، وَهِيَ بَعْدَ الْعِدَّةِ حَلَالٌ لِلزَّوْجِ فَأَشْبَهَتِ الْمَسْبِيَّةَ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَى أَمَةً ذَاتَ زَوْجٍ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْوَطْءِ وَالتَّلَذُّذِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ التَّلَذُّذَ بِهَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ فَحَرُمَ عَلَى الْمُشْتَرِي كَالْوَطْءِ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ . وَالثَّانِي : بَعْدَهُ . فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا أَنْ يَطَأَهَا ، وَفِي تَحْرِيمِ التَّلَذُّذِ بِمَا دُونَ الْوَطْءِ وَجْهَانِ ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لَهَا قَبْلَ تَزْوِيجِهَا ثُمَّ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الزَّوْجِ وَحَرُمَتْ عَلَى الْمَالِكِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْهُ ، وَهِيَ فِي زَمَانِ عِدَّتِهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَطَأَهَا أَوْ يَتَلَذَّذَ بِهَا ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْعِدَّةِ يَجْرِي مَجْرَى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ فَفِي وُجُوبِ اسْتِبْرَائِهَا عَلَى السَّيِّدِ وَجْهَانِ مَضَيَا : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا تَحْرِيمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ لِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا بِالْعِدَّةِ ، فَعَلَى هَذَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ وَغَيْرُهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ الْعِدَّةِ تَعَبُّدًا ، فَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَفِي تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّلَذُّذِ وَجْهَانِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى وَضَعَتْ حَمْلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا المستبرأة ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا تَمَّ حِينَ تَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا وُجُودَ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَلُزُومِهِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ وَجُودَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَفِيهِ شَاهِدٌ مِنْ مَذْهَبِهِ عَلَى مَا أُخْبِرْتُهُ مِنْ أَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا فَجَعَلُوهُ شَرْطًا فِيهِ ، فَإِذَا وَضَعَتِ الْأَمَةُ الْمُشْتَرَاةُ حَمْلَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَضَعَهُ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ بِالتَّفَرُّقِ وَمُضِيِّ زَمَانِ الْخِيَارِ فَيَكُونُ اسْتِبْرَاءً يَحِلُّ بِهِ الْمُشْتَرِي . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَضَعَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ فَيَكُونُ الِاسْتِبْرَاءُ بِهِ مَبْنِيًّا عَلَى

اخْتِلَافِ أَقَاوِيلِهِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ ، هَلْ يَكُونُ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ أَوْ بِهِ : وَيَنْقَضِي زَمَانُ الْخِيَارِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِهِمَا ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يَكُنْ وَضْعُ الْحَمْلِ اسْتِبْرَاءً لِوُجُودِهِ قَبْلَ الْمِلْكِ ، فَصَارَ كَوُجُودِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَرَّ عَلَيْهَا قُرْءٌ بِحَيْضٍ أَوْ بِطُهْرٍ لَمْ يَكُنِ اسْتِبْرَاءً ، وَلَا يَدْخُلُ بِالنِّفَاسِ فِي اسْتِبْرَاءٍ سَوَاءٌ قِيلَ : إِنَّهُ بِالْحَيْضِ أَوْ بِالطُّهْرِ ، فَإِذَا انْقَضَى نِفَاسُهَا ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ بِالطُّهْرِ دَخَلَتْ فِيهِ عِنْدَ تَقَضِّي النِّفَاسِ ، وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ بِالْحَيْضِ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ تَقَضِّي طُهْرِهَا وَطُهُورِ حَيْضِهَا فَهَذَا حُكْمُ وَضْعِهَا إِذَا قِيلَ : إِنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقَضِّي زَمَانِ الْخِيَارِ . فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : وَمَا عَدَاهُ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ مُنْتَقِلٌ إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، أَوْ مَوْقُوفٌ بِعِلْمِ تَقَضِّي الْخِيَارِ وَوُجُودِ الْمِلْكِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَانَ وَضْعُ الْحَمْلِ اسْتِبْرَاءً لِوُجُودِهِ بَعْدَ الْمِلْكِ ، فَصَارَ كَوُجُودِهِ بَعْدَ تَقَضِّي الْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ بَدَلَ الْوِلَادَةِ قُرُوءًا مِنْ حَيْضٍ أَوْ طُهْرٍ مَرَّ عَلَيْهَا بَعْدَ الْبَيْعِ ، وَقَبْلَ التَّفْرِيقِ فَقَدْ خَرَّجَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ اسْتِبْرَاءً كَالْحَمْلِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ بِخِلَافِ الْحَمْلِ ، وَلَا أَعْرِفُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهًا إِلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ بِالْحَمْلِ أَقْوَى وَلَيْسَ بِفَرْقٍ ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي حُصُولِ الِاسْتِبْرَاءِ بِهِمَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً مُكَاتَبَةً فَعَجَزَتْ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةُ الْفَرْجِ مِنْهُ ، ثُمَّ أُبِيحَ بِالْعَجْزِ وَلَا يُشْبِهُ صَوْمَهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهَا وَحَيْضَتَهَا ، ثَمَّ تَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَمَسَّهَا وَيُقَبِّلَهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ كَمَا يَحْرُمُ إِذَا زَوَّجَهَا ، وَإِنَّمَا قُلْتُ : طُهْرٌ ثَمَّ حَيْضَةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ بِقَوْلِهِ فِي ابْنِ عُمَرَ يُطَلِّقُهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِمَاءِ أَنْ يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ ، فَكَانَتِ الْحَيْضَةُ الْأُولَى أَمَامَهَا طُهْرٌ كَمَا كَانَ الطُّهْرُ أَمَامَهُ الْحَيْضُ فَكَانَ قَصْدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ إِلَى الْحَيْضِ ، وَفِي الْعِدَّةِ إِلَى الْأَطْهَارِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا كَاتَبَ أَمَتَهُ ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالْعَجْزِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ، وَكَذَلِكَ لَوِ ارْتَدَّ أَوِ ارْتَدَّتْ ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أَسْلَمَتْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا اعْتِبَارًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ بِحُدُوثِ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ التَّحْرِيمِ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْمُكَاتَبَةِ إِذَا عَجَزَتْ ، وَلَا فِي الْمُزَوَّجَةِ إِذَا طُلِّقَتْ ، وَلَا فِي الْمُرْتَدَّةِ إِذَا أَسْلَمَتِ اعْتِبَارًا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ سَرَيَانَ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالرِّدَّةِ لِحُدُوثِ التَّحْرِيمِ بِالصِّيَامِ ، وَالْحَيْضِ ، وَالْإِحْرَامِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِاسْتِبْرَاءِ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ بِهِ الْمِلْكُ : وَلِأَنَّ الرَّهْنَ يَمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا كَالْكِتَابَةِ ، ثُمَّ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ فِكَاكِهَا عَنِ الرَّهْنِ ، كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ عَجْزِهَا فِي الْكِتَابَةِ وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ إِبَاحَةٍ حَدَثَتْ بَعْدَ حَظْرٍ ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتَحْدَثَ اسْتِبَاحَةً بِمِلْكٍ بَعْدَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ كَالَّتِي اسْتَحْدَثَ مِلْكَهَا ، وَخَالَفَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّائِمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ ، لِاخْتِصَاصِهِ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ دُونَ دَوَاعِيهِ فِي الْحَائِضِ ، وَالصَّائِمَةِ ، وَالتَّلَذُّذِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ ، وَتَحْرِيمُ مَنْ ذَكَرْنَاهُ عَامٌّ ، زَالَ بِهِ عُمُومُ الِاسْتِبَاحَةِ فَافْتَرَقَا ، وَأَمَّا الْمَرْهُونَةُ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهَا دَوَاعِي الْوَطْءِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِبَاحَةِ وَطْئِهَا إِذَا آمَنَ حَمْلَهَا بِصِغَرٍ أَوْ إِيَاسٍ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَجُوزُ وَطْؤُهَا . وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَا يَجُوزُ : لِأَنَّ حَبَلَهَا غَيْرُ مَأْمُونٍ ، فَكَانَ الْمَنْعُ لِأَجْلِ الْحَبَلِ إِلَّا لِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي وَطْئِهَا جَازَ ، وَلَوْ كَانَ مَحْظُورًا لَمْ يَجُزْ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا سَنُوَضِّحُهُ فَمِنْ ذَلِكَ إِذَا اشْتَرَى أَمَةً مَجُوسِيَّةً ، وَاسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مُحَرَّمَةٌ ، وَبِالْإِسْلَامِ حَلَّتْ فَلَزِمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِحُدُوثِ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ " كَالْمُرْتَدَّةِ إِذَا أَسْلَمَتْ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَمَةً وَيَسْتَبْرِئَهَا فَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، فَأَمَّا اسْتِمْتَاعُ السَّيِّدِ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَقْتَ اسْتِبْرَائِهَا حَلَّ لِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا لِوُجُودِ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَالسَّيِّدُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا مَعَ بَقَاءِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا بِيَدِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَالْمَرْهُونِ عَلَى دَيْنِهِ ، فَإِذَا قَضَاهُ قَالَ أَصْحَابُنَا : هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ؛ لِأَنَّهَا إِبَاحَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ حَظْرٍ ، وَلَا تَعْتَدُّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَعِنْدِي : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاءٌ ، وَتَحِلُّ لَهُ بِالِاسْتِبْرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ لِوُجُودِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ، وَأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُوجِبُ الِاسْتِبْرَاءَ ، وَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ ، فَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ بِأَمَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا ، وَحَلَّتْ لَهُ بِالْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ؛ لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ مِنْ إِبَاحَةٍ بِزَوْجِيَّةٍ إِلَى إِبَاحَةٍ بِمِلْكٍ ، فَلَمْ يَتَخَلَّلْهَا حَظْرٌ فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْتَبْرِئْ ، وَلَكِنْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا بَعْدَ ابْتِيَاعِهَا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا ، وَبِمَاذَا يَكُونُ اسْتِبْرَاؤُهَا ؟ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ السَّيِّدِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ ابْتِيَاعِهَا اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا بِقُرْءٍ وَاحِدٍ اسْتِبْرَاءَ

الْإِمَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّيِّدُ قَدْ وَطِئَهَا بَعْدَ ابْتِيَاعِهَا اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا بِقُرْأَيْنِ عِدَّةَ أَمَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عَنْ وَطْءٍ فِي زَوْجِيَّةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
_____كِتَابُ مُخْتَصَرِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ _____

كِتَابُ مُخْتَصَرِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ وَمِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَمِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ حَرُمَ مَعَ الْقَرَابَةِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الرِّضَاعُ معناه فَاسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ ، وَقَدْ كَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُنْتَشِرَةً بَيْنَهُمْ وَمَرْعِيَّةً عِنْدَهُمْ ، حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَوَازِنَ لِمَا سُبِيَتْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ لِحُنَيْنٍ قَدِمَتْ وُفُودُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمِينَ ، فَقَامَ فِيهِمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ وَاللَّائِي كُنَّ يُرْضِعْنَكَ وَيَكْفُلْنَكَ ، وَلَوْ أَنَّا مَلَحْنَا أَيْ أَرْضَعْنَا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ ، أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ ثُمَّ نَزَلْنَا بِمِثْلِ مَنْزِلِنَا مِنْكَ رَجَوْنَا عَطْفَهُمَا وَفَائِدَتَهُمَا ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْكَافِلِينَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ فَإِنَكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ إِنْ لَمْ تَدَارَكْهَا نَعْمَاءُ نَسْتُرُهَا يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَإِنْ كُفِرَتْ وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ فَقَالُوا : أَخَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَمْوَالِنَا وَأَحْسَابِنَا بَلْ تَرُدُّ عَلَيْنَا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَمَّا كَانَ لِي وَلِبَنِي هَاشِمٍ فَهُوَ لَكُمْ فَرَعَى لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرْمَةَ رِضَاعِهِ فِيهِمْ ، وَجَرَى عَلَى مَعْهُودِ الْعَرَبِ مَعَهُمْ مِنْ إِثْبَاتٍ لِحُرْمَةِ النَّسَبِ ، وَلَا حُكْمَ لِتَحْرِيمٍ وَلَا مُحَرَّمٍ ، ثُمَّ رَوَى أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَسِّمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ إِذَا أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ فَدَنَتْ إِلَيْهِ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ فَقُلْتُ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالُوا : أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ .

فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرْضِعَةَ تَكُونُ أُمًّا . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : أَنَّهُ كَانَ فِي سَبْيِ هَوَازِنَ الشَّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أُخْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَعِيفَ بِهَا حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَقُولُ : أَنَا أُخْتُ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَقَالَ ، وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ قَالَتْ : عَضَّةٌ عَضِضْتَهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَلَامَةَ وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَخَيَّرَهَا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ مُكَرَّمَةً أَوِ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِهَا مُمَتَّعَةً ، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُمَتِّعَهَا وَتَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهَا فَفَعَلَ . فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ بِنْتَ الْمُرْضِعَةِ أُخْتٌ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَثَبَتَ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبِرَيْنِ أَنَّهَا كَالنَّسَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ النَّسَبِ إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَيَّنَ بِهِ حُكْمَ الرِّضَاعِ فِي تَحْرِيمِ الْمَنَاكِحِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ ، فَقَالَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [ النِّسَاءِ : ] إِلَى قَوْلِهِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَسَمَّى الْمُرْضِعَةَ أُمًّا وَبِنْتَهَا أُخْتًا تَأْكِيدًا ، لِمَا تَقَدَّمَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الِاسْمِ وَزِيَادَةً عَلَيْهَا فِي الْحُكْمِ ، وَحُرْمَتُهَا كَتَحْرِيمِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي حِفْظِ حَيَاتِهِ كَمَا كَانَتِ الْوَالِدَةُ أَصْلًا فِي إِيجَادِهِ ، وَصَارَتْ بِنْتُ الْمُرْضِعَةِ أُخْتًا كَمَا كَانَتْ بِنْتُ الْوَالِدَةِ أُخْتًا ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِمَا فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ مَقْصُورًا عَلَيْهِمَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا عَنْهُمَا إِلَى السَّبْعِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالْأَنْسَابِ ، فَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِبَيَانِ مَا أُرِيدَ بِالْكِتَابِ ، فَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ فِي بِنْتِ عَمِّكَ حَمْزَةَ فَإِنَّهَا أَجْمَلُ فَتَاةٍ فِي قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ حَمْزَةَ أَخِي فِي الرَّضَاعَةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ . فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعَةِ كَتَحْرِيمِ النَّسَبِ ، فَالَّذِي يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ النِّسَبِ حُكْمَانِ : أَحَدُهُمَا : تَحْرِيمُ الْمَنَاكِحِ ، لِذِكْرِهِ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ . وَالثَّانِي : ثُبُوتُ الْمُحَرَّمِ فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَالْخَلْوَةِ مَعَهَا . رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَفْلَحَ ، أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ هَلْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا ؟ وَكَانَتِ امْرَأَةُ أَبِي قُعَيْسٍ قَدْ أَرْضَعَتْهَا ، فَقَالَ : لِيَلِجْ عَلَيْكِ ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ رَجُلٍ فِي مَنْزِلِكَ

عِنْدَ حَفْصَةَ ، فَقَالَ : أُرَاهُ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ . فَأَمَّا مَا عَدَا هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْحَضَانَةِ وَسُقُوطِ الْقَوَدِ ، وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَالْمَنْعِ مِنَ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّسَبِ دُونَ الرَّضَاعَةِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِالْأُمِّ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النِّسَاءِ : الْوَالِدَةُ ، وَالْمُرْضِعَةُ وَأَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْوَالِدَةُ مُسْتَوْجِبَةٌ لِجَمِيعِ أَحْكَامِ النَّسَبِ ، وَالْمُرْضِعَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَى حُكْمَيْنِ التَّحْرِيمِ وَالْمُحَرَّمِ ، وَفِي أَزْوَاجِ الرَّسُولِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمْ : يُشَارِكْنَ الْمُرْضِعَةَ فِي التَّحْرِيمِ وَالْمُحَرَّمَ . وَالثَّانِي : يَنْفَرِدْنَ بِالتَّحْرِيمِ دُونَ الْمُحَرَّمِ .

مَسْأَلَةٌ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ كَمَا تُحَرِّمُ وِلَادَةُ الْأَبِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ كَمَا تُحَرِّمُ وِلَادَةُ الْأَبِ ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا غُلَامًا وَالْأُخْرَى جَارِيَةً هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ ؟ فَقَالَ : لَا اللِّقَاحُ وَاحِدٌ ، وَقَالَ مِثْلَهُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : فَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ فَكُلُّ مَا حَرُمَ بِالْوِلَادَةِ وَبِسَبَبِهَا حَرُمَ بِالرَّضَاعِ وَكَانَ بِهِ مِنْ ذَوِي الْمَحَارِمِ " . قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّبَنَ يَحْدُثُ بَعْدَ عُلُوقِ الْحَمْلِ لِيَكُونَ غِذَاءً لِلْوَلَدِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْلُودُ وَلَدًا لِلزَّوْجَيْنِ لِحُدُوثِهِ مِنْ مَائِهِمَا ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَضَعُ وَلَدًا لَهَا لِاغْتِذَائِهِ بِلَبَنِهَا : لِأَنَّ اللَّبَنَ تَابِعٌ لِلْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ أَصْلُ خَلْقِهِ ، وَاللَّبَنَ حَافِظٌ لِحَيَاتِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي الْمَوْلُودِ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا بِالْوَاطِئِ لِكَوْنِهِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ شُبْهَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبِعَهُ الْمُرْتَضَعُ فِي لَبَنِهِ ، فَكَانَ وَلَدَ رِضَاعٍ لِلْوَاطِئِ وَالْمُرْضِعَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلُودُ غَيْرَ لَاحِقٍ بِالْوَاطِئِ لِكَوْنِهِ مِنْ زِنًا صَرِيحٍ تَبِعَهُ الْمُرْضَعُ فِي انْتِفَائِهِ عَنِ الْوَاطِئِ ، وَكَانَ وَلَدَ رِضَاعٍ لِلْمُرْضِعَةِ دُونَ الْوَاطِئِ فَيَصِيرُ الْمُرْتَضَعُ تَابِعًا لِلْمَوْلُودِ فِي لُحُوقِهِ وَانْتِفَائِهِ ، فَإِذَا أُلْحِقَا بِالزَّوْجِ الْوَاطِئِ فَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ نُزُولَ اللَّبَنِ فِي ثَدْيٍ لَبَنٌ يُرْضِعُ بِهِ وَلَدًا فَيَصِيرُ وَلَدَهُ مِنَ الرِّضَاعِ ، فَإِذَا أُلْحِقَ وَلَدُ الرَّضَّاعِ بِهِمَا انْتَشَرَتِ الْحُرْمَةُ مِنْ جِهَتِهِمَا إِلَيْهِ فَهِيَ عَامَّةٌ تَتَعَدَّى إِلَى كُلِّ مَنْ نَاسَبَهُمَا مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ ، وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ، فَتَكُونُ الْمُرْضِعَةُ أُمَّهُ ، وَأُمَّهَاتُهَا جَدَّاتِهِ لِأُمٍّ وَأَبَاؤُهَا أَجْدَادَهُ لِأُمٍّ وَإِخْوَتُهَا أَخْوَالَهُ : وَأَخَوَاتُهَا خَالَاتٍ ، وَأَوْلَادُهَا إِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ ، فَإِنْ كَانُوا مِنَ الزَّوْجِ فَهُمْ لِأَبٍّ وَأُمٍّ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْهَا دُونَهُ ، فَهُمْ لِأُمٍّ وَيَكُونُ الزَّوْجُ الْوَاطِئُ أَبَاهُ وَآبَاؤُهُ أَجْدَادَهُ لِأَبٍّ ، وَأُمَّهَاتُهُ جَدَّاتِهِ لِأَبٍّ ، وَإِخْوَتُهُ أَعْمَامَهُ وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتِهِ ، وَأَوْلَادُهُ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ ، فَإِنْ كَانُوا مِنَ الْمُرْضِعَةِ فَهُمْ لِأَبٍّ وَأُمٍّ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْهَا دُونَهَا ، فَهُمْ لِأَبٍّ فَيَحْرُمُ مِنْ أَقَارِبِ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ أَقَارِبِ

النَّسَبِ ، وَأَمَّا انْتِشَارُهَا مِنْ جِهَتِهِ إِلَيْهِمَا فَهِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ ، وَعَلَى وَلَدِهِ ، وَإِنْ سَفُلَ دُونَ مَنْ عَلَا مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ ، وَدُونَ مَنْ شَارَكَهُ فِي النِّسَبِ مِنْ إِخْوَانِهِ وَأَخَوَاتِهِ ، فَلَا يَحْرُمُ آبَاؤُهُ وَأُمَّهَاتُهُ وَلَا أَخَوَاتُهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيِ الرِّضَاعِ ، فَيَكُونُ انْتِشَارُ الْحُرْمَةِ مِنْ جِهَتِهِ أَخَصَّ ، وَانْتِشَارُهَا مِنْ جِهَتِهِمَا أَعَمَّ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي عُمُومِ الْحُرْمَةِ مِنْ جِهَتِهِمَا ، وَخُصُوصِيَّتِهَا مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ أَنَّ اللَّبَنَ لَهُمَا دُونَهُ ، وَفِعْلَ الرِّضَاعِ مِنْهُمَا لَا مِنْهُ ، فَكَانَتْ جِهَتُهُمَا أَقْوَى فَعَمَّتِ الْحُرْمَةُ وَضَعُفَتْ مِنْ جِهَتِهِ فَخُصَّتِ الْحُرْمَةُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الرَّضَّاعِ وَبِهِ يُعْتَبَرُ حُكْمَاهُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْمُحَرَّمِ ، فَانْتِشَارُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمُرْضِعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَانْتِشَارُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْفَحْلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ وَانْتِشَارَهَا مِنْ جِهَةِ الْفَحْلِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْمُحَرَّمِ كَثُبُوتِهَا ، وَانْتِشَارِهَا مِنْ جِهَةِ الْمُرْضِعَةِ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْفَحْلَ لَا يَنْتَشِرُ عَنْهُ حُرْمَةُ الرِّضَاعِ ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَتِهِ تَحْرِيمٌ ، وَلَا مُحَرَّمٌ ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ الْمُرْتَضَعَةَ بِلَبَنِهِ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ النَّخَعِيُّ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَجَعَلَهُ دَاوُدُ مَقْصُورًا عَلَى الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [ النِّسَاءِ : ] فَخَصَّهُمَا بِذِكْرِ التَّحْرِيمِ ، ثُمَّ قَالَ مِنْ بَعْدُ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [ النِّسَاءِ : ] فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ مَنْ عَدَاهُمَا وَادَّعَوْا فِي ذَلِكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ خَطَبَ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ لِأَخِيهِ حَمْزَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَتْ : كَيْفَ أُزَوِّجُهَا بِهِ وَهُوَ أَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : ذَاكَ لَوْ أَرْضَعَتْهَا الْكَلْبِيَّةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، وَحَمْزَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أُمُّهُ الْكَلْبِيَّةُ ، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ قَدْ أَرْضَعَتْ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ فَصَارَتْ زَيْنَبُ أُخْتًا لِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ، وَأُخْتًا لِحَمْزَةَ مِنْ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ فَجَعَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ أُخْتًا لِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا أُخْتًا لِأَخِيهِ حَمْزَةَ ، وَلَا جَعَلَ اللَّبَنَ لِأَبِيهِ الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ : سَلِي الصَّحَابَةَ ، فَسَأَلُوا ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْحِيرَةِ فَأَبَاحُوهَا لَهُ ، وَقَالُوا : لَبَنُ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ فَزُوِّجَتْ بِهِ ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ

فَصَارَ إِجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّ الْفَحْلَ لَوْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فَأُرْضِعَ بِهِ وَلَدٌ لَمْ يَصِرْ لَهُ أَبًا فَلِأَنْ لَا يَصِيرَ أَبًا لَهُ بِلَبَنِ غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ لَوْ كَانَ لَهُمَا لَكَانَ إِذَا أَرْضَعَتْ بِهِ وَلَدًا يَكُونُ أُجْرَةُ الرِّضَاعِ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا اخْتَصَّتِ الْمُرْضِعَةُ بِالْأُجْرَةِ دُونَ الْفَحْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّبَنَ لَهَا لَا لِلْفَحْلِ ، وَلِأَنَّ الرِّضَاعَ لَمَّا اخْتُصَّ بِبَعْضِ أَحْكَامِ النَّسَبِ لِضَعْفِهِ وَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُرْضِعَةِ لِنَفْسِهِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [ النِّسَاءِ : ] إِلَى قَوْلِهِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [ النِّسَاءِ : ] وَمِنَ الْآيَةِ دَلِيلَانِ ، وَيَنْفَصِلُ بِهِمَا عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِهَا ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْأُمَّهَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى الْبَنَاتِ ، وَنَصَّ عَلَى الْأَخَوَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ وَأَخَوَاتُكُمْ عُمُومٌ يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَاتِ مِنَ الْأُمِّ ، وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبِ فَلَمْ يَقْتَضِ الظَّاهِرُ تَخْصِيصَ أَحَدِهِمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ، وَتَحْرِيمُ النَّسَبِ عَامٌّ فِي جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ ، فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي قُعَيْسٍ بَعْدَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ فَقَالَ : تَسْتَتِرِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ ، فَقَالَتْ مِنْ أَيْنَ ؟ فَقَالَ : أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي فَقَالَتْ : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةٌ وَلَمْ يُرْضِعْنِي رَجُلٌ ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثَهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . وَهَذَا نَصٌّ . وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ حَرُمَ بِالنَّسَبِ حَرُمَ بِالرِّضَاعِ كَالْأُمِّ ، وَهَذَا مِمَّا وَافَقَ فِيهِ لَفْظُ السُّنَّةِ مَعْنَاهَا ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْلُودَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا ، فَكَانَ الْوَلَدُ لَهُمَا وَإِنْ بَاشَرَتِ الْأُمُّ وِلَادَتَهُ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ الْحَادِثُ عَنْهُ لَهُمَا ، وَإِنْ بَاشَرَتِ الْأُمُّ رِضَاعَهُ ، وَإِذَا كَانَ اللَّبَنُ لَهُمَا وَجَبَ أَنْ تَنْتَشِرَ حُرْمَتُهُ إِلَيْهِمَا ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهُ الرِّضَاعَ فِي التَّحْرِيمِ بِالنَّسَبِ ، وَأَحْكَامُ النَّسَبِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ يَخْتَصُّ بِعَمُودَيِ النَّسَبِ الْأَعْلَى ، وَهُمُ الْوَالِدَانِ ، وَالْأَسْفَلُ وَهُمُ الْمَوْلُودُونَ وَلَا يَتَجَاوَزُهُمَا إِلَى مَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا ، وَذَلِكَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ وَسُقُوطُ الْقَوَدِ ، وَالْعِتْقُ بِالْمِلْكِ وَالْمَنْعُ مِنَ الشَّهَادَةِ . وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّسَبِ إِلَى حَيْثُ مَا انْتَشَرَ وَتَفَرَّعَ وَذَلِكَ الْمِيرَاثُ . وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ بِذِي الرَّحِمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْمَنَاكِحِ . فَلَمَّا لَمْ يَلْحَقِ الرِّضَاعُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي اخْتِصَاصِهِ بِعَمُودَيِ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِ الْأَخَوَاتِ ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِالْقِسْمِ الثَّانِي فِي اخْتِصَاصِهِ بِمَا تَفَرَّعَ عَلَى النَّسَبِ لِإِبَاحَةِ بَنَاتِ

الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ ثَبَتَ لُحُوقُهُ بِالْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي اخْتِصَاصِهِ بِذِي الرَّحِمِ وَالْمُحَرَّمِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ ادِّعَائِهِمُ الْإِجْمَاعَ فَقَدْ خَالَفَ فِيهِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَمَعَ خِلَافِهِمَا يَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ مَعَ كَوْنِ الْقِيَاسِ مَعَهُمَا بِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْفَحْلَ لَوْ أُرْضِعَ بِلَبَنِهِ لَمْ يَحْرُمْ ، فَهُوَ أَنَّهُ لَبَنٌ لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُ الْمَوْلُودُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ ، وَجَرَى مَجْرَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْبَانِ وَالْأَغْذِيَةِ ، وَخَالَفَ فِيهِ لَبَنَ الْمَرْأَةِ الْمَخْلُوقَ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ : لَوْ كَانَ اللَّبَنُ لَهُمَا لَكَانَتْ أُجْرَةُ الرِّضَاعِ بَيْنَهُمَا فَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أُجْرَةِ الرِّضَاعِ إِلَى مَاذَا يَنْصَرِفُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إِلَى الْحَضَانَةِ ، وَالرِّضَاعُ تَبَعٌ ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : إِلَى اللَّبَنِ ، وَالْحَضَانَةُ تَبَعٌ ، فَعَلَى هَذَا : الْأُجْرَةُ مَأْخُوذَةٌ عَلَى فِعْلِ الرِّضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ ، وَلَيْسَتْ مَأْخُوذَةً ثَمَنًا لِلَّبَنِ لِلْجَهَالَةِ بِهِ ، وَفَقْدِ رُؤْيَتِهِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ جَعَلَهَا ثَمَنًا لِلَّبَنِ ، وَجَعَلَهَا أَحَقَّ بِهِ ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي سَبَبِهِ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشِرَةٌ كَرَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي حَفْرِ بِئْرٍ فَاسْتَقَى أَحَدُهُمَا مِنْ مَائِهَا كَانَ أَحَقَّ بِمَا اسْتَقَاهُ لِمُبَاشَرَتِهِ ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّ اخْتِصَاصَهُ بِبَعْضِ أَحْكَامِ النَّسَبِ لِضَعْفِهِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِبَعْضِ جِهَاتِهِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا شَارَكَ النَّسَبَ فِي التَّحْرِيمِ وَجَبَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي غَيْرِ التَّحْرِيمِ ، وَيَغْلُبُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَيْهِمْ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : لَمَّا كَانَ الْمُرْتَضَعُ مُوَافِقًا لِلْمَوْلُودِ فِي الرِّضَاعِ وَمُفَارِقًا لَهُ فِي الْوِلَادَةِ اقْتَضَى أَنْ يُسْلَبَ بِفَقْدِ النَّسَبِ الْوَاحِدِ مَا تَعَلَّقَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالرَّضَاعُ اسْمٌ جَامِعٌ يَقَعُ عَلَى الْمَصَّةِ وَأَكْثَرَ إِلَى كَمَالِ الْحَوْلَيْنِ ، وَعَلَى كُلِّ رِضَاعٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَوَجَبَ طَلَبُ الدَّلَالَةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ " عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ " ثَمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا مَنِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ ، وَلَا الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : قُلْتُ لِلشَافِعِيِّ : أَفَسَمِعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَحَفِظَ عَنْهُ وَكَانَ يَوْمَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ وَعَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَتَحْرُمَ بِهِنَّ ( قَالَ ) فَدَلَّ مَا وَصَفْتُ أَنَّ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ كَمَا جَاءَ الْقُرْآنُ بِقَطْعِ السَّارِقِ فَدَلَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْضَ السَّارِقِينَ دُونَ بَعْضٍ

وَكَذَلِكَ أَبَانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَائَةِ جَلْدَةٍ بَعْضُ الزُّنَاةِ دُونَ بَعْضٍ لَا مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ سَرِقَةٍ وَزِنًا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ مَا ثَبَتَ بِهِ تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ إِلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ وَلَا يَثْبُتُ بِمَا دُونَهُمَا . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةُ . وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٌ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ دَاوُدُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : إِنَّهُ يَثْبُتُ تَحْرِيمُهُ بِثَلَاثِ رَضَعَاتٍ . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنَّهُ يَثْبُتُ تَحْرِيمُهُ بِرَضْعَةٍ وَاحِدَةٍ . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ اسْتِدْلَالًا بُقُولِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النِّسَاءِ : ] فَحَرَّمَ أُمًّا أَرْضَعَتْ ، وَالَّتِي أَرْضَعَتْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَيْهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ ، وَبِهَذَا احْتَجَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَ : لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ ، فَقَالَ : كِتَابُ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ يَعْنِي مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَالرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ تَسُدُّ الْجَوْعَةَ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللِّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ وَتَحْرِيمُ النَّسَبِ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَدُ فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ . وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْوَطْءِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالشُّرْبِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِيهِ الْعَدَدُ كَحَدِّ الْخَمْرِ ؛ وَلِأَنَّ الْوَاصِلَ إِلَى الْجَوْفِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفِطْرُ تَارَةً ، وَتَحْرِيمُ الرِّضَاعِ أُخْرَى ، فَلَمَّا لَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ فِي الْفِطْرِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الرِّضَاعِ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قَالَ : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ ، وَلَا الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ . وَرَوَى أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحَرِّمُ الْمَصَّةَ وَلَا الْمَصَّتَيْنِ فَرَوَى عَنْ عَائِشَةَ مَا سَمِعَ مِنْهَا . وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ : أَسَمِعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ سَمِعَ مِنْهُ وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِابْنِ الزُّبَيْرِ تِسْعُ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَمَنْ لَهُ تِسْعُ سِنِينَ قَدْ يَضْبِطُ مَا يَسْمَعُهُ وَيَصِحُّ نَقْلُهُ وَرِوَايَتُهُ . وَرَوَتْ أُمُّ الْفَضْلِ قَالَتْ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَتِي ، وَعِنْدِي أُخْرَى ، وَقَدْ ذَكَرَتِ الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتِ الْحُدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ أَوِ الْإِمْلَاجَتَانِ . . وَقِيلَ : إِنَّ الْإِمْلَاجَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَلَجَ يَمْلُجُ إِذَا اسْتَجْلَبَ اللَّبَنَ مِنَ الثَّدْيِ ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الثَّلَاثَةِ نُصُوصٌ فِي أَنَّ الرَّضْعَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُحَرِّمُ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا لَمْ تُحَرِّمْ إِذَا لَمْ تَصِلْ إِلَى الْجَوْفِ بَعْدَ الْحِلَابِ أَوْ بَعْدَ مَصِّهَا مِنَ الثَّدْيِ فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الرَّضْعَةَ لَا تَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى مَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ بِالْمَصِّ وَالِازْدِرَادِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَخْصِيصٌ يُسْقِطُ فَائِدَةَ الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ فِيمَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْجَوْفِ بَيْنَ رَضْعَتَيْنِ وَبَيْنَ مِائَةِ رَضْعَةٍ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِ الْأَمْرَيْنِ فِيمَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ ، وَفِيمَا لَمْ يَصِلْ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ كَانَ نُطْقُهُ حُجَّةً عَلَيْنَا فَإِنَّ دَلِيلَهُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ ؛ لِأَنَّ نُطْقَهُ أَنَّ الرَّضْعَتَيْنِ لَا تُحَرِّمَانِ ، وَدَلِيلُهُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ تُحَرِّمُ ، وَأَنْتُمْ لَا تُحَرِّمُونَ إِلَّا بِخَمْسٍ ، فَصَارَ مَذْهَبُكُمْ مَدْفُوعًا بِدَلِيلِهِ كَمَا دَفَعْتُمْ مَذْهَبَنَا بِنُطْقِهِ . قِيلَ : قَدْ صَحَّ بِهِ بُطْلَانُ مَذْهَبِكُمْ ، وَلَوْ تَرَكَنَا وَدَلِيلَ نُطْقِهِ صِرْنَا إِلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمِ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ عِنْدَكُمْ لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْهُ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ نَصٍّ مَنْطُوقٍ بِهِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ تُحَرِّمُ ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَتْ أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْعَشَرِ مَنْسُوخٌ بِالْخَمْسِ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِالْخَمْسِ رضعات ؛ لِأَنَّهَا دُونَهَا وَلَوْ

وَقَعَ التَّحْرِيمُ بِأَقَلَّ مِنْهَا بَطَلَ أَنْ تَكُونَ الْخَمْسُ نَاسِخًا ، وَصَارَ مَنْسُوخًا كَالْعَشْرِ وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ وَمُسْقِطٌ لِتَعَدِّي الْخَمْسِ . وَاعْتَرَضُوا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ قَالُوا : فِيهِ إِثْبَاتٌ لِذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّكُمْ أَثْبَتُّمُ الْقُرْآنَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَخْبَارِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ لَكَانَ مُثْبَتًا فِي الْمُصْحَفِ مَتْلُوًّا فِي الْمَحَارِيبِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقُرْآنِ . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّا أَثْبَتْنَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ حُكْمًا لَا تِلَاوَةً وَرَسْمًا ، وَالْأَحْكَامُ تَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ سَوَاءٌ أُضِيفَتْ إِلَى السُّنَّةِ ، أَوْ إِلَى الْقُرْآنِ كَمَا أَثْبَتُوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " حُكْمَ التَّتَابُعِ ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبُوا تِلَاوَتَهُ ، فَإِنِ اسْتَفَاضَ نَقْلُهُ ثَبَتَ بِالِاسْتِفَاضَةِ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ . وَمِثَالُهُ : مَا نَقُولُ فِي السَّرِقَةِ إِذَا شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ ثَبَتَ الْمَالُ وَالْقَطْعُ ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْقَطْعِ مَفْقُودَةٌ ، وَبَيِّنَةَ الْمَالِ مَوْجُودَةٌ كَذَلِكَ خَبَرُ الِاسْتِفَاضَةِ بَيِّنَةٌ فِي إِثْبَاتِ التِّلَاوَةِ ، وَالْحُكْمُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ بَيِّنَةٌ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ ثَابِتُ الْحُكْمِ ، فَكَانَ وُرُودُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالْآحَادِ سَوَاءً فِي إِثْبَاتِ حُكْمِهِ ، وَسُقُوطِ تِلَاوَتِهِ كَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ " وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ " وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عَمَرُ فِي الْقُرْآنِ لَكَتَبْتُهَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ ، وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْمَتْلُوِّ لَكَتَبْتُهَا مَعَ الْمَرْسُومِ الْمَتْلُوِّ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِكَتْبَتِهَا فِي الْحَاشِيَةِ ، لِئَلَّا يَنْسَاهَا النَّاسُ ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ لِئَلَّا تَصِيرَ مَتْلُوَّةً ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ من أنواع النسخ ما كَالَّذِي رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي اللَّيْلِ لِيَقْرَأَ سُورَةً فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا ، ثُمَّ سَأَلَ آخَرَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَأَتَى جَمِيعُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّهَا رُفِعَتِ اللَّيْلَةَ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ من القرآن كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالِاعْتِدَادِ بِالْحَوْلِ .

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ من القرآن كَالْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ فِي الرَّجْمِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ فِي الرِّضَاعِ . وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْعَشْرَ نُسِخْنَ بِالْخَمْسِ ، إِنَّمَا هُمَا جَمِيعًا بِالسُّنَّةِ لَا بِالْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ إِلَى الْقُرْآنِ لِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ كَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ فِي كِتَابِهِ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ : مَا وَجَدْتُ هَذَا فِي الْكِتَابِ فَقَالَ : أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الْحَشْرِ : ] وَمِثْلُهُ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ سَأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ أَخْبَرْتُهُ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا فَقَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : فَأَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الْحَشْرِ : ] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَدُوا بِالَّذِينِ مِنْ بَعْدِي أَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَسُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا ، فَقَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي : إِنْ قَالُوا : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ فِي صَحِيفَةٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشَاغَلْنَا بِغَسْلِهِ فَدَخَلَ دَاجِنُ الْحَيِّ فَأَكَلَهَا ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قُرْآنًا كَانَ مَحْرُوسًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ الْحِجْرِ : ] فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الَّذِي أَكَلَهُ دَاجِنُ الْحَيِّ رِضَاعُ الْكَبِيرِ وَحُكْمُهُ مَنْسُوخٌ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْعَشْرَ مَنْسُوخٌ بِالْخَمْسِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَائِرٍ ؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَاجِيلُ أُمَّتِي فِي صُدُورِهَا وَلَوْ أُكِلَتْ مَصَاحِفُ الْعُمْرِ كُلُّهَا ، لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْقُرْآنِ لِحِفْظِهِ فِي الصُّدُورِ . وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ : أَنْ قَالُوا : هَذَا إِثْبَاتٌ نُسِخَ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ : فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ مِمَّنْ يُقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ ، وَبِهَذَا لَا يَجُوزُ وَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا رَوَتْ بَعْدَ الرَّسُولِ نَسْخًا كَانَ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ وَقَوْلُهَا : كَانَ مِمَّا يُقْرَأُ أَيْ مِمَّا يُعْمَلُ بِهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ يُقْرَأُ بَعْدَ الرَّسُولِ لِإِثْبَاتِ حُكْمِهِ لَا لِإِثْبَاتِ تِلَاوَتِهِ ، فَلِمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ تُرِكَتْ تِلَاوَتُهُ . وَالِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ : أَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ نَسْخٍ بِخَبَرِ وَاحِدٍ ، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِخْبَارِ التَّوَاتُرِ ، وَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا خَبَرُ الْمَنْسُوخِ ثَبَتَ بِهَا خَبَرُ النَّاسِخِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ حُجَّةً فِي إِثْبَاتِ الْمَنْسُوخِ دُونَ النَّاسِخِ .

وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ نَسْخًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَقْلُ نَسْخٍ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَقْلُ النَّسْخِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فَعَلِمَتْ عَائِشَةُ الْعَشْرَ وَنَسْخَهَا بِالْخَمْسِ فَرَوَتْهَا وَرَجَعَتْ إِلَى الْخَمْسِ ، وَعَلِمَتْ حَفْصَةُ الْعَشْرَ ، وَلَمْ تَعْلَمْ نَسْخَهَا بِالْخَمْسِ فَبَقِيَتْ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي تَحْرِيمِ الرِّضَاعِ بِالْعَشْرِ دُونَ الْخَمْسِ ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو كَانْتَ زَوْجَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ سَالِمًا كُنَّا نَرَاهُ وَلَدًا ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيٌّ وَأَنَا فُضُلٌ ، وَقَدْ نَزَلَ مِنَ التَّبَنِّي وَالْحِجَابِ مَا قَدْ عَلِمْتَ فَمَاذَا تُرَانِي ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَضِعِيهِ خَمْسًا يَحْرُمُ بِهِنَّ عَلَيْكِ ، وَمِنْهُ دَلِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ يَحْرُمُ بِهِنَّ عَلَيْكِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْرُمَ بِمَا دُونَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حُكْمِهِ فِي وُقُوعِ التَّحْرِيمِ بِالْخَمْسِ . وَالثَّانِي : أَنَّ رِضَاعَ سَالِمٍ حَالُ ضَرُورَةٍ يُوجِبُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ ، وَلَوْ وَقَعَ التَّحْرِيمُ بِأَقَلَّ مِنْهَا لَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قَالُوا : هَذَا وَارِدٌ فِي رِضَاعِ الْكَبِيرِ وَرِضَاعُهُ مَنْسُوخٌ فَلَمْ يَجُزِ التَّعَلُّقُ بِهِ ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى حُكْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ رِضَاعُ الْكَبِيرِ . وَالثَّانِي : عَدَدُ مَا يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ ، وَنَسْخُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ ، لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْآخَرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ [ النِّسَاءِ : ] فَاشْتَمَلَتْ عَلَى حُكْمَيْنِ . أَحَدُهُمَا : عَدَدُ الْبَيِّنَةِ فِي الزِّنَا . وَالثَّانِي : إِمْسَاكُهُنَّ فِي الْبُيُوتِ إِلَى الْمَوْتِ حَدًّا فِي الزِّنَا ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحَدُّ ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ سُقُوطَ عَدَدِ الْبَيِّنَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّ رِضَاعَ الْكَبِيرِ حُرِّمَ عِنْدَ جَوَازِ التَّبَنِّي ؛ لِأَنَّ سَلَمَةَ وَأَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّيَا سَالِمًا ، وَكَانَ التَّبَنِّي مُبَاحًا ، وَكَانَا يَرَيَانِ سَالِمًا وَلَدًا فَلَمَّا حُرِّمَ التَّبَنِّي ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّضَاعِ عَنْ تَبَنِّيهِ الْمُبَاحِ لِيَعُودَ بِهِ إِلَى التَّبَنِّي الْأَوَّلِ فَلَمَّا نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمَ التَّبَنِّي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [ الْأَحْزَابِ : ] سَقَطَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ رِضَاعِ الْكَبِيرِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا تَعَلَّقَ بِسَبَبٍ ثَبَتَ بِوُجُودِهِ وَسَقَطَ بِعَدَمِهِ فَصَارَ رِضَاعُ الْكَبِيرِ غَيْرَ

مُحَرِّمٍ لِعَدَمِ سَبَبِهِ لَا لِنَسْخِهِ ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ ، أَمَرَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نُفُورِهِمْ مِنَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَأَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ بِالْعُمْرَةِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنِ اسْتِئْنَافِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ ، وَلِيَزُولَ مِنْ نُفُوسِهِمْ مَا اسْتَنْكَرُوهُ فَلَا يَنْفُرُوا مِنْهُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ زَالَ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي النُّفُوسِ فَزَالَ بِهِ فَسْخُ الْحَجِّ ، لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا دَاوُدُ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ فَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ فَكَانَ دَلِيلُهُ أَنَّ الثَّالِثَةَ تُحَرِّمُ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي تَعْلِيقِ التَّحْرِيمِ بِالْخَمْسِ مَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ التَّحْرِيمِ بِمَا دُونَ الْخَمْسِ رضعات ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ مَدْفُوعُ الدَّلِيلِ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنَ النَّصِّ ، وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَوَازَ الرِّبَا فِي النَّقْدِ ، ثُمَّ هُوَ مَدْفُوعٌ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ جَارِيًا عَلَى السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ رِضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رِضَاعُ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ كَرِضَاعِ الصَّغِيرِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَكَذَلِكَ أَبَانَ " الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْضُ الْمُرْضِعِينَ دُونَ بَعْضٍ وَاحْتَجَّ فِيمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ لَمَّا قَالَتْ لَهُ : كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فَضْلٌ وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ فَمَاذَا تَأْمُرِنِي فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : - فِيمَا بَلَغَنَا - أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا فَفَعَلَتْ فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِيمَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ، وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، وَقُلْنَ : مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا رُخْصَةً فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ فِي الْحَدِيثِ هُوَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِذَا كَانَ خَاصًّا فَالْخَاصُّ مُخْرَجٌ مِنَ الْعَامِّ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ فَجَعَلَ الْحَوْلَيْنِ غَايَةً ، وَمَا جُعِلَ لَهُ غَايَةٌ فَالْحُكْمُ بَعْدَ مُضِيِّ الْغَايَةِ خَلَاصُ الْحُكْمِ قَبْلَ الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فَإِذَا مَضَتِ الْأَقْرَاءُ فَحُكْمُهُنَّ بَعْدَ مُضِيِّهَا خِلَافُ حُكْمِهِنَّ فِيهَا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عِنْدِي عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ لَأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ بِتَأْقِيتِ حَمْلِهِ ، وَفِصَالِهِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا كَمَا نَفَى تَوْقِيتَ الْحَوْلَيْنِ الرَّضَاعُ لَأَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَرَى رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَالَ

أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ رِضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : رِضَاعُ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ كَرِضَاعِ الصَّغِيرِ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ : أَرَضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ يَحْرُمُ بِهِنَّ عَلَيْكِ وَكَانَ سَالِمٌ كَبِيرًا ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا إِذَا أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ أَحَدٌ أَمَرَتْ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ ، أَوْ غَيْرَهَا مِنْ بَنَاتِ إِخْوَتِهَا وَبَنَاتِ أَخَوَاتِهَا أَنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ يَصِيرُ بِهِنَّ مُحَرَّمًا ، وَخَالَفَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ ، وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قُلْنَ : مَا نَرَى رِضَاعَ الْكَبِيرِ إِلَّا رُخْصَةً فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ رِضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [ الْبَقَرَةِ : ] فَجُعِلَ تَمَامُ الرِّضَاعِ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّرًا بِحَوْلَيْنِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ مُخَالِفًا لِحُكْمِهِ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَحُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ هُوَ التَّحْرِيمُ . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا رِضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ نَفْيًا لِتَحْرِيمِهِ لَا لِجَوَازِهِ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا رِضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ يَعْنِي لَا يُحَرِّمُ رِضَاعٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَانِهِ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَمَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَالْكَبِيرُ لَا يَسُدُّ الرِّضَاعُ جَوْعَتَهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ حُكْمٌ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ وَرُوِيَ : الرَّضَاعَةُ مَا فَتَّقَتِ الْأَمْعَاءَ وَأَنْبَتَتِ اللَّحْمَ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الصَّغِيرِ ، وَقَدْ مَضَى الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ سَالِمٍ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالرِّضَاعِ فِي الْكَبِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّضَاعَ مُخْتَصٌّ بِالصَّغِيرِ دُونَ الْكَبِيرِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ تَحْرِيمِهِ الرضاع عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُحَدَّدٌ بِحَوْلَيْنِ ، فَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِيَوْمٍ لَمْ يُحَرِّمْ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِشَهْرٍ فَجَعَلَ زَمَانَهُ مُحَدَّدًا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا .

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ : أَنَّهُ يُحَرِّمُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَجَعَلَ زَمَانَهُ مُحَدَّدًا بِثَلَاثِينَ شَهْرًا . وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ : مَا قَالَهُ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ مُحَدَّدَةٍ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النِّسَاءِ : ] وَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَلِأَنَّهَا مَنْ يُعْتَدُّ فِيهَا بِالرَّضَاعِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِيهَا التَّحْرِيمُ كَالْحَوْلَيْنِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [ الْبَقَرَةِ : ] وَمَا حُدَّ فِي الشَّرْعِ إِلَى غَايَةٍ كَانَ مَا عَدَاهَا بِخِلَافِهَا كَالْأَقْرَاءِ ، وَهَذِهِ دَلَالَةُ الشَّافِعِيِّ . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا رِضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ وَالْفِصَالُ فِي الْحَوْلَيْنِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [ الْأَحْقَافِ : ] وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَقَلَّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ هُوَ الْفِصَالُ ؛ وَلِأَنَّهُ حَوْلٌ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرِّضَاعِ فِي آخِرِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِي أَوَّلِهِ كَالْحَوْلِ الرَّابِعِ طَرْدًا ، وَالثَّانِي عَكْسًا ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إِذَا عُلِّقَ بِالْحَوْلِ وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْكَمَالَ قُطِعَ عَلَى التَّمَامِ كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ . فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْحَوْلَيْنِ فَفَاسِدٌ بِالشَّهْرِ السَّابِعِ يُتَغَذَّى فِيهِ بِاللَّبَنِ ، وَلَا يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْحَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ التَّحْرِيمُ بِالرِّضَاعِ فِي آخِرِهِ وَقَعَ بِالرِّضَاعِ فِي أَوَّلِهِ وَخَالَفَ الثَّالِثَ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ تَحْدِيدُ تَحْرِيمِهِ بِالْحَوْلَيْنِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ فِيهَا بِالطَّعَامِ عَنِ الرِّضَاعِ أَمْ لَا . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّمَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الرِّضَاعٍ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ بِالطَّعَامِ عَنْهُ . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الرِّضَاعِ بِالْحَوْلَيْنِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا بِالزَّمَانِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالْحَوْلَيْنِ نَصٌّ ، وَاسْتِغْنَاءَهُ بِالطَّعَامِ اجْتِهَادٌ ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالنَّصِّ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِهِ بِالِاجْتِهَادِ ؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بِالْحَوْلَيْنِ عِلْمٌ وَاعْتِبَارَهُ بِالِاسْتِغْنَاءِ خَاصٌّ ، وَاعْتِبَارُ مَا عَمَّ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ مَا خَصَّ .

فَصْلٌ : قَالَ الْمُزَنِيُّ : " وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عِنْدِي عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ بِتَأْقِيتِ حَمْلِهِ وَفِصَالِهِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا كَمَا نُفِيَ تَوْقِيتُ الْحَوْلَيْنِ لِلرِّضَاعِ لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ " . وَالَّذِي أَرَادَهُ الْمُزَنِيُّ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَكْثَرِ الْحَمْلِ أَنَّهُ

مُقَدَّرٌ بِسَنَتَيْنِ كَالرِّضَاعِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ إِذَا وُلِدَ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يُحَرَّمُ بِالرِّضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [ الْأَحْقَافِ : ] فَجَعَلَ مُدَّتَهَا ثَلَاثِينَ شَهْرًا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ فَاسِدٌ : لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا قَدَّرَهُ بِثَلَاثِينَ شَهْرًا مُدَّةً لِأَكْثَرِهِمَا لِزِيَادَتِهِمَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِإِجْمَاعٍ ، وَلَا مُدَّةَ لِأَقَلِّهِمَا بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الرِّضَاعِ غَيْرُ مُحَدَّدٍ ، وَلَا مُدَّةَ لِأَكْثَرِ الْحَمْلِ ، وَأَقَلِّ الرِّضَاعِ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الرِّضَاعِ غَيْرُ مَمْدُودٍ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَّةً لِأَكْثَرِ الرِّضَاعِ ، وَأَقَلُّ الْحَمْلِ وَأَكْثَرُ الرِّضَاعِ مُقَدَّرٌ بِحَوْلَيْنِ فَكَانَ الْبَاقِي بِعْدَهُمَا مُدَّةَ أَقَلِّ الْحَمْلِ ، وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَمْلِ ، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ مُدَّتَيْ أَكْثَرِ الرِّضَاعِ وَأَقَلِّ الْحَمْلِ تَنْبِيهًا عَلَى حُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ ، وَوُجُوبِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ لِيَعْلَمَ مَنْ وُلِدَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَنَّ حَقَّ وَالِدَتِهِ أَكْثَرُ وَشُكْرَهَا أَعْظَمُ كَمَا قَالَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [ الْإِسْرَاءِ : ] فَخَصَّصَ التَّأْفِيفَ بِالتَّحْرِيمِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ أَغْلَظُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الرِّضَاعِ ؛ لِأَنْ لَا تَقْتَصِرَ الْأُمَّهَاتُ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا خَمْسُ رَضْعَاتٍ مُتَفَرَّقَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي الْحَوْلَيْنِ قَالَ : وَتَفْرِيقُ الرَّضَعَاتِ أَنْ تُرْضِعَ الْمَوْلُودَ ، ثُمَّ تَقْطَعَ الرَّضَاعَ ، ثُمَّ تُرْضِعَ ثُمَ تَقْطَعَ كَذَلِكَ ، فَإِذَا رَضَعَ فِي مَرَّةٍ مِنْهُنَّ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ مَا قَلَّ مِنْهُ وَمَا كَثُرَ فَهِيَ رَضْعَةٌ وَإِنِ الْتَقَمَ الثَّدْيَ ، فَلَهَا قَلِيلًا وَأَرْسَلَهُ ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ كَانَتْ رَضْعَةً وَاحِدَةً كَمَا يَكُونُ الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ بِالنَّهَارِ إِلَّا مَرَّةً ، فَيَكُونُ يَأْكُلُ وَيَتَنَفَّسُ بَعْدَ الِازْدِرَادِ وَيَعُودُ يَأْكُلُ فَذَلِكَ أَكْلُ مَرَّةٍ وَإِنْ طَالَ ، وَإِنْ قَطَعَ قَطْعًا بَعْدَ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ ثُمَّ أَكَلَ حَنَثَ ، وَكَانَ هَذَا أَكْلَتَيْنِ وَلَوْ أَنْفَدَ مَا فِي إِحْدَى الثَّدْيَيْنِ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْأُخْرَى فَأَنْفَدَ مَا فِيهَا كَانَتْ رَضْعَةً وَاحِدَةً " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا : اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ثُمَّ شَرَطَ الْوَلَاءَ ، وَصَحَّحَ الشِّرَاءَ لِيَسْتَقِرَّ فِي نُفُوسِهِمُ الْمَنْعُ مِنِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ فِي الْبَيْعِ ، وَمَعَ اسْتِقْرَارِهِ فَالْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِهِ بَاطِلٌ ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَأُجِيزَ الْبَيْعُ حَتَّى يَسْتَقِرَّ ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ مُرْتَفِعَةً لِزَوَالِ أَسْبَابِهَا لَا لِنَسْخِهَا ، وَهَذَا قَوْلٌ حَكَاهُ الْمَرْوَزِيُّ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَالدَّلِيلُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ رُفِعَ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ إِذَا عَرِيَ عَنْ جِنْسِ الِاسْتِبَاحَةِ افْتَقَرَ إِلَى الْعَدَدِ كَاللِّعَانِ وَمَا لَمْ يَعْرَ عَنْ جِنْسِ الِاسْتِبَاحَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْعَدَدِ كَالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ ؛ وَلِأَنَّهُ شُرْبٌ لَا يَعْدُوهُ فِي الْعُرْفِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ التَّحْرِيمُ كَرَضَاعِ الْكَبِيرِ ؛ وَلِأَنَّ مَا يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ نَوْعَانِ : أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا يَفْتَقِرُ

إِلَى الْعَدَدِ ، وَهُوَ اللِّعَانُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ ، وَهُوَ الرِّضَاعُ ، وَتَحْرِيرُهُ : أَنَّهُ أَحَدُ فَرْعَيِ التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ كَالْأَقْوَالِ ؛ وَلِأَنَّ وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى الْجَوْفِ إِذَا عَرِيَ عَنْ عَدَدٍ لَمْ يَقَعْ بِهِ التَّحْرِيمُ كَالْحُقْنَةِ وَالسَّعْطَةِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يُوَافِقُ عَلَيْهِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ قَوْلَهُ : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النِّسَاءِ : ] يَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا أُمًّا أَوَّلًا ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَحْرُمُ ، وَلَيْسَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِهَا أُمًّا ، وَلَوْ قَالَ : وَاللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ هُنَّ أُمَّهَاتُكُمْ صَحَّ لَهُمُ اسْتِعْمَالُ الْعُمُومِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْوَصْفِ لِلْمَوْصُوفِ وَتَأَخُّرِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ عَلَى عُمُومِهِ مَا لَمْ يُرَدْ تَخْصِيصٌ ، وَقَدْ خَصَّهُ مَا رُوِّينَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي قَصَدَ بِهَا قَدْرَ مَا يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : قَضَاءُ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَهُوَ كَمَا قَالَ : وَنَحْنُ إِنَّمَا خَصَّصْنَاهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِانْقِضَائِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَخْبَارِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ يَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ الْمَصَّةُ مُحَرِّمَهً ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسُدُّ جُوعَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا أَخْبَارٌ قُصِدَ بِهَا تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ ، وَأَخْبَارُنَا قُصِدَ بِهَا عَدَدُ الرِّضَاعِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْمُولًا عَلَى مَا قُصِدَ بِهِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى النِّكَاحِ وَالْوَطْءِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَمْ يَرُدَّ عَنْ جِنْسِ الِاسْتِبَاحَةِ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْحَدِّ فِي الشُّرْبِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوبَ مُحَرَّمٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ وَاسْتَوَى حُكْمُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، وَالرَّضَاعُ يَحْدُثُ عَنْهُ التَّحْرِيمُ فَافْتَرَقَ حُكْمُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْفِطْرِ ، فَمَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لِمَعْنَى الرِّضَاعِ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ يَقَعُ بِمَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ ، وَلِذَلِكَ لَوْ خَرَجَ جَائِفُهُ أَفْطَرَ بِهَا ، وَالرِّضَاعُ يَحْرُمُ إِذَا غَذَّى وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ ، فَافْتَرَقَ أَكْلَتَيْنِ وَلَوْ أَنْفَدَ مَا فِي إِحْدَى الثَّدْيَيْنِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْأُخْرَى فَأَنْفَذَ مَا فِيهَا كَانَتْ رَضْعَةً وَاحِدَةً ، وَهَذَا كَمَا قَالَ : لِأَنَّ تَحْرِيمَ الرِّضَاعِ إِذَا كَانَ مُحَدَّدًا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ وَجَبَ تَحْدِيدُ الرَّضْعَةِ وَتَقْدِيرُهَا وَالْمَقَادِيرُ تُؤْخَذُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : مِنْ شَرْعٍ أَوْ لُغَةٍ أَوْ عُرْفٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ حَدٌّ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ ، وَالْعُرْفُ فِي الرَّضْعَةِ أَنَّهَا مَا اتَّصَلَ شُرْبُهَا ثُمَّ انْفَصَلَ تَرْكُهَا ، فَإِنْ تَخَلَّلَ

فَتْرَةَ الِانْقِطَاعِ نَفَسٌ أَوْ لَهَثٌ أَوْ لِازْدِرَادِ مَا اجْتَمَعَ فِي فَمِهِ أَوْ لِاسْتِمْرَاءِ مَا حَصَلَ فِي فَمِهِ وَحَلْقِهِ ، ثُمَّ عَاوَدَ الثَّدْيَ مُرْتَضِعًا ، فَهِيَ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الرَّضْعَةِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا فَتَرَاتٌ وَاسْتِرَاحَةُ وَلَهَثٌ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَرَّةً مُقَتِّرٌ فِي أَكْلِهِ لِقَطْعِ نَفْسٍ أَوِ ازْدِرَادٍ أَوْ لَهَثٍ ، ثُمَّ عَاوَدَ الْأَكْلَ كَانَتْ أَكْلَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَحْنَثْ ، وَهَكَذَا لَوِ انْتَقَلَ الطِّفْلُ مِنْ أَحَدِ الثَّدْيَيْنِ إِلَى الْآخَرِ كَانَتْ رَضْعَةً وَاحِدَةً كَمَا انْتَقَلَ الْحَالِفُ مِنْ لَوْنٍ إِلَى لَوْنٍ لَمْ يَحْنَثْ ، وَلَوْ تَرَكَ الثَّدْيَ وَقَطَعَ الرَّضْعَةَ لِغَيْرِ سَبَبٍ ، ثُمَّ عَاوَدَ مُرْتَضِعًا نُظِرَ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ ، فَإِنْ قَلَّ فَهِيَ رَضْعَةٌ وَإِنْ طَالَ فَهِيَ رَضْعَتَانِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَالِفِ إِذَا قَطَعَ ثُمَّ عَاوَدَهُ .

فَصْلٌ : وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فَرْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَلْتَقِمَ الثَّدْيَ وَيَمُصَّهُ ، فَيَخْرُجَ الثَّدْيُ مِنْ فَمِهِ وَيَقْطَعَ عَلَيْهِ رِضَاعَهُ فما الحكم فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْقَطْعِ ، هَلْ يَسْتَكْمِلُ بِهِ الرَّضْعَةَ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرَّضْعَةَ لَمْ تَكْمُلْ حَتَّى يَقْطَعَهَا بِاخْتِيَارِهِ وَلَا يَحْتَسِبَ بِهَا مِنَ الْخَمْسِ لِعَدَمِ كَمَالِهَا كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَرَّةً فَقُطِعَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، ثُمَّ عَاوَدَ الْأَكْلَ بَعْدَ تَمْكِينِهِ لَمْ يَحْنَثْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَكُونُ رَضْعَةً كَامِلَةً يُحْتَسَبُ بِهَا مِنَ الْخَمْسِ ؛ لِأَنَّ الرِّضَاعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ فِعْلُ الْمُرْضِعَةِ وَالْمُرْضَعِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوِ ارْتَضَعَ مِنْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ كَانَ لَهَا رِضَاعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِعْلٌ ، وَلَوْ أَوْجَرَتْهُ لَبَنَهَا ، وَهُوَ نَائِمٌ كَانَ رِضَاعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ . وَالْفَرْعُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يَرْتَضِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنِ امْرَأَتَيْنِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا ثُمَّ يُرْضَعُ الْخَامِسَةَ مِنْ إِحْدَاهُمَا ، ثُمَّ يَعْدِلُ عَنْ ثَدْيَيْهَا إِلَى ثَدْيِ الْأُخْرَى فَتُرْضِعُهُ فما الحكم ، فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الرَّضْعَةَ الْخَامِسَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَعْضُهَا فَلَمْ تَكْمُلْ بِهَا الْخَامِسَةُ كَمَا لَوِ انْتَقَلَ الْحَالِفُ مِنْ مَائِدَةٍ إِلَى أُخْرَى . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : قَدْ حَرُمَتَا عَلَيْهِ ، وَيُعْتَدُّ بِمَا شَرِبَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَضْعَةً كَامِلَةً ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ ثَدْيَهَا تَارِكًا لَهُ فَلَمْ يَقَعِ الْفَصْلُ فِي تَرْكِهِ بَيْنَ إِمْسَاكِهِ وَارْتِضَاعِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْفَرْعِ أَنْ يَحْلُبَ لَبَنًا فِي إِنَاءٍ يَمْتَزِجُ فِيهِ لَبَنُهُمَا ، ثُمَّ يَشْرَبُهُ الطِّفْلُ فِي رَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُعْتَدُّ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ، وَيُعْتَدُّ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَضْعَةً كَامِلَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

مَسْأَلَةٌ الْوُجُورُ كَالرَّضَاعِ وَكَذَلِكَ السُّعُوطُ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالْوُجُورُ كَالرَّضَاعِ وَكَذَلِكَ السُّعُوطُ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ جَوْفٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَمَّا الْوُجُورُ فَهُوَ صَبُّ اللَّبَنِ فِي حَلْقِهِ ، وَأَمَّا السُّعُوطُ فَهُوَ صَبُّ اللَّبَنِ فِي أَنْفِهِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْرِيمِ الرِّضَاعِ بِهِمَا إِذَا وَصَلَ اللَّبَنُ بِالْوُجُورِ إِلَى جَوْفِهِ ، وَبِالسُّعُوطِ إِلَى دِمَاغِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِنَّ التَّحْرِيمَ بِهِمَا ثَابِتٌ كَالرِّضَاعِ . وَالثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَدَاوُدَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ بِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النِّسَاءِ : ] وَالثَّالِثُ : وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّحْرِيمَ ثَبَتَ بِالْوُجُورِ ، وَلَا يَثْبُتُ بِالسُّعُوطِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَالْوُجُورُ يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِدَادُ لِوُصُولِهِ إِلَى الْجَوْفِ ، وَالسُّعُوطُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِدَادُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْجَوْفِ فَأَشْبَهَ الْحُقْنَةَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا فِي الْوُجُورِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّضَاعُ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَالْوُجُورُ يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِدَادُ لِوُصُولِهِ إِلَى الْجَوْفِ ، وَالسُّعُوطُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِدَادُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَرَ الْعَظْمَ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْوُجُورِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَالِمٍ : أَرَضِعِيهِ خَمْسًا يَحْرُمُ بِهِنَّ عَلَيْكِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ ارْتِضَاعَهُ مِنَ الثَّدْيِ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الْوُجُورَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي السُّعُوطِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ : بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا لِأَنْ لَا يَصِيرَ بِالْمُبَالَغَةِ وَوُصُولِ الْمَاءِ إِلَى الرَّأْسِ مُفْطِرًا كَوُصُولِهِ إِلَى الْجَوْفِ كَذَلِكَ الرِّضَاعُ ؛ وَلِأَنَّ مَا أَفْطَرَ بِاعْتِدَائِهِ مِنْ لَبَنِهَا أَثْبَتَ تَحْرِيمَ الرِّضَاعِ فِي زَمَانِهِ كَالرِّضَاعِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ فَهَذَا يَتَنَاوَلُ الرِّضَاعَ اسْمًا وَمَعْنًى . وَأَمَّا الْحُقْنَةُ الإرضاع عن طريق فَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : ثَبَتَ بِهَا تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ . وَالثَّانِي : لَا يَثْبُتُ بِهَا تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ وَإِنْ أَفْطَرَ بِهَا الصَّائِمُ ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الِاعْتِدَاءِ فِي السُّعُوطِ وَالْوُجُورِ ، وَتَأْثِيرَهُ فِي الْحُقْنَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ . فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا فَرْقَ فِي الْخَمْسِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا رِضَاعًا أَوْ كُلُّهَا سُعُوطًا أَوْ كُلُّهَا وُجُورًا أَوْ بَعْضُهَا رِضَاعًا ، وَبَعْضُهَا سُعُوطًا أَوْ بَعْضُهَا وُجُورًا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ حُقِنَ بِهِ لبن الرضاع كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ

جَوْفٌ وَذَلِكَ أَنَّهَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ ، وَالْآخَرُ أَنَّ مَا وَصَلَ إِلَى الدِّمَاغِ كَمَا وَصَلَ إِلَى الْمَعِدَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَغْتَذِي مِنَ الْمَعِدَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحُقْنَةُ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ الْحُقْنَةَ فِي مَعْنَى مَنْ شَرِبَ الْمَاءَ فَأَفْطَرَ ، فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى مَنْ شَرِبَ اللَّبَنَ وَإِذْ جَعَلَ السُّعُوطَ كَالْوُجُورِ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ عِنْدَهُ جَوْفٌ فَالْحُقْنَةُ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْجَوْفِ عِنْدِي أَوْلَى ، وَبِاللَّهِ التوْفِيِقُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَالْحُقْنَةُ بِاللَّبَنِ أَنْ تُوَصَّلَ إِلَى دُبُرِهِ ، وَفِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَالسُّعُوطِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ فِي إِفْطَارِ الصَّائِمِ بِهِ كَالسُّعُوطِ ، وَكَذَلِكَ فِي تَحْرِيمِ الرِّضَاعِ بِمَثَابَتِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ السُّعُوطُ كَالْوُجُورِ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ جَوْفٌ ، وَالْوَاصِلَ مِنَ الدُّبُرِ وَاصِلٌ إِلَى الْجَوْفِ ، فَكَانَ بِالتَّحْرِيمِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَحَقَّ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْحُقْنَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى مَحَلِّ الْغِذَاءِ لِلْإِسْهَالِ وَإِخْرَاجِ مَا فِي الْجَوْفِ فَخَالَفَتْ حُكْمَ مَا يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ " .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الْمُزَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَأَدْخَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَالَ : إِنْ كَانَ مَا خَلَطَ بِاللَّبَنِ أَغْلَبَ لَمْ يَحْرُمْ ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ الْأَغْلَبَ حَرُمَ ، فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ خَلَطَ حَرَامًا بِطَعَامٍ وَكَانَ مُسْتَهْلَكًا فِي الطَّعَامِ ، أَمَا يَحْرُمُ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : إِذَا شِيبَ اللَّبَنُ بِمَائِعٍ لبن الرضاع فما الحكم ؟ اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ خَلٍّ أَوْ خَمْرٍ ثَبَتَ بِهِ التَّحْرِيمُ غَالِبًا كَانَ أَوْ مَغْلُوبًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ شِيبَ اللَّبَنُ بِجَامِدٍ كَالدَّقِيقِ وَالْعَصِيدِ فَأَكَلَهُ ثَبَتَ بِهِ التَّحْرِيمُ غَالِبًا كَانَ أَوْ مَغْلُوبًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنِ اخْتَلَطَ بِمَائِعٍ نَشَرَ الْحُرْمَةَ إِنْ كَانَ غَالِبًا ، وَلَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا ، وَإِنِ اخْتَلَطَ بِجَامِدٍ لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ سَوَاءٌ كَانَ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : نَشَرَ الْحُرْمَةَ إِذَا كَانَ غَالِبًا سَوَاءٌ اخْتَلَطَ بِمَائِعٍ أَوْ بِجَامِدٍ ، وَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا وَحَكَى الْمُزَنِيُّ نَحْوَهُ اسْتِدْلَالًا عَلَى اعْتِبَارِ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110