كتاب : الحاوي في فقه الشافعي
المؤلف : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي

الْعَبْدُ حُرٌّ ، وَأَعْتِقُوا هَذَا الْعَبْدَ الْآخَرَ بَعْدَ مَوْتِي ، فَلِلثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَحْتَمِلَ قِيمَتُهُ الْعَبْدَيْنِ ، فَيَتَحَرَّرُ بِهِ عِتْقُ الْمَرَضِ ، وَعِتْقُ الْوَصِيَّةِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَيَتَحَرَّرُ بِهِ عِتْقُ الْمَرَضِ ، وَرُدَّ عِتْقُ الْوَصِيَّةِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا ، وَبَعْضَ الْآخَرِ فَيَتَحَرَّرُ بِهِ عِتْقُ الْمَرَضِ كَامِلًا ، وَيُعْتَقُ مِنْ عَبْدِ الْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ الْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ ، وَيَرِقُّ بَاقِيهِ . وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ بَعْضَ أَحَدِهِمَا ، وَيَعْجِزَ عَنِ الْبَاقِي ، فَيَتَحَرَّرَ بِهِ مِنْ عِتْقِ الْمَرَضِ ، قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَيَرِقُّ بَاقِيهِ ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يُبْهِمَ عِتْقَ الْمَرَضِ وَعِتْقَ الْوَصِيَّةِ فِي عَبِيدِهِ ، وَلَا يُعَيِّنَهُمَا ، فَيَقُولُ فِي مَرَضِهِ : أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ ، وَأَعْتِقُوا أَحَدَهُمْ بَعْدَ مَوْتِي ، فَإِنَّهُمَا مُبْهَمَانِ ، فَوَجَبَ التَّعْيِينُ ، وَفِيمَا يَتَعَيَّنَانِ بِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَتَعَيَّنَانِ بِبَيَانِ الْوَرَثَةِ ، فَيُرْجَعُ إِلَى بَيَانِهِمْ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِذَا عَيَّنُوهُمَا مِنْ بَيْنِ الْعَبِيدِ صَارَ كَتَعْيِينِ السَّيِّدِ ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي تَعْيِينِهَا إِلَى الْقُرْعَةِ دُونَ الْوَرَثَةِ ، وَهُوَ أَصَحُّ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا أَبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ . وَالثَّانِي : لِتَعَذُّرِ عِلْمِ الْوَرَثَةِ بِإِرَادَةِ السَّيِّدِ . فَيَبْدَأُ بِالْقُرْعَةِ بِعِتْقِ الْمَرَضِ فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ بَطَلَ عِتْقُ الْوَصِيَّةِ ، وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ بَقِيَّةٌ أَقْرَعَ لِعِتْقِ الْوَصِيَّةِ ، فَإِنِ احْتَمَلَ بَقِيَّةَ الثُّلُثِ جَمِيعَ قِيمَتِهِ عَتَقَ ، وَإِنْ عَجَزَ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَهُ الْبَاقِي ، وَرَقَّ بَاقِيهِ . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يُعَيِّنَ عِتْقَ الْمَرَضِ ، وَيُبْهِمَ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ ، فَيَقُولُ : هَذَا الْعَبْدُ حُرٌّ ، وَأَعْتِقُوا آخَرَ بَعْدَ مَوْتِي ، فَيُنْظَرُ فِي عِتْقِ الْمَرَضِ . فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ بَطَلَ عِتْقُ الْوَصِيَّةِ ، وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى بَيَانِهِ ، وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ بَقِيَّةٌ صُرِفَتْ فِي عِتْقِ الْوَصِيَّةِ ، فَاحْتِيجَ إِلَى بَيَانِهِ ، فَيُرْجَعُ إِلَى بَيَانِ الْوَرَثَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَإِلَى الْقُرْعَةِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي . وَالضَّرْبُ الرَّابِعِ : أَنْ يُعَيِّنَ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ ، وَيُبْهِمَ عِتْقَ الْمَرَضِ فَيَقُولُ : أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ ، وَأَعْتِقُوا هَذَا بَعْدَ مَوْتِي ، فَلَا تُمْضَى الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ الْمُعْتَقِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ فِي أَحَدِهِمْ

عِتْقُ الْمَرَضِ ، فَيَرْجِعُ فِي تَعْيِينِهِ إِلَى بَيَانِ الْوَرَثَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَإِلَى الْقُرْعَةِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي ثُمَّ يُعْتَبَرَانِ فِي الثُّلُثِ ، وَيَكُونَانِ فِيهِ عَلَى الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ لِمَيِّتٍ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ يَقَعُ قَبْلَ الْمَوْتِ ، وَالْعِتْقَ فِي الْوَصِيَّةِ يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَمِلْكُ الْوَرَثَةِ يَسْتَقِرُّ بِالْيَدِ وَالْقَبْضِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَإِذَا أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ عِتْقٌ أَوْ رِقٌّ لَمْ يَخْلُ مَوْتُهُ مِنَ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَمُوتَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ ، فَلَا يَخْلُو الْعِتْقُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِتْقَ وَصِيَّةٍ أَوْ عِتْقَ مَرَضٍ ، فَإِنْ كَانَ عِتْقَ وَصِيَّةٍ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ قُرْعَةٌ فِي عِتْقٍ ، وَلَا رِقٍّ : لِأَنَّ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَهُ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ ، وَيَصِيرُ الْعَبْدَانِ الْبَاقِيَانِ هُمَا التَّرِكَةُ ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِمَا عِتْقُ الْوَصِيَّةِ ، وَحَقُّ الْوَرَثَةِ ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِعِتْقِ الْوَصِيَّةِ ، وَيُعْتَقُ بِهَا ثُلُثَا مَنْ قُرِعَ وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ بَاقِيهِ ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ . وَإِنْ كَانَ عِتْقَ مَرَضٍ أُدْخِلَ الْمَيِّتُ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ : لَا يَدْخُلُ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ عِتْقَهُ وَاقِعٌ بِالْقُرْعَةِ دُونَ اللَّفْظِ ، وَنَحْنُ نَرَى وُقُوعَ عِتْقِهِ بِاللَّفْظِ ، وَدُخُولَ الْقُرْعَةِ لِلتَّمْيِيزِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ . وَإِذَا أَوْجَبَ دُخُولَهُ فِي الْقُرْعَةِ لَمْ يَخْلُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ أَوْ قُرْعَةُ الرِّقِّ . فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ بِهَا أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا اسْتَوْفَى السَّيِّدُ بِعِتْقِهِ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ مَوْتُهُ فِي نُقْصَانِ التَّرِكَةِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ لِمَوْتِهِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِمْ ، وَصَارَتِ التَّرِكَةُ هِيَ الْعَبْدَانِ الْبَاقِيَانِ وَالْعِتْقُ وَاقِعٌ فِيهِمَا ، وَيُسْتَأْنَفُ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا ، وَيُعْتَقُ ثُلُثَا مَنْ قُرِعَ مِنْهُمَا ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ بَاقِيهِ ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ .

فَصْلٌ : وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، وَبَعْدَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ ( أي العبد ) قَبْلَ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ عِتْقٌ أَوْ رِقٌّ دَخَلَ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ ، وَقُرْعَةِ الرِّقِّ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ عِتْقُ الْمَرَضِ وَعِتْقُ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَوْتِ ، وَإِنَّ تَأَخَّرَ عَنْهُ ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ لِمَنْ كَانَ عِتْقُهُ مُسْتَحَقًّا إِذَا صَارَ الْوَرَثَةُ إِلَى مِثْلَيْهِ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ عِتْقُ الْمَرَضِ وَعِتْقُ الْوَصِيَّةِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِ الْبَاقِيَيْنِ عَتَقَ ، وَرَقَّ الْآخَرُ مَعَ الْمَيِّتِ ، وَبَانَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ كَانَ عِتْقَ مَرَضٍ لَمْ يَحْتَجْ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ إِلَى تَلَفُّظِ الْوَرَثَةِ بِعِتْقِهِ ، لِتَقَدُّمِهِ مِنَ الْمُعْتِقِ ، وَإِنْ كَانَ عِتْقَ وَصِيَّةٍ ، فَفِي احْتِيَاجِ عِتْقِهِ إِلَى تَلَفُّظِ الْوَرَثَةِ بِعِتْقِهِ وَجْهَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَلَفُّظِ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَحَرَّرُ إِلَّا بِلَفْظٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمُوصِي ، فَاعْتُبِرَ مِنَ الْوَرَثَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَحْتَاجُ عِتْقُهُ إِلَى لَفْظِ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ مُمَيِّزَةٌ لِعِتْقٍ قَدْ وَقَعَ ، وَلَفْظُ السَّيِّدِ بِعِتْقِهِ فِي الْوَصِيَّةِ هُوَ الْمُوجِبُ لِعِتْقِهِ فَأَقْنَعَ .

فَصْلٌ : وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، وَقَبْلَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ ، ( أي العبد ) قَبْلَ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ عِتْقٌ أَوْ رِقٌّ نُظِرَ حَالُ عِتْقِهِ . فَإِنْ كَانَ عِتْقَ مَرَضٍ دَخَلَ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قُرْعَةِ الرِّقِّ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا لَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَاسْتُؤْنِفَتِ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْبَاقِيَيْنِ ، وَعَتَقَ بِهَا ثُلُثَا مَنْ قُرِعَ ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ بَاقِيهِ ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ . وَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ عِتْقَ وَصِيَّةٍ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي قُرْعَةِ الرِّقِّ ، وَفِي دُخُولِهِ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَدْخُلُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ يَلْزَمُ بَعْدَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ لِمِثْلَيْهَا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ فِي الْعِتْقِ وَالْمِيرَاثِ ، وَيُقْرَعُ لِعِتْقِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْبَاقِيَيْنِ ، وَيُعْتَقُ مِنَ الْقَارِعِ ثُلُثَاهُ ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثُهُ ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي قُرْعَةِ الرِّقِّ لِاسْتِحْقَاقِ عِتْقِهِ بِالْمَوْتِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ خَرَجَ مِنَ التَّرِكَةِ ، وَبَانَ أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا غَيْرَ مَحْسُوبٍ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَأَعْتَقَ مِنَ الْآخَرِينَ ثُلُثَا أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ ، فَكَسَبَ الْعَبْدُ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَمَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا غَيْرَ سَيِّدِهِ مَاتَ حُرًّا ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ قَدْ وَرِثَ كَسْبَهُ بِالْوَلَاءِ ، فَخَرَجَ عِتْقُهُ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا ، وَحُكِمَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ دَخَلَ فِي عِتْقِهِ دَوْرٌ ، فَرَقَّ لَهُ بَعْضُهُ ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَجْعَلَ لِلْعَبْدِ بِالْعِتْقِ سَهْمًا وَلِلْكَسْبِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ يَكُونُ جَمِيعُهَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ ، فَأُسْقِطُ سَهْمَ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ بِخُرُوجِهِ مِنَ التَّرِكَةِ ، يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْهُمٍ ، فَأَقْسِمُ عَلَيْهَا الْكَسْبَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ هُوَ التَّرِكَةَ ، يُخْرَجُ قِسْطُ السَّهْمِ مِنْهَا سِتِّينَ وَأَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا ، فَيُعْتَقُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَيَرِقُّ خُمْسَاهُ ، وَوُرِّثَ ابْنُهُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَى وَرَثَةِ السَّيِّدِ بِخُمْسَيْ رِقِّهِ لِمَوْتِهِ ، وَوَرِثُوا خُمْسَيْ كَسْبِهِ ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ .

فَصْلٌ : وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ قِيمتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَكَسَبَ الْعَبْدُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ

ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَاقْتَرَضَ السَّيِّدُ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ اسْتَهْلَكَهَا ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ ، وَتَرَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، قِيلَ لِلْعَبْدِ إِنْ أَبْرَأْتَ سَيِّدَكَ مِنْ قَرْضِكَ عَتَقَ جَمِيعُكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ مِثْلَيْ قِيمَتِكَ ، وَإِنْ لَمْ تُبْرِئْهُ دَخَلَ فِي عِتْقِكَ دَوْرٌ رَقَّ بِهِ بَعْضُكَ ، فَتَجْعَلُ بِالْعِتْقِ سَهْمًا ، وَبِالْكَسْبِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْـمَيْنِ تَصِيرُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ ، وَالتَّرِكَةُ بَعْدَ مِائَةِ الْقَرْضِ خَمْسُمِائَةٍ ، فَأَقْسِمُهَا عَلَى السِّهَامِ السِّتَّةِ يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَثُلُثًا ، فَأَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا ، فَعَتَقَ بِهَا خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ ، وَيَمْلِكُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ كَسْبِهِ ، وَيَأْخُذُ مِائَةً قَرْضَهُ مِنَ التَّرِكَةِ ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ سُدْسُهُ ، وَقِيمَتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَثُلُثَانِ ، وَيَمْلِكُونَ بِهِ سُدْسَ كَسْبِهِ ، وَهُوَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا يَضُمُّونَهَا إِلَى الْمِائَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ تُجْمَعُ مَعَهُمْ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَثُلُثَانِ ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَوْ لِأَمَةٍ فَوَلَدَتْ عَلِمْنَا أَنَّهَا حُرَّةٌ وَوَلَدُهَا وَلَدُ حُرَّةٍ لَا أَنَّ الْقُرْعَةَ أَحْدَثَتْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عِتْقًا يَوْمَ وَقَعَتْ إِنَّمَا وَجَبَ الْعِتْقُ حِينَ الْمَوْتِ بِالْقُرْعَةِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا : أَنْ يَعْتِقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً فَتَلِدُ وَلَدًا ، السيد فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَعْتِقَهَا فِي جُمْلَةِ عَبِيدٍ ، وَيَخْرُجَ عَلَيْهَا سَهْمُ الْعِتْقِ ، فَوَلَدُهَا يَجْرِي مَجْرَى كَسْبِهَا ، وَهُوَ حُرٌّ بِحُرِّيَّتِهَا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَعْتِقَهَا فِي جُمْلَةِ عَبِيدٍ ، وَيَخْرُجَ عَلَيْهَا سَهْمُ الرِّقِّ ، فَوَلَدُهَا يَجْرِي مَجْرَى كَسْبِهَا ، وَهُوَ مَرْقُوقٌ بِرِقِّهَا . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يَعْتِقَهَا وَحْدَهَا ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا ، فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ حَادِثًا بَعْدَ عِتْقِهَا ، وَمَوْلُودًا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْكَسْبِ الْمَحْضِ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهَا ، وَيَرِقُّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهَا ، وَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ يَزِيدُ فِي عِتْقِهَا . فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ مِائَةَ دِرْهَمٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَبَعْدَهَا ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ مِائَةَ دِرْهَمٍ بَعْدَ وِلَادَتِهِ عَتَقَ نِصْفُهَا ، وَعَتَقَ مِنْ وَلَدِهَا نِصْفُهُ ، تَبَعًا لِعِتْقِهَا ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُهَا وَنِصْفُ وَلَدِهَا ، وَقِيمَةُ النِّصْفَيْنِ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، هِيَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ نِصْفِهَا ، وَلَا يَكْتَمِلُ الْعِتْقُ بِالْقُرْعَةِ فِي أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ تِلْكَ الْأُمَّ بِمُبَاشَرَةِ السَّيِّدِ ، فَتَرَكَ الْعِتْقَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ .

وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا وَقْتَ عِتْقِهَا ، وَمَوْلُودًا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْحَمْلِ ، هَلْ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ قِسْطٌ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قِيلَ : لَا قِسْطَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ ، وَهُوَ تَبَعٌ كَانَ كَالْحَادِثِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ كَوْنِهِ جَارِيًا مَجْرَى كَسْبِهَا ، وَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ عِتْقِهَا ، وَيَرِقُّ مِنْهُ بِقَدْرِ رِقِّهَا ، وَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ يَزِيدُ فِي عِتْقِهَا . وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ لِلْحَمْلِ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ كَانَ الْحَمْلُ مُبَاشَرًا بِالْعِتْقِ مِثْلَ أُمِّهِ ، وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُهُ ، وَلَا يَدْخُلُ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ عِتْقِهَا ، وَهَلْ يُقَرُّ عِتْقُ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ يُكْمَلُ بِالْقُرْعَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يُكْمَلُ عِتْقُ الثُّلُثَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَبْدَيْنِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يُقَرُّ عِتْقُ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يُكْمَلُ فِي أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَائِعِ لَهَا . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ حَادِثًا بَعْدَ عِتْقِهَا ، وَمَوْلُودًا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ ، لِحُدُوثِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ . وَهَلْ يَكُونُ لَهُمَا كَسْبًا أَوْ تَبَعًا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : إِنْ قِيلَ : لِلْحَمْلِ قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ كَانَ كَسْبًا لَهَا اعْتِبَارًا بِعُلُوقِهِ فَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ عِتْقِهَا ، وَيَكُونُ رِقُّهُ لِلْوَرَثَةِ مِيرَاثًا ، فَيُعْتَقُ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ نِصْفُهَا ، وَيَتْبَعُهَا نِصْفُ وَلَدِهَا تَبَعًا لَهَا ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُهَا ، وَنِصْفُ وَلَدِهَا ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهَا . وَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ لِلْحَمْلِ قِسْطٌ مِنَ الْبَيْعِ ، وَهُوَ تَبَعٌ اعْتِبَارًا بِوِلَادَتِهِ ، خَرَجَ مِنَ التَّرِكَةِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ ، وَعَتَقَ ثُلُثُهَا ، وَعَتَقَ ثُلُثُ وَلَدِهَا تَبَعًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا ، وَيَكُونُ لَهَا وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْ وَلَدِهَا ، وَلِسَيِّدِهَا وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ، وَرَقَّ ثُلُثَاهَا لِلْوَرَثَةِ مِيرَاثًا ، وَرَقَّ ثُلُثَا وَلَدِهَا لِلْوَرَثَةِ مِلْكًا ، وَلَا يَكْمُلُ الْعِتْقُ بِالْقُرْعَةِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَيُتْرَكُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ مِنْ كَسْبِهَا ، وَلَمْ يُعْتَقْ عَلَى سَيِّدِهَا . وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا وَقْتَ عِتْقِهَا ، وَمَوْلُودًا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ كَسْبًا لَهَا ، وَفِيمَنْ تَكُونُ كَسْبًا لَهُ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : تَكُونُ كَسْبًا لِلسَّيِّدِ ، إِذَا قِيلَ : لِلْحَمْلِ قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ يُضَافُ إِلَى تَرِكَتِهِ ، وَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ يَزِيدُ فِي الْعِتْقِ ، وَيُجْرِيهِ فِي عَمَلِ الدَّوْرِ مَجْرَى الْكَسْبِ ، لِتَمَاثُلِ الْعِتْقِ فِيهِمَا ، وَلَا يَتَفَاضَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَلِدَ بِحُرِّيَّتِهَا مَمْلُوكًا ، وَلَا بِرِقِّهَا حُرَّا فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا وَنِصْفُ وَلَدِهَا ، وَيُعْتَبَرُ مَا عَتَقَ مِنْهَا فِي ثُلُثِ السَّيِّدِ ، وَلَا يُعْتَقُ فِيهِ مَا عَتَقَ مِنْ وَلَدِهَا ،

لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَصَارَ كَالتَّالِفِ مِنْ تَرَكَتِهِ ، وَيَكُونُ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنَ الْوَلَدِ لِسَيِّدِهِ دُونَ أُمِّهِ ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُهَا وَنِصْفُ وَلَدِهَا مِيرَاثًا ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَكُونُ كَسْبًا لِلْأُمِّ وَالْوَرَثَةِ بِقَدْرِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ ، وَلَا تَزِيدُ بِهِ التَّرِكَةُ ، وَلَا يَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ ، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهَا ، وَتَبِعَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ ثُلُثُ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا ، وَيَكُونُ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهُ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَاهَا مِيرَاثًا ، وَثُلُثَا وَلَدِهَا كَسْبًا .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ فِي مَرَضِهِ أَمَةً ، وَتَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا ، فَفِي نِكَاحِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ حَالَهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ يُعْتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَيَصِحُّ نِكَاحُهَا ، وَبَيْنَ أَنْ تَرِقَّ بِالدَّيْنِ ، فَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا ، وَمَنْ هَذِهِ حَالُهَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ بَاطِلٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ، أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ ، وَعَقْدُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ ثُلُثِهِ ، أَوْ إِجَازَةِ وَرَثَتِهِ لِعِتْقِهِ لَا لِنِكَاحِهِمَا ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْعِتْقَ صَحَّ النِّكَاحُ ، وَلَمْ تَرِثْ بِهِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا وَصِيَّةٌ تَبْطُلُ بِالْمِيرَاثِ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ الْعِتْقَ بَطَلَ النِّكَاحُ ، وَاتَّفَقَ حُكْمُ الْوَجْهَيْنِ مَعَ بُطْلَانِهِ ، وَفِي وَطْئِهِ لَهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ هَدْرًا لَا تَسْتَحِقُّ بِهِ مَهْرًا ، لِتَرَدُّدِ حَالِهَا بَيْنَ أَنْ تَسْتَحِقَّهُ بِعِتْقِهَا أَوْ يَسْقُطَ بِرِقِّهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَكُونُ الْمَهْرُ مِنْهُ مُسْتَحَقًّا اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ الْعِتْقِ ، وَفِيهِ إِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ اعْتِبَارًا بِمُهُورِ الْأَحْرَارِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ اعْتِبَارًا بِعِتْقِهَا أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ . فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَتَّسِعَ التَّرِكَةُ لِقِيمَتِهَا وَمَهْرِهَا ، فَيُنَفَّذُ عِتْقُهَا ، وَتَسْتَحِقُّ بِهِ جَمِيعَ مَهْرِهَا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَتَّسِعَ لِقِيمَتِهَا ، وَيَضِيقَ عَنْ مَهْرِهَا ، فَيَكُونُ نُفُوذُ عِتْقُهَا فِي جَمِيعِهَا مَوْقُوفًا عَلَى إِبْرَائِهَا مِنْ مَهْرِهَا ، فَإِنْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي جَمِيعِهَا ، وَإِنْ طَالَبَتْ بِهِ دَخَلَ بِهِ دَوْرٌ يَبْطُلُ بِهِ مِنْ عِتْقِهَا بِقَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ بِحُرِّيَّتِهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَضِيقَ التَّرِكَةُ عَنْ قِيمَتِهَا وَمَهْرِهَا ، بِأَلَّا يَكُونَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا . مِثَالُهُ : أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ ، فَإِنْ جَعَلْنَا الْمَهْرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جَعَلْتُ لَهُمَا بِالْعِتْقِ سَهْمًا ، وَبِالْمَهْرِ ثُلُثَ سَهْمٍ ، وَجَعَلْتُ لِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ تَكُونُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَثُلُثًا ، فَأَبْسُطُهَا مِنْ جِنْسِ الْكَسْرِ تَصِيرُ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ ، فَأَعْتِقُ مِنْهَا بِسَهْمِ الْعِتْقِ ، وَهُوَ ثُلُثُهُ ، فَيُعْتَقُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهَا ، وَبِيعَ مِنْهَا بِسَهْمِ الْمَهْرِ عُشْرُهَا يَكُونُ هُوَ بِقَدْرِ ثَلَاثَةِ أَعْشَارِ مَهْرِهَا ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ سِتَّةُ أَعْشَارِهَا ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهَا . وَإِنْ جُعِلَ الْمَهْرُ مِنَ الثُّلُثِ جَعَلْتُ ثُلُثَهَا ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، مَقْسُومًا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْمَهْرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ، يَكُونُ قِسْطُ السَّهْمِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، فَأَعْتِقُ مِنْهَا بِسِهَامِ الْعِتْقِ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ قَدْرُهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا ، فَعَتَقَ بِهَا رُبْعُهَا ، وَبِيعَ مِنْهَا بِسَهْمِ الْمَهْرِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بَقِيَّةُ ثُلُثِهَا ، وَقَدْرُهُ نِصْفُ السُّدْسِ ، وَهُوَ رُبْعُ مَهْرِهَا ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ بِهَا ثُلُثَهَا ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَاهَا ، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَهُوَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ وَالْمَهْرِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ عَبْدًا لَهَا فِي مَرَضِهَا ، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، فَتَزَوَّجَتْ بِهِ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا ، وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، فَفِي نِكَاحِهَا لَهُ وَجْهَانِ كَالرَّجُلِ إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً ، وَتَزَوَّجَهَا : أَحَدُهُمَا : أَنَّ نِكَاحَهَا بَاطِلٌ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، وَيَنْفَرِدُ بِحُكْمِ الْعِتْقِ ، وَلَا يَكُونُ لِلنِّكَاحِ تَأْثِيرٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ، النِّكَاحُ مَوْقُوفٌ عَلَى خُرُوجِ قِيمَتِهَا مِنْ ثُلُثِهَا أَوْ إِجَازَةِ وَرَثَتِهَا لِعِتْقِهِ ، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ أَوْ لَا ، فَيَبْطُلُ . فَإِنْ صَحَّ النِّكَاحُ بِكَمَالِ عِتْقِهِ لَمْ يَرِثْهَا ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا وَصِيَّةٌ يَمْنَعُ الْمِيرَاثُ مِنْهَا ، وَإِنْ بَطَلَ النِّكَاحُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا سِوَاهَا دَخَلَ الدَّوْرُ فِي زِيَادَةِ تَرِكَتِهَا بِالصَّدَاقِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ فِي التَّرِكَةِ ، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ مِنَ الْمِائَةِ الصَّدَاقِ ، وَبَابُ دَوْرِهِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِمَا يُؤَدِّيهِ فِي الصَّدَاقِ مِنْ كَسْبِ مِلْكِهِ عَقِيبَ الْمَوْتِ أَنْ تَجْعَلَ لَهُ بِالْعِتْقِ سَهْمًا ، وَعَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ نِصْفُ سَهْمٍ ، وَتَجْعَلَ لِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ تَكُونُ سَهْمَيْنِ وَنِصْفًا ، وَأَقْسِمُ التَّرِكَةَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ مِنْهَا ثَمَانِينَ دِرْهَمًا ، وَأَعْتِقُ مِنْهُ بِالسَّهْمِ خُمْسَيْهِ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي مِنَ الصَّدَاقِ يُسْتَوْفَى مِنْهُ ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ خُمْسَا الصَّدَاقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا . يَصِيرُ مَعَ الْوَرَثَةِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ .

وَإِنَّمَا سَلَكْتُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَعَدَلْتُ عَنْ حِسَابِ الْجَبْرِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْنَسْ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

مَسْأَلَةٌ لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ سَالِمٌ حُرٌّ وَغَانِمٌ حُرٌّ وَزِيَادٌ حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مَا احْتَمَلَ الثُّلُثُ لِأَنَّهُ عِتْقُ بَتَاتٍ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَلَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ سَالِمٌ حُرٌّ ، وَغَانِمٌ حُرٌّ وَزِيَادٌ حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مَا احْتَمَلَ الثُّلُثُ لِأَنَّهُ عِتْقُ بَتَاتٍ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ : عَتْقُ الْمَرِيضِ وَعَطَايَاهُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثُلُثِهِ فِي حُقُوقِ الْوَرَثَةِ ، وَمِنْ جَمِيعِ مَالِهِ فِي حُقُوقِ نَفْسِهِ ، فَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ غُلِّبَ فِيهَا حَقُّ نَفْسِهِ ، فَلَزِمَ جَمِيعُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِنِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ مَالِهِ . وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ غُلِّبَ فِيهَا حُقُوقُ الْوَرَثَةِ ، فَرُدَّتْ إِلَى الثُّلُثِ ، وَكَانَ لَهُمْ رَدُّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ ، فَإِذَا جَمَعَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بَيْنَ عِتْقٍ وَعَطَايَا ، وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِهَا قَدَّمَ مِنْ ثُلُثِهِ مَا قَدَّمَهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ عَطِيَّةٍ ، فَإِنْ قَدَّمَ الْعِتْقَ ، وَاسْتَوْعَبَ بِهِ جَمِيعَ الثُّلُثِ أُبْطِلَتْ عَطَايَاهُ فِي حُقُوقِ الْوَرَثَةِ . وَإِنْ قَدَّمَ الْعَطَايَا ، وَاسْتَوْعَبَ بِهَا الثُّلُثَ أَبْطَلَ بِهَا الْعِتْقَ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ أَسْبَقِهَا ، عِتْقًا كَانَ أَوْ عَطِيَّةً . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَ فِي الْعَطَايَا مُحَابَاةٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ قُدِّمَتْ عَلَى جَمِيعِ الْعِتْقِ . وَالْعَطَايَا ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ ، فَالْأَسْبَقُ مِنَ الْعَطَايَا أَوِ الْعِتْقِ ، فَخَالَفَ فِي الْمُحَابَاةِ ، وَوَافَقَ فِيمَا سِوَاهَا ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْمُحَابَاةَ مُعَاوَضَةٌ فَكَانَ حُكْمُهَا أَقْوَى وَأَلْزَمُ مِنْ غَيْرِهَا . وَدَلِيلُنَا : هُوَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ اتِّخَاذُهُ ، وَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ تَنْفِيذُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّ الْعَطَايَا مُحَابَاةً أَوْ كُلُّهَا غَيْرَ مُحَابَاةٍ ، وَلَيْسَ لِاحْتِجَاجِهِ بِأَنَّ الْمُحَابَاةَ مُعَاوَضَةٌ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَخْتَصُّ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مُحَابَاةٌ ، وَلِذَلِكَ لَزِمَ ، وَلَمْ تَسْقُطْ ، وَالْمُحَابَاةُ عَطِيَّةٌ مَحْضَةٌ ، وَلِذَلِكَ سَقَطَتْ وَلَمْ تَلْزَمْ .

فَصْلٌ : فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا الْأَصْلُ فِي تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ ، فَبَدَأَ بِالْعِتْقِ ، فَقَالَ : سَالِمٌ حُرٌّ ، وَغَانِمٌ حُرٌّ ، وَزِيَادٌ حُرٌّ ، ثُمَّ وَهَبَ وَحَابَى قَدَّمْنَا مَا بَدَأَ بِهِ مِنْ عِتْقِ سَالِمٍ ، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ أَبْطَلْنَا عِتْقَ غَانِمٍ وَزِيَادٍ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمْ بِلَفْظٍ مُتَّصِلٍ أَوْ بِأَلْفَاظٍ مُنْفَصِلَةٍ ، وَسَوَاءٌ قَرُبَ مَا بَيْنَهُمْ أَوْ بَعُدَ ، تَعْلِيلًا بِالتَّقَدُّمِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ . وَلَوِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ بَعْدَ عِتْقِ سَالِمٍ لِعِتْقِ غَيْرِهِ أَعْتَقْنَا بَعْدَهُ غَانِمًا ؛ لِأَنَّهُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ ، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ أَبْطَلْنَا عِتْقَ زِيَادٍ . وَإِنِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ بَعْدَ سَالِمٍ وَغَانِمٍ لِعِتْقِ ثَالِثٍ أَعْتَقْنَا زِيَادًا ، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ أَبْطَلْنَا مَا بَعْدَهُمْ مِنَ الْهِبَاتِ وَالْمُحَابَاةِ . وَإِنِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ بَعْدَ عِتْقِهِمْ لِهِبَاتِهِ أَوْ مُحَابَاتِهِ قَدَّمْنَا فِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ هِبَةٍ

أَوْ مُحَابَاةٍ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الثُّلُثِ ، وَيُبْطَلُ مَا عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ ، فَلَوِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِعَبْدٍ وَبَعْضِ آخَرَ ، وَضَاقَ عَمَّا سِوَاهُ عَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ وَبَعْضُ الثَّانِي ، وَأُبْطِلَ مَا عَدَاهُ مِنْ عِتْقٍ وَعَطِيَّةٍ . وَلَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ : سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَزِيَادٌ أَحْرَارٌ ، كَانُوا فِي الْعِتْقِ سَوَاءً ، لَا يُقَدَّمُ فِيهِ مَنْ قَدَّمَ اسْمَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ أَسْمَائِهِمْ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِتْقُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَفِي قَوْلِهِ : سَالِمٌ حُرٌّ وَغَانِمٌ حُرٌّ ، وَزِيَادٌ حُرٌّ تَقَدُّمُ عِتْقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَافْتَرَقَ الْأَمْرَانِ . وَوَجَبَ إِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ عِتْقِهِمْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، وَعَتَقَ بِالْقُرْعَةِ مَنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثُ ، وَرَقَّ مَنْ عَدَاهُ .

فَصْلٌ : فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدَيْنِ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمَا ، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِائَتَانِ ، وَكَسْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلُ قِيمَتِهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَيَدْخُلُ بِالْكَسْبِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ ، فَنَجْعَلُ لِلْعِتْقِ سَهْمًا ، وَلِلْكَسْبِ سَهْمًا ، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ تَكُونُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ ، وَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ عَلَيْهَا وَهِيَ سِتُّمِائَةٍ مِنْهَا ثَلَاثُمِائَةٍ قِيمَتُهَا ، وَثَلَاثُمِائَةٍ كَسْبُهَا ، يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا ، وَهُوَ سَهْمُ الْعِتْقِ ، فَيُعْتَقُ مِنْهَا بِقَدْرِهِ . فَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى مَنْ قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَمَلَكَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ ، وَرَقَّ رُبْعُهُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا ، وَمَلَكَ الْوَرَثَةُ رُبْعَ كَسْبِهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، وَرَقَّ لَهُمْ جَمِيعُ الْآخَرِ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَمَلَكُوا بِهِ جَمِيعَ كَسْبِهِ ، وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، صَارَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَهِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ فِي الْعِتْقِ . وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَتَقَ جَمِيعُهُ ، وَرَجَعَ الْآخَرُ لِاسْتِكْمَالِ الثُّلُثِ ، وَمَلَكَ الْأَوَّلُ جَمِيعَ كَسْبِهِ ، وَمَلَكَ الثَّانِي رُبْعَ كَسْبِهِ ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّانِي ، وَقِيمَةُ ذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، وَمَلَكُوا بِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا ، صَارَ لَهُمْ بِالرِّقِّ وَالْكَسْبِ ثَلَاثُمِائَةٍ دِرْهَمٍ هِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ .

مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَا كَانَ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مِنْ تَدْبِيرٍ وَغَيْرِهِ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( فَأَمَّا كُلُّ مَا كَانَ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مِنْ تَدْبِيرٍ وَغَيْرِهِ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي الْوَصَايَا بِالْعِتْقِ وَالْعَطَايَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْعِتْقِ وَحْدَهُ . وَالثَّانِي : أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْعَطَايَا وَحْدَهَا .

وَالثَّالِثُ : أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا الْعِتْقُ وَالْعَطَايَا . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : فِي اشْتِمَالِهَا عَلَى الْعِتْقِ وَحْدَهُ ، فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ عِتْقًا ، فَيَقُولُ : اعْتِقُوا عَنِّي سَالِمًا ، ثُمَّ يَقُولُ : اعْتِقُوا عَنِّي غَانِمًا ، ثُمَّ يَقُولُ : اعْتِقُوا عَنِّي زِيَادًا ، فَكُلُّهُمْ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِمْ سَوَاءٌ لَا يُقَدَّمُ فِيهِمْ مَنْ قَدَّمَ الْوَصِيَّةَ بِهِ ، بِخِلَافِ عِتْقِهِ النَّاجِزِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِيهِ مَنْ قَدَّمَهُ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْعِتْقَ بِالْوَصَايَا مُسْتَحَقٌّ بِالْمَوْتِ الَّذِي يَتَسَاوَوْنَ فِيهِ ، وَفِي الْمَرَضِ مُسْتَحَقٌّ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُقَدَّمُونَ بِهِ ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ فِي الْمَرَضِ عِتْقُ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُقَدَّمْ فِي الْوَصِيَّةِ عِتْقُ الْأَوَّلِ ، وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمْ إِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ ، وَأَكْسَابُ جَمِيعِهِمْ قَبْلَ الْمَوْتِ تَرِكَةٌ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ كُلُّ عِتْقِهِ تَدْبِيرًا ، فَيَقُولُ : إِذَا مُتُّ فَسَالِمٌ حُرٌّ ، ثُمَّ يَقُولُ إِذَا مُتُّ فَغَانِمٌ حُرٌّ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِذَا مُتُّ فَزِيَادٌ حُرٌّ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ فِي الثُّلُثِ عَلَى تَرْتِيبِ مَنْ قُدِّمَ ، فَيُعْتَقُ الْأَوَّلُ إِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ ، وَرَقَّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ . وَلَوِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِاثْنَيْنِ عَتَقَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ، وَرَقَّ الثَّالِثُ اعْتِبَارًا بِالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِمُ الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ نَاجِزٌ بِالْمَوْتِ لَا يَقِفُ عَلَى الْوَرَثَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ الْمَذْهَبُ : أَنَّهُمْ سَوَاءٌ لَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ الَّذِي يَتَمَاثَلُونَ فِيهِ . فَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ ، وَلَمْ يَتَّسِعْ لِجَمِيعِهِمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ الْمَذْهَبُ : أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، وَيُعْتَقُ مِنْهُمْ مَنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَيُسْتَرَقُّ مَنْ عَجَزَ عَنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَيُسْتَرَقُّ بَاقِيهِ ، وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي تَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ . فَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ نِصْفَ قِيمَتِهِمْ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ ، وَرَقَّ نِصْفُهُ ، وَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ رُبْعَ قِيمَتِهِمْ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهُ ، وَرَقَّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ اعْتِبَارًا بِالْوَصَايَا ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِفَرْقِ مَا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْوَصَايَا . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ عِتْقُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى وَصِيَّةٍ بِالْعِتْقِ ، وَعَلَى تَدْبِيرٍ يَتَحَرَّرُ بِالْمَوْتِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ :

أَحَدُهُمَا : يُقَدَّمُ التَّدْبِيرُ عَلَى الْعِتْقِ ، لِتَقَدُّمِ نُفُوذِهِ بِالْمَوْتِ ، فَإِنِ اسْتَغْرَقَ الثُّلُثُ بَطَلَ بِهِ عِتْقُ الْوَصِيَّةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْمَذْهَبِ : أَنَّهُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ جَمِيعِهِمْ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَوْتِ ، فَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِهِمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، وَفِي الْقُرْعَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُفْرَدُ كُلُّ فَرِيقٍ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَ عِتْقِ التَّدْبِيرِ ، وَعِتْقِ الْوَصِيَّةِ ، فَإِذَا وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ عَتَقَ وَرَقَّ الْفَرِيقُ الْآخَرُ وَصِيَّةً كَانَ أَوْ تَدْبِيرًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يُجْمَعُ فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَاسْتُوعِبَ بِالثُّلُثِ مَنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَرَقَّ مَنْ عَدَاهُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : فِي اشْتِمَالِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْعَطَايَا دُونَ الْعِتْقِ ، فَجَمِيعُ أَهْلِهَا يَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ إِذَا ضَاقَ عَنْهَا ، يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَمَنْ تَأَخَّرَتْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ هِبَةً أَوْ مُحَابَاةً ، وَأَحْسَبُ أَبَا حَنِيفَةَ يُوَافِقُ عَلَى هَذَا ، وَيَسْتَهِمُونَ فِي الثُّلُثِ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ إِذَا اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُهَا ، فَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمُ الْوَصِيَّةَ تَوَفَّرَتْ عَلَى الْبَاقِينَ فِي زِيَادَةِ حُقُوقِهِمْ ، وَلَمْ يُقَدَّمْ بَعْضُهُمْ بِالْقُرْعَةِ عَلَى بَعْضٍ بِخِلَافِ الْعِتْقِ الْمُوجِبِ لِتَكْمِيلِهِ بِالْقُرْعَةِ فِي بَعْضِهِمْ ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا . وَلِهَذَا الْفَصْلِ أَحْكَامٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْوَصَايَا ، وَمَا حَدَثَ مِنْ نِتَاجِ مَاشِيَةٍ أَوْ ثِمَارِ نَخِيلٍ أَوْ كَسْبِ عَبِيدٍ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي تَرِكَةٌ يَتَّسِعُ لَهَا الثُّلُثُ فِي تَنْفِيذِ الْوَصَايَا ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِلْوَرَثَةِ لَا يَتَّسِعُ لَهَا الثُّلُثُ فِي حُقُوقِ أَهْلِ الْوَصَايَا . وَأَمَّا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ من الثلث إذا ضاقت التركة عنها مِنْهَا إِذَا ضَاقَتِ التَّرِكَةُ عَنْهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : لَا تُقْضَى مِنْهَا الدُّيُونُ كَمَا لَمْ تُنَفَّذْ مِنْهَا الْوَصَايَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ : تُقْضَى مِنْهَا الدُّيُونُ ، وَإِنْ لَمْ تُنَفَّذْ مِنْهَا الْوَصَايَا لِحُدُوثِهَا عَنِ التَّرِكَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي الدُّيُونِ بِخِلَافِ الْوَصَايَا ؛ لِأَنَّ لِلْوَرَثَةِ شَرِكَةً فِي الْوَصَايَا بِالثُّلُثَيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الدَّيْنِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ اشْتِمَالِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْعِتْقِ وَالْعَطَايَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يُقَدَّمُ الْعِتْقُ عَلَى الْوَصَايَا ، لِدُخُولِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقُوَّتِهِ بِالسِّرَايَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِاعْتِبَارِهِمَا مِنَ الثُّلُثِ وَاسْتِحْقَاقِهِمَا بِالْمَوْتِ فَيُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ ، فَمَا حَصَلَ لِلْعِتْقِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ ، وَمَا حَصَلَ لِلْعَطَايَا اشْتَرَكُوا

فِيهِ ، وَلَمْ يُقْرَعُوا ، فَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَ الْعَطَايَا عِتْقٌ وَتَدْبِيرٌ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : يُقَدَّمُ التَّدْبِيرُ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ عَنِ الْعِتْقِ وَالْعَطَايَا لِانَتِجَازِهِ بِالْمَوْتِ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنِ التَّدْبِيرِ صُرِفَ فِي الْعِتْقِ دُونَ الْوَصَايَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَشْتَرِكُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْعِتْقِ ، وَيُقَدَّمَانِ عَلَى الْعَطَايَا . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَيُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ ، ثُمَّ يَكُونُ الْإِقْرَاعُ فِي سَهْمِ الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَصِيَّةً وَهُوَ الثُلُثُ وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ وَصِيَّةٍ وَهُوَ الثُّلُثُ أَعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) إِذَا أَجَازَ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عِتْقُ عَبْدَيْنِ وَهُمَا ثُلُثَا الْمَيِّتِ فَمَعْنَاهُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَسَنَذْكُرُ مَا نَتَجَ فِيهَا مِنْ زِيَادَةٍ . فَإِذَا شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ سَالِمٍ ، وَقِيمَتُهُ الثُّلُثُ ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ بِأَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ غَانِمٍ ، وَقِيمَتُهُ الثُّلُثُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَارِثِينَ مِنْ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ أَوْ مَجْرُوحَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، لِسَلَامَتِهَا مِنْ مَعَانِي الرَّدِّ ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالشَّهَادَتَيْنِ عِتْقُ عَبْدَيْنِ ، وَهُمَا ثُلُثَا الْمَيِّتِ ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، لِيُكْمَلَ بِالْقُرْعَةِ عِتْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ . وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : ( أَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ أَوْجَبَتْ أَنْ يُعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ، وَالشَّرْعُ قَدْ أَوْجَبَ أَنْ يُكْمَلَ الْعِتْقُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ ، فَإِذَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَوَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ بِعِتْقِهِ أُمْضِيَ عَلَى هَذَا ، وَرَقَّ مَنْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِهِ ، وَإِنْ وَقَعَتِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِهِ عَتَقَ ، وَنُظِرَ مَا يَقُولُهُ الْوَارِثَانِ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، فَإِنْ صَدَّقَاهُمَا رَقَّ لَهُمَا مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ ، وَإِنْ كَذَّبَاهُمَا لَمْ يُسْتَرَقَّ مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ إِذَا اتَّسَعَ لَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي . وَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ مَجْرُوحَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ، وَأُعْتِقَ مَنْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِهِ ، وَنُظِرَ قَوْلُ الْوَارِثِينَ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، فَإِنْ صَدَّقَاهُمَا رَقَّ لَهُمَا مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ ، وَيَكُونُ التَّأْثِيرُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمَا إِبْطَالُ الْقُرْعَةِ . وَإِنْ كَذَّبَاهُمَا لَزِمَهُمَا أَنْ يَعْتِقَا مِمَّنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ قَدْرَ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ بَعْدَ خُرُوجِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرِكَةِ ، وَيَسْتَرِقَّا مِنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ . وَلَوْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِ سَالِمٍ فِي الْمَرَضِ ، وَشَهِدَ الْوَارِثَانِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَصِيَّةً بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَكَاذُبٌ عَتَقَ سَالِمٌ ، وَرَقَّ غَانِمٌ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْمَرَضِ مُقَدَّمٌ عَلَى عِتْقِ

الْوَصِيَّةِ ، وَكَانَ لِلْوَارِثِينَ أَنْ يَسْتَرِقَّا مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ فِي الْوَصِيَّةِ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْهُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ قَالَ لِعَشَرَةِ أَعْبُدٍ لَهُ أَحَدُكُمْ حُرٌّ سَأَلْنَا الْوَرَثَةَ فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْلَمُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَأُعْتِقَ أَحَدُهُمْ كَانَ أَقَلَّهُمْ قِيمَةً أَوْ أَكْثَرَهُمْ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَإِطْلَاقُ قَوْلِهِ : لِعَشْرَةِ أَعْبُدٍ لَهُ ، أَحَدُكُمْ حُرٌّ ، وَلَمْ يُسَمِّهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَقْصِدَ بِإِطْلَاقِهِ تَعْيِينَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمْ ، فَهُوَ الْحُرُّ مِنْ بَيْنِهِمْ ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي بَيَانِهِ مِنْهُمْ ، فَإِنْ بَيَّنَهُ ، فَقَالَ : هُوَ سَالِمٌ عَتَقَ ، وَكَانَ بَيَانُهُ خَبَرًا ، وَرَقَّ مَنْ سِوَاهُ . فَلَوْ قَالَ : هُوَ سَالِمٌ أَوْ غَانِمٌ رَقَّ مَنْ سِوَاهُمَا وَأُخِذَ بِبَيَانِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمَا . وَلَوْ قَالَ : هُوَ سَالِمٌ لَا بَلْ غَانِمٌ عَتَقَا مَعًا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَاجِعًا عَنْ سَالِمٍ ، وَمُقِرًّا بِغَانِمٍ فَلَزِمَهُ إِقْرَارُهُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ ، وَرَقَّ مَنْ عَدَا سَالِمًا وَغَانِمًا مِنْ عَبِيدِهِ ، فَإِنْ أَكْذَبَهُ أَحَدُهُمْ ، وَادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الْمُعَيَّنُ بِالْعِتْقِ أُحْلِفَ لَهُ السَّيِّدُ ، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ ، وَإِنْ نَكَلَ السَّيِّدُ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْعَبْدِ ، فَإِذَا حَلَفَ عَتَقَ ، فَإِنْ فَاتَ بَيَانُ السَّيِّدِ حَتَّى مَاتَ رُجِعَ بَعْدَهُ إِلَى بَيَانِ وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ بَيَانٌ ، وَقَامَ بَيَانُهُمْ مَقَامَ بَيَانِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَالِهِ بِمَثَابَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْوَرَثَةِ بَيَانٌ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، وَيُعْتَقُ مَنْ قُرِعَ مِنْهُمْ ، وَيُسْتَرَقُّ بَاقِيهِمْ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِتَمْيِيزِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الرِّقِّ . وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى الْمَنْعِ مِنَ الْقُرْعَةِ ، وَتَوَقُّفِهِمْ عَلَى بَيَانٍ قَاطِعٍ ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْقُرْعَةِ يُفْضِي إِلَى رِقِّ مَنْ أَعْتَقَهُ ، وَعِتْقِ مَنْ أَرَقَّهُ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ فَائِتٌ ، وَوُقُوفَ أَمْرِهِمْ مُضِرٌّ بِالْحُرِّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَمُضِرٌّ بِالْأَرِقَّاءِ فِي حُقُوقِ الْوَرَثَةِ ، فَلَمْ يَنْتَفِ الضَّرَرُ فِي الْجِهَتَيْنِ إِلَّا بِالْقُرْعَةِ .

فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُبْهَمَ الْعِتْقُ فِيهِمْ ، وَلَا يُقْصَدَ تَعْيِينُهُ فِي أَحَدِهِمْ ، فَيُؤْخَذُ بِتَعْيِينِهِ ، وَيَكُونُ فِي التَّعْيِينِ عَلَى خِيَارِهِ ، فَإِذَا عَيَّنَهُ فِي أَحَدِهِمْ عَتَقَ ، وَرَقَّ مَنْ سِوَاهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قِيمَةً أَوْ أَقَلَّهُمْ ، فَلَوِ ادَّعَى غَيْرُهُ التَّعْيِينَ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذَا التَّعْيِينِ مُخْبِرٌ وَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ ، فَلَوْ قَالَ عِنْدَ التَّعْيِينِ : هُوَ سَالِمٌ لَا بَلْ غَانِمٌ عَتَقَ سَالِمٌ دُونَ غَانِمٍ بِخِلَافِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَخْيِيرٌ فِي تَعْيِينِ عِتْقٍ قَدْ لَزَمَ ، فَإِذَا عَيَّنَهُ فِي الْأَوَّلِ سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الثَّانِي ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ لَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ خَبَرِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنْ فَاتَ تَعْيِينُهُ لِلْعِتْقِ بِمَوْتِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا : هَلْ يَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيهِ ، وَلَهُمْ أَنْ يُعَيِّنُوا مَا أَبْهَمَهُ مِنَ الْعِتْقِ فِيمَنْ أَرَادُوا ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا حَقَّ لَهُمْ فِي تَعْيِينِ مَا أَبْهَمَهُ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُبْهَمِ مَوْقُوفٌ عَلَى خِيَارِ الْمُعْتِقِ بِحَسْبِ غَرَضِهِ ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي وَرَثَتِهِ ، فَعَلَى هَذَا يُعْدَلُ إِلَى تَعْيِينِهِ بِالْقُرْعَةِ ، وَيُعْتَقُ مِنْهُمْ مَنْ قُرِعَ .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ دَيْنًا أَوْ غَائِبَةً لَمْ يُعَجَّلْ عِتْقُ جَمِيعِهِ ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ لَوْ نَضَّتْ لِجَوَازِ أَنْ يَقْوَى الدَّيْنُ أَوْ تَتْلَفَ الْغَائِبَةُ ، وَعُجِّلَ عِتْقُ ثُلُثِهِ ، وَوُقِفَ ثُلُثَاهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْعِتْقِ إِنْ نَضَّتْ وَالرِّقِّ إِنْ تَلِفَتْ ، وَمَلَكَ ثُلُثَ كَسْبِهِ الْمُسْتَحَقِّ بِعِتْقِهِ . فَأَمَّا ثُلُثَا كَسْبِهِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْمَوْقُوفِ عَنْهُ ، فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ ثُلُثَيْ نَفَقَتِهِ ، وَفِي الْبَاقِي مِنْهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ مَوْقُوفًا مَعَهُ ، فَإِنْ عَتَقَ بَاقِيهِ كَانَ لَهُ ، وَإِنَّ رَقَّ كَانَ لِلْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ نَفْعٌ لَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْوَقْفِ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ رَقَّ بَاقِيهِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُمْ عَلَى مَا أَخَذُوهُ مِنْ كَسْبِهِ ، لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِمْ عَلَى رِقِّهِ ، وَإِنَّ عَتَقَ بَاقِيهِ ، فَفِي وُجُوبِ رَدِّهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَرُدُّهُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْحُرِّ لَا يُمْلَكُ عَلَيْهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرِّقِّ فِي حَالِ الْوَقْفِ أَغْلَبُ مِنْ حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ ، فَإِنْ نَضَّ مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْغَائِبِ مِائَةٌ ، وَبَقِيَتْ مِائَةٌ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثٌ آخَرُ ، وَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَ ثُلُثُهُ مَوْقُوفًا عَلَى نَضِّ مَا بَقِيَ ، وَيُمْنَعُ الْوَرَثَةُ مِنْ بَيْعِ مَا وُقِفَ مِنْهُ ، وَمِنْ رَهْنِهِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَوْضُوعٌ لِلْبَيْعِ . فَأَمَّا إِجَارَتُهُ ، فَإِذَا رَاضَاهُمُ الْعَبْدُ عَلَيْهَا جَازَ ، وَإِنْ مَنَعَهُمْ مِنْهَا ، فَفِيهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي كَسْبِهِ : هَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا أَوْ لِوَرَثَتِهِ . أَحَدُهُمَا : يُمْنَعُونَ مِنْهَا إِذَا جُعِلَ كَسْبُهُ مَوْقُوفًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يُمَكَّنُونَ مِنْهَا إِذَا جُعِلَ كَسْبُهُ لَهُمْ ، فَإِنْ أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ مَا وُقِفَ مِنْهُ لَمْ يُعْتَقْ وَإِنْ مَلَكُوهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عِتْقِ مُوَرِّثِهِمْ ، فَلَمْ يُنَفَّذْ فِيهِ عِتْقُ غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ إِبْطَالِ عِتْقِهِ ، وَلَوْ دَبَّرُوهُ كَانَ فِي تَدْبِيرِهِمْ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : بَاطِلٌ كَالْعِتْقِ . وَالثَّانِي : جَائِزٌ لِتَأْخِيرِ الْعِتْقِ بِهِ ، وَتَغْلِيبِ حُكْمِ الرِّقِّ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

بَابُ مَنْ يَعْتِقُ بِالْمِلْكِ

مَنْ مَلَكَ أَحَدًا مِنْ آَبَائِهِ أَوْ أُمَّهَاتِهِ أَوْ أَجْدَادِهِ أَوْ جَدَّاتِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ بَنِيْهِ أَوْ بَنَاتِهِ عَتَقَ بَعْدَ مِلْكِهِ

بَابُ مَنْ يَعْتِقُ بِالْمِلْكِ وَفِيْهِ ذِكْرُ عِتْقِ السَّائِبَةِ وَلَا وَلَاءَ إِلَّا لِمُعْتِقٍ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : " مَنْ مَلَكَ أَحَدًا مِنْ آَبَائِهِ أَوْ أُمَّهَاتِهِ أَوْ أَجْدَادِهِ أَوْ جَدَّاتِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ بَنِيْهِ أَوْ بَنَاتِهِ عَتَقَ بَعْدَ مِلْكِهِ بَعُدَ مِنْهُ الْوَلَدُ أَوْ قَرُبَ الْمَوْلُودُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سِوَى مَنْ سَمَّيْتُ بِحَالٍ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقَالَ دَاوُدٌ : لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْمِلْكِ ، وَيُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِلَّا الْوَالِدُ يُؤْخَذُ بِعِتْقِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُجْزِئُ وَلَدُ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهِ فَيُعْتِقَهُ فَخُصَّ الْوَالِدُ مِنْ بَيْنِهِمْ بِوُجُوبِ ابْتِيَاعِهِ ، وَاسْتِئْنَافِ عِتْقِهِ بَعْدَ مِلْكِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ أَحَدٌ . وِدَلِيلُنَا عَلَيْهِ : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : ] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانُوا عِبَادًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونُوا أَوْلَادًا ، فَانْتَفَى بِذَلِكَ اسْتِقْرَارُ مِلْكٍ عَلَى وَلَدٍ . وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ . وَهَذَا نَصٌّ يُوجِبُ الْعِتْقَ ، وَيَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ ، وَلِأَنَّ بَيْنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ بَعْضِيَّةٌ ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ بَعْضَهُ ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ تَابِعٌ لِلْكُلِّ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَهُوَ بِأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لَنَا أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْنَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : " فَيَشْتَرِيَهِ فَيُعْتِقَهُ " أَيْ فَيَعْتِقَ عَلَيْهِ ، فَعَبَّرَ عَنِ الْعِتْقِ بِالْإِعْتَاقِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا

كَعْبُ : النَّاسُ غَادِيَانِ : بَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا وَمُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا " أَيْ فَيُعْتَقُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ مَا يُوجِبُ الْعِتْقَ ، ومن يعتق به واختلاف الفقهاء في ذلك وَيَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُعْتَقُ بِهِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ مِلْكِهِ مِنْ وَالِدِيهِ ، وَمَوْلُودِيهِ ، فَوَالِدُوهُ آبَاؤُهُ ، وَأُمَّهَاتُهُ ، وَأَجْدَادُهُ ، وَجَدَّاتُهُ . وَمَوْلُودُوهُ : أَبْنَاؤُهُ ، وَبَنَاتُهُ ، وَأَوْلَادُ بَنِيهِ ، وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ بَعُدَ ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَاسِبِينَ وَلَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَإِنْ كَانُوا ذَوِي مَحَارِمَ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ، وَالْأَعْمَامِ ، وَالْعَمَّاتِ ، وَالْأَخْوَالِ ، وَالْخَالَاتِ . وَزَادَ مَالِكٌ عَلَى قَوْلِنَا ، فَأَعْتَقَ مَعَ الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ ، الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ دُونَ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ شَارَكُوا فِي الصُلْبِ وَرَاكَضُوا فِي الرَّحِمِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ بِالنَّسَبِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَأَدْخَلَ فِيهِمُ الْأَعْمَامَ ، وَالْعَمَّاتِ ، وَالْأَخْوَالَ وَالْخَالَاتِ ، دُونَ أَوْلَادِهِمُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ . وَقِيَاسًا عَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ بِعِلَّةِ أَنَّهُمْ ذَوُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . فَاقْتَضَى عُمُومُ هَذَا الظَّاهِرِ إِقْرَارُ مِلْكِهِ عَلَى كُلِّ مَمْلُوكٍ مِنْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ إِلَّا مَنْ خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ لَا وِلَادَةَ بَيْنَهُمَا لَمْ يُعْتَقْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْمِلْكِ قِيَاسًا عَلَى ابْنِ الْعَمِّ . وَلِأَنَّ كُلَّ قَرَابَةٍ لَا تَتَضَمَّنُ رَدَّ الشَّهَادَةِ لَمْ يُعْتَقْ بِالْمِلْكِ قِيَاسًا عَلَى بَنِي الْأَعْمَامِ طَرْدًا ، . وَعَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ عَكْسًا . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ قَدْ أَعْلُّوهُ ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ ، وَلَمْ يُثْبِتْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : . سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يَرْوِهِ مِنْ أَصْحَابِ سُفْيَانَ إِلَّا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ مَضْعُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ الثِّقَاتِ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الرَّحِمِ فِي اللُّغَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالْوِلَادَةِ ، وَتُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهَا مَجَازًا ، وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ دُونَ مَجَازِهَا .

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ بِعِلَّةِ أَنَّهُمْ ذَوُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لَا يَصِحُّ فِي ذَكَرَيْنِ ، وَلَا فِي أُنْثَيَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ بَيْنَ ذَكَرَيْنِ وَلَا بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ ، وَإِنَّمَا الْمَحْرَمُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ بِالْمَحْرَمِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الذَّكَرَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ كَحُكْمِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى . وَالْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّهُ تَعْلِيلٌ يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْعِتْقِ بِالنِّكَاحِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَعَمُّ تَحْرِيمًا مِنَ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ تَحْرِيمَ النَّسَبِ إِلَى تَحْرِيمِ السَّبَبِ مِنْ رَضَاعٍ وَمُصَاهَرَةٍ ، وَالْعِتْقُ يَقْصُرُ عَنْهُ فِي السَّبَبِ ، فَقَصُرَ عَنْهُ فِي النَّسَبِ . وَلَئِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ قَدْ أَعْتَقَ كُلَّ مُحَرَّمَةٍ بِنَسَبٍ وَسَبَبٍ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَعْتِقُ الْمُحَرَّمَةَ بِالسَّبَبِ مِنْ رِضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ ، وَإِنَّمَا يَعْتِقُهَا بِالنَّسَبِ مِنْ أُبُوَّةٍ أَوْ بُنُوَّةٍ ، فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِهَا أَوْلَى مِنَ التَّعْلِيلِ بِالتَّحْرِيمِ .

فَصْلٌ إِذَا زَنَى وَأَوْلَدَ بِنْتًا لَمْ تَعْتِقْ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهَا

فَصْلٌ : إِذَا زَنَى وَأَوْلَدَ بِنْتًا لَمْ تَعْتِقْ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَعْتِقُ عَلَيْهِ احْتِجَاجًا بِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ كَالْمَوْلُودَةِ مِنْ نِكَاحٍ . وَدَلِيلُنَا أَنَّهَا وِلَادَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ثُبُوتُ النَّسَبِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا وُقُوعُ الْعِتْقِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَزْنِيِّ بِهَا إِذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ النَّفَقَةَ لَمْ يَقَعْ بِهِ الْعِتْقُ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ ذِي الْمَحْرَمِ . وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ خَلْقِهَا مِنْ مَائِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ لِمَائِهِ فِي الزَّوْجَةِ حُرْمَةٌ تُوجِبُ ثُبُوتَ النَّسَبِ ، فَأَوْجَبَتْ وُقُوعَ الْعِتْقِ ، وَلَيْسَ لِمَائِهِ فِي الزَّانِيَةِ حُرْمَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ يَقَعُ بِهَا الْعِتْقُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الَّذِي يُعْتَقُ بِالْمِلْكِ هُمُ الْوَالِدُونَ وَالْمَوْلُودُونَ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَقَارِبِ وَالْمُنَاسِبِينَ ، فَبِأَيِّ سَبَبٍ مَلَكَهُمْ مِنِ ابْتِيَاعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ عَتَقُوا بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا عَتَقُوا بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُـمْ عَتَقُوا عَلَيْهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي مَلَكَهُمْ بِهِ ، فَإِنْ مَلَكَهُمْ بِابْتِيَاعٍ كَانَ الْعَقْدُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ وَالْعِتْقِ ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ فِيهِ خِيَارُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي ، وَيَكُونُ حُكْمُ هَذَا الِابْتِيَاعِ جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ لِلْبَائِعِ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِأَلْفٍ ، فَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ خِيَارٌ بَعْدَ عِتْقِهِ .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ عَتَقُوا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ الَّذِي مَلَكَهُمْ بِهِ لِيَكُونَ بِالْعَقْدِ مَالِكًا ، وَبِالْمِلْكِ مُعْتِقًا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَلِإِزَالَتِهِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، لِتَنَافِيهِمَا ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ ، وَفِي ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ : هَلْ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِنَفْسِ الْخِيَارِ أَحَدُهُمَا : لَا خِيَارَ لَهُ إِذَا جُعِلَ مَالِكًا بِالْعَقْدِ ، فَإِنِ اخْتَارَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ انْتَقَضَ بِهِ الْعِتْقُ ، وَإِنِ اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَهُ الْخِيَارُ إِذَا جُعِلَ مَالِكًا بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ ، وَيَكُونُ خِيَارُهُ مُسْتَحَقًّا وَلَهُ الْفَسْخُ بِهِ مَا لَمْ يَخْتَرِ الْبَائِعُ الْإِمْضَاءَ ، فَإِذَا اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي ، وَكَانَ إِمْضَاءُ الْبَائِعِ قَطْعًا لِخِيَارِهِ وَخِيَارِ الْمُشْتَرِي .

فَصْلٌ : وَإِذَا وُهِبَ لَهُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْقَبْضِ مَالِكًا . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْهِبَةَ تُوجِبُ الْمُكَافَأَةُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا ، وَكَانَ فِي الْقَبُولِ مُخَيَّرًا . وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْمُكَافَأَةَ لَا تَجِبُ فَفِي وُجُوبِ قَبُولِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ لِيَعْتِقَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ مَأْخُوذٌ بِحَقِّهِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شِئْتَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَشَاءَ لِيُعْتَقَ بِالْمَشِيئَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ ، لِمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ مِنْ حُقُوقٍ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبُولِ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ ، أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شِئْتَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَشَاءَ ، وَكَانَ فِي الْمَشِيئَةِ مُخَيَّرًا . وَإِذَا وَصَّى لَهُ بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ فِي قَبُولِ الْوَصِيَّةِ مُكَافَأَةٌ ، وَفِي وُجُوبِ قَبُولِهَا وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى .

فَصْلٌ : فَإِذَا ابْتَاعَ فِي مَرَضِهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ كَانَ ثَمَنُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ كَعِتْقِهِ فِي مَرَضِهِ ، فَإِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ مَعَ الِابْتِيَاعِ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَوْرِيثِهِ ، فَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَجُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُورَثُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ لَمَّا اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ كَانَ وَصِيَّةً لَهُ ، وَلَا تَجْتَمِعُ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ اللَّبَّانِ الْفَرَضِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُورَثُ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنَ الثُّلُثِ هُوَ الثَّمَنُ ، وَهُوَ حَقٌّ لِلْبَائِعِ ، فَخَرَجَ أَنْ يَكُونَ وَصِيَّةً لِهَذَا الْمُعْتِقِ ، فَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ ثَمَنِهِ ، وَلَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ :

أَحَدُهُمَا : يَمْضِي الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهِ ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ لِوَرَثَتِهِ ، لِيَصِيرَ لَهُمْ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ عَتَقَ مِنْ مِلْكِهِمْ ، وَكَانَ لَهُمْ وَلَاءُ ثُلُثَيْهِ ، وَلِلْمُورِثِ وَلَاءُ ثُلُثِهِ . وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ كَانَ ثُلُثَاهُ بَاقِيًا عَلَى رِقِّهِمْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَمْضِي الْبَيْعُ فِي ثُلُثِهِ وَيُفْسَخُ فِي ثُلُثَيْهِ إِذَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِتَفْرِيقِهَا ، فَفِي فَسْخِهِ وَجْهَانِ : مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي عِتْقِهِ : هَلْ وَقَعَ بِالْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ ؟ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إِذَا قِيلَ : إِنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ بِالْعَقْدِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَهُ الْفَسْخُ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ . فَإِنْ جُوِّزَ لَهُ الْفَسْخُ فَفَسَخَ عَادَ رَقِيقًا إِلَى مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَعَادَ إِلَى الْوَرَثَةِ جَمِيعُ الثَّمَنِ . وَإِنْ مُنِعَ مِنَ الْفَسْخِ أَمْضَى الْبَيْعَ فِي ثُلُثِهِ ، وَعَتَقَ عَلَى مُشْتَرِيهِ ، وَفَسَخَ الْبَيْعَ فِي ثُلُثَيْهِ ، وَرُدَّ عَلَى بَائِعِهِ ، وَاسْتُرْجِعَ مِنْهُ ثُلُثَا الثَّمَنِ ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ ثُلُثَا الرَّقَبَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بِالْمِيرَاثِ إِلَّا مَا مَلَكَهُ الْمَوْرُوثُ ، وَالْمَوْرُوثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُ وَرَثَتِهِ عَلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ تَوْرِيثِ رَقَبَتِهِ إِلَى تَوْرِيثِ ثَمَنِهِ ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَاهُ مُسْتَرَقًّا فِي الْحَالَيْنِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى أَبَاهُ فِي مَرَضِهِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَتَرَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : يُجْعَلُ الْعِتْقُ مَقْسُومًا عَلَى الْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ ، وَالْعِتْقُ مِائَةٌ ، وَالْمُحَابَاةُ مِائَةٌ ، وَالتَّرِكَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ فَيُعْتَقُ مِنَ الْأَبِ نِصْفُهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، نِصْفُهَا عِتْقٌ وَنِصْفُهَا مُحَابَاةٌ ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، يُدْفَعُ إِلَى وَرَثَتِهِ مَعَ الْمِائَةِ الَّتِي تَرَكَهَا ، يَصِيرُ مَعَهُمْ مِائَتَا دِرْهَمٍ هِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : تُقَدَّمُ الْمُحَابَاةُ فِي الثُّلُثِ عَلَى الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ لِلْعِتْقِ ، وَهِيَ مُسْتَوْعِبَةٌ لِلثُّلُثِ ، وَيَرِقُّ الْأَبُ لِلْوَرَثَةِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ تُضَمُّ إِلَى الْمِائَةِ يَصِيرُ مَعَهُمْ مِائَتَا دِرْهَمٍ هِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْمُحَابَاةِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : يُفْسَخُ فِيهِ الْبَيْعُ ، وَيُعَادُ إِلَى رِقِّ الْبَائِعِ حَتَّى لَا يُورَثَ عَنْ غَيْرِ مِلْكٍ ، وَيَسْتَرْجِعُ الْوَرَثَةُ جَمِيعَ ثَمَنِهِ ، وَيَبْطُلُ بِذَلِكَ حُكْمُ الْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ .

مَسْأَلَةٌ إِنْ مَلَكَ شِقْصًا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَرَقَّ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَإِنْ مَلَكَ شِقْصًا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَرَقَّ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا مَلَكَ بِاخْتِيَارِهِ شِقْصًا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ عَتَقَ مَا مَلَكَهُ مِنْهُ كَمَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ كُلَّهُ ، وَكَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ ، وَيُعْتَبَرُ حَالُهُ بَعْدَ عِتْقِ الشِّقْصِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لِقِيمَةِ بَاقِيهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ ، وَعَتَقَ جَمِيعُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِهِ رَقَّ بَاقِيهِ لِمَالِكِهِ ، وَكَانَ الْعِتْقُ بِالْمِلْكِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ جَارِيًا مَجْرَى عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ ، وَسَوَاءٌ مَلَكَ الشِّقْصَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ مَلَكَهُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ مِنْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، لِثُبُوتِ مِلْكِهِ فِي الْحَالَيْنِ ، فَاسْتَوَيَا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ وَوُجُوبِ التَّقْوِيمِ ، وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، وَصَحَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ مَا مَلَكَ مِنْهُ ، وَفِي تَقْوِيمِ بَاقِيهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا بِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ كَالْمُعْسِرِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالشَّرْعِ كَالنَّفَقَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ .

مَسْأَلَةٌ إِنْ وَرِثَ مِنْهُ شِقْصًا عَتَقَ وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنْ وَرِثَ مِنْهُ شِقْصًا عَتَقَ وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ وَإِنْ وُهِبَ لِصَبِيٍّ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ كَمَا قَالَ : لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْمِيرَاثِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ ، فَعَتَقَ عَلَيْهِ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ ، لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِ ، كَمَنْ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ ، وَخَرَجَ بَعْضُهُ مِنْ ثُلُثِهِ رَقَّ بَاقِيهِ لِوَرَثَتِهِ ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِمْ فِي عِتْقِهِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ . فَلَوِ ابْتَاعَ شِقْصًا مِنْ أَبِيهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَبُوهُ ، ثُمَّ عَلِمَ ، عَتَقَ عَلَيْهِ مَا مَلَكَهُ مِنْهُ ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ وَالتَّقْوِيمُ مُعْتَبَرٌ بِاخْتِيَارِ الْمِلْكِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِاخْتِيَارِ الْعِتْقِ . وَلَوْ غُنِمَ أَبُوهُ ، وَهُوَ أَحَدُ شُرَكَاءِ غَانِمِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغَنِيمَةِ غَيْرُ أَبِيهِ أَحَدٌ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ ، فَيُنْظَرُ فَإِنْ بَاشَرَ غَنِيمَتَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ مِنْهُ ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَإِنْ غَنِمَهُ شُرَكَاؤُهُ ، وَلَمْ يُبَاشِرْ غَنِيمَتَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ مِنْهُ ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ بَاقِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ . وَإِنْ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ غَيْرُ أَبِيهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَمْلِكُهُ الْغَانِمُونَ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ ، وَإِجَازَةُ الْغَنَائِمِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ مَلَكُوا بِالْحُضُورِ أَنَّ يَتَمَلَّكُوا الْغَنِيمَةَ ، وَلَا يَمْلِكُونَهَا إِلَّا بِالْقِسْمَةِ فَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ .

فَإِنْ حَصَلَ أَبُوهُ فِي سَهْمِ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَإِنْ حَصَلَ فِي سَهْمِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ حَصَلَ بَعْضُهُ فِي سَهْمِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ ، سَوَاءٌ بَاشَرَ غَنِيمَتَهُ أَوْ لَمْ يُبَاشِرْهَا ؛ لِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ فِي سَهْمِهِ قَدْ صَارَ مَالِكًا لَهُ بِاخْتِيَارِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ بِالْحُضُورِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ سَائِغَةً بَيْنَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بِالْقِسْمَةِ إِلَى مَا تَعَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِسْمَةِ غَيْرُ أَبِيهِ ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ سَهْمُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِذَا لَمْ يُبَاشِرْ غَنِيمَتَهُ إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِالْقِسْمَةِ فِي سَهْمِهِ ، فَيُعْتَقُ بِهَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ وَلَا مِلْكَ لَهُ وَلَهُ وَصِيٌّ كَانَ عَلَيْهِ قَبُولُ هَذَا كُلِّهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ لِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرِ عِتْقَ مَا بَقِيَ وَإِنْ قَبِلَهُ فَمَرْدُودٌ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا يُعْتَقُ مَا مَلَكَ الصَّبِيُّ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا : فِي مَوْلَى عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ ، وُهِبَ لَهُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ ، أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِ ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُوهَبَ لَهُ جَمِيعُهُ ، فَإِنْ وُهِبَ لَهُ جَمِيعُ أَبِيهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأَبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا أَوْ غَيْرَ مُكْتَسَبٍ . فَإِنْ كَانَ مُكْتَسَبًا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهُ عَنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ رِقُّ أَبِيهِ ، وَيُمْلَكُ بِهِ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ ، وَإِنْ عَاشَ وَاحْتَاجَ الْوَلَدُ الْتَزَمَ نَفَقَتَهُ ، فَاسْتَفَادَ بِالْقَبُولِ حُقُوقًا لَمْ يَجُزْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُضَيِّعَهَا عَلَيْهِ ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنَ الْقَبُولِ قَبِلَهُ الْحَاكِمُ فِي حَقِّهِ لِظُهُورِ الْمُصْلِحَةِ فِي قَبُولِهِ . وَإِنْ كَانَ الْأَبُ زَمِنًا غَيْرَ مُكْتَسِبٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ وَلَدِهِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا . فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَقْبَلَ لَهُ الْوَصِيَّةَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِالْقَبُولِ عِتْقَ أَبِيهِ وَاسْتِحْقَاقَ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يُمْنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ قَبُولِهِ ، لِمَا فِي الْقَبُولِ مِنَ الْتِزَامِ نَفَقَتِهِ ، فَصَارَ عَائِدًا بِالضَّرَرِ عَلَى الْوَلَدِ .

فَصْلٌ : وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ أَوِ الْوَصِيَّةُ ، بِشِقْصٍ مِنْ أَبِيهِ لَا بِجَمِيعِهِ ، فَلِلْوَلَدِ حَالَتَانِ : مُوسِرٌ ، وَمُعْسِرٌ . فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ بِالشِّقْصِ مِنَ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُهُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَيَمْلِكُ بِهِ الْوَلَاءَ ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي بِالْإِعْسَارِ ، فَعَادَ بِنَفْعٍ لَا

ضَرَرَ مَعَهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مُكْتَسِبًا أَوْ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَا تَلْزَمُهُ مَعَ إِعْسَارِهِ . وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ، فَفِي قَبُولِ الْوَلِيِّ لِلشِّقْصِ مِنَ الْأَبِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَقْبَلُهُ ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ مُوجِبٌ لِتَقْوِيمِ بَاقِيهِ عَلَى الْوَلَدِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ يُثْلَمُ بِهِ مَالُهُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَقْبَلُهُ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ كَالْمُعْسِرِ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ الْبَاقِي لِهَذَا الْمَعْنَى ، فَلِمَ مَنْعَ الْوَلِيُّ مِنَ الْقَبُولِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ؟ قِيلَ : لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّقْوِيمِ اجْتِهَادٌ رُبَّمَا رَأَى بَعْضُ الْحُكَّامِ خِلَافَهُ ، فَقُوِّمَ فَصَارَ الْقَبُولُ مَعْرَضًا لِدُخُولِ الضَّرَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

بَابٌ فِي الْوَلَاءِ

مَسْأَلَةٌ في حديث الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ

بَابٌ فِي الْوَلَاءِ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الْوَلَاءُ فَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعِتْقِ يَمْلِكُهُ الْمُعْتِقُ عَلَى مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ بَعْدَ رِقِّهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ فِي وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ يَجْرِي مَجْرَى النَّسَبِ فِي التَّوَارُثِ بِهِ بَعْدَ النَّسَبِ . وَالْأَصْلُ فِي ثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ الْحَدِيثُ الْمُقَدَّمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . وَلَمْ يَرْوِ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا : لَمْ يَرْوِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَإِنَّمَا رَوَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْوَلَاءِ وِهِبَتِهِ . وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَغَلَطَ فِيهِ الْعِرَاقِيُّونَ ، رَوَوْا عَنْهُ مَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . فَهُوَ مُرْسَلٌ عَنِ الْحَسَنِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُرْسَلًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ تَارَةً مُسْنَدًا عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَأَحَادِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَضْعُوفَةٌ ، فَغَلِطُوا فِي نَقْلِهِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ .

وَالثَّانِي : مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . وَإِرْسَالُ هَذَا الْحَدِيثِ أَثْبَتُ مِنْ إِسْنَادِهِ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ مَا اشْتُهِرَ نَقْلُهُ فِي الْأَمَةِ أَنَّ عَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا - أَرَادَتْ شِرَاءَ بَرِيرَةَ ، لِتُعْتِقَهَا فَاشْتَرَطَ مُوَالِيهَا الْوَلَاءَ لَهُمْ ، فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَفَعَلَتْ " . فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ ، وَقَالَ : " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ . كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ . الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ لِإِنْعَامِهِ بِالْعِتْقِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ( الْأَحْزَابِ : ) ، يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَنْعَمَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ السَّيِّدُ الْمُعْتِقُ : الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ : الْمَوْلَى الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمَوْلَى يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ ، فَاحْتَاجَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اسْمِ الْمَوْلَى إِلَى مَا يَتَمَيَّزَانِ بِهِ ، فَقِيلَ فِي تَمْيِيزِهِمَا مَوْلًى أَعْلَى وَمَوْلًى أَسْفَلَ ، وَقِيلَ : مَوْلَى نِعْمَةٍ ، وَمَوْلَى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ .

فَصْلٌ أحكام استحقاق الولاء

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ لِكُلِّ مُعْتِقٍ ، فَالَّذِي يُسْتَحَقُّ بِالْوَلَاءِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ : أَحَدُهَا : الْمِيرَاثُ . يَرِثُ بِهِ مَا يَرِثُهُ الْعَصَبَاتُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ ، فَيَرِثُ الْأَعْلَى مِنَ الْأَسْفَلِ ، وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْأَعْلَى فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَشَذَّ عَنْهُمْ طَاوُسٌ ، فَوَرَّثَ الْأَسْفَلَ مِنَ الْأَعْلَى كَمَا وَرَّثَهُ الْأَعْلَى . وَالثَّانِي : الْعَقْلُ فِي تَحَمُّلِ دِيَةِ الْخَطَأِ يَعْقِلُ الْأَعْلَى عَنِ الْأَسْفَلِ ، وَفِي عَقْلِ الْأَسْفَلِ عَنِ الْأَعْلَى قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ . وَالثَّالِثُ : الْوِلَايَةُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ ، إِذَا عُدِمَ عَصَبَاتُ النَّسَبِ قَامَ الْمَوْلَى الْأَعْلَى فِيهِ مَقَامَهُمْ ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْأَسْفَلِ فِيهِ ، وَلَا يَجِبُ بِالْوَلَاءِ نَفَقَةٌ ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ مَحْرَمٌ ، وَفِي الْمِيرَاثِ يَسْتَحِقُّهُ الْآبَاءُ ثُمَّ الْأَبْنَاءُ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْعَصَبَاتِ ، وَالْعَقْلُ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْآبَاءُ وَلَا الْأَبْنَاءُ ، وَيَتَحَمَّلُهُ مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْعَصَبَاتِ ، لِرِوَايَةِ خُصَيْفٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا ثُمَّ تُوُفِّيَتْ ، وَتَرَكَتِ ابْنَهَا وَأَخَاهَا ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَهَا مَوْلَاهَا ، فَأَتَى ابْنُ الْمَرْأَةِ وَأَخُوهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِيرَاثِهَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ . ، فَقَالَ أَخُوهَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ ؟

قَالَ : عَلَيْكَ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : " لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً كَانَتْ عَلَيَّ ، وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .

فَصْلٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ ، وَلَا الْوَصِيَّةُ بِهِ

فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ ، وَلَا الْوَصِيَّةُ بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَحُكِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، أَنَّ بَيْعَ الْوَلَاءِ وَهِبَتَهُ وَالْوَصِيَّةَ بِهِ جَائِزَةٌ ، وَأَضَافُوهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ وَهَبَتْ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهَا ، وَلَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَانَ مُكَاتَبًا لَهَا ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ أُخْتِهَا . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اشْتَرَى وَلَاءَ طَهْمَانَ وَبَنِيهِ لِبَنِي أَخِيهِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ ، وَوَهَبَ وَلَاءَهُ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ ، وَأَشْهَدَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ . وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ حِصْنِ مُحَارِبٍ وَهَبَتْ وَلَاءَ عَبْدٍ لَهَا لِنَفْسِهِ ، وَأَنَّ الْمَوْلَى وَهَبَ وَلَاءَ نَفْسِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ خَاصَمَ وَرَثَتُهَا الْمَوْلَى إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَعَا الْمَوْلَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا قَالَ ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : وَالِ مَنْ شِئْتَ ، فَوَالَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرٍو . وَهَذَا قَوْلٌ يَبْطُلُ بِالنَّصِّ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ " ، وَبِقَوْلِهِ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . وَبِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَأَلَ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ شِرَاءِ الْوَلَاءِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الْوَلَاءَ وَلَا تَأْكُلُوا ثَمَنَهُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : " الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ قِرُّوهُ حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( الْوَلَاءُ نَسَبٌ ، أَيَبِيعُ الرَّجُلُ نَسَبَهِ ) . فَأَمَّا مَا رَوَوْهُ مِنَ الْآثَارِ ، فَلَا يُعَارِضُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ نُصُوصِ الْأَخْبَارِ ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ عَلَى وُجُوهٍ لَا تُعْرَفُ عِلَلُهَا ، وَقَدْ أَنْكَرَهَا الزُّهْرِيُّ وَأَنْشَدَ : فَبَاعُوهُ مَمْلُوكًا وَبَاعُوهُ مُعْتَقًا فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْمَمَاتِ خَلَاصُ

مَسْأَلَةٌ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ إِلَّا لِمُعْتِقٍ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ إِلَّا لِمُعْتِقٍ ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِهَذَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ : أَحَدُهَا : إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِكُلِّ مُعْتِقٍ فِي وَاجِبٍ وَتَطَوُّعٍ ، بِقَوْلٍ وَفِعْلٍ ، كَعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ زَالَ بِهِ الرِّقُّ وَثَبَتَ بِهِ الْوَلَاءُ ، فَكَانَ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ عَلَى سَوَاءٍ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنِ الْمُعْتِقِ بِبَيْعٍ ، وَلَا هِبَةٍ ، وَلَا وَصِيَّةٍ ، وَقَدْ شَذَّ فِيهِ خِلَافٌ ، وَرُدَّ بِنَصٍّ لَا يُدْفَعُ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَى مَنْ لَمْ يُعْتَقْ مِنْ رِقٍّ ، رَدًّا عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ثَلَاثَةٍ أَثْبَتَ عَلَيْهِمُ الْوَلَاءَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقُوا : أَحَدُهَا : إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ بِالتَّحَالُفِ عَلَى التَّنَاصُرِ ، وَالتَّوَارُثِ ، وَالْعَقْلِ ، فَلَا حُكْمَ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ فِي تَوَارُثٍ ، وَلَا عَقْلٍ ، وَإِنْ كَانَ التَّحَالُفُ عَلَى التَّنَاصُرِ وَالتَّعَاضُدِ حَسَنًا ، كَحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ كَانَ مِثْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ أَمْنَعْ مِنْهُ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يَنْعَقِدُ بِهِ الْوَلَاءُ فِي التَّوَارُثِ وَالْعَقْلِ ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَحَالِفِينَ فَسْخُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ عُرِفَتْ أَنْسَابُ الْمُتَحَالِفِينَ لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّحَالُفِ ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّوَارُثُ وَالْعَقْلُ ، وَإِنْ جُهِلَتْ أَنْسَابُهُمْ ثَبَتَ بِهِ الْوَلَاءُ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّوَارُثِ وَالْعَقْلِ ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، فَإِنْ عَقَلَ لَزِمَ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْفَسْخُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ( النِّسَاءِ : ) وَلِأَنَّ مَا لَا يَتَعَيَّنُ وَارِثُهُ مِنَ الْمَالِ جَازَ لِلْمَوْرُوثِ أَنْ يَمْنَعَهُ حَيْثُ شَاءَ كَالْوَصَايَا . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . وَقَوْلُهُ : " إِنَّمَا " ، مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِإِثْبَاتِ مَا اتَّصَلَ بِهِ ، وَنَفْيِ مَا انْفَصَلَ عَنْهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ ( النِّسَاءِ : ) فَكَانَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ لِلَّهِ ، وَنَفْيُ إِلَهِيَّةِ غَيْرِهِ ، فَدَلَّ إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ ، وَلِأَنَّ التَّوَارُثَ مُسْتَحَقٌّ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ ، فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِعَقْدِ التَّحَالُفِ نَسَبٌ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ وَلَاءٌ ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ لَا يُورَثُ بِهِ مَعَ وُجُودِ النَّسَبِ بِحَالٍ لَمْ يُورَثْ بِهِ مَعَ عَدَمِ النَّسَبِ فِي حَالٍ كَالرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لِمَالِهِ جِهَةٌ يَنْتَقِلُ إِلَيْهَا بِوَفَاتِهِ لَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ بِعَقْدِ وِلَايَةٍ كَالتَّحَالُفِ مَعَ وُجُودِ الْمَوْلَى . فَأَمَّا الْآيَةُ ، فَعَنْهَا جَوَابَانِ :

أَحَدُهُمَا : مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ، ( الْأَنْفَالِ : ) . وَالثَّانِي : مَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ : قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ، ( النِّسَاءِ : ) ، قَالَتِ : اقْرَأْ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ، ( النِّسَاءِ : ) ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حَيْثُ حَلَفَ : لَا يُوَرِّثُ وَلَدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ، ( النِّسَاءِ : ) ، أَيْ لَا تَمْنَعُوهُمْ ، وَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَلَفْتُمْ أَلَّا تُوَرِّثُوهُمْ ، فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى هَذَا السَّبَبِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْوَصَايَا ، فَهُوَ أَنَّ الْوَصَايَا تَقِفُ عَلَى خِيَارِ الْمُوصِي مَعَ وُجُودِ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ ، فَخَالَفَ مَا لَا يَصِحُّ مَعَ النَّسَبِ ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِحَلِفٍ .

فَصْلٌ : وَالثَّانِي : اللَّقِيطُ ، اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ لِمُلْتَقِطِهِ ، اللقيط فَالَّذِي عَلَيْهِ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ . وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ وَلَاءَ اللَّقِيطِ . وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شَيْبَانُ الْتَقَطَ لَقِيطًا ، فَقِيلَ لَهُ : مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى الْتِقَاطِهِ ؟ قَالَ : رَأَيْتُ نَفْسًا ضَائِعَةً ، فَرَحَمْتُهَا ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَكَ وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْكَ نَفَقَتُهُ ، فَشَذَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ، فَأَخَذَ بِهَذَا ، وَجَعَلَ لِلْمُلْتَقِطِ وَلَاءَ لَقِيطِهِ اتِّبَاعًا لَهُ ، وَاسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تُحْرِزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَ مَوَارِيثَ : مِيرَاثَ لَقِيطِهَا ، وَمِيرَاثَ عَتِيقِهَا ، وَمِيرَاثَ وَلَدِهَا الَّذِي لَاعَنَتَ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّ إِنْعَامَهُ عَلَيْهِ بِالِالْتِقَاطِ فِي حِرَاسَةِ نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ فِي عِتْقِهِ مِنْ رِقِّهِ ، فَكَانَ أَحَقَّ بِوَلَائِهِ . وَدَلِيلُنَا ، مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ سُقُوطِ الْوَلَاءِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ مُسْتَحَقٌّ بِإِخْرَاجِ الْعَبْدِ مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ إِلَى كَمَالِ الْحُرِّيَّةِ ، وَأَحْكَامُ اللَّقِيطِ قَبْلَ الِالْتِقَاطِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِحِرَاسَةِ نَفْسِهِ الْوَلَاءُ ، كَمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنِ اسْتَنْقَذَ غَرِيقًا ، أَوْ فَكَّ أَسِيرًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ لِشَيْبَانَ الْوِلَايَةَ عَلَى اللَّقِيطِ فِي الْقِيَامِ بِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْوَلَاءَ فِي مِيرَاثِهِ ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ إِنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا ادَّعَتِ اللَّقْطَ وَلَدًا وَالثَّالِثُ يُؤَكِّدُهُ .

مَسْأَلَةٌ الَّذِي أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِمُعْتِقٍ فَلَا وَلَاءَ لَهُ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالَّذِي أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِمُعْتِقٍ فَلَا وَلَاءَ لَهُ " .

فِي الْوَلَاءِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا هُوَ الثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَلَاءٌ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ ، سَوَاءٌ عَقَلَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَعْقِلْ . وَحُكِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ لَهُ وَلَاءَهُ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ أَوْ عَنْ صِغَارِ وَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِنِ اقْتَرَنَ بِالْإِسْلَامِ عَلَى يَدِهِ مُوَالَاةٌ تَوَارَثَا وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مُوَالَاةٌ لَمْ يَتَوَارَثَا . وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُ يَرِثُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا احْتِجَاجًا بِمَا رَوَاهُ الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ فَهُوَ مَوْلَاهُ يَرِثُهُ وَيَدِي عَنْهُ . وَبِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السُّنَّةُ فِي الرَجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ ، فَقَالَ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ . قَالُوا : وَحَقُّ الْمَمَاتِ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ . وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ فَلَهُ وَلَاؤُهُ " . قَالُوا : وَلِأَنَّ إِنْعَامَهُ عَلَيْهِ بِاسْتِنْقَاذِهِ مِنَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ إِنْعَامِهِ بِاسْتِنْقَاذِهِ مِنَ الرِّقِّ ، فَكَانَ بِوَلَائِهِ أَحَقَّ . وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَلَّا وَلَاءَ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ( الْأَحْزَابِ : ) ، يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَنْعَمَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ ، فَكَانَتِ النِّعْمَةُ بِالْإِسْلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ النِّعْمَةِ بِالْإِسْلَامِ وَبَيْنَ النِّعْمَةِ بِالْعِتْقِ ، فَلَمْ تَجُزِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا . وَقَالَ تَعَالَى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ( الْحُجُرَاتِ : ) فَكَانَتِ الْهِدَايَةُ مِنْهُ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتِقٍ ، وَلِأَنَّ إِسْلَامَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِمَا عُلِمَ مِنْ صِحَّتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ تَأْثِيرٌ فِي مُعْتَقَدِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَخْذُ

الْإِسْلَامِ عَلَى الْكَافِرِ مُوجِبًا لِثُبُوتِ وَلَائِهِ عَلَيْهِ ، لَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنْ مَوَالِي أَبِي بَكْرٍ لِإِسْلَامِهِمَا عَلَى يَدِهِ ، وَلَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ مَوَالِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَهَذَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ الْأُمَّةِ ، فَكَانَ مَدْفُوعًا بِهِمْ . وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَلَاءُ بِأَخْذِ الْإِسْلَامِ مُسْتَحَقًّا لَوَجَبَ إِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ غَيْرِ مُعْتِقِهِ فلمن يكون الولاء أَنْ يُبْطِلَ وَلَاءَ مُعْتِقِهِ ، وَإِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ النَّصْرَانِيُّ عَلَى يَدِ غَيْرِ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ فلمن يكون الولاء أَلَّا يَكُونَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِمُعْتِقِهِ ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَبَطَلَ مَا اقْتَضَاهُ بِالْإِجْمَاعِ . وَقَدْ رَوَى الْأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُبَاعُ ، فَسَاوَمَ بِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي اشْتَرَيْتُ هَذَا فَأَعْتَقْتُهُ ، فَمَا تَرَى فِيهِ ؟ قَالَ : أَخُوكَ وَمَوْلَاكَ . قَالَ : فَمَا تَرَى فِي صُحْبَتِهِ ؟ قَالَ : " إِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ عَلَيْكَ ، وَإِنْ كَفَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ وَشَرٌّ لَهُ ) ، قَالَ : فَمَا تَرَى فِي مَالِهِ ؟ قَالَ : إِنْ مَاتَ ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا ، فَلَكَ مَالُهُ . فَاعْتَبَرَ وَلَاءَهُ بِعِتْقِهِ دُونَ إِسْلَامِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا شَرْعٌ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا رَوَاهُ مَجْهُولٌ ، وَبَعْضَهَا رَوَاهُ مَتْرُوكٌ ، وَبَعْضَهَا مُرْسَلٌ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى وِلَايَةِ الْإِسْلَامِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّنَاصُرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، ( التَّوْبَةِ : ) ، . وَالثَّالِثُ : أَنَّنَا نَسْتَعْمِلُ قَوْلَهُ : فَهُوَ مَوْلَاهُ . يُرِيدُ أَيْ هُوَ نَاصِرُهُ ، وَقَدْ صَارَ بِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ وَارِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونَا بِاخْتِلَافِ الدِّينِ مُتَوَارِثَيْنِ . وَقَوْلُهُ : أَحَقُّ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ : أَنَّهُ أَحَقُّ بِمُرَاعَاتِهِ فِي مَحْيَاهُ ، وَالْمَمَاتِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ أَنَّ النِّعْمَةَ فِيهِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

مَسْأَلَةٌ لَوْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا أَوْ نَصْرَانِيٌّ مُسْلِمًا فَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا أَوْ نَصْرَانِيٌّ مُسْلِمًا فَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ وَلَا يَقْطَعُ اخْتِلَافُ الدِّينِ الْوَلَاءَ كَمَا لَا يَقْطَعُ النَّسَبَ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ فَلَمْ يُقْطَعِ النَّسَبُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي مُسْلِمٍ أَعْتَقَ نَصْرَانِيًّا . وَالثَّانِي : فِي نَصْرَانِيٍّ أَعْتَقَ مُسْلِمًا . وَأَمَّا إِذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا ، فَلَهُ وَلَاؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَا يَرِثُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : يَرِثُهُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ إِلَيْهِ عَنْ رَقٍّ اعْتِبَارًا بِمَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْ أَكْسَابِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ ، فَلَمَّا سَقَطَ التَّوَارُثُ بِالنَّسَبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ كَانَ سُقُوطُهُ بِالْوَلَاءِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ ، وَالنَّسَبُ مَتْبُوعٌ ، وَلَيْسَ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ حَالِ الرِّقِّ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ مِلْكًا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ ، وَهُوَ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ إِرْثًا يَمْنَعُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا إِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ مُسْلِمًا ، فَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرِثْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَمْلِكُ الْكَافِرُ وَلَاءً عَلَى مُسْلِمٍ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مُعْتِقِهِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ لَمْ يَمْلِكِ الْوَلَاءَ . وَقَالَ : لَوْ أَعْتَقَ نَصْرَانِيٌّ نَصْرَانِيًّا كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ بَطَلَ وَلَاءُ مَوْلَاهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، ( التَّوْبَةِ : ) . وَقَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ( الْأَنْفَالِ : ) . وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقَرَّ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ رِقٌّ لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ الْمُسْتَحَقُّ بِالرِّقِّ . وَدَلِيلُنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ لِكُلِّ مُعْتِقٍ ، وَلِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ . فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافُ

الدِّينِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ ، وَجَبَ أَلَّا يَمْنَعَ اخْتِلَافُهُ مِنْ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِتْقُهُ نَافِذًا كَالْمُسْلِمِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الْوَلَاءَ كَالْمُسْلِمِ . فَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُوَالَاةِ دُونَ الْوَلَاءِ ، وَأَمَّا مَنْعُهُ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْمُسْلِمِ ، فَلِأَجْلِ يَدِهِ الَّتِي يَسْتَذِلُّهُ بِهَا ، وَلَيْسَ فِي الْوَلَاءِ يَدٌ يُسْتَذَلُّ بِهَا ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْ رِقِّهِ ، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ وَلَائِهِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ بِالْعِتْقِ ، وَإِنْ مَنَعَ مِنَ التَّوَارُثِ نُظِرَ . فَإِنْ كَانَ فِي عَصَبَةِ مَوْلَاهُ مَنْ هُوَ عَلَى مِلَّتِهِ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى غَيْرَ وَارِثٍ بِهِ كَالْأَخَوَيْنِ إِذَا كَانَا عَلَى مِلَّةٍ ، وَأَبُوهُمَا عَلَى أُخْرَى تَوَارَثَا دُونَ الْأَبِ ، وَإِنْ تَنَاسَبَا بِالْأَبِ . وَإِذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا ، فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ وَلَاءً لِمُسْلِمٍ ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ مُعْتِقُهُ نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ مَوْلَاهُ إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، لِمَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَحْفَظَ أَمْوَالَ أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ : يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ ؛ لِأَنَّ مُعْتِقَهُ لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَسُبِيَ جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ ، فَكَذَلِكَ عَتِيقُهُ . وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا حَرْبِيًّا كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ ، فَإِنْ سُبِيَ الْعَبْدُ فَاسْتُرِقَّ بَطَلَ وَلَاؤُهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ مُنَّ عَلَيْهِ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ ، وَلَوِ اسْتُرِقَّ وَمَاتَ رَقِيقًا بَطَلَ وَلَاؤُهُ ، فَلَوْ أُعْتِقَ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ عَادَ الْوَلَاءُ لَهُ . وَإِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا ، ثُمَّ لَحِقَ السَّيِّدُ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ ، فَاشْتَرَاهُ عَبْدُهُ ، فَأَعْتَقَهُ كَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلًى لِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَعْتَقَ الْآخَرَ .

مَسْأَلَةٌ مَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً فَهُوَ مُعْتِقٌ وَلَهُ الْوَلَاءُ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً فَهُوَ مُعْتِقٌ وَلَهُ الْوَلَاءُ ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَالْمُعْتِقُ سَائِبَةً أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لِي عَلَيْكَ أَوْ يَقُولَ لَهُ : أَنْتَ عَتِيقٌ سَائِبَةً ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ أَلَّا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْعِتْقَ وَاقِعٌ ، فَأَمَّا سُقُوطُ الْوَلَاءِ فِيهِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ ثَابِتٌ لَا يَسْقُطُ بِتَسْبِيَةِ وَاشْتِرَاطِ سُقُوطِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : يَسْقُطُ فِيهِ الْوَلَاءُ اعْتِبَارًا بِشُرُوطِهِ ؟ وَاسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ . وَبِمَا رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا " . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ حُكْمَهَا عَلَى مَا شَرَطَهُ فِي يَوْمِ عِتْقِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّهَا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَا الْأَجْرَ دُونَ الْوَلَاءِ . وَبِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ : أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَعْتَقَتْهُ لَيْلَى بِنْتُ يَعَارَ زَوْجَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سَائِبَةً ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَخَلَّفَ بِنْتًا ، وَمَوْلَاتَهُ لَيْلَى زَوْجَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ ، فَدَفَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَى بِنْتِهِ النِّصْفَ ، وَعَرَضَ الْبَاقِيَ عَلَى مَوْلَاتِهِ ، فَقَالَتْ : لَا أَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ سَالِمٍ ، فَإِنِّي جَعَلْتُهُ سَائِبَةً لِلَّهِ ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ( الْمَائِدَةِ : ) ، فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْ حُكْمِ السَّائِبَةِ فِي الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْعِتْقِ ، كَانَ الْمَنْعُ فِي الْآدَمِيِّينَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْعِتْقِ أَوْلَى . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . وَفِيهِ دَلِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالنَّسَبِ ، وَالنَّسَبُ لَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ بِالشَّرْطِ ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ . وَالثَّانِي : قَوْلُهُ : " وَلَا يُوهَبُ " وَالسَّائِبَةُ هِبَةُ الْوَلَاءِ ، وَلِأَنَّ مَوَالِيَ بَرِيرَةَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ وَلَاؤُهَا إِذَا أُعْتِقَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ . كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشُرُوطُهُ أَوْثَقُ ، وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَأَثْبَتَ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَأَبْطَلَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ طَارِقًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سَوَائِبَ ، وَكَانُوا سِتَّةً ، وَقِيلَ عَشْرَةً فَمَاتُوا كُلُّهُمْ بَعْدَ مَوْتِ طَارِقٍ ، وَخَلَّفُوا مَالًا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فَقَضَى بِهِ لِوَرَثَةِ طَارِقٍ ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَرْجِعُوهُ إِلَى قَوْمٍ مِثْلِهِمْ ، فَأَبَانَ بِهَذَا الْقَضَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ ثَابِتٌ فِي عِتْقِ السَّائِبَةِ . وَرَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّ أَصْحَابَ السَّوَائِبِ شَكَوْا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالُوا : إِمَّا أَنْ تَجْعَلَ الْعَقْلَ عَلَيْنَا ، وَالْمِيرَاثَ لَنَا ، وَإِمَّا أَلَّا يَكُونُ لَنَا مِيرَاثٌ ، وَلَا عَلَيْنَا عَقْلٌ ، فَقَضَى عُمَرُ لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ فِي الْعِتْقِ كَالرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ ، فَلَمَّا كَانَ لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلَّا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَاسْتَحَقَّ الرَّجْعَةَ ، وَجَبَ مِثْلُهُ فِي عِتْقِ السَّائِبَةِ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ ، وَيُسْتَحَقَّ الْوَلَاءُ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ . فَهُوَ مَا وَصَلَهُ بِهِ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا ، وَهَذَا مِنْهُ .

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ : " السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا " ، فَهُوَ مُجْمَلٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَرْعٌ ، وَحَمْلُهُ عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ أَوْلَى . وَأَمَّا حَدِيثُ سَالِمٍ ، فَقَدْ حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِدَفْعِ مِيرَاثِهِ إِلَى مَوْلَاتِهِ ، فَلَمَّا امْتَنَعَتْ مِنْ مِيرَاثِهِ لَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهَا ، فَوَضَعَهُ حَيْثُ رَأَى مِنَ الْوُجُوهِ وَالْمَصَالِحِ .

مَسْأَلَةٌ مَنْ وَرِثَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ فَلَهُ وَلَاؤُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْهُمْ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَمَنْ وَرِثَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ فَلَهُ وَلَاؤُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى مَنْ أَعْتَقَ وَالْمُعْتِقُ السَّائِبَةَ مُعْتِقٌ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فِي مَعْنَى الْمُعْتِقِينَ فَكَيْفَ لَا يَكُونَ لَهُ وَلَاؤُهُ ( قَالَ ) فَالْمُعْتِقُ سَائِبَةً قَدْ أَنَفَذَ اللَّهُ لَهُ الْعِتْقَ لَأَنَّهُ طَاعَةٌ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ بِأَلَّا وَلَاءَ لَهُ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ : كُلُّ عِتْقٍ نَفَذَ عَلَى مِلْكٍ لِلرِّقِّ ثَبَتَ وَلَاؤُهُ لِمَنْ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، بِقَوْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ قَوْلِهِ وَغَيْرِ فِعْلِهِ ، فِي حَيَاتِهِ ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، بِعِوَضٍ ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَالْمُعْتِقُ بِاخْتِيَارِهِ أَنْ يُبَاشِرَ عِتْقَ عَبْدٍ قَدِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ لَهُ : أَنْتَ حُرٌّ . وَالْعِتْقُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَنْ يَعْتِقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ ، فَيَسْرِي إِلَى جَمِيعِهِ ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَهُ جَمِيعُ وَلَائِهِ أَوْ يَرِثُ أَحَدَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَوْلُودَيْهِ ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَعِتْقُ الْحَمْلِ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَعِتْقُ أَوْلَادِ أُمِّ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهِ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُمْ . وَأَمَّا الْعِتْقُ بِالْفِعْلِ ، فَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الشِّرَاءِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْإِيلَادِ إِذَا مَاتَ ، وَلَهُ وَلَاؤُهَا . وَأَمَّا الْعِتْقُ بِالْمُعَاوَضَةِ ، فَعِتْقُ الْمُكَاتَبِ بِالْأَدَاءِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ عَلَى مِلْكٍ ، وَإِنْ وَصَلَ فِيهِ إِلَى الْعِوَضِ عَنْ رِقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ كَسْبِهِ . رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ يُكَاتِبُ عَبْدًا لَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِطْ وَلَاءَهُ . يَعْنِي أَعْلِمْهُ ، فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ وَلَائِهِ ، فَلَوْ كَاتَبَ الْمُكَاتِبُ عَبْدًا ، وَعَتَقَ الثَّانِي ثُمَّ عَتَقَ الْأَوَّلُ ، فَوَلَاءُ الْأَوَّلِ لِسَيِّدِهِ ، وَفِي وَلَاءِ الثَّانِي قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لِلسَّيِّدِ . وَالثَّانِي : لِلْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ . فَأَمَّا الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ ، فَعِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ الْمُدَبَّرِ وَلَهُ وَلَاؤُهُمَا لِعِتْقِهِـمَا عَلَى مِلْكِهِ .

وَأَمَّا الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَعِتْقُ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُ وَلَاؤُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ عَتَقُوا مِنْ مَالِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ عِتْقُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ مِلْكِ وَلَائِهِمْ يَنَالُهُ الَّذِي كَانَ مَالِكُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ عِتْقٌ ، وَفِي وَلَائِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ لِغَيْرِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا وَلَاءَ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي مِلْكِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ الْوَلَاءَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَسْقُطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِغَيْرِهِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَنْ غَيْرِهِ ، فلمن يكون الولاء فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَعْتِقَهُ عَنْ حَيٍّ . وَالثَّانِي : عَنْ مَيِّتٍ . فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ حَيٍّ ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَعْتِقَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ ، وَيَكُونُ لِلْمُعْتِقِ عَنْهُ اعْتِبَارًا لِقَصْدِ الْمُعْتِقِ ، وَحَمْلِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي السَّائِبَةِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَعْتِقَهُ عِتْقَ الْحَيِّ بِأَمْرِهِ ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ دُونَ الْمُعْتِقِ ، فَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَهُ بِعِوَضٍ كَانَ بَيْعًا ، وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَ هِبَةً . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَ بِعِوَضٍ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ . وَدَلِيلُنَا : هُوَ أَنَّ عِتْقَ الْمَوْهُوبِ كَعِتْقِ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْهِبَةِ كَمَا يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ . وَأَمَّا الْعِتْقُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ عَنْ إِذْنِ الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ دُونَ الْمُعْتِقِ كَالْحَيِّ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَيِّتِ ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ تَطَوُّعًا ، فَيَكُونُ الْعِتْقُ عَنِ الْمُعْتِقِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمَيِّتِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ عَنْ وَاجِبٍ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ عِتْقًا فِي كَفَّارَةٍ لَا خِيَارَ فِيهَا كَالْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ ، فَيَكُونُ الْعِتْقُ وَاقِعًا عَنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمُعْتِقِ لِوُجُوبِهِ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ .

وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ عَنْ كَفَّارَةٍ فِيهَا تَخْيِيرٌ مِثْلِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعْتِقِ . فَإِنْ كَانَ وَارِثًا وَقَعَ الْعِتْقُ عَنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَجْنَبِيًّا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُجْزِئُ عَنِ الْمُعْتِقِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالْوَارِثِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يُجْزِئُ عَنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، وَيَكُونُ وَاقِعًا عَنِ الْمُعْتِقِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ الْعُدُولُ عَنِ الْعِتْقِ إِلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ صَارَ الْعِتْقُ فِيهَا كَالتَّطَوُّعِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًا عَلَى شَرْطِ الْخِدْمَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ مُدَّةً مَعْلُومَةً اتَّفَقَا عَلَيْهَا ، وَرَضِيَا بِهَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَإِنْ شَذَّ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ ، وَتَعَجَّلَ عِتْقَهُ نَاجِزًا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ تِلْكَ الْخِدْمَةَ الْمَشْرُوطَةَ إِلَى انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ . رُوِيَ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ : كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَعْتَقَتْنِي ، وَشَرَطَتْ عَلَيَّ أَنْ أَخْدِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عِشْتُ . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَعْتَقَ عَبِيدًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْفِرُوا الْقُبُورَ ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبِيدًا ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ .

مَسْأَلَةٌ إِذَا أَخَذَ أَهْلُ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَصَبَةُ قَرَابَةٍ مِنْ قِبَلِ الصُلْبِ كَانَ مَا بَقِيَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتِقِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَإِذَا أَخَذَ أَهْلُ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَصَبَةُ قَرَابَةٍ مِنْ قِبَلِ الصُلْبِ كَانَ مَا بَقِيَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتِقِ ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الْوَلَاءُ فَيُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ كَالنَّسَبِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ، فَيَرِثُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى مِنَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ ، وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْأَعْلَى فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، فَإِنَّهُمَا وَرَّثَا الْأَسْفَلَ مِنَ الْأَعْلَى كَمَا يَرِثُ الْأَعْلَى مِنَ الْأَسْفَلِ اعْتِبَارًا بِالنَّسَبِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَالْمِيرَاثُ بِالنَّسَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَصْلٌ ، وَالْوَلَاءَ فَرْعٌ ، فَسَقَطَ الْفَرْعُ بِالْأَصْلِ ، وَلَمْ يَسْقُطِ الْأَصْلُ بِالْفَرْعِ ، فَإِذَا اسْتَوْعَبَ الْعَصَبَاتُ أَوْ ذَوُو الْفُرُوضِ التَّرِكَةَ سَقَطَ الْمِيرَاثُ بِالْوَلَاءِ ، وَإِنْ عُدِمَ عَصَبَاتُ النَّسَبِ ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ ذَوُو الْفُرُوضِ التَّرِكَةَ اسْتَحَقَّ الْمِيرَاثَ ، وَقُدِّمَ الْمَوْلَى عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنَ الْمَوْلَى ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَقْدِيمِ

الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ عَلَى مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَا رَوَاهُ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْلًى أَعْتَقَتْهُ ، فَمَاتَ ، وَتَرَكَ بِنْتًا ، وَمَوْلَاتُهُ بِنْتُ حَمْزَةَ ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَعْطَى الْبِنْتَ النِّصْفَ ، وَأَعْطَى مَوْلَاتَهُ النِّصْفَ " . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : وَأَنَا أَعْلَمُ بِهَا لِأَنَّهَا أُخْتِي لِأُمِّي أُمُّنَا سَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ ، فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمِ الْمَوْلَى عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ لَكَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْبِنْتِ مَرْدُودًا عَلَى الْبِنْتِ . وَرَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ فَالْمَوْلَى وَلِأَنَّ الْمَوْلَى عَصَبَةٌ ، وَالْعَصَبَاتُ أَوْلَى مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَالنَّسَبِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَوْلَى وَارِثٌ بِوَلَائِهِ بَعْدَ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْفُرُوضِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى مَيِّتًا ، فَالْوَلَاءُ بَعْدَهُ لِأَقْرَبِ عَصَبَاتِهِ يَوْمَ يَمُوتُ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ ، فَإِنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَ مَوْلَاهُ وَبِنْتَ مَوْلَاهُ وَأَبَا مَوْلَاهُ ، فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ الْبِنْتِ . وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ كَالْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ ، فَيَحْصُلُ لِأَبِي الْمَوْلَى السُّدْسُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ ابْنِ الْمَوْلَى ، وَبِنْتِ الْمَوْلَى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . وَحُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، أَنَّ لِأَبِ الْمَوْلَى السُّدْسَ وَالْبَاقِي لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ بِنْتِ الْمَوْلَى ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، وَدَاوُدَ ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَكْثَرِ التَّابِعِينَ أَنَّ ابْنَ الْمَوْلَى أَوْلَى مِنَ الْأَبِ وَالْبِنْتِ . أَمَّا الْبِنْتُ ، فَلِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرِثْنَ بِالْوَلَاءِ ، لِعَدَمِ التَّعْصِيبِ فِيهِنَّ وَأَمَّا الْأَبُ ، فَلِأَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْوَلَاءِ ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يُشَارِكُ بَنِي الِابْنِ ، وَإِنْ سَفُلُوا لِأَنَّهُ لَا يَرْثُ مَعَهُمْ إِلَّا بِالْغَرَضِ ، وَلَا حَقَّ لِذَوِي الْفُرُوضِ فِي مِيرَاثِ الْوَلَاءِ ثُمَّ مِيرَاثُهُ بَعْدَ بَنِي مَوْلَاهُ لِأَبِ الْمَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ الْعَصَبَاتِ بَعْدَ الْبَنِينَ ثُمَّ فِيمَنْ يَرِثُهُ بَعْدَ أَبِ الْمَوْلَى قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَخُو مَوْلَاهُ ، وَيَكُونُ أَحَقَّ مِنْ جَدِّ الْمَوْلَى . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَشْتَرِكُ فِيهِ أَخُو الْمَوْلَى ، وَجَدُّ الْمَوْلَى ، فَإِنْ تَرَكَ جَدَّ مَوْلًى وَابْنَ أَخِي مَوْلًى ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ جَدَّ الْمَوْلَى أَحَقُّ . وَالثَّانِي : أَنَّ ابْنَ أَخِي الْمَوْلَى أَحَقُّ ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ ، فَإِنْ تَرَكَ جَدَّ مَوْلَاهُ وَعَمَّ مَوَّلَاهُ ، فَجَدُّ الْمَوْلَى أَحَقُّ وَإِنْ تَرَكَ أَبَا جَدِّ مَوْلَاهُ وَعَمَّ مَوْلَاهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ عَمَّ الْمَوْلَى أَحَقُّ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعَمُّ ، وَأَبُو الْجَدِّ . وَلَوْ تَرَكَ أَبَا جَدِّ مَوْلَاهُ ، وَابْنَ عَمِّ مَوْلَاهُ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَبَا جَدِّ الْمَوْلَى أَحَقُّ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ ابْنَ عَمِّ الْمَوْلَى أَحَقُّ ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ . وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ ، فِيمَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ عَصَبَةٌ ، فَلِمَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ يَتَقَدَّمُونَ بِمِيرَاثِهِ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ ، فَإِنْ عُدِمُوا فَلِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَهُوَ عَلَى قَوْلِ مَنْ وَرَّثَهُمْ لِذَوِي الْأَرْحَامِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ .

مَسْأَلَةٌ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ فِي الْكِبَرِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ اثْنَانِ لِأُمٍّ فَهَلَكَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ لِأُمٍّ وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَالَهُ وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَوَلَاءَ الْمَوْلَى وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ فَقَالَ ابْنُهُ قَدْ أَحَرَزْتَ مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَهُ وَقَالَ أَخُوهُ إِنَّمَا أَحْرَزْتُ الْمَالَ وَأَمَّا وَلَاءُ الْمَوَالِي فَلَا ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) الْأَخُ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي وَقَضَى بِذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْعَصَبَةِ أَوْلَى بِمِيرَاثِ الْمَوَالِي وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَإِنْ كَانَ جَدٌّ وَأَخٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْأَخُ أَوْلَى وَكَذَلِكَ بَنُو الْأَخِ وَإِنْ سَفُلُوا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُمَا سَوَاءٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ فِي الْكِبَرِ ، وَقَدْ صَوَّرَهَا الشَّافِعِيُّ فِيمَا قَضَى بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهِ أَقْرَبَ . وَصُورَةُ ذَلِكَ فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبِيدًا اسْتَحَقَّ وَلَاءَهُمْ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتِقُ عَنْ مَالِهِ ، وَوَلَاءِ مَوَالِيهِ ، وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ اثْنَانِ مِنْهُمْ لِأُمٍّ ، وَالْآخَرُ مِنْ أُمٍّ أُخْرَى ، فَوَرِثُوا مَالَهُ ، وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ أَثْلَاثًا بِالسَّوِيَّةِ ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ مِنْ أُمٍّ ، وَخَلَّفَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ ، ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ ، فَوَرِثَ مَالَهُ ابْنَاهُ دُونَ أَخِيهِ ، وَتَنَازَعُوا فِي وَلَاءِ الْمَوَالِي ، فَقَالَ الْأَخُ : أَنَا أَحَقُّ بِوَلَائِهِ مِنْكُمَا ، لِأَنِّي ابْنُ مَوْلًى ، وَأَنْتُمَا ابْنَا ابْنِ مَوْلًى . وَقَالَ ابْنَا الِابْنِ : لَكَ ثُلُثُ وَلَائِهِ ، وَلَنَا ثُلُثَاهُ حَقُّ أَبِينَا بِمِيرَاثِهِ عَنْ أُمِّهِ وَأَخِيهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ . هَلْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِمَوْتِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ فَيَسْتَحِقُّهُ الْكِبَرُ مِنْ

عَصَبَاتِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ أَوْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِمَوْتِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ ، فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، فَمَذْهَبُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيٌّ ، وَالشَّعْبِيٌّ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَدَاوُدُ ، أَنَّ الْوَلَاءَ يَسْتَحِقُّهُ الْكِبَرُ اعْتِبَارًا بِمَوْتِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ ، فَيَكُونُ وَلَاءُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ ابْنَيِ ابْنِهِ . وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَعَنْ شُرَيْحٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ وَلَاءَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَوْرُوثٌ يَسْتَحِقُّهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، اعْتِبَارًا بِمَوْتِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ ، فَيَكُونُ لِابْنِ الْمَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُلُثُ وَلَائِهِ ، وَلِابْنَيِ ابْنِهِ ثُلُثَاهُ ، وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ تَوْرِيثِ الْكِبَرِ أَصَحُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ . يَعْنِي لَا يُورَثُ مِيرَاثَ الْمَالِ . وَلِرِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِمَوْلَى أَخٍ فِي الدِّينِ وَنِعْمَةٍ يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُعْتِقِ . وَلِأَنَّ الْكِبَرَ أَقْرَبُ ، فَكَانَ بِالْمِيرَاثِ أَحَقَّ كَالنَّسَبِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمِيرَاثُ بَالنَّسَبِ مُعْتَبَرًا بِمَوْتِ الْمَوْرُوثِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ .

فَصْلٌ : وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنْ يَعْتِقَ الرَّجُلُ عَبْدًا ، وَيَمُوتُ ، فَيُخَلِّفُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَيَمُوتُ أَحَدُ الْبَنِينَ وَيَخَلِّفُ ابْنًا وَيَمُوتُ آخَرُ ، وَيُخَلِّفُ ابْنَيْنِ وَيَمُوتُ الْآخَرُ ، وَيُخَلِّفُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ثُمَّ يَمُوتُ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ ، فلمن يكون ميراثه بالولاء فَعَلَى مَذْهَبِنَا فِي تَوْرِيثِ الْكِبَرِ يَكُونُ مِيرَاثُهُ بِالْوَلَاءِ بَيْنَ بَنِي الْمَوْلَى عَلَى أَعْدَادِ رُءُوسِهِمْ مَقْسُومًا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا يُعْطِيهِمْ سِهَامَ آبَائِهِمْ ، فَيَجْعَلُ الثُّلُثَ لِابْنِ الِابْنِ ، وَالثُّلُثَ لِابْنَيِ الِابْنِ الْآخَرِ ، وَالثُّلُثَ لِثَلَاثَةِ بَنِي الِابْنِ الْآخَرِ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَلَوِ اشْتَرَكَ أَبٌ وَابْنٌ فِي عِتْقِ عَبْدٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، وَخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ ، وَمَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ ، كَانَ لِلِابْنِ الْمُعْتِقِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ وَلَائِهِ ، النِّصْفُ مِنْهُ بِمُبَاشَرَةِ عِتْقِهِ ، وَالرُّبْعُ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ ، وَلِلِابْنِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتِقٍ رُبْعُ وَلَائِهِ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ . فَلَوْ مَاتَ الِابْنُ الْمُعْتِقُ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ ، وَتَرَكَ ابْنًا وَأَخَاهُ ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ كَانَ لِأَخِيهِ نِصْفُ وَلَائِهِ ، وَلِابْنِهِ نِصْفُ وَلَائِهِ اعْتِبَارًا بِالْكِبَرِ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءِ مَوْرُوثًا جَعَلَ لِلْأَخِ رُبْعَ وَلَائِهِ ، وَلِلِابْنِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ . وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ، وَمَاتَ ، وَخَلَّفَ أَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأَخًا لِأَبٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ ، فَفِي مُسْتَحِقِّ وَلَائِهِ قَوْلَانِ :

أَحَدُهُمَا : يَكُونُ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَحَقَّ بِالْوَلَاءِ ، كَمَا كَانَ أَحَقَّ بِالْمَالِ ، لِقُوَّةِ تَعْصِيبِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَشْتَرِكُ فِي وَلَائِهِ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ لَا تَرِثُ بِالْوَلَاءِ ، فَلَمْ يَتَرَجَّحْ مَنْ أَوْلَى بِهَا ، وَلَوْ مَاتَ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَخَلَّفَ ابْنًا ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ كَانَ الْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقَّ بِوَلَائِهِ ، وَابْنُ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ ، وَهُوَ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا عَلَى حُكْمِهِ قَبْلَ الْأَخِ .

مَسْأَلَةٌ لَا يَرِثُ النِّسَاءُ الْوَلَاءَ وَلَا يَرِثْنَ إِلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ الْوَلَاءَ وَلَا يَرِثْنَ إِلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي النِّسَاءِ لَا يَرِثْنَ الْوَلَاءَ . وَالثَّانِي : فِي جَرِّ الْوَلَاءِ . فَأَمَّا مِيرَاثُهُنَّ الْوَلَاءَ ، فَلَا يَرِثْنَهُ عَنْ مُعْتَقٍ بِحَالٍ ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ طَاوُسٌ ، فَوَرَّثَهُنَّ كَالرِّجَالِ ، وَهُوَ خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ تَعْصِيبٌ يُنْقَلُ إِلَى الْعَصَبَاتِ ، وَلَيْسَ النِّسَاءُ عَصَبَةً . وَلَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا بِالْمَالِ لَانْتَقَلَ إِلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ كَالْمَالِ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ ، فَصَارَ حَقُّ تَوْرِيثِهِنَّ مَدْفُوعًا بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ النِّسَاءُ الْوَلَاءَ بِعِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ ، كَمَا تَسْتَحِقُّهُ الرِّجَالُ ، لِزَوَالِ مِلْكِهِنَّ بِالْعِتْقِ ، وَقَدْ أَعْتَقَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَرِيرَةَ ، فَجَعَلَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَاءَهَا وَأَبْطَلَ وَلَاءَ مَنِ اشْتَرَطَ وَلَاءَهَا مِنْ مَوَالِيهَا ، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : " لَا يَرِثْنَ بِالْوَلَاءِ إِلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ " . يَعْنِي : إِذَا أَعْتَقَتِ الْمَرْأَةُ عَبْدًا ، وَأَعْتَقَ عَبْدُهَا عَبْدًا ، كَانَ لَهَا وَلَاءُ عَبْدِهَا ، وَلَهَا وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ عَبْدُهَا تَرِثُهُ بَعْدَ عَبْدِهَا ، فَلَوْ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ عَبْدًا ، وَمَاتَتْ ، وَخَلَّفَتِ ابْنًا وَأَخًا ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتِقُ فلمن يكون ميراثه بالولاء كَانَ وَلَاؤُهُ لِلِابْنِ دُونَ الْأَخِ ، وَلَوْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ ، وَخَلَّفَ عَمًّا وَخَالًا ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ كَانَ وَلَاؤُهُ لِخَالِهِ دُونَ عَمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْخَالَ أَخُو الْمُعْتِقَةِ ، وَالْعَمَّ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ . فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مِنْ جَعَلَهُ مَوْرُوثًا يُجْعَلُ الْوَلَاءُ لِعَمِّ الِابْنِ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمُعْتِقَةِ دُونَ الْخَالِ ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهَا لِانْتِقَالِ مَالِهِ إِلَى عَمِّهِ دُونَ خَالِهِ .

فَصْلٌ جَرُّ الْوَلَاءِ هوَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْوَلَدِ وَلَاءٌ لِمُعْتِقِ أُمِّهِ فَيَجُرُّ مُعْتِقُ أَبِيهِ وَلَاءَهُ عَنْهُ إِلَى نَفْسِهِ

فَصْلٌ : وَأَمَّا جَرُّ الْوَلَاءِ ، فَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْوَلَدِ وَلَاءٌ لِمُعْتِقِ أُمِّهِ ، فَيَجُرُّ مُعْتِقُ أَبِيهِ وَلَاءَهُ عَنْهُ إِلَى نَفْسِهِ . وَصُورَتُهُ : أَنْ يَعْتِقَ أَمَةً ، وَتَتَزَوَّجَ بَعْدَ عِتْقِهَا بِعَبْدٍ ، فَتَلِدُ مِنْهُ أَوْلَادًا ، فَهُمْ أَحْرَارٌ

بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِمْ ، وَعَلَيْهِمُ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِ أُمِّهِمْ ، فَإِذَا أُعْتِقَ أَبُوهُمُ انْجَرَّ وَلَاؤُهُمْ عَنِ الْأُمِّ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ ، فَإِنِ انْقَرَضَ مَوْلَى الْأَبِ وَعَصَبَتُهُ لَمْ يَعُدْ وَلَاؤُهُمْ إِلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ ، وَكَانَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ ، وَالْفُقَهَاءِ . قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : الْحَكَمُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَخَالَفَهُمْ مَنْ أَقَرَّ الْوَلَاءَ لِمُعْتِقِ الْأُمِّ ، وَلَمْ يَجُرُّهُ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ ، فَإِنِ انْقَرَضَ مُعْتِقُ الْأُمِّ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ ، وَكَانَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ . قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَرِوَايَةٌ شَذَّتْ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . وَمِنَ التَّابِعِينَ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ . ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ النَّسَبَ مُعْتَبَرٌ إِذَا ثَبَتَ فِي جَنَبَةٍ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ . وَدَلِيلُنَا : مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ جَرِّ الْوَلَاءِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةٍ النَسَبِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ النَّسَبَ مُعْتَبَرٌ بِالْآبَاءِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ كَذَلِكَ الْوَلَاءُ مُعْتَبَرٌ بِالْآبَاءِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ بِالْأُمَّهَاتِ لِإِعْوَازِهِ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ ضَرُورَةً ، فَإِذَا وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِمُ انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ ، وَجَرَى مَجْرَى وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ إِذَا اعْتَرَفَ بِهِ أَبُوهُ بَعْدَ لِعَانِهِ عَادَ إِلَى نَسَبِهِ ، وَلَحِقَ بِهِ . وَالْقِصَّةُ الْمَشْهُورَةُ فِي خَبَرِ الْوَلَاءِ مَا رُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدِمَ خَيْبَرَ ، فَرَأَى فِتْيَةً لُعْسًا ظِرَافًا ، فَأَعْجَبَهُ ظُرْفُهُمْ ، فَسَأَلَ عَنْهُمْ ، فَقِيلَ لَهُ : هُمْ مَوَالٍ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أُمُّهُمْ حُرَّةٌ وَأَبُوهُمْ مَمْلُوكٌ لِآلِ الْحُرْقَةِ ، فَاشْتَرَى أَبَاهُمْ ، وَأَعْتَقَهُ ، وَقَالَ لَهُمْ : انْتَسِبُوا إِلَيَّ فَأَنْتُمْ مَوَالِيَّ ، وَنَازَعَهُ رَافِعٌ فِيهِمْ ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ ، فَقَضَى بِوَلَائِهِمْ لِلزُّبَيْرِ وَعَلَيٌّ حَاضِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا .

فَإِذَا ثَبَتَ جَرُّ الْوَلَاءِ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ ، فَأَعْتَقَ الْجِدَّ دُونَ الْأَبِ ، فَفِي جَرِّهِ وَلَاءَهُمْ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، حَكَاهَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : يَجُرُّ مُعْتِقُ الْجِدِّ وَلَاءَهُمْ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ؛ لِأَنَّ الْجِدَّ وَالِدٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُرُّ وَلَاءَهُمْ لِمُبَاشَرَةِ الْأَبِ لِلْوِلَادَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : إِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا لَمْ يَجُرَّ مُعْتِقُ الْجِدِّ وَلَاءَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا جَرَّهُ ؛ لِأَنَّ الْجَرَّ بِمَوْتِ الْأَبِ مُسْتَقِرٌّ ، وَمَعَ بَقَائِهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ جَرَّ مُعْتِقُ الْجِدِّ وَلَاءَهُمْ ، ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ بَعْدُ ، فَفِي جَرِّ الْوَلَاءِ عَنْ مُعْتِقِ الْجِدِّ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجُرُّ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ فِيهِ مُبَاشِرَةٌ ، وَفِي الْجِدِّ بَعِيدَةٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَجُرُّهُ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي نَسَبِ الْأُبُوَّةِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ أُعْتِقَتْ أَمَةٌ حَامِلٌ مِنْ زَوْجِ مَمْلُوكٍ ، فَوَلَدَتِ ابْنًا ، ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ كَانَ وَلَاءُ الِابْنِ لِمُعْتِقِ الْأُمِّ ، وَلَمْ يَجُرُّهُ مُعْتِقُ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الِابْنِ مُبَاشَرَةٌ ، وَالْوَلَاءَ فِي عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ لَا يَزُولُ بِالْجَرِّ ، وَلَوْ لَمْ تَلِدْهُ قَبْلَ عِتْقِ الْأَبِ ، وَوَلَدَتْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ اعْتُبِرَتْ مُدَّةُ وِلَادَتِهِ بَعْدَ عِتْقِهَا . فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ عِتْقُهُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُمَا لِمُعْتِقِهَا ، وَلَا يَجُرُّهُ مُعْتِقُ الْأَبِ لِعِلْمِنَا بِكَوْنِهِ حَمْلًا وَقْتَ عِتْقِهَا . وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ جَرَّ مُعْتِقُ الْأَبِ وَلَاءَهُ عَنْ مُعْتِقِهَا ، لِعِلْمِنَا بِعَدَمِهِ وَقْتَ عِتْقِهَا . وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْعِتْقِ مَوْجُودًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَلَّا يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ ، فَوَلَاؤُهُ غَيْرُ مَجْرُورٍ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ فَفِي جَرِّ وَلَائِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : مَجْرُورٌ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِ الْوِلَادَةِ ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : غَيْرُ مَجْرُورٍ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ ثُبُوتِ وَلَائِهِ لِمُعْتِقِ أُمِّهِ ، وَفِي شَكٍّ مِنْ جَرِّهِ إِلَى مُعْتِقِ أَبِيهِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ بِمُعْتَقَةٍ عَلَيْهَا وَلَاءٌ ، وَأَوْلَدَهَا وَلَدًا فلمن يكون ولاء الولد لَمْ يَخْلُ

حَالُ الزَّوْجِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ أَوْ مَجْهُولَ النَّسَبِ ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ عَرِيقًا فِي الْحُرِّيَّةِ كَالْعَرَبِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْلَدَهَا فِي الرِّقِّ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ رَقِيقًا . فَكَانَ أَوْلَى إِذَا أَوْلَدَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ أَلَّا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ . وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَجْهُولَ النَّسَبِ ، فَفِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَى وَلَدِهِ لِمُعْتِقِ أُمِّهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِظَاهِرِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الْأَبِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِاحْتِمَالِ حَالِ الْأَبِ وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَى الْأُمِّ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ .

فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ مُعْتَقَةً عَلَيْهَا وَلَاءٌ ، وَأَوْلَدَهَا ابْنًا دَخَلَ فِي وَلَاءِ أُمِّهِ ، ثُمَّ اشْتَرَى الِابْنُ أَبَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ ، وَفِي جَرِّهِ لِوَلَاءِ نَفْسِهِ مِنْ مُعْتِقِ أُمِّهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَجُرُّهُ بِعِتْقِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَاءَ نَفْسِهِ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ بَاقِيًا لِمُعْتِقِ أُمِّهِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يَرِثُهَا ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهِ بِعِتْقِ أَبِيهِ ، وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَكِنْ يُزِيلُ بِهِ الْوَلَاءَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَصِيرُ بِهِ حُرًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْأَبِ يُزِيلُ الْوَلَاءَ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْلَدَهَا ابْنَتَيْنِ فَاشْتَرَتْ إِحْدَاهُمَا أَبَاهَا عَتَقَ عَلَيْهَا ، وَكَانَ لَهَا وَلَاؤُهُ ، وَجَرَّتْ إِلَى نَفْسِهَا وَلَاءَ أُخْتِهَا ، وَفِي جَرِّهَا لِوَلَاءِ نَفْسِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَجُرُّهُ ، وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَيْهَا لِمُعْتِقِ أُمِّهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : تَجُرُّهُ ، وَيَسْقُطُ بِهِ الْوَلَاءُ عَنْهَا . فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ كَانَ ثُلُثَا مِيرَاثِهِ بَيْنَ بِنْتَيْهِ نِصْفَيْنِ بِالنَّسَبِ ، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِبِنْتِهِ الْمُعْتَقَةِ بِالْوَلَاءِ ، فَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الْأَبِ الْبِنْتُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعْتَقَةٍ كَانَ لِأُخْتِهَا الْمُعْتَقَةِ نِصْفُ مِيرَاثِهَا بِالنَّسَبِ ، وَنِصْفُهُ الْبَاقِي بِالْوَلَاءِ الَّذِي جَرَّتْهُ مِنْ مُعْتِقِ أُمِّهَا ، وَلَوْ كَانَتِ الْمَيِّتَةُ بَعْدَ أَبِيهَا هِيَ الْبِنْتُ الْمُعْتَقَةُ ، وَخَلَّفَتْ أُخْتَهَا كَانَ لِأُخْتِهَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا . وَفِي نِصْفِهِ الْبَاقِي وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لِمَوْلَى أُمِّهَا إِذَا قِيلَ : إِنَّهَا لَا تَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لِبَيْتِ الْمَالِ : إِذَا قِيلَ : إِنَّهَا قَدْ جَرَّتْ وَلَاءَ نَفْسِهَا ، وَلَوِ اشْتَرَتِ

الْبِنْتَانِ أَبَاهُمَا عَتَقَ عَلَيْهِمَا ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا ، وَجَرَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا نِصْفَ وَلَاءِ أُخْتِهَا عَنْ مُعْتِقِ أُمِّهَا إِلَيْهَا ، فَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ وَلَاءِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ لَهَا نِصْفَ وَلَاءِ الْأَبِ ، وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لِمُعْتِقِ الْأُمِّ إِذَا قِيلَ : إِنَّهَا لَا تَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : سَاقِطٌ عَنْهَا إِذَا قِيلَ إِنَّهَا قَدْ جَرَّتْ وَلَاءَ نَفْسِهَا ، فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ الْأَبُ كَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَهُمَا ، ثُلُثَاهُ بِالنَّسَبِ ، وَثُلُثُهُ بِالْوَلَاءِ ، وَلَوْ مَاتَتْ بَعْدَهُ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ كَانَ لِأُخْتِهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مِيرَاثِهَا ، نِصْفُهُ بِالنَّسَبِ ، وَرُبْعُهُ بِالْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّ لَهَا نِصْفَ وَلَائِهَا ، وَفِي الرُّبْعِ الْبَاقِي وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لِمَوْلَى أُمِّهَا إِذَا قِيلَ : إِنَّهَا لَا تَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لِبَيْتِ الْمَالِ إِذَا قِيلَ إِنَّهَا قَدْ جَرَّتْ وَلَاءَ نَفْسِهَا . وَحَكَى الرَّبِيعُ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَالْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِلْأُخْتِ الْبَاقِيَةِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ مِيرَاثِ الْمَيِّتَةِ ، وَثُمْنُهُ الْبَاقِي لِمُعْتِقِ الْأُمِّ ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُمَا عَلَى الشَّافِعِيِّ ، وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْجَوَابُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ أَنْ تَمُوتَ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ قَبْلَ الْأَبِ ، فَيَرِثُهَا الْأَبُ ، ثُمَّ يَمُوتُ الْأَبُ ، فَيَكُونُ لِبِنْتِهِ الْبَاقِيَةِ نِصْفُ مِيرَاثِهِ بِالنَّسَبِ ، وَنِصْفُهُ الْبَاقِي لِمَوَالِيهِ ، وَهُمَا بِنْتَاهُ ، الْحَيَّةُ وَالْمَيِّتَةُ ، فَتَأْخُذُ الْحَيَّةُ نِصْفَهُ ، وَهُوَ الرُّبْعُ ؛ لِأَنَّ لَهَا نِصْفَ وَلَائِهِ ، وَنِصْفُهُ الْبَاقِي ، وَهُوَ الرُّبْعُ لِمَوَالِي بِنْتِهِ الْمَيِّتَةِ ، وَهُمْ أُخْتُهَا الْحَيَّةُ ، وَمَوَالِي أُمِّهَا ؛ لِأَنَّ الْحَيَّةَ قَدْ جَرَّتْ نِصْفَ وَلَاءِ الْمَيِّتَةِ ، فَتَأْخُذُ بِهِ نِصْفَ هَذَا الرُّبْعِ ، وَهُوَ الثُّمُنُ ، فَيَصِيرُ لَهَا مِنْ مَالِ أَبِيهَا سَبْعَةُ أَثْمَانِ نِصْفُهُ بِالنَّسَبِ ، وَرُبْعُهُ بِالْوَلَاءِ عَلَى الْأَبِ ، وَثُمْنُهُ بِجَرِّ الْوَلَاءِ مِنَ الْأَبِ ، وَيَكُونُ ثُمْنُهُ الْبَاقِي لِمَوْلَى الْأُمِّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلِبَيْتِ الْمَالِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي ، فَغَلِطَ الرَّبِيعُ وَالْبُوَيْطِيُّ ، فَنَقَلَا هَذَا الْجَوَابَ إِلَى الَّتِي تَقَدَّمَهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مُخْتَصَرُ كِتَابَيِ الْمُدَبَّرِ

مَسْأَلَةٌ بيان الاختلاف في تسميته تدبيرا

مُخْتَصَرُ كِتَابَيِ الْمُدَبَّرِ مِنْ جَدِيْدٍ وَقَدِيْمٍ مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ فَقَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ عَبْدٌ قِبْطِيٌّ مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ زَادَ أَبُو الزُّبَيْرِ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَبَاعَتْ عَائِشَةُ مُدَبَّرَةً لَهَا سَحَرَتْهَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةٌ يَرْجِعُ فِيهِ صَاحِبُهُ مَتَى شَاءَ وَبَاعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُدَبَّرًا فِي دَيْنِ صَاحِبِهِ وَقَالَ طَاوُسٌ يَعُودُ الرَّجُلُ فِي مُدَبَّرِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا التَّدْبِيرُ وبيان الاختلاف في تسميته تدبيرا : فَهُوَ عِتْقٌ يُعَلِّقُهُ السَّيِّدُ بِمَوْتِهِ ، فَيَقُولُ لِعَبْدِهِ : إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَيَقُولُ : أَنْتَ حُرٌّ بِمَوْتِي أَوْ يَقُولُ لَهُ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ . وَاخْتَلَفَ فِي تَسْمِيَتِهِ تَدْبِيرًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي دُبُرِ الْحَيَاةِ ، وَهُوَ آخِرُهَا . وَالثَّانِي : لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ تَدْبِيرَ عِتْقِهِ إِلَى غَيْرِهِ . وَالثَّالِثُ : لِأَنَّهُ دَبَّرَ أَمْرَ حَيَاتِهِ بِاسْتِخْدَامِهِ ، وَأَمْرَ آخِرَتِهِ بِعِتْقِهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ابْتِدَائِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَقَرَّهُ الشَّرْعُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَصَارَ بِالْإِقْرَارِ شَرْعًا التدبير . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ فِي الْإِسْلَامِ بِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَاسْتَغْنَوْا بِالْعَمَلِ عَنْ نَقْلِ النَّصِّ ، فَصَارَ بِالنَّصِّ شَرْعًا ، وَصَارَ الْعَمَلُ عَلَى النَّصِّ دَلِيلًا ، فَدَبَّرَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَبِيدًا ، وَدَبَّرَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمَةً لَهَا . فَإِنْ كَانَ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ عَنْ أَمْرِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَلِعِلْمِهَا بِهِ مِنْ جِهَتِهِ . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ ، فَأَغْنَى إِجْمَاعُهُمْ عَنْ دَلِيلٍ فِيهِ .

وَمَدَارُ التَّدْبِيرِ عَلَى حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ جَابِرٍ . وَالْآخَرُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ . فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَوَارِدٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ . أَحَدُهُمَا : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمَتْنِ الْمُتَقَدِّمِ . وَالثَّانِي : مَا رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ : أَبُو مَذْكُورٍ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ يُقَالُ لَهُ : يَعْقُوبُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَنْ يَشْتَرِيهِ ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَيْهِ فَقَالَ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَعَلَى عِيَالِهِ فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَعَلَى ذَوِي رَحِمِهِ ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَهَاهُنَا ، وَهَاهُنَا . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّ عَمْرَةِ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مُدَبَّرَةً لِعَائِشَةَ سَحَرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا ، فَبِيعَتْ فِي الْأَعْرَابِ ، وَجَعَلَتْ ثُلُثَهَا فِي الرِّقَابِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ التَّدْبِيرِ ، فَالْمَقْصُودُ بِهِ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَا كَانَ السَّيِّدُ حَيًّا بَاقٍ عَلَى رِقِّ سَيِّدِهِ وَأَحْكَامُ الرِّقِّ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ فِي اسْتِخْدَامِهِ ، وَمِلْكِ أَكْسَابِهِ ، وَإِجَارَتِهِ وَنِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ وَشَهَادَتِهِ كَسَائِرِ الْعَبِيدِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا كَسَائِرِ الْإِمَاءِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالتَّدْبِيرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : مُقَيَّدٌ ، وَمُطْلَقٌ . فَأَمَّا الْمُقَيَّدُ : فَهُوَ أَنْ يَقُولَ : إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، أَوْ عَامِي هَذَا ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَيَكُونُ تَدْبِيرُهُ مَعْقُودًا بِشَرْطِهِ . فَإِنْ مَاتَ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ ، أَوْ فِي هَذَا الْعَامِ ، عَتَقَ بِمَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ مِنْهَا بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ، وَلَمْ يُعْتَقْ بِمَوْتِهِ ، فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرَضِ ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْعَامِ . وَأَمَّا الْمُطْلَقُ : فَهُوَ أَنْ يَقُولَ : مَتَى مُتُّ ، أَوْ إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ يَقُولَ لَهُ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ ، فَفِي أَيِّ زَمَانٍ مَاتَ وَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ مَاتَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ قُتِلَ عَتَقَ بِمَوْتِهِ ، فَإِنْ قَتَلَهُ الْمُدَبَّرُ فَفِي عِتْقِهِ بِمَوْتِهِ قَوْلَانِ ، مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ كَالْوَصِيَّةِ فِي اعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ . وَإِذَا خَرَجَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ عَتَقَ جَمِيعُهُ بِمَوْتِهِ ، وَإِنِ اسْتَوْعَبَهُ الدَّيْنُ ، رَقَّ وَلَمْ يُعْتَقْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَالٌ غَيْرُهُ ، عَتَقَ ثُلُثُهُ بِمَوْتِهِ وَرَقَّ ثُلُثَاهُ لِوَرَثَتِهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَسْعِيهِ الْوَرَثَةُ فِي ثُلُثَيْهِ وَيُعْتَقُ .

فَصْلٌ اخْتَلَافَ الْفُقَهَاءُ في بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبْتُهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ

فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبْتُهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فِي دَيْنٍ ، وَغَيْرِ دَيْنٍ ، سَوَاءً كَانَ تَدْبِيرُهُ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ ، وَفِي التَّابِعِينَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَفِي الْفُقَهَاءِ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . وَالثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، أَنَّهُ كَالْعِتْقِ النَّاجِزِ فِي الْمَرَضِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ مُقَيَّدًا ، كَانَ أَوْ مُطْلَقًا . وَالثَّالِثُ : وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ تَدْبِيرُهُ مُقَيَّدًا جَازَ بَيْعُهُ فِي دَيْنٍ وَغَيْرِ دَيْنٍ ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي دَيْنٍ وَغَيْرِ دَيْنٍ ، فَجَعَلَهُ لَازِمًا إِذَا أُطْلِقَ ، وَغَيْرَ لَازِمٍ إِذَا قُيِّدَ ، وَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْحَالَيْنِ ، احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ . قَالُوا : وَلِأَنَّ كُلَّ عِتْقٍ نُجِزَ إِطْلَاقُهُ بِمَوْتِ الْمُعْتِقِ ، مَنَعَ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ كَأُمِّ الْوَلَدِ . قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَفَادَ بِالتَّدْبِيرِ اسْمًا غَيْرَ اسْمِ الْعَبِيدِ ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَفِيدَ بِهِ حُكْمًا غَيْرَ أَحْكَامِ الْعَبِيدِ ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَ الِاسْمِ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ ، وَلَوْ جَازَ بَيْعُهُ لَبَقِيَ عَلَى حُكْمِهِ مَعَ انْتِقَالِ اسْمِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ كَالْمُكَاتَبِ . وَدَلِيلُنَا مَا رُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ بَاعَ مُدَبَّرًا عَلَى مَالِكِهِ . فَإِنْ قِيلَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ مَنَافِعِهِ بِالْإِجَارَةِ قِيلَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَذْكُورِ إِلَى مَجَازٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ ، مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ دَلِيلٌ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا بَاعَهُ فِي دَيْنٍ ، وَقَدْ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ مَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ كَالْمُعْتِقِ فِي الْمَرَضِ ، قِيلَ : لَوْ كَانَ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ لَكَانَ بَيْعُهُ مَوْقُوفًا عَلَى طَلَبِ الْغُرَمَاءِ ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ إِلَّا قَدْرَ الدَّيْنِ ، وَقَدْ بَاعَهُ كُلَّهُ بِثَمَنٍ دَفَعَهُ إِلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ : أَنْفِقْ عَلَى نَفْسِكَ ، ثُمَّ عَلَى عِيَالِكَ ، ثُمَّ عَلَى ذَوِي رَحِمَكَ ، ثُمَّ اصْنَعْ بِالْفَضْلِ مَا شِئْتَ فَدَلَّ عَلَى بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِ الدَّيْنِ . وَقَدْ بَاعَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُدَبَّرَتَهَا فِي غَيْرِ دَيْنٍ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِ الدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ قَوْلٌ عُلِّقَ بِهِ عِتْقٌ عَلَى صِفَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ كَتَعْلِيقِهِ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ التَّدْبِيرِ ، جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ كَالتَّدْبِيرِ الْمُقَيَّدِ ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ عِتْقُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ مَعَ صِحَّتِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ كَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَاهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، فَهُوَ أَنَّهُ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى التَّنْزِيهِ بِدَلِيلِ مَا فَعَلَهُ مِنْ بَيْعِهِ .

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِلْحَاقِهِ بِأُمِّ الْوَلَدِ فَهُوَ أَنَّهَا كَالْمُسْتَهْلَكَةِ بِالْإِحْبَالِ لِسِرَايَتِهِ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ ، وَلِأَنَّ عِتْقَ أُمِّ الْوَلَدِ لَازِمٌ لِاعْتِبَارِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالدُّيُونِ ، وَعِتْقَ التَّدْبِيرِ غَيْرُ لَازِمٍ لِاعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا فَلِهَذَيْنِ مَا افْتَرَقَا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَنَّ انْتِقَالَ الِاسْمِ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ ، فَهُوَ أَنَّهُ مُوجِبٌ لِزِيَادَةِ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ انْتِقَالِ الِاسْمِ ، وَقَدْ وُجِدَتِ الزِّيَادَةُ بِعِتْقِهِ بِالْمَوْتِ ، وَلَمْ يَلْزَمْ زَوَالُ أَحْكَامِهِ كَمَا لَمْ يَلْزَمْ زَوَالُ اسْتِخْدَامِهِ . فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ بَيْعِهِ ، جَازَتْ هِبَتُهُ وَجَازَ كِتَابَتُهُ ، وَجَازَ تَعْجِيلُ عِتْقِهِ . فَأَمَّا الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ ، حَتَّى لَا يُعْتَقَ بِمَوْتِهِ فَسَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ فِي مَوْضِعِهِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ أَنْتَ عَتِيقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ أَوْ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ مَتَى مُتُّ أَوْ مَتَى دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَدَخَلَ فَهَذَا كُلُّهُ تَدْبِيرٌ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَكَلَامُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِيمَا يَصِيرُ بِهِ مُدَبَّرًا . وَالثَّانِي : فِيمَا يَكُونُ فِي التَّرِكَةِ مُعْتَبَرًا . فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُدَبَّرًا : فَأَلْفَاظُ التَّدْبِيرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : صَرِيحٌ ، وَكِنَايَةٌ ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، هَلْ هُوَ صَرِيحٌ ، أَوْ كِنَايَةٌ . فَأَمَّا الصَّرِيحُ : فَهُوَ قَوْلُهُ : إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بِمَوْتِي ، من ألفاظ التدبير الصريح أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي ؛ لِأَنَّهَا أَلْفَاظٌ لَا احْتِمَالَ فِيهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْتِ فَاصِلٌ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ وَاقِعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَأَمَّا الْكِنَايَةُ : فَهُوَ أَنْ يَقُولَ : إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ مُسَيَّبٌ أَوْ مُخْلًى ، أَوْ مَالِكٌ لِنَفْسِكَ ، أَوْ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ إِلَى نَظَائِرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ . فَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْعِتْقَ صَارَ مُدَبَّرًا ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا الْعِتْقَ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا ، وَاعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَ لَفْظِهِ فَإِنْ تَجَرَّدَ اللَّفْظُ عَنِ الْإِرَادَةِ ثُمَّ أَرَادَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ اللَّفْظِ ، لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا ؛ لِأَنَّ انْفِصَالَ النِّيَّةِ عَنِ الْكِنَايَةِ مُبْطِلٌ لِحُكْمِ الْكِنَايَةِ ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْ إِرَادَتِهِ . هَلْ أَرَدْتَ بِهِ الْعِتْقَ ، أَوْ لَمْ تُرِدْ ، وَلَا يُسْأَلُ هَلْ أَرَدْتَ بِهِ التَّدْبِيرَ ، أَوْ لَمْ تُرِدْ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَهُ بِالْمَوْتِ تَوَجَّهَ إِلَى التَّدْبِيرِ وَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَى الْعِتْقِ النَّاجِزِ ، وَلَكِنْ لَوْ أَطْلَقَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَلَمْ يُعَلِّقْهَا بِالْمَوْتِ جَازَ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْعِتْقَ النَّاجِزَ وَجَازَ أَنْ يُرِيدَ

بِهَا التَّدْبِيرَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجَازَ أَلَّا يُرِيدَ بِهَا وَاحِدًا مِنْهُمَا ، فَيُرْجَعُ إِلَى إِرَادَتِهِ فَمَا ذَكَرَهُ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ قَوْلُهُ فِيهِ مَقْبُولًا فَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ : أَرَدْتُ بِهِ التَّدْبِيرَ ، وَقَالَ الْعَبْدُ : بَلْ أَرَدْتَ بِهِ الْعِتْقَ النَّاجِزَ ، كَانَ لَهُ إِحْلَافُ سَيِّدِهِ . وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ : لَمْ أُرِدْ بِهِ التَّدْبِيرَ ، وَقَالَ الْعَبْدُ : بَلْ أَرَدْتَ بِهِ التَّدْبِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِحْلَافُ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَالْعِتْقَ النَّاجِزَ لَازِمٌ . وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ : هَلْ هُوَ صَرِيحٌ ، أَوْ كِنَايَةٌ ، من ألفاظ التدبير فَهُوَ لَفْظُ التَّدْبِير أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ . فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ صَرِيحًا لَا يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ . وَقَالَ فِي الْكِنَايَةِ : إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ ، حَتَّى يَقُولَ : فَإِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ آخِرَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي لَفْظِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ ، وما ورد فيه من خلاف فَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَخَرَّجَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمَا صَرِيحَانِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّدْبِيرِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : التَّدْبِيرُ صَرِيحٌ ، وَالْكِنَايَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّدْبِيرُ صَرِيحٌ ، وَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ لَفْظَ التَّدْبِيرِ مَشْهُورٌ فِي الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ ، وَالْكِنَايَةَ يَعْرِفُهَا الْخَاصَّةُ دُونَ الْعَامَّةِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْكِنَايَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ صَرِيحِينَ مِنْ عِتْقٍ وَمُكَاتَبَةٍ . وَالتَّدْبِيرَ لَيْسَ لَهُ صَرِيحٌ سِوَاهُ ، وَإِذَا كَانَ التَّدْبِيرُ صَرِيحًا ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي كُلِّ مَنْ تَلَفَّظَ بِهِ فِي عَبْدِهِ ، سَوَاءٌ عَرَفَ حُكْمَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ كَصَرِيحِ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقِ . فَإِنْ عَلَّقَ تَدْبِيرَهُ بِصِفَةٍ فَقَالَ : إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ مَا لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ فَإِذَا دَخَلَهَا فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ صَارَ مُدَبَّرًا ، يُعْتَقُ بِالْمَوْتِ ، وَلَوْ دَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، لَمْ يُعْتَقْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّدْبِيرُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، لِفَوَاتِ الصِّفَةِ بِالْمَوْتِ . فَإِنْ قَالَ لَهُ : إِذَا دَفَعْتَ إِلَيَّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ صَارَ مُدَبَّرًا بِدَفْعِ جَمِيعِهَا ، وَلَوْ دَفَعَهَا إِلَّا يَسِيرًا لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا ، وَلَوْ قَالَ : إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ كَانَ تَدْبِيرُهُ مُعْتَبَرًا بِقِرَاءَةِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ . فَلَوْ قَرَأَهُ إِلَّا آيَةً مِنْهُ لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا . وَلَوْ قَالَ : إِذَا قَرَأَتْ قُرْآنًا صَارَ مُدَبَّرًا بِقِرَاءَةِ آيَةٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ تُوجِبُ اسْتِيعَابَ الْجِنْسِ ، وَحَذْفَهُمَا لَا يُوجِبُهُ ، وَلَوْ عَلَّقَ تَدْبِيرَهُ بِصِفَتَيْنِ ثَبَتَ التَّدْبِيرُ بِوُجُودِهِمَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا ، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِعَشْرِ صِفَاتٍ لَمْ يَثْبُتْ بِوُجُودِ تِسْعٍ ،

حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْعَشْرَ كُلَّهَا فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْكِتَابَةِ بِالصِّفَةِ ، وَإِنْ صَحَّ تَعْلِيقُ التَّدْبِيرِ بِالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالصِّفَاتِ . وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَدَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يُعْتَقْ لِزَوَالِ مِلْكِهِ ، وَلَوْ قَالَ : إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ ، عَتَقَ مَا لَمْ يَقْتَسِمْ بِهِ الْوَرَثَةُ ، وَصَارَ كَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي : فِيمَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي التَّرِكَةِ وَهُوَ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ وَقِيمَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَقْتِ مَوْتِ السَّيِّدِ لَا فِي وَقْتِ تَدْبِيرِهِ ، لِاعْتِبَارِهَا بِالْعِتْقِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُسْتَهْلَكًا ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ لَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَإِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ قَدْرَ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَرَقَّ بَاقِيهِ لِلْوَرَثَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ ، وَسَوَاءٌ دَبَّرَهُ فِي صِحَّتِهِ ، أَوْ فِي مَرَضِهِ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَلَا يَرِقُّ بَعْدَ الْعِتْقِ . قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَكَاهُ زَكَرِيَّا السَّاجِي عَنْهُ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَسْرُوقٌ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : حَمَّادُ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَدَاوُدُ اعْتِبَارًا بِعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا وَاقِعٌ بِالْمَوْتِ . وَالـدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ أَمْضَى ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ ، فَكَانَ التَّدْبِيرُ أَوْلَى أَنْ يُعْتَبَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْمَوْتِ كَانَ لُزُومُهُ بِالْمَوْتِ مُوجِبًا لِاعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ ، كَالْوَصَايَا وَهَذَا خَالَفَ أُمَّ الْوَلَدِ لِلُزُومِ عِتْقِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ فِي الثُّلُثِ وَاحْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ لِلْوَرَثَةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ ، عَتَقَ بِالْمَوْتِ لِحُصُولِ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكِ السَّيِّدُ شَيْئًا ، وَكَسَبَ الْمُدَبَّرُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، كَانَتْ مِنْ تَرِكَةِ السَّيِّدِ وَعَتَقَ بِهَا لِمَصِيرِ الْوَرَثَةِ إِلَى مِثْلَيْ قِيمَتِهِ مِيرَاثًا ، وَلَوْ كَسَبَهَا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ مِلْكًا ، لَا تُضَافُ إِلَى التَّرِكَةِ ، وَلَا يَدْخُلُ بِهَا فِي عِتْقِهِ ، وَيَكُونُ فِيهَا مُدَبَّرًا لَمْ يَتْرُكْ سَيِّدُهُ سِوَاهُ ، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْمَوْتِ وَثُلُثَاهُ مَوْقُوفٌ لِلْوَرَثَةِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ عِتْقَ بَاقِيهِ ، فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ وَيَكُونُ فِي وَلَائِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لِلسَّيِّدِ إِذَا قِيلَ : إِنَّ إِجَازَتَهُمْ أَمْضَى لِوَصِيَّتِهِ . وَالثَّانِي : يَكُونُ لِلسَّيِّدِ ثُلُثُ وَلَائِهِ ، وَلَهُمْ ثُلُثَاهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ إِجَازَتَهُمْ عَطِيَّةٌ مِنْهُمْ .

مَسْأَلَةٌ لَا يُعْتَقُ فِي مَالِ غَائِبٍ حَتَّى يَحْضُرَ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَا يُعْتَقُ فِي مَالِ غَائِبٍ حَتَّى يَحْضُرَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا مَاتَ وَقَدْ دَبَّرَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ مَالًا غَائِبًا يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِهِ ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَرَثَةِ فِي الْمَالِ الْغَائِبِ مِنْ أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ ، أَوْ يَعْجِزُوا عَنْهُ ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْهُ كَانَ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ مَوْقُوفًا عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ : لِأَنَّ عِتْقَهُ وَصِيَّةٌ فِي الثُّلُثِ ، وَالْوَصَايَا لَا تُمْضَى إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْوَرَثَةُ مِثْلَاهَا ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتْلَفَ الْغَائِبُ وَلَا يَصِلَ إِلَى الْوَرَثَةِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ ثُلُثَيِ الْمُدَبَّرِ مَوْقُوفٌ عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْضَاءِ الْعِتْقِ فِي ثُلُثِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يُعْتَقُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتْرَكْ سِوَاهُ لَعَتَقَ ثُلُثُهُ ، فَإِذَا تَرَكَ مَعَهُ مَالًا غَائِبًا فَأَوْلَى أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثُهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنْهُ ، فَيُوقَفُ جَمِيعُهُ ، لِئَلَّا يَنْفُذَ فِي الْعِتْقِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ ؛ لِأَنَّ بَاقِيَهُ مَوْقُوفٌ لَمْ يَصِلِ الْوَرَثَةُ إِلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ لِتَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ فِي بَاقِيهِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْعِتْقُ مَوْقُوفًا كَمَا كَانَ حَقُّ الْوَرَثَةِ مَوْقُوفًا ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ سِوَاهُ . وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : مِنْهُمَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَالثَّانِي : اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ ، وَنَحْنُ نُفَرِّعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا . فَإِذَا قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ عِتْقَ ثُلُثِهِ مَلَكَ الْمُدَبَّرُ بِهِ ثُلُثَ كَسْبِهِ ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ وَثُلُثَا كَسْبِهِ مَوْقُوفًا . فَإِنْ قَدِمَ مِنَ الْغَائِبِ خَمْسُونَ ، عَتَقَ نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ مَعَ قِيمَتِهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَقِيمَةُ نِصْفِهِ ثُلُثُهَا ، وَلَوْ قَدِمَ مِنَ الْغَائِبِ مِائَةٌ عَتَقَ ثُلُثَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ مَعَ قِيمَتِهِ مِائَتَانِ وَثُلُثَاهُ ثُلُثُهَا فَإِنْ قَدِمَتْ مِائَةٌ ثَانِيَةٌ ، عَتَقَ جَمِيعُهُ لِوُصُولِ الْوَرَثَةِ إِلَى مِثْلَيْ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ ، وَلَمْ تَصِلِ اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْهِ وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثُهُ ، فَصَارَ لَهُمْ مَعَ الْمِائَةِ الْوَاصِلَةِ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ ثُلُثَيْهِ . وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي : إِنَّ عِتْقَ جَمِيعِهِ مَوْقُوفٌ ، كَانَ جَمِيعُ كَسْبِهِ مَوْقُوفًا فَإِنْ قَدِمَ مِنَ الْغَائِبِ خَمْسُونَ ، وَكَانَ بَاقِيًا مَرْجُوًّا عَتَقَ رُبْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ مِثْلَا رُبْعِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيهِ تَالِفًا ، عَتَقَ نِصْفُهُ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ مَعَ رِقِّ نِصْفِهِ مِثْلَا نِصْفِهِ وَلَوْ كَانَ الْقَادِمُ مِنَ الْغَائِبِ مِائَةٌ ، وَكَانَ بَاقِيهِ مَرْجُوًّا عَتَقَ نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ مِثْلَا نِصْفِهِ . وَلَوْ كَانَ بَاقِيهِ تَالِفًا عَتَقَ ثُلُثَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ مَعَ رِقِّ ثُلُثِهِ مِثْلَا ثُلُثَيْهِ ، فَإِنْ قَدِمَتْ مِائَةٌ ثَانِيَةٌ ، عَتَقَ جَمِيعُهُ وَإِلَّا فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْهِ وَالرِّقُّ فِي ثُلُثِهِ ، وَمَلَكَ ثُلُثَيْ كَسْبِهِ ، وَلِلْوَرَثَةِ ثُلُثُ كَسْبِهِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَرَ الْوَرَثَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ قَبْلَ قُدُومِهِ ، لَمْ يُعْتَبَرْ فِي عِتْقِهِ قُدُومُ الْمَالِ ، وَاعْتُبِرَ فِيهِ قُدْرَتُهُمْ عَلَى التَّصَرُّفِ ، فَإِذَا مَضَى زَمَانُ قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّصَرُّفِ

فِيهِ ، عَتَقَ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفُوا ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْمُتَصَرِّفِينَ فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يَحْدُثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ ، فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعُذْرُ مِنْهُمْ كَالْمَرَضِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ كَالْحَبْسِ لِأَنْ قَدَرَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ بَعْضُهُمْ ، وَعَجَزَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ ، عَتَقَتْ حِصَّةُ الْقَادِرِ ، وَوُقِفَتْ حِصَّةُ الْعَاجِزِ . وَهَكَذَا الدَّيْنُ يَكُونُ كَالْمَالِ الْغَائِبِ ، لَا يُعْتَقُ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ .

مَسْأَلَةٌ لَوْ قَالَ إِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى مُتُّ فَشَاءَ فَهُوَ مُدَبَّرٌ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ قَالَ إِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى مُتُّ فَشَاءَ فَهُوَ مُدَبَّرٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا عَقْدُ تَدْبِيرٍ بِصِفَةٍ ، وَهِيَ مَشِيئَةُ الْعَبْدِ وَمَشِيئَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ عَلَى الْفَوْرِ ، دُونَ التَّرَاخِي . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا : هَلْ تُعْتَبَرُ فِي فَوْرِهَا مَشِيئَةُ الْقَبُولِ فِي الشِّرَاءِ ، أَوْ مَشِيئَةُ الْجَوَازِ فِي التَّخْيِيرِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يُعْتَبَرُ فِيهَا مَشِيئَةُ الْقَبُولِ فِي الشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ . فَعَلَى هَذَا إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ عَقِيبَ قَوْلِ سَيِّدِهِ ، انْعَقَدَ تَدْبِيرُهُ ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ لَمْ يَنْعَقِدْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : تُعْتَبَرُ مَشِيئَةُ الْجَوَازِ فِي التَّخْيِيرِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى فِكْرٍ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَعَ فِي غَيْرِهِ ، انْعَقَدَ تَدْبِيرُهُ وَإِنْ شَرَعَ فِي غَيْرِهِ ، أَوْ قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ . فَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ فِي الْمَجْلِسِ : قَدْ شِئْتُ ثُمَّ قَالَ : لَسْتُ أَشَاءُ ، انْعَقَدَ تَدْبِيرُهُ بِالْمَشِيئَةِ الْأُولَى . وَلَمْ يَبْطُلْ بِتَرْكِهِ لَهَا . وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً : لَسْتُ أَشَاءُ ثُمَّ قَالَ : شِئْتُ بَطَلَ التَّدْبِيرُ وَلَمْ يَثْبُتْ بِالْمَشِيئَةِ الثَّانِيَةِ اعْتِبَارًا بِأَسْبَقِهِمَا مِنْهُ .

فَصْلٌ قَالَ لَهُ مَتَى شِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ إِذَا مُتُّ أَوْ مَتَى مُتُّ

فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لَهُ مَتَى شِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، إِذَا مُتُّ أَوْ مَتَى مُتُّ كَانَ مَشِيئَةُ الْعَبْدِ عَلَى التَّرَاخِي فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ بِخِلَافِ " إِنْ " وَ " إِذَا " ؛ لِأَنَّ " مَتَى " مَوْضُوعَةٌ لِلزَّمَانِ ، فَاسْتَوَى فِيهَا جَمِيعُ الْأَزْمَانِ وَ " إِنْ " أَوْ " إِذَا " مَوْضُوعَةٌ لِلْفِعْلِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا زَمَانُ الْفِعْلِ فَإِنْ أَخَّرَ الْعَبْدُ الْمَشِيئَةَ ، حَتَّى مَاتَ السَّيِّدُ ، ثُمَّ شَاءَ لَمْ يُعْتَقْ . وَإِنْ كَانَتْ مَشِيئَتُهُ عَلَى التَّرَاخِي ؛ لِأَنَّهَا مَشِيئَةٌ فِي عَقْدِ التَّدْبِيرِ وَالتَّدْبِيرُ لَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَلَوْ قَالَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ : قَدْ شِئْتُ ، ثُمَّ قَالَ : لَسْتُ أَشَاءُ ثَبَتَ التَّدْبِيرُ بِالْمَشِيئَةِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِالرُّجُوعِ الْمُتَأَخِّرِ ، وَلَوْ قَالَ : لَسْتُ أَشَاءُ ثُمَّ قَالَ : شِئْتُ ثَبَتَ التَّدْبِيرُ بِالْمَشِيئَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِتَرْكِهَا الْمُتَقَدِّمِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَمَ ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ هَاهُنَا عَلَى التَّرَاخِي . فَرَاعَيْنَا وُجُودَهَا مُتَقَدِّمَةً وَمُتَأَخِّرَةً ، وَهُنَاكَ عَلَى الْفَوْرِ فَرَاعَيْنَا مَا تَقَدَّمَ .

فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ : إِنْ شَاءَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ إِذَا مُتٌّ ، أَوْ مَتَى شَاءَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى مُتٌّ ، فَمَشِيئَةُ زَيْدٍ عَلَى التَّرَاخِي قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، وَيَسْتَوِي فِي مَشِيئَتِهِ حُكْمُ " إِنْ "

وَ " مَتَى " وَ " إِذَا " ، بِخِلَافِ تَعْلِيقِهِ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا حُكْمُ " إِنْ " وَ " مَتَى " وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ تَعْلِيقَهُ بِمَشِيئَةِ زِيدٍ صِفَةٌ يُعْتَبَرُ بِوُجُودِهَا فَاسْتَوَى فِيهَا قَرِيبُ الزَّمَانِ وَبَعِيدُهُ ، وَتَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ تَمْلِيكٌ وَتَخْيِيرٌ ، فَافْتَرَقَ فِيهِ حُكْمُ قَرِيبِ الزَّمَانِ وَبَعِيدِهِ . فَإِنْ أَخَّرَ زَيْدٌ الْمَشِيئَةَ حَتَّى مَاتَ السَّيِّدُ ، ثُمَّ شَاءَ لَمْ يَنْعَقِدِ التَّدْبِيرُ ، وَكَانَ الْعَبْدُ عَلَى رِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ هُوَ شَرْطٌ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ قَالَ إِذَا مُتُّ فَشِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إِذَا مُتُّ إِنْ شِئْتَ فَسَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ أَوْ أَخَّرَهَا لَا يَكُونُ حُرًّا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا عِتْقٌ بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَإِذَا قَالَ : إِذَا مُتُّ فَشِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، اعْتُبِرَتْ مَشِيئَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا تَأْثِيرٌ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَمَشِيئَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْفَوْرِ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي عُلِمَ فِيهِ بِمَوْتِهِ ، وَهَلْ تَكُونُ مَشِيئَةَ قَبُولٍ ، أَوْ مَشِيئَةَ تَخْيِيرٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَا يَكُونُ هَذَا تَدْبِيرًا ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ شَرْطًا فِي عِتْقِهِ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ هُوَ الْعِتْقُ الْوَاقِعُ بِالْمَوْتِ ، وَهَذَا عِتْقٌ يَقَعُ بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ إِذَا مُتُّ إِنْ شِئْتَ ، كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ تُعْتَبَرُ مَشِيئَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَلَوْ شَاءَ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ " وَسَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ ، أَوْ أَخَّرَهَا " ، فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ سَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ قَبْلَ الْمَوْتِ ، أَوْ أَخَّرَهَا . بِخِلَافِ قَوْلِهِ : إِذَا مُتُّ فَشِئْتَ ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي الْمَشِيئَةِ تُوجِبُ التَّعْقِيبَ فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ ، إِذَا شَاءَ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، وَيَكُونُ هَذَا تَدْبِيرًا وَلَوْ لَمْ يَشَأْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، عَتَقَ وَكَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ ، سَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فِي لَفْظِهِ أَوْ أَخَّرَهَا وَتَكُونُ مَشِيئَةً مُعْتَبَرَةً بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنْ شَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ عَتَقَ ، وَإِلَّا رَقَّ لِلْوَرَثَةِ . وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى شِئْتَ كَانَتْ مَشِيئَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى التَّرَاخِي مُمْتَدَّةً ، إِلَى أَنْ يَشْرَعَ الْوَرَثَةُ فِي تَنْفِيذِ الْوَصَايَا ، وَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ ، فَتَصِيرُ مَشِيئَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ مُعْتَبَرَةً بِجَوَابِ التَّخْيِيرِ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ فَوْرَ الْقَبُولِ . فَمَتَى شَاءَ فِي مَجْلِسٍ تَخَيُّرِهِ عَتَقَ ، وَإِلَّا رَقَّ إِنْ أَخَّرَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ " مَتَى " وَ " إِنْ " .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( وَلَوْ قَالَ شَرِيكَانِ فِي عَبْدٍ مَتَّى مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ إِلَّا بِمَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ التَّدْبِيرَ يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ كُلِّهِ ، وَفِي بَعْضِهِ مِنْ مَالِكِ الْكُلِّ ، وَمَالِكِ الْبَعْضِ ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لَعَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ : إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ ، عَتَقَ

مِلْكُهُ مِنْهُ بِمَوْتِهِ ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مُوسِرًا مَاتَ ، أَوْ مُعْسِرًا . وَلَا تَقْوِيمَ بَعْدَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ غَيْرُ مَالِكٍ فَصَارَ كَالْمُعْسِرِ . وَلَوْ قَالَ لِعَبْدٍ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ : إِذَا مُتُّ فَنَصِفُكَ حُرٌّ انْعَقَدَ التَّدْبِيرُ فِي نِصْفِهِ ، وَفِي سِرَايَةِ التَّدْبِيرِ إِلَى نِصْفِهِ الْبَاقِي قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَسْرِي إِلَيْهِ وَيَصِيرُ جَمِيعُهُ مُدَبَّرًا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَرَى الْعِتْقُ ، سَرَى السَّبَبُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِتْقِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ ، أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَسْرِي وَإِنْ كَانَ الْعِتْقُ يَسْرِي لِأَنَّ التَّدْبِيرَ أَضْعَفُ مِنَ الْعِتْقِ فَضَعُفَ عَنِ السِّرَايَةِ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نِصْفُهُ مُدَبَّرًا ، وَنِصْفُهُ رِقًّا قِنًّا فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَ نِصْفُهُ بِمَوْتِهِ عَنْ تَدْبِيرِهِ وَفِي عِتْقِ نِصْفِهِ الْبَاقِي وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ وِجْهَتَيْ أَصْحَابِنَا فِي سِرَايَةِ عِتْقِ الْحَيِّ إِلَى بَقِيَّةِ مِلْكِهِ . هَلْ تَسْرِي بِلَفْظِهِ أَوْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ عِتْقِهِ . عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَسْرِي بِلَفْظِهِ ، فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ جَمِيعُ الْعَبْدِ حُرًّا ، يَعْتِقُ مِنْهُ نِصْفُهُ تَدْبِيرًا ، وَنِصْفُهُ سِرَايَةً ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُجْعَلَ التَّدْبِيرُ فِي الْحَيَاةِ سَارِيًا ، وَبَيْنَ أَنْ يُجْعَلَ الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ سَارِيًا ، يُتَصَوَّرُ تَأْثِيرُهُ إِذَا رَجَعَ فِي تَدْبِيرِ نِصْفِهِ فَإِنْ جَعَلْنَا الْعِتْقَ سَارِيًا كَانَ نِصْفُهُ الْبَاقِي مُدَبَّرًا ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَسْرِي وَإِنْ كَانَ التَّدْبِيرُ يَسْرِي ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلِ التَّدْبِيرُ سَارِيًا إِلَى جَمِيعِهِ ، صَارَ بِالرُّجُوعِ فِي تَدْبِيرِ نِصْفِهِ عَبْدًا قِنًّا ، لَا يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ عِتْقَهُ فِي الْحَيَاةِ لِبَعْضِهِ يَسْرِي إِلَى جَمِيعِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ عِتْقِهِ فِي بَعْضِهِ . فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالتَّدْبِيرِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا نِصْفُهُ ، وَيَكُونُ نِصْفُهُ الْبَاقِي مَرْقُوقًا لِوَرَثَتِهِ . وَلَوْ كَانَ عَبْدًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَدَبَّرَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ ، ثُمَّ عَجَّلَ الْآخَرُ عِتْقَ حِصَّتِهِ ، نُظِرَ فِي حِصَّةِ الْمُدَبَّرِ . فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهِ قُوِّمَتْ عَلَى الْمُعْتِقِ حِصَّةُ الْمُدَبَّرِ ، إِذَا كَانَ مُوسِرًا بِهَا وَعَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ لِزَوَالِ التَّدْبِيرِ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ . وَإِنْ كَانَ التَّدْبِيرُ عَلَى حَالِهِ بَاقِيًا فِي حِصَّةِ الْمُدَبَّرِ فَفِي تَقْوِيمِهِمَا عَلَى الْمُعْتِقِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَيُقَوَّمُ فِي حَقِّهِ ، لِبَقَائِهَا عَلَى الرِّقِّ حُكْمًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : تَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى التَّدْبِيرِ وَلَا تُقَوَّمُ عَلَى الْمُعْتِقِ لِمَا اسْتَقَرَّ فِيهَا قَبْلَ عِتْقِهِ مِنْ عِتْقِهَا فِي حَقِّ الْمَالِكِ بِتَدْبِيرِهِ . وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَدَبَّرَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ دُونَ شَرِيكِهِ ، صَحَّ التَّدْبِيرُ فِي حِصَّتِهِ ، وَفِي تَقْوِيمِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ :

أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا بِهَا ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُفْضِي إِلَى لُزُومِ عِتْقِهِ كَامِلًا بِحِصَّتِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ ، لَا تَقُومُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَازِمِ عَلَى عِتْقِهِ ، وَهُوَ بَعْدَ التَّدْبِيرِ بَاقٍ عَلَى أَحْكَامِ رِقِّهِ ، فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ أَنَّهُ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ فَفِيهَا بَعْدَ التَّقْوِيمِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَكُونُ رِقًّا قِنًّا ، وَلَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا بِالسِّرَايَةِ ، حَتَّى يُدَبِّرَهَا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي التَّقْوِيمِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ الْحِصَّةُ الَّتِي دَبَّرَهَا ، وَفِي سِرَايَةِ عِتْقِهِ إِلَى بَاقِيهِ وَجْهَانِ : وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ ، أَنَّهَا تَصِيرُ مُدَبَّرَةً بِسِرَايَةِ التَّدْبِيرِ إِلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِتَدْبِيرِهَا ، فَيَكُونُ جَمِيعُهُ مُدَبَّرًا . وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَى مَنْ دَبَّرَ حِصَّتَهُ مَنْ لَمْ يُدَبِّرْ ، كَانَ نِصْفُهُ مُدَبَّرًا ، وَنِصْفُهُ رِقًّا قِنًّا . فَإِنْ عَجَّلَ الْمُدَبَّرُ عِتْقَ حِصَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، قُوِّمَتْ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ ، وَلَوْ أَعْتَقَ غَيْرُ الْمُدَبَّرِ حِصَّتَهُ عَتَقَتْ وَفِي تَقْوِيمِ الْحِصَّةِ الْمُدَبَّرَةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى .

فَصْلٌ عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ قَالَا إِذَا مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ قَالَا : إِذَا مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا بِمَوْتِهِمَا ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الْقَوْلِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ تَقَدَّمَ فِيهِ أَحَدُهَا عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَّقَ عِتْقَ حِصَّتِهِ بِصِفَتَيْنِ هُمَا : مَوْتُهُ وَمَوْتُ شَرِيكِهِ ، فَلَمْ يُعْتَقْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ مَوْتَهُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ فِي عِتْقِهِ ، وَكَانَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِ عَنْ وَصِيَّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِ بِتَدْبِيرٍ يَقَعُ بِالْمَوْتِ إِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مَوْتُهُمَا مِنْ أَنْ يَخْتَلِفَ ، أَوْ يَتَّفِقَ . فَإِنِ اتَّفَقَ مَوْتُهُمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَفِي حُكْمِ عِتْقِهِ عَلَيْهِمَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : عَتَقَ عَلَيْهِمَا تَدْبِيرًا ، لِاتِّصَالِ عِتْقِهِ بِمَوْتِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَصِيَّةً لَا تَدْبِيرًا ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ مَا تَفَرَّدَ عِتْقُهُ بِمَوْتِهِ ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِغَيْرِهِ ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، تَعَيَّنَ فِيهِ عِتْقُ حِصَّتِهِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَلَمْ تُعْتَقْ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ وَكَانَ عِتْقُهَا مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ شَرِيكِهِ ، وَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ فِي الْبَاقِي مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ لِوُقُوعِهِ بِمَوْتِهِ ، وَمُنِعَ وَرَثَةُ الْمُتَقَدِّمِ بِالْمَوْتِ مِنْ بَيْعِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحُكْمِ بَاقِيًا

عَلَى رِقِّهِ ، وَمَلَكُوا عَلَيْهِ أَكْسَابَ حِصَّتِهِمْ مِنْهُ ، فَإِذَا مَاتَ الشَّرِيكُ الْبَاقِي عَتَقَ حِينَئِذٍ جَمِيعُهُ بِوَصِيَّةِ الْأَوَّلِ ، وَتَدْبِيرِ الثَّانِي . وَلَوْ أَرَادَ الثَّانِي بَيْعَ حِصَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، جَازَ وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ وَرَثَةِ الْأَوَّلِ ، وَيَكُونُ عِتْقُ حِصَّةِ الْأَوَّلِ مَوْقُوفَةً عَلَى مَوْتِ الْبَاقِي بَعْدَ بَيْعِهِ ، فَيُعْتَقُ بِمَوْتِ الثَّانِي حِصَّةُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا : إِذَا مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ تُعْتَقْ حِصَّتُهُ إِلَّا بِمَوْتِهِمَا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ أَوْ تَأَخَّرَ ، وَكَانَ عِتْقُ حِصَّتِهِ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ بِالْوَصِيَّةِ إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ ، وَبِالتَّدْبِيرِ إِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ ، وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ الْآخَرِ بَاقِيَةٌ عَلَى الرِّقِّ فِي حَيَاتِهِ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ ، أَوْ تَأَخَّرَ . وَفَرَّعَ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كِتَابِ " الْأُمِّ " إِذَا قَالَ الشَّرِيكَانِ فِي الْعَبْدِ : أَنْتَ حَبِيسٌ عَلَى مَوْتِ الْآخَرِ مِنَّا ثُمَّ تَكُونُ حُرًّا ، كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِتْقِ حِصَّةِ الْأَوَّلِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَعِتْقِ حِصَّةِ الثَّانِي بِالتَّدْبِيرِ ، وَيَخْتَصُّ هَذَا التَّفْرِيعُ بِحُكْمٍ زَائِدٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَسْبُ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ ، وَقَبْلَ مَوْتِ الثَّانِي مِلْكًا لِلثَّانِي وَلَا يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ حَبِيسًا عَلَى مَوْتِ الثَّانِي جَعَلَهُ كَالْعَارِيَةِ فِي ذِمَّتِهِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ وَقْفًا ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ مَا كَانَ مُؤَبَّدًا وَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِمُدَّةٍ ، فَإِذَا قُدِّرَ بِهَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْوَقْفِ إِلَى الْعَوَارِي ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَرْجِعُوا فِي حُكْمِ هَذِهِ الْعَارِيَةِ . وَإِنْ جَازَ الرُّجُوعُ فِي الْعَوَارِي لِأَنَّهَا عَنْ وَصِيَّةِ مَيِّتِهِمْ ، فَلَزِمَتْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْتَبِرُوا كَسْبَ الْعَبْدِ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ ، وَإِنْ كَانَ مُوصَى بِهِ لِدُخُولِ كَسْبِهِ فِي قِيمَةِ رَقَبَتَهُ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ ثُلُثِهِ . فَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقُتِلَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ ، وَقَبْلَ مَوْتِ الثَّانِي مَاتَ بِالْقَتْلِ عَبْدًا ؛ لِأَنَّ صِفَةَ عِتْقِهِ لَمْ تَكْمُلْ ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ بَيْنَ الثَّانِي ، وَوَرَثَةِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْتَسِبُوا بِمَا أَخَذَهُ الثَّانِي مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ فِي ثُلُثِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِوَصِيَّتِهِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قِيمَةِ رَقَبَتِهِ .

مَسْأَلَةٌ قَالَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِكَ أَوِ نَقَضْتُهُ أَوْ أَبْطَلْتُهُ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ قَالَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِكَ أَوِ نَقَضْتُهُ أَوْ أَبْطَلْتُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّدْبِيرِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ قَالَ إِنْ أَدَّى بَعْدَ مَوْتِي كَذَا فَهُوَ حُرٌّ أَوْ وَهَبَهُ هِبَةَ بَتَاتٍ قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ وَرَجَعَ فَهَذَا رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) هَذَا رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ بِغَيْرِ إِخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْكِتَابِ الْجَدِيدِ وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ لَوْ قَالَ قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِكَ أَوْ فِي رُبْعِكَ أَوْ فِي نِصْفِكَ كَانَ مَا رَجَعَ عَنْهُ رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ وَمَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ مُدَبَّرًا بِحَالِهِ ( وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ) وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ بِأَصْلِهِ وَأَصَحُّ لِقَوْلِهِ إِذَا كَانَ الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةً فَلِمَ لَا يَرْجِعُ فِي الْوَصِيَّةِ وَلَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ ذَلِكَ فَيُبْطِلُ الرُّجُوعَ فِي الْمُدَبَّرِ وَلَا

يُبْطِلُهُ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَعْنًى اخْتَلَفَا فِيهِ جَازَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى أَنْ يَبْطُلَ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَلَا يَبْطُلَ فِي الْوَصِيَّةِ فَيَصِيرُ إِلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَبِيعُ الْمُدَبَّرَ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْأَيْمَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَازَ إِبْطَالُ عِتْقِ الْمُدَبَّرِ لِمَعْنَى الْحِنْثِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا يَجِبُ الْحِنْثُ بِهَا عَلَى مَيِّتٍ ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ بِالرُّجُوعِ فِيهِ كَالْوَصَايَا مُعْتَدِلٌ مُسْتَقِيمٌ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَبِيرُ تَعْدِيلٍ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَصْلُ هَذَا اخْتِلَافُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّدْبِيرِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا ، أَوْ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ ؟ فَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَأَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ : أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ، وَالرَّبِيعِ ، لِيَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ فِعْلًا بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ ، وَقَوْلًا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ الثَّانِي فِي الْجَدِيدِ : إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْأَيْمَانِ وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، لِيَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ فِعْلًا بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ قَوْلًا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ . فَإِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِنَ الْعَطَايَا النَّاجِزَةِ بِالْمَوْتِ ، فَأَشْبَهَ الْوَصَايَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا . وَإِذَا قِيلَ : إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْأَيْمَانِ وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ ، فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِوُجُودِ صِفَةٍ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ إِذَا مَاتَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ . وَالثَّانِي : أَنَّ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ مِلْكٌ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ قَبُولٌ خَرَجَ عَنِ الْوَصَايَا إِلَى الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ . فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ احْتَجَّ لِاخْتِيَارِهِ أَنَّهُ كَالْوَصَايَا بِثَلَاثِ مَسَائِلَ أَبَانَ بِهَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّدْبِيرَ كَالْوَصَايَا وَاسْتِدْلَالَانِ احْتَجَّ بِهِمَا لِنُصْرَةِ اخْتِيَارِهِ . فَأَمَّا الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ : فَأَحَدُهَا : مَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِمُدَبَّرِهِ : إِذَا أَدَّيْتَ كَذَا بَعْدَ مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، عَتَقَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَمْ يُعْتَقْ بِالْمَوْتِ ، قَالَ : وَهَذَا رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْمِلْكِ . فَيُقَالُ لِلْمُزَنِيِّ هَذَا : إِنَّمَا فَرَّعَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى قَوْلِهِ فِي التَّدْبِيرِ أَنَّهُ كَالْوَصَايَا ، فَيَبْطُلُ بِهِ التَّدْبِيرُ وَيَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّ التَّدْبِيرَ كَالْأَيْمَانِ ، وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَيُعْتَقُ بِالْمَوْتِ وَيَسْقُطُ

حُكْمُ الْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ ، ثُمَّ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ ، فَعَتَقَ بِأَسْبَقِهِمَا وَالْمَوْتُ أَسْبَقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَأَنْتَ حُرٌّ . عَتَقَ بِأَسْبَقِهِمَا قُدُومًا . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ وَهَبَ الْمُدَبَّرُ هِبَةَ بَتَاتٍ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبَضْ ، كَانَ رُجُوعًا . وَالْجَوَابُ فِي حُكْمِ الْهِبَةِ أَنَّهُ إِنْ أَقْبَضَهَا صَحَّ رُجُوعُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ كَالْبَيْعِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْبِضْهَا كَانَ رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصَايَا ، وَفِي صِحَّةِ رُجُوعِهِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَكُونُ رُجُوعًا لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَكُونُ رُجُوعًا لِشُرُوعِهِ فِي إِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : مَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِنْ رُجُوعِهِ فِي تَدْبِيرِ رُبْعِهِ أَوْ نِصْفِهِ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي رُجُوعِهِ فِي تَدْبِيرِ جَمِيعِهِ إِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ كَالْوَصَايَا جَازَ ، وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ كَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُدَبِّرَ بَعْضَ عَبْدِهِ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُدَبِّرَ جَمِيعَهُ . وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَدْبِيرِ بَعْضِهِ هَلْ يُعْتَقُ بِهِ جَمِيعُهُ إِذَا مَاتَ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي حُكْمِ السِّرَايَةِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا إِذَا قَالَ : قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِ رَأْسِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ بِالرُّجُوعِ فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرَّأْسِ فَيُقَالُ : هَذَا رَأْسٌ مِنَ الرَّقِيقِ ، فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ صَرِيحٌ فِي جَمِيعِهِ ، وَالرُّجُوعَ كِنَايَةٌ مُحْتَمَلَةٌ فِي بَعْضِهِ فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الصَّرِيحِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَيُخَالِفْ حُكْمُ رُجُوعِهِ فِي رُبْعِهِ أَوْ نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي مُقَدَّرٍ قَابِلٍ صَرِيحًا عَامًّا . فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ عَلَى نُصْرَةِ اخْتِيَارِهِ فِي جَوَازِ رُجُوعِهِ : فَأَحَدُهُمَا : إِنْ قَالَ مَنْعُهُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي تَدْبِيرِهِ مُفْضٍ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُهُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ ، فَلَزِمَ أَلَّا يَخْتَلِفَ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ رُجُوعِهِ وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِالْعِتْقِ بِالصِّفَةِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي تَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِالصِّفَةِ ، فَلَمْ يَلْزَمِ الْجَمْعُ بَيْنَ جَوَازِ الْبَيْعِ وَجَوَازِ الرُّجُوعِ . وَالِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي : إِنْ قَالَ الْأَيْمَانُ وَالْعِتْقُ بِالصِّفَاتِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ ، وَعِتْقُ الْمُدَبَّرِ

يَقَعُ بِالْمَوْتِ ، فَصَارَ التَّدْبِيرُ مُضَادًّا لِلْأَيْمَانِ ، وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى حُكْمِهِمَا . وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّ الْأَيْمَانَ وَالْعِتْقَ بِالصِّفَاتِ لَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ حُكْمُهُمَا بِالْمَوْتِ جَازَ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُهُمَا بِالْمَوْتِ ، وَالتَّدْبِيرُ حُكْمُهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِذَا قِيلَ : إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا صَحَّ رُجُوعُهُ فِي التَّدْبِيرِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ ، كَمَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ بِإِخْرَاجِهِ لِكُلِّ قَوْلٍ صَرِيحٍ فِي الرُّجُوعِ مِثْلَ قَوْلِهِ : قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِكَ ، باعتبار التدبير من الوصايا أَوْ نَقَضْتُهُ ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ ، أَوْ رَفَعْتُهُ ، أَوْ فَسَخْتُهُ ، أَوْ أَزَلْتُهُ ، فَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ ، فَالْإِشَارَةُ كِنَايَةٌ لَا تَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ فِي الرُّجُوعِ ، وَلَوْ عُرِضَ لِلْبَيْعِ فَهَلْ يَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ فِي الرُّجُوعِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ رُجُوعًا صَرِيحًا فِي تَدْبِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ ، فَكَانَ أَقْوَى مِنَ التَّصْرِيحِ بِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَكُونُ رُجُوعًا صَرِيحًا وَتَدْبِيرُهُ بَعْدَ الْغَرَضِ بَاقٍ مَا لَمْ يَبِعْهُ ؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْرِفَةَ قِيمَتِهِ فَلَمْ يَصِرْ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ رُجُوعًا صَرِيحًا فِي تَدْبِيرِهِ . وَإِذَا قِيلَ إِنَّ التَّدْبِيرَ يَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ ، صَحَّ الرُّجُوعُ فِيهِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ . فَأَمَّا رُجُوعُهُ فِيهِ بِالْقَوْلِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ غَيْرَ مُقْتَضٍ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ . كَالْأَلْفَاظِ الْمُقَدَّمَةِ مِنْ صَرِيحٍ ، أَوْ كِنَايَةٍ ، فَلَا يَصِحُّ بِهِ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ غَيْرَ مُخْرِجٍ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ فِي الْحَالِ وَيُفْضِي إِلَى إِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ فِي ثَانِي حَالَةٍ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عِوَضًا فِي جُعَالَةٍ ، أَوْ يَتَلَفَّظَ بِهِبَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ ، فَفِي كَوْنِهِ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِهِ وَجْهَانِ مَضَيَا . وَلَوْ وَقَفَهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ ، كَانَ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ بِالْوَقْفِ عَنْ مِلْكِهِ ، وَلَوْ رَهَنَهُ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ كَانَ فِي صِحَّةِ رَهْنِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : رَهْنُهُ بَاطِلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا . وَالثَّانِي : جَائِزٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا . وَالثَّالِثُ : جَائِزٌ إِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا ، وَبَاطِلٌ إِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَإِنْ قِيلَ : يَجُوزُ رَهْنُهُ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصَايَا ، وَفِي بُطْلَانِهِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مُفْضٍ إِلَى بَيْعِهِ ، وَإِنْ قِيلَ

بِفَسَادِ رَهْنِهِ ، لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ . وَفِي بُطْلَانِهِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصَايَا وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِبَيْعِهِ ، وَيَجُوزُ إِذَا دَبَّرَ جَمِيعَ عَبْدِهِ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ بَعْضِهِ ، فَيَكُونُ مَا رَجَعَ مِنْهُ مَرْقُوقًا ، وَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ مُدَبَّرًا . وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِ بَعْضِهِ ، إِذَا قِيلَ إِنَّ تَدْبِيرَ بَعْضِهِ يَكُونُ سَارِيًا إِلَى جَمِيعِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ جِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ وَالْبَاقِي مُدَبَّرٌ بِحَالِهِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَجِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ وَالْبَاقِي مُدَبَّرٌ بِحَالِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : جِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ ضَرْبَانِ : عَمْدٌ ، وَخَطَأٌ . فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَإِنْ كَانَ اقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ مَاتَ بِالْقِصَاصِ عَبْدًا ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِهِ ، كَانَ بَعْدَ الْقِصَاصِ مُدَبَّرًا ، وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً ، أَوْ عَمْدًا ، عُفِيَ فِيهَا عَنِ الْقِصَاصِ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ ، وَكَانَ السَّيِّدُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ : فِدَائِهِ ، أَوْ بَيْعِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَتَعَلَّقُ جِنَايَتُهُ بِرَقَبَتِهِ ، وَيُؤْخَذُ السَّيِّدُ بِفِدَائِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ لَا يَجُوزُ فَصَارَ فِي وُجُوبِ فِدَائِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ . وَالشَّافِعِيُّ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ ، وَأَسْقَطَ بِهِ وُجُوبَ فِدَائِهِ ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْبَيْعِ ، أَوِ الْفِدَاءِ . فَإِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ نَظَرَ أَرْشَ جِنَايَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَا دُونَ ، فَدَاهُ بِقَدْرِ أَرْشِهَا ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ . فَفِيمَا يَفْدِيهِ بِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَفْدِيهِ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بِيعَ لَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهَا غَيْرَ الثَّمَنِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَفْدِيهِ بِجَمِيعِ جِنَايَتِهِ ، وَإِلَّا مَكَّنَ مِنْ بِيعِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْطَعُ بِالْفِدَاءِ رَغْبَةَ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَمَنَعَ مِنْ قَطْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْمَظْنُونَةَ وَأَخَذَ بِجَمِيعِ الْأَرْشِ مَا أَقَامَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ ، ثُمَّ يَكُونُ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ الْفِدَاءِ بَاقِيًا عَلَى تَدْبِيرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ وَأَرَادَ بَيْعَهُ فِي جِنَايَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِمُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ بِالْجِنَايَةِ أَرْشَهَا دُونَ الرَّقَبَةِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي بَيْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُرْتَهِنِ ، وَكَانَ السَّيِّدُ أَحَقَّ بِبَيْعِهِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ فَإِنْ بَاعَهُ عَنْ إِذْنِ مُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ ، أَوْ عَنْ إِذَنِ الْحَاكِمِ صَحَّ بَيْعُهُ ، وَمُنِعَ مُشْتَرِيهِ مِنْ دَفْعِ ثَمَنِهِ إِلَى السَّيِّدِ الْبَائِعِ ، حَتَّى يَجْتَمِعَ مَعَ مُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ عَلَى قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ فِي حَقِّهِمَا ، وَإِنْ تَفَرَّدَ السَّيِّدُ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ ، كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ كَالْمَرْهُونِ بِجِنَايَتِهِ . وَلَوْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ، كَانَ السَّيِّدُ فِي بَيْعِهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ ، وَيَكُونَ بَاقِيهِ مُدَبَّرًا أَوْ يَبِيعَ جَمِيعَهُ ، فَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُجِيزَ لَهُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ ، كَانَ فِي الْجِنَايَةِ أَجْوَزَ فَإِنْ مَلَكَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ بَيْعِهِ بِابْتِيَاعٍ أَوْ

هِبَةٍ ، أَوْ مِيرَاثٍ فَإِنْ أَجْرَى التَّدْبِيرَ مَجْرَى الْوَصَايَا لَمْ يَعُدْ تَدْبِيرُهُ بِعَوْدِهِ إِلَى مِلْكِهِ ، إِلَّا أَنْ يُسْتَأْنَفَ تَدْبِيرُهُ كَالْوَصَايَا ، وَإِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَفِي عَوْدِهِ إِلَى التَّدْبِيرِ إِذَا عَادَ إِلَى مِلْكِهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْمُطَلَّقَةِ بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي نِكَاحٍ ثَانٍ هَلْ تُطَلَّقُ بِهَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . كَذَلِكَ عَوْدُ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي مِلْكٍ ثَانٍ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَلَوْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ فِكَاكِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ فَفِي عِتْقِهِ بِمَوْتِهِ قَوْلَانِ كَعِتْقِ الْمَرْهُونِ : أَحَدُهُمَا : يُعْتَقُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ السَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا يُعْتَقُ قَبْلَ فِدَائِهِ ، وَيَقُومُ وَرَثَةُ السَّيِّدِ مَقَامَهُ بَيْنَ بَيْعِهِ ، وَبَيْنَ فِدَائِهِ ، فَإِنْ بِيعَ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ، وَلَا يَعُودُ إِنْ عَادَ إِلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِنْ فَدَوْهُ كَانَ فِي قَدْرِ فَدَائِهِ كَالسَّيِّدِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِ ، وَيَجْرِي عِتْقُهُ بَعْدَ فِدَائِهِ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا دَبَّرَ أَمَةً حَامِلًا ، فَجَنَتْ يُعَلَّقُ أَرْشُ جِنَايَتَهَا بِرَقَبَتِهَا دُونَ حَمْلِهَا . فَإِنْ فَدَاهَا السَّيِّدُ كَانَ بَاقِيًا فِيهَا وَفِي حَمْلِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْدِهَا وَأَرَادَ بَيْعَهَا فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وِلَادَتِهَا كَانَ الْوَلَدُ خَارِجًا مِنْ بَيْعِهِ فِي الْأَرْشِ . وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ ، فَتُبَاعُ مَعَ وَلَدِهَا لِئَلَّا تُوَلَّهَ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا ، وَيَكُونُ ثَمَنُ الْأُمِّ مُسْتَحَقًّا فِي الْأَرْشِ ، وَثَمَنُ الْوَلَدِ خَالِصًا لِلسَّيِّدِ ، وَإِنْ كَانَتْ وَقْتَ الْبَيْعِ عَلَى حَمْلِهَا لَمْ يَلْزَمْ مُسْتَحِقَّ الْأَرْشِ أَنْ يُؤَخِّرَ بَيْعَهَا إِلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُعَجَّلٌ ، وَلَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ حَمْلِهَا فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْحَامِلِ دُونَ حَمْلِهَا بَاطِلٌ ، وَبِيعَتْ حَامِلًا ، وَكَانَ جَمِيعُ ثَمَنِهَا مُسْتَحَقًّا فِي الْأَرْشِ إِنْ جُعِلَ الْحَمْلُ فِي بَيْعٍ تَبَعًا . فَأَمَّا إِنْ جَعَلَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ قِسْطًا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُدْفَعُ مِنْهُ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْأَرْشِ مَا قَابَلَ ثَمَنَ الْأُمِّ ، وَيُدْفَعُ مِنْهُ إِلَى السَّيِّدِ مَا قَابَلَ ثَمَنَ الْحَمْلِ لِتَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْأُمِّ دُونَ الْحَمْلِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ يُدْفَعُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْأَرْشِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَيَّزَا فِي الْبَيْعِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَيَّزَا فِي الثَّمَنِ وَصَارَ الْحَمْلُ فِي حَقِّ السَّيِّدِ كَالْمُسْتَهْلَكِ ، وَلَكِنْ لَوْ ضُرِبَ بَطْنُهَا قَبْلَ الْبَيْعِ فَأَلْقَتْهُ جَنِينًا مَيِّتًا ، كَانَتْ دِيَتُهُ لِلسَّيِّدِ دُونَ مُسْتَحِقِّ الْأَرْشِ ، وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ تَدْبِيرُ الْحَمْلِ دُونَ أُمِّهِ ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ عِتْقُهُ دُونَ أُمِّهِ .



فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُدَبَّرِ ، فَأَرْشُهَا لِسَيِّدِهِ دُونَهُ . فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى طَرَفِهِ ، كَانَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَى تَدْبِيرِهِ ، وَلَا يَكُونُ أَخْذُ أَرْشِهَا مُؤَثِّرًا فِي فَسْخِ تَدْبِيرِهِ ، سَوَاءٌ أُجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا ، أَوْ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ مَاتَ بِالْجِنَايَةِ عَبْدًا وَمَلَكَ السَّيِّدُ قِيمَتَهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي تَدْبِيرِ مِثْلِهِ ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ قِيمَتَهُ فِي التَّدْبِيرِ بِمَثَابَتِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا كَانَ قَتْلُهُ فِي التَّدْبِيرِ كَقَتْلِهِ فِي الرَّهْنِ يُجْعَلُ قِيمَتُهُ فِي التَّدْبِيرِ مُدَبَّرَةً كَمَا جُعِلَتْ قِيمَتُهُ فِي الرَّهْنِ مَرْهُونَةً . قِيلَ : لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي التَّدْبِيرِ عَيْنُهُ ، وَفِي الرَّهْنِ قِيمَتُهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْقِيمَةَ تَجُوزُ أَنْ تُرْهَنَ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُدَبَّرَ فِي الِابْتِدَاءِ ، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ .

مَسْأَلَةٌ لَوِ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ سَيِّدُهُ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ سَيِّدُهُ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ : إِذَا ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَنْهُ لِبَقَائِهِ عَلَى رِقِّهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ ، وَكَانَ عَلَى تَدْبِيرِهِ بَعْدَهَا يُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ كَمَا يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ فِي إِسْلَامِهِ ، فَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ سَبَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالسَّبْيِ ، وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الْمُدَبَّرَ وَلَا أُمَّ الْوَلَدِ ، وَإِنْ جَعَلَهُمْ مَالِكِينَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا غَنِمُوهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ . فَإِنْ أَوَجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَسَبَوْا هَذَا الْمُدَبَّرَ مِنْهَا وَهُوَ عَلَى رِدَّتِهِ ، لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالسَّبْيِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْسَمَ فِي الْمَغْنَمِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ مُسْلِمٍ وَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَبَعْدَهَا فَإِنْ قُسِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ قَبْلَ أَخْذِهِ ، عُوِّضَ عَنْهُ مَنْ حَصَلَ فِي سَهْمِهِ بِقِيمَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ وَأُخْرِجَ مِنْهَا وَاسْتُؤْنِفَ قَسْمُ مَا سِوَاهُ بَيْنَهُمْ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَكَانَ عَلَى تَدْبِيرِهِ يُعْتَقُ مَتَى مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ قَدْ مَاتَ ، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ سَبْيِهِ عَتَقَ ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْغَانِمُونَ إِذَا سَبَوْهُ وَإِنْ كَانَ حُرًّا لِأَنَّ عَلَيْهِ وَلَاءً لِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْطُلَ وَلَاؤُهُ بِالِاسْتِرْقَاقِ .

مَسْأَلَةٌ لَوْ أَنَّ سَيِّدَهُ ارْتَدَّ فَمَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا وَالْمُدَبَّرُ حُرًّا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ أَنَّ سَيِّدَهُ ارْتَدَّ فَمَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا وَالْمُدَبَّرُ حُرًّا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلٌ ، وَهُوَ أَنَّ الرِّدَّةَ هَلْ يَزُولُ بِهَا مِلْكُ الْمُرْتَدِّ أَمْ لَا ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : إِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ بِرِدَّتِهِ مَا بَقِيَ حَيًّا حَتَّى يَمُوتَ ، أَوْ يُقْتَلَ فَيَصِيرُ فَيْئًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ بِالرِّدَّةِ فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ مِلْكًا مُسْتَجَدًّا . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : إِنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عُلِمَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ ، عُلِمَ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالرِّدَّةِ ، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ ، وَدَبَّرَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ بِالرِّدَّةِ كَانَ تَدْبِيرُهُ بَاقِيًا بَعْدَ الرِّدَّةِ . فَإِنْ مَاتَ ، أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا ، عَتَقَ بِمَوْتِهِ فَصَارَ بَاقِي مَالِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا ، وَكَانَ وَلَاءُ مُدَبَّرِهِ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ فَفِي إِبْطَالِ تَدْبِيرِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : قَدْ بَطَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ تَدْبِيرٌ ، فَإِنْ قِيلَ بِالرِّدَّةِ لَمْ يُعْتَقِ الْمُدَبَّرُ ، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ عَادَ الْمُدَبَّرُ إِلَى مِلْكِهِ ، وَفِي عَوْدِهِ إِلَى التَّدْبِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصِيَّةِ لَمْ يَعُدْ إِلَى التَّدْبِيرِ ، وَإِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ ، كَانَ فِي عَوْدِهِ إِلَى التَّدْبِيرِ قَوْلَانِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ تَدْبِيرَهُ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالرِّدَّةِ ، لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إِنْ عَقَدَ تَدْبِيرَهُ فِي مِلْكٍ يَجُوزُ فِيهِ تَصَرُّفُهُ ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ كَسَائِرِ عُقُودِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى رِدَّتِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيهِ لِلْعَبْدِ حَقٌّ يُعْتَقُ بِهِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ عَلَيْهِ بِرِدَّةِ غَيْرِهِ . وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ عَلَى رِدَّتِهِ ، أَوْ قُتِلَ بِهَا ، عَتَقَ مُدَبَّرُهُ إِنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ سِوَاهُ فَفِي عِتْقِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : - وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ - يُعْتَقُ ثُلُثُهُ ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي مَالِهِ مَقَامَ وَرَثَتِهِ ، فَلَمْ يُعْتَقْ فِي حَقِّهِمْ إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ مِثْلَاهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يُعْتَقُ جَمِيعُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِثْلَاهُ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ فَيْئًا لَا إِرْثًا ، وَالثُّلُثُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمِيرَاثِ دُونَ الْفَيْءِ .

مَسْأَلَةٌ لَوْ دَبَّرَهُ مُرْتَدًّا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ دَبَّرَهُ مُرْتَدًّا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُوقَفُ فَإِنْ رَجَعَ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ وَإِنْ قُتِلَ فَالتَّدْبِيرُ بَاطِلٌ وَمَالُهُ فَيْئٌ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ رِدَّتَهُ صَيَّرَتْ مَالَهُ فَيْئًا . وَالثَّانِي أَنَّ التَّدْبِيرَ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَالَهُ خَارِجٌ مِنْهُ إِلَّا بِأَنْ يَرْجِعَ وَهَذَا أَشْبَهُ

الْأَقَاوِيلِ بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَبِهِ أَقُولُ . وَالثَّالِثُ أَنَّ التَّدْبِيرَ مَاضٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِ مَالَهُ إِلَّا بِمَوْتِهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إِنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ رَجَعَ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَقُتِلَ فَلَا زَكَاةَ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ إِنَّهُ إِنْ كَاتَبَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ قَبْلَ أَنْ يُوقَفَ مَالُهُ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) أَصَحُّهَا عِنْدِي وَأَوْلَاهَا بِهِ أَنَّهُ مَالِكٌ لِمَالِهِ لَا يُمْلَكُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ أَجَازَ كِتَابَةَ عَبْدِهِ وَأَجَازَ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَنْ يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ نَفَقَتُهُ فَلَوْ كَانَ مَالُهُ خَارِجًا مِنْهُ لَخَرَجَ الْمُدَبَّرُ مَعَ سَائِرِ مَالِهِ وَلَمَا كَانَ لِوَلَدِهِ وَلِمَنِ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ حَقٌّ فِي مَالِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ مِلْكَهُ لَهُ بِإِجْمَاعٍ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ ، إِذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ فِي حَالِ رَدَّتِهِ ، كَانَ تَدْبِيرُهُ مُعْتَبَرًا بِمَا تُوجِبُهُ الرِّدَّةُ فِي مَالِهِ ، وَتَصَرُّفِهِ ، فَأَمَّا مَالُهُ فِي بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ ، أَوْ زَوَالِهِ عَنْهُ ، فَقَدْ حَكَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : أَنَّ مِلْكَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى لَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ عَنْهُ فِي الْمَالِ ، وَلَا بِبَقَائِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ ، وَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِآخِرِ أَمْرَيْهِ . فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عُلِمَ أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ بِالرِّدَّةِ ، وَكَانَ بَاقِيًا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ ، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ ، أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا عُلِمَ أَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ . وَدَلِيلُنَا مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَالَهُ مُعْتَبَرٌ بِدَمِهِ ؛ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ دَمِهِ الْمُوجِبَةُ لِمِلْكِ مَالِهِ ، فَلَمَّا كَانَ دَمُهُ مَوْقُوفًا عَلَى تَوْبَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ مَوْقُوفًا عَلَى تَوْبَتِهِ . وَالْمَعْنَى الثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَالُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَ فَيَبْقَى عَلَيْهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الرِّدَّةِ ، فَيَزُولُ عَنْهُ ، شَابَهَ الْمَرِيضَ فِي تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ لَمَّا تَرَدَّدَتْ حَالُهُ بَيْنَ الصِّحَّةِ فَتَمْضِي عَطَايَاهُ وَبَيْنَ مَوْتِهِ فَتُرَدُّ إِلَى الثُّلُثِ ، وَصَارَتْ بِذَلِكَ مَوْقُوفَةً ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَدُّ بِمَثَابَتِهِ فِي الْوَقْفِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ حَيًّا ، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا انْتَقَلَ بِمَوْتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ انْتَقَلَ إِلَى وَرَثَتِهِ مِيرَاثًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَدَلِيلُهُ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرِّدَّةَ مُوجِبَةٌ لِاسْتِبَاحَةِ الدَّمِ ، وَالِاسْتِبَاحَةُ لَا تُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ مَعَ بَقَاءِ الْحَيَاةِ ، كَالْقَاتِلِ وَالزَّانِي . وَالْمَعْنَى الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ ، كَمَا يَزُولُ مِلْكُ الْحَرْبِيِّ بِالْغَنِيمَةِ ، لَمَا عَادَ مِلْكُهُ إِلَيْهِ إِذَا أَسْلَمَ كَمَا لَا يَعُودُ مِلْكُ الْحَرْبِيِّ إِلَيْهِ إِذَا أَسْلَمَ وَفِي بَقَائِهِ عَلَى

الْمُرْتَدِّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ . وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْمُزَنِيُّ بِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ فِي الرِّدَّةِ نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ ، وَهَى لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَالِكٌ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِنْ قِيلَ : إِنَّهُ مَالِكٌ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ فَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ . وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى وُجُوبِهَا ، وَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ بِمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ عَنْهُ فِيمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَزُلْ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، كَالْمَيِّتِ إِذَا تَعَدَّى بِحَفْرِ بِئْرٍ فَمَاتَ فِيهَا حَيَوَانٌ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِمَوْتِهِ . وَالْمَعْنَى الثَّانِي : أَنْ قَالَ : مِلْكُهُ لَهُ بِإِجْمَاعٍ قَبْلَ الرِّدَّةِ ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إِلَّا بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ ، وَهَذَا اسْتِصْحَابُ حَالٍ مَعَ تَنَقُّلِ الْأَحْوَالِ ، وَانْتِقَالُ الْأَحْوَالِ مُفْضٍ إِلَى انْتِقَالِ الْأَحْكَامِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَى بَقَائِهَا . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ مِلْكَهُ بِالرِّدَّةِ خَارِجٌ مِنْهُ ، كَمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرَادَ خُرُوجَهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ ، فَلَمْ يُخْرِّجُوا فِي مِلْكِهِ إِلَّا قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَوْقُوفٌ . وَالثَّانِي : ثَابِتٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَرَادَ بِهِ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ ، وَجَعَلُوهُ فِي الْمِلْكِ قَوْلًا ثَالِثًا : إِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ ، وَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَلِيلُهُ مَعْنَيَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ دَمَهُ بِالرِّدَّةِ ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْلِكُوا بِهَا مَالَهُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَالِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الدَّمِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَتِ الرِّدَّةُ فِي زَوَالِ مَنَاكِحِهِ اجْتِهَادًا وَجَبَ تَأْثِيرُهَا فِي زَوَالِ مِلْكِهِ حِجَاجًا .

فَصْلٌ : وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ ، فَالرِّدَّةُ مُوجِبَةٌ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ تَظَاهُرَهُ بِالرِّدَّةِ مَعَ إِفْضَائِهَا إِلَى تَلَفِهِ دَلِيلٌ عَلَى سَفَهِهِ ، وَضَعْفِ عَقْلِهِ ، وَيَكُونُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ جَارِيًا مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ . وَالْمَعْنَى الثَّانِي : أَنَّ مَالَهُ يُوجِبُ الْحَجْرَ مُفْضٍ إِلَى انْتِقَالِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَإِفْضَاءِ مَالِ الْمَرِيضِ إِلَى وَرَثَتِهِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يُوجِبَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَارِيًا مَجْرَى حَجْرِ الْمَرِيضِ

فَإِذَا صَحَّ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وُجُوبُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحَجْرَ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَ الشَّـافِعِيِّ أَنَّ مِلْكَهُ خَارِجٌ عَنْهُ ، أَيْ عَنْ تَصَرُّفِهِ ، فَأَوْقَعَ بِالرِّدَّةِ عَلَيْهِ حَجْرًا تَعْلِيلًا بِحَجْرِ الْمَرَضِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ ، أَنَّ الْحَجْرَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ تَعْلِيلًا بِحَجْرِ السَّفَهِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ مِلْكِهِ ، وَأَحْكَامِ تَصَرُّفِهِ كَانَ حُكْمُ تَدْبِيرِهِ ، وَعُقُودُهُ المرتد مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ كَانَتْ بَاطِلَةً مَرْدُودَةً ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ عِتْقٌ ، وَلَا تَدْبِيرٌ وَلَا كِتَابَةٌ ، وَلَا هِبَةٌ ، وَلَا بَيْعٌ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ وَإِنْ فَعَلَهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ كَانَ تَصَرُّفُهُ مَحْمُولًا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ . فَإِنْ قِيلَ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ ، وَصَحَّ عِتْقُهُ ، وَتَدْبِيرُهُ وَكِتَابَتُهُ ، وَهِبَتُهُ ، وَبَيْعُهُ ، وَكَانَ فِي جَمِيعِهَا كَحَالِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ ، وَيُعْتَقُ الْمُدَبَّرُ بِقَتْلِهِ عَلَى الرِّدَّةِ ، كَمَا يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ قِيلَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ رُدَّ جَمِيعُ تَصَرُّفِهِ ، وَأُبْطِلَ جَمِيعُهُ فِيمَا الْتَزَمَهُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ عِتْقٍ ، وَتَدْبِيرٍ ، وَكِتَابَةٍ ، وَهِبَةٍ ، وَبِيعٍ ، وَفِي إِبْطَالِ مَا لَزِمَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مِنْ نَفَقَةِ أَوْلَادِهِ وَأُرُوشِ جِنَايَاتِهِ وَجْهَانِ مَضَيَا . فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى كَانَ تَدْبِيرُهُ وَعِتْقُهُ مَوْقُوفًا . فَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ ، بَطَلَ وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ صَحَّ فَأَمَّا بَيْعُهُ ، وَكِتَابَتُهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْفِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهَا عُقُودُ مُعَاوَضَاتٍ لَا يَصِحُّ عَقْدُهَا عَلَى الْوَقْفِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفَسْخِ دُونَ الْإِمْضَاءِ كَوَقْفِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ . وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ فَتَنُصُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَا تُوقَفُ وَجْهًا وَاحِدًا فِي النَّفَقَةِ ، وَعَلَى احْتِمَالٍ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ لِوُجُودِ الْأَرْشِ بِفِعْلِهِ ، وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ .

مَسْأَلَةٌ قَالَ لِعَبْدِهِ مَتَى قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَدِمَ وَالسَّيِّدُ صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ مَتَى قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَدِمَ وَالسَّيِّدُ صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ - إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَوْ مُدَبَّرِهِ إِذَا قَدِمَ زِيدٌ فَأَنْتَ

حُرٌ أَوْ إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ كُلُّ ذَلِكَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُدَبَّرُ وَالْعَبْدُ الْقِنُّ . وَلَا يَخْلُو السَّيِّدُ فِي عَقْدِ الْعِتْقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ حَالَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَعْقِدَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ ، أَوْ دَخَلَ الدَّارَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ عَتَقَ الْعَبْدُ مِنَ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَجَّلَ عِتْقَهُ وَقْتَ عَقْدِهِ ، كَانَ مِنَ الثُّلُثِ فَكَانَ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ دَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ بِالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَعْقُودَةٌ عَلَى حَيَاةِ السَّيِّدِ فَلَمْ يُعْتَقْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، فَقَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ تُطَلَّقْ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُدَبَّرًا عَتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ عَنْ تَدْبِيرِهِ وَإِنْ كَانَ قِنًّا رَقَّ لِوَرَثَتِهِ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَعْقِدَ الْعِتْقَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ فَمَتَى قَدِمَ زَيْدٌ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ عَتَقَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ لَا مِنْ ثُلُثِهِ ، لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ عَجَّلَ عِتْقَهُ فِي حَالِ عِتْقِهِ ، كَانَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ فَكَذَلِكَ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ بِالْعَقْدِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْعَقْدِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِحَالِ الصِّفَةِ أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَقَدِمَ زَيْدٌ وَقَدْ جُنَّ السَّيِّدُ عَتَقَ ، وَلَوْ قَالَهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ ، لَمْ يُعْتَقْ ، وَمِثْلُهُ فِي عَقْدِ الطَّلَاقِ بِالصِّفَةِ . فَإِنْ قِيلَ : أَفَلَيْسَ لَوْ وَهَبَ فِي صِحَّتِهِ وَأُقْبِضَ فِي مَرَضِهِ ، أَوْ حَابَى فِي صِحَّتِهِ فِي عَقْدِ بَيْعٍ بِشَرْطِ خِيَارٍ مَاتَ فِي تَضَاعِيفِهِ كَانَتِ الْهِبَةُ وَالْمُحَابَاةُ مُعْتَبَرَتَيْنِ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فِي الصِّحَّةِ لِوُجُودِ الِالْتِزَامِ فِي الْمَرَضِ فَهَلَّا كَانَ كَذَلِكَ فِي عِتْقِهِ بِالصِّفَةِ ؟ قِيلَ : يَفْتَرِقَانِ وَلَا تَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ وَبَيْعَ الْمُحَابَاةِ قَدْ كَانَ فِيهِمَا قَادِرًا عَلَى إِبْطَالِهِمَا فِي مَرَضِهِ ، فَأُجْرِيَ عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْمَرَضِ حِينَ الْتَزَمَهُمَا فِيهِ ، فَاعْتُبِرَا مِنْ ثُلُثِهِ ، وَعَقْدُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ لَازِمٌ فِي الصِّحَّةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَسْخِهِ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الصِّفَةِ فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ ، وَلَوْ عَلَّقَهُ فِي الصِّحَّةِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَى إِبْطَالِ حُكْمِهِ فِي الْمَرَضِ ، كَقَوْلِهِ فِي صِحَّتِهِ لِعَبْدِهِ : إِنْ دَخَلْتُ أَنَا الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَدَخَلَهَا فِي مَرَضِهِ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ دُخُولِهَا فِي مَرَضِهِ ، فَصَارَ بِدُخُولِهَا مُتَّهَمًا فِي حُقُوقِ وَرَثَتِهِ ، فَصَارَ الْعِتْقُ مِنْ ثُلُثِهِ . وَهَكَذَا لَوْ قَالَ فِي صِحَّتِهِ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فِي مَرَضِي ، فَعَبْدِي حُرٌّ ، فَإِذَا قَدِمَ فِي مَرَضِهِ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَقَدَهُ بِمَا صَارَ بِهِ مُتَّهَمًا فِي حُقُوقِ الْوَرَثَةِ .

مَسْأَلَةٌ جِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ جِنَايَةُ عَبْدٍ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَجِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ جِنَايَةُ عَبْدٍ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا قَدْ مَضَى ، وَذَكَرْنَا أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ ، وَأَنَّ السَّيِّدَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِفِدَائِهِ مِنْهَا بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ . وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ ، وَأَخَذَ السَّيِّدُ بِفِدَائِهِ مِنْهَا ، كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْخِلَافُ فِيهِ فَرْعٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ . وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ مَالٍ فَإِنْ جَمَعَ السَّيِّدُ فِي عَبْدٍ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُدَبِّرَ مُكَاتَبَهَ . وَالثَّانِي : أَنْ يُكَاتِبَ مُدَبَّرَهُ . فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ أَنْ يُدَبِّرَ مُكَاتَبَهُ ، فَالتَّدْبِيرُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ جَائِزٌ ، وَحُكْمُهَا فِيهِ ثَابِتٌ ، فَيَسْتَفِيدُ بِهِمَا تَعْجِيلُ عِتْقِهِ بِأَسْبَقِهِمَا وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ كَالْخَارِجِ عَنْ مِلْكِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ ، فَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ مِلْكِهِ فِي جَمِيعِهَا ، وَلَا تَمْنَعُ الْكِتَابَةُ مِنْ عِتْقِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْ تَدْبِيرٍ . وَمِنْ تَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِصِفَةٍ ، وَتَكُونُ جِنَايَتُهُ جِنَايَةَ الْمُكَاتَبِ دُونَ الْمُدَبَّرِ ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ حَالَيْهِ . فَإِنْ تَعَجَّلَ أَدَاؤُهُ فِي الْكِتَابَةِ ، عَتَقَ بِهَا وَبَطَلَ حُكْمُ التَّدْبِيرِ ، وَإِنْ تَعَجَّلَ مَوْتُ السَّيِّدِ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، وَبَطَلَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجِ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِهِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِالتَّدْبِيرِ قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَبَرِئَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَكَانَ بَاقِيهِ عَلَى الْكِتَابَةِ ، إِذَا أَدَّاهُ إِلَى الْوَرَثَةِ ، عَتَقَ بِهِ وَكَمُلَ عِتْقُهُ بِالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ . وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يُكَاتِبَ مُدَبَّرَهُ ، فَيُقَدِّمَ تَدْبِيرَهُ ثُمَّ يُكَاتِبُهُ فَالتَّدْبِيرُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْكِتَابَةِ كَمَا لَا تَمْنَعُ الْكِتَابَةُ مِنَ التَّدْبِيرِ لِمَا فِي اجْتِمَاعِهِمَا مِنْ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ ، بِأَسْبَقِهِمَا ، فَكَانَ أَحْظَى لِلْعَبْدِ مِنَ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا . وَإِذَا أَصَحَّ بِهَذَا التَّعْلِيلِ كِتَابَةَ الْمُدَبَّرِ ، فَإِنْ جَعَلَ التَّدْبِيرَ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ لَمْ يَبْطُلْ بِالْكِتَابَةِ ، وَثَبَتَ حُكْمُهُمَا فِيهِ . فَإِنْ أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، وَبَرِئَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ وَإِنْ جَعَلَ التَّدْبِيرَ فِي حُكْمِ الْوَصَايَا . قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ : يَبْطُلُ التَّدْبِيرُ بِالْكِتَابَةِ ، وَيَصِيرُ مُكَاتَبًا غَيْرَ مُدَبَّرٍ ، وَهَذَا لَيْسَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ ، بَلْ يَكُونُ تَدْبِيرُهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ بَاقِيًا ، وَإِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصَايَا ، وَلَا تَكُونُ الْكِتَابَةُ رُجُوعًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إِبْطَالٌ لِلْعِتْقِ وَالْكِتَابَةَ مُفْضِيَةٌ إِلَى الْعِتْقِ ، فَنَاسَبَتِ التَّدْبِيرَ ، وَلَمْ تُضَادَّهُ . وَتَكُونُ جِنَايَتُهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ جِنَايَةَ مُكَاتَبٍ .

مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ عَلَى التَّدْبِيرِ إِذَا جَحَدَ السَّيِّدُ إِلَّا عَدْلَانِ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَا يَجُوزُ عَلَى التَّدْبِيرِ إِذَا جَحَدَ السَّيِّدُ إِلَّا عَدْلَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَلَيْسَ يَخْلُو جُحُودُ التَّدْبِيرِ ، إِذَا ادَّعَاهُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّيِّدِ أَوْ مَعَ وَارِثِهِ . فَإِنْ كَانَ الْجَاحِدُ لِلتَّدْبِيرِ هُوَ السَّيِّدَ ، فَالْمَجْحُودُ مُخْتَصٌّ بِعَقْدِ التَّدْبِيرِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى بَقَاءِ الْوَقْتِ ، فَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ بِجُحُودِهِ تَعْجِيلَ بَيْعِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِجُحُودِهِ تَأْثِيرٌ تُسْمَعُ بِهِ بَيِّنَتُهُ ، أَوْ يُؤْخَذُ فِيهِ بِيَمِينٍ لِأَنَّ لَهُ إِبْطَالَ تَدْبِيرِهِ بِبَيْعِهِ ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ فَلَمْ يَسْتَفِدِ الْعَبْدُ بِدَعْوَى التَّدْبِيرِ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ وَإِبْطَالِ التَّدْبِيرِ بِهِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُ عَلَى مِلْكٍ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ عَلَى السَّيِّدِ بِتَدْبِيرِهِ لِمَا يَسْتَفِيدُهُ مِنَ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ ، فَإِذَا جَحَدَ السَّيِّدُ تَدْبِيرَهُ كَانَ قَوْلُهُ فِي الْجُحُودِ مَقْبُولًا ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِعَقْدٍ مُدَّعًى فَإِنْ جَعَلَ التَّدْبِيرَ جَارِيًا مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ ، لَمْ يَكُنْ جُحُودُ السَّيِّدِ رُجُوعًا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ بِالْقَوْلِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ فِيهِ بِالْجُحُودِ وَكُلِّفَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ . وَبَيِّنَتُهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ ، وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَإِنْ سِمِعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَلَا شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ، وَإِنْ سَمِعَهُ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَلَى عَقْدٍ تُفْضِي إِلَى الْعِتْقِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعِتْقَ وَمَا أَفْضَى إِلَيْهِ لَا يُسْمَعُ فِيهِ إِلَّا عَدْلَانِ . فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، حُكِمَ لَهُ بِالتَّدْبِيرِ ، وَإِنْ عَدِمَ الْبَيِّنَةَ كَانَ لَهُ إِحْلَافُ سَيِّدِهِ بِاللَّهِ مَا دَبَّرَهُ ، وَسَقَطَ حُكْمُ التَّدْبِيرِ بِيَمِينِهِ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْعَبْدِ . فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ تَدْبِيرُهُ ، وَإِنْ نَكَلَ بَطَلَ . وَإِنْ جَعَلَ التَّدْبِيرَ جَارِيًا مَجْرَى الْوَصَايَا فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ فِيهِ بِالْقَوْلِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ جُحُودُهُ رُجُوعًا فِيهِ أَمْ لَا ؟ للتدبير عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ رُجُوعًا فِيهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ ، فَعَلَى هَذَا لَا تُسْمَعُ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ وَلَا تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ يَمِينٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ الْجَحُودُ رُجُوعًا ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مَسْمُوعَةٌ ، وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : ارْجِعْ فِي تَدْبِيرِهِ ، وَقَدْ سَقَطَ عَنْكَ الْيَمِينُ . فَصَرَّحَ بِأَنَّ الْجُحُودَ لَيْسَ بِرُجُوعٍ ؛ لِأَنَّ جُحُودَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ جُحُودَ الرِّدَّةِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَجُحُودَ النِّكَاحِ لَا يَكُونُ إِيقَاعًا لِلطَّلَاقِ .

فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْجَاحِدُ لِلتَّدْبِيرِ وَرَثَةَ السَّيِّدِ فَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي حُرِّيَّتِهِ وَرِقِّهِ ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا سَوَاءٌ جُعِلَ الْجُحُودُ رُجُوعًا فِي حَقِّ السَّيِّدِ ، أَوْ لَمْ يُجْعَلْ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي التَّدْبِيرِ بَعْدَ الْمَوْتِ بَاطِلٌ . فَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ عَلَى التَّدْبِيرِ لَا عَلَى الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ التَّدْبِيرِ حُكْمٌ وَالْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ عَلَى مَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ لَا عَلَى الْحُكْمِ ، وَإِنْ عَدِمَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَحْلَفَ الْوَرَثَةَ ، وَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنْ يُحْلِفَهُمْ ، لِئَلَّا يُسْتَرَقَّ بَعْدَ عِتْقٍ فَإِنْ حَلَفَ الْوَرَثَةُ كَانَتْ يَمِينُهُمْ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ لِأَنَّهَا يَمِينُ نَفْيٍ لِفِعْلِ غَيْرِهِمْ ، وَكَانُوا

فِي أَيْمَانِهِمْ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْيِ التَّدْبِيرِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْيِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا تُسْمَعُ إِلَّا عَلَى التَّدْبِيرِ دُونَ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُؤَدِّي مَا تَضَمَّنَتْ ، وَهُوَ الْعَقْدُ ، وَالْيَمِينُ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى ، وَهُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَقْدِ وَالْعِتْقِ ، فَصَارَ جُحُودُ الْعِتْقِ جُحُودًا لِلْعَقْدِ ، وَجُحُودُ الْعَقْدِ جُحُودًا لِلْعِتْقِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْوَرَثَةُ فِي الْيَمِينِ مُخَيَّرِينَ فِي نَفْيِ أَحَدِهِمَا أَيِّهِمَا أَرَادُوا ، فَإِنْ حَلَفُوا عَلَى نَفْيِ التَّدْبِيرِ حَلَفُوا وَاللَّهِ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ دَبَّرَكَ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَقُولُوا فِي الْيَمِينِ ، وَإِنَّكَ لِبَاقٍ عَلَى الرِّقِّ ؛ لِأَنَّ نَفْيَ التَّدْبِيرِ يُوجِبُ بَقَاءَهُ عَلَى الرِّقِّ بِأَصْلِ الْمِلْكِ . وَإِنْ حَلَفُوا عَلَى نَفْيِ الْعِتْقِ حَلَفُوا : " وَاللَّهِ لَا نَعْلَمُ أَنَّكَ عَتَقْتَ " وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي هَذِهِ الْيَمِينِ ، وَإِنَّكَ لِبَاقٍ عَلَى الرِّقِّ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَلْزَمُ كَمَا لَا يَلْزَمُ إِذَا حَلَفُوا عَلَى نَفْيِ التَّدْبِيرِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَلْزَمُ أَنْ يَقُولُوا هَذَا فِي نَفْيِ الْعِتْقِ ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَقُولُوهُ فِي نَفْيِ التَّدْبِيرِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ التَّدْبِيرَ صَرِيحُ الدَّعْوَى فَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى نَفْيِهِ ، وَالْعِتْقَ حُكْمُ الدَّعْوَى فِي حَقِّ الْعَبْدِ ، وَالرِّقَّ حُكْمُ الْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ ، فَلَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا . فَإِنْ حَلَفُوا عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ كَانَ الْعَبْدُ عَلَى رِقِّهِ مَوْرُوثًا ، وَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْعَبْدِ فَإِنْ حَلَفَ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، وَإِنْ نَكَلَ كَانَ عَلَى رِقِّهِ مَوْرُوثًا ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ فِيمَا ادَّعَاهُ صَادِقٌ ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بِهَا جَبْرًا لِيَفُكَّ رَقَبَتَهُ مِنْ رِقٍّ بَعْدَ عِتْقٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ وَطْءِ الْمُدَبَّرَةِ وَحُكْمُ وَلَدِهَا

بَابُ وَطْءِ الْمُدَبَّرَةِ وَحُكْمُ وَلَدِهَا مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَيَطَأُ السَّيِّدُ مُدَبَّرَتَهُ " . وَهَذَا صَحِيحٌ . يَجُوزُ لِسَيِّدِ الْمُدَبَّرَةِ أَنْ يَطَأَهَا لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ ، فَكَانَ يَطَؤُهُمَا وَهُمَا مُدَبَّرَتَانِ . وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ عَلَى الْمُدَبَّرَةِ جَارِيَةٌ ، فَجَرَى عَلَيْهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِمْتَاعِ مَجْرَى الرِّقِّ . وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهَا ، وَالِاسْتِمْتَاعُ مِنْ مَنَافِعِهَا كَالِاسْتِخْدَامِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْمُدَبَّرَةِ ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْإِيلَادُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ فَكَانَ التَّدْبِيرُ أَوْلَى . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا كَانَتِ كَالْمُكَاتَبَةِ فِي مَنْعِهِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، قِيلَ : لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ قَدْ مَلَكَتْ مَنَافِعَهَا ، فَلَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهَا الِاسْتِمْتَاعُ بالْمُكَاتَبَةَ بِهَا وَالْمُدَبَّرَةُ بِخِلَافِهَا فِي الْمَنَافِعِ ، فَكَانَتْ بِخِلَافِهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ فِي حُكْمِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ أَرْشَ مَا جَنَى عَلَيْهَا ، وَالْمُدَبَّرَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكَ لِأَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا . فَلِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مَا افْتَرَقَا فَجَازَ اسْتِمْتَاعُهُ بِالْمُدَبَّرَةِ وَلَمْ يَجُزِ اسْتِمْتَاعُهُ بِالْمُكَاتَبَةِ . فَإِذَا صَحَّ جَوَازُ اسْتِمْتَاعِهِ بِالْمُدَبَّرَةِ لَمْ يَكُنْ وَطْؤُهُ رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ ؛ لِأَنَّهُ مُقَوًّى بِسَبَبِ الْعِتْقِ إِنْ أَوْلَدَ فَلَمْ يُنَافِهِ ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ يَلْزَمُ عِتْقُهَا بِمَوْتِهِ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ ، بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَبُطْلَانُ بَيْعِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُ بَيْعُهَا . قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ : وَقَدْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ بِالْإِيلَادِ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَرَأَ عَلَى التَّدْبِيرِ مَا هُوَ أَغْلَظُ ، فَصَارَ دَاخِلًا فِيهِ ، وَغَيْرَ مُبْطِلٍ لَهُ كَطُرُوءِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحَدَثِ يَدْخُلُ فِيهَا ، وَلَا يَرْتَفِعُ بِهَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَمَا وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِهِ المدبرة فَفِيهِمْ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ كِلَاهُمَا مَذْهَبُ أَحَدِهِمَا أَنَّ وَلَدَ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ بِمَنْزِلَتِهَا فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِ الْأُمِّ

حَامِلًا كَانَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِ الْوَلَدِ فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِ الْوَلَدِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا فِي الْأُمِّ فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا ثُمَّ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ رَجَعَ فَالْوَلَدُ فِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ مُدَبَّرٌ وَإِنْ وَضَعَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مَمْلُوكٌ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) وَهَذَا أَيْضًا رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ بِغَيْرِ إِخْرَاجٍ مِنْ مَلِكٍ فَتَفَهَّمْهُ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ أَوْلَادَهَا مَمْلُوكُونَ وَذَلِكَ أَنَّهَا أَمَةٌ أَوْصَى بِعِتْقِهَا لِصَاحِبِهَا فِيهَا الرُّجُوعُ فِي عِتْقِهَا وَبَيْعِهَا وَلَيْسَتِ الْوَصِيَّةُ بِحُرِّيَّةٍ ثَابِتَةٍ فَأَوْلَادُهَا مَمْلُوكُونَ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ أَوْلَادُهَا مَمْلُوكُونَ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي وَأَشْبَهُهُمَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِنْدَهُ وَصِيَّةٌ بِعِتْقِهَا كَمَا لَوْ أَوْصَى بِرِقِّهَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ وَلَدُهَا ( قَالَ ) وَلَوْ قَالَ إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ بَعْدَ سَنَةٍ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَدَخَلَتْ أَنَّ وَلَدَهَا لَا يَلْحَقُهَا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) فَكَذَلِكَ تُعْتَقُ بِالْمَوْتِ وَوَلَدُهَا لَا يَلْحَقُهَا إِلَّا أَنْ تُعْتَقَ حَامِلًا فَيُعْتَقُ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا أَوْلَادُ الْمُدَبَّرَةِ مِنْ سَيِّدِهَا ، فَأَحْرَارٌ بِحُرِّيَّةِ السَّيِّدِ ، وَقَدْ صَارَتْ بِهِمْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَأَمَّا أَوْلَادُهَا مَنْ غَيْرِهِ مِنْ زَوْجٍ ، أَوْ زِنًى فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَلِدَهُمْ قَبْلَ التَّدْبِيرِ . وَالثَّانِي : أَنْ تَحْبَلَ بِهِمْ ، وَتَلِدَهُمْ بَعْدَ التَّدْبِيرِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِمْ وَقْتَ التَّدْبِيرِ . فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ : وَهُمْ مَنْ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَهُمْ مَمْلُوكُونَ لِلسَّيِّدِ لَا يَتْبَعُونَهَا فِي التَّدْبِيرِ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا ، أَوْ مَمْلُوكًا ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهَا فِي الرِّقِّ كَمَا أَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ تَبَعٌ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ لَا يَتْبَعُونَ أَبَاهُمْ فِي الرِّقِّ . وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يُدَبِّرَهَا حَائِلًا فَتَحْبَلُ بِهِمْ وَتَلِدُهُمْ بَعْدَ التَّدْبِيرِ . فَفِيهِمْ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُونَ عَلَى حُكْمِهَا دَاخِلِينَ فِي التَّدْبِيرِ مَعَهَا . قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَكُونُونَ مَمْلُوكِينَ لِلسَّيِّدِ غَيْرَ دَاخِلِينَ مَعَهَا فِي التَّدْبِيرِ قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَمِنَ التَّابِعِينَ أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ

الشَّافِعِيِّ فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ : هَلْ قَالَهُمَا ابْتِدَاءً أَوْ قَالَهُمَا بِنَاءً فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَهُمَا بِاجْتِهَادِهِ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ بَنَاهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي غَيْرِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَنَاهُ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِهِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي التَّدْبِيرِ . هَلْ هُوَ وَصِيَّةٌ أَوْ عِتْقٌ بِصِفَةٍ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْحَمْلِ هَلْ يَكُونُ تَبَعًا ، أَوْ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَنِ قِسْطًا . فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ : إِنَّ أَوْلَادَهَا يَتْبَعُونَهَا فِي التَّدْبِيرِ فَدَلِيلُهُ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ لَمَّا تَبِعُوهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَجَبَ أَنْ يَتْبَعُوهَا فِي سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى زَوَالِ الرِّقِّ كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : " إِنَّ وَلَدَ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ بِمَنْزِلَتِهَا " . وَالْمَعْنَى الثَّانِي : أَنَّ لِأَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ حُرْمَةً ثَابِتَةً فِي الْأُمِّ ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْرِيَ إِلَى وَلَدِهَا كَالْإِسْلَامِ . وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي أَنَّ أَوْلَادَهَا مَمْلُوكُونَ لِلسَّيِّدِ لَا يَتْبَعُونَهَا فِي التَّدْبِيرِ فَدَلِيلُهُ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعَقْدَ إِذَا جَازَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْفَسْخُ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ فِيهِ تَابِعًا لِأُمِّهِ كَوَلَدِ الْمَرْهُونَةِ ، وَالْمُوصَى بِهَا طَرْدًا وَوَلَدِ الْوَلَدِ عَكْسًا . وَالْمَعْنَى الثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا تَقَابَلَ فِي الْوَلَدِ حَقَّانِ : حَقُّ السَّيِّدِ فِي رِقِّهِ وَحَقُّ الْأُمِّ فِي عِتْقِهِ وَكَانَ حَقُّ السَّيِّدِ فِيهِ عَنْ مِلْكٍ مُسْتَقِرًا وَحَقُّهَا فِيهِ عَنْ تَدْبِيرٍ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، فَتَغْلِيبُ مَا اسْتَقَرَّ فِي رِقِّهِ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيبِ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي عِتْقِهِ . فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي اخْتِيَارِهِ بِمَا أَقْنَعَ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ وَلَدَهَا مَرْقُوقٌ لَمْ يَتْبَعْهَا فِي التَّدْبِيرِ كَانَ لَهُ بَيْعُ الْوَلَدِ فِي حَيَاتِهِ ، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ عَتَقَتِ الْأُمُّ بِالتَّدْبِيرِ ، أَوْ مَاتَتْ عَلَى الرِّقِّ ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّ وَلَدَهَا تَبَعٌ لَهَا فِي التَّدْبِيرِ صَارَا مُدَبَّرَيْنِ يُعْتَقَانِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ كَالْعَبْدَيْنِ الْمُدَبَّرَيْنِ . فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا بَطَلَ حُكْمُ التَّدْبِيرِ فِيهِمَا ، وَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِ الْوَلَدِ عَادَ إِلَى الرِّقِّ وَبَقِيَتِ الْأُمُّ عَلَى التَّدْبِيرِ ، وَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِ الْأُمِّ عَادَتْ إِلَى الرِّقِّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ عَلَى التَّدْبِيرِ فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ تَابِعًا لَهَا فِي التَّدْبِيرِ فَهَلَّا صَارَ تَابِعًا لَهَا فِي الرُّجُوعِ كَوَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ لَمَّا كَانَ تَابِعًا لَهَا فِي الْكِتَابَةِ ؟ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا إِذَا أَدَّتْ ، صَارَ تَابِعًا لَهَا فِي الرُّجُوعِ إِلَى الرِّقِّ إِذَا عَجِزَتْ . قِيلَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ يَصِيرُ بِالتَّبَعِ لَهَا مُدَبَّرًا ، وَلِذَلِكَ إِذَا مَاتَتِ الْأُمُّ عَلَى الرِّقِّ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، لَمْ يَبْطُلِ التَّدْبِيرُ فِي الْوَلَدِ ، فَلِذَلِكَ لَا يَتْبَعُهَا فِي الرُّجُوعِ ،

وَإِنْ تَبِعَهَا فِي التَّدْبِيرِ ، وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ لَا يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَلِذَلِكَ إِذَا مَاتَتِ الْأُمُّ عَلَى كِتَابَتِهَا لَمْ يَصِرِ الْوَلَدُ مُكَاتَبًا بَعْدَ مَوْتِهَا ، فَلِذَلِكَ عَادَ إِلَى الرِّقِّ بِعَوْدِهَا إِلَيْهِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنْ يُدَبِّرَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَيَكُونُ حَمْلُهَا تَابِعًا لَهَا فِي التَّدْبِيرِ قَوْلًا وَاحِدًا ، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ . فَإِنِ اسْتَثْنَاهُ فِي التَّدْبِيرِ . فَقَالَ : أَنْتِ مُدَبَّرَةٌ : دُونَ حَمْلِكِ ، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ إِنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَبَطَلَ إِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَلِدُ إِلَّا حُرًّا وَلَوْ دَبَّرَ الْحَمْلَ دُونَ أُمِّهِ ، صَحَّ تَدْبِيرُهُ مَا لَمْ تَصِرِ الْأُمُّ تَابِعَةً لَهُ فِي التَّدْبِيرِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ تَابِعٌ ، وَلَيْسَ بِمَتْبُوعٍ وَلَوْ دَبَّرَ الْأُمَّ حَامِلًا وَرَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، تَبِعَهَا حَمْلُهَا فِي التَّدْبِيرِ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فِي الرُّجُوعِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي ، وَالرِّقَّ لَا يَسْرِي ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ حَمْلًا وَقْتَ التَّدْبِيرِ أَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ تَدْبِيرِهِ ، فَيُعْلَمُ وَجُودُهُ حَمْلًا وَقْتَ التَّدْبِيرِ . وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عُلِمَ عَدَمُهُ وَقْتَ التَّدْبِيرِ فَلَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَدُونَ أَرْبَعِ سِنِينَ ، فَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً عَنْ زَوْجٍ يُلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا ، حُكِمَ بِوُجُودِهِ وَتَدْبِيرِهِ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ فِي لُحُوقِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ يَطَأُ حُمِلَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حُدُوثِهِ فَلَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا .

فَصْلٌ : وَإِذَا جُعِلَ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ ، وَحَمْلُهَا تَبَعًا لَهَا فِي التَّدْبِيرِ جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ الْوَلَدِ وَالْحَمْلِ كَمَا جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِهَا ، فَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ لَهَا وَهِيَ حَامِلٌ : كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَقَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِهِ ، لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ لِعِلَّتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ قَبْلَ خَلْقِهِ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ رُجُوعٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَامِلٌ : قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِ حَمَلِكِ ، صَحَّ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَدْبِيرُهُ حَمْلًا صَحَّ الرُّجُوعُ فِيهِ حَمْلًا ، وَلَوْ قَالَ : إِذَا وَلَدَتْهُ فَقَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِهِ لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ وَكَانَ عَلَى التَّدْبِيرِ إِذَا وُلِدَ ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ ، وَتَعْلِيقُهُ بِالصِّفَاتِ لَا يَصِحُّ .

فَصْلٌ : وَإِذَا دَبَّرَ حَمْلَ جَارِيَتِهِ دُونَهَا ، ثُمَّ بَاعَهَا حَامِلًا ، فَإِنْ قَصَدَ بِبَيْعِهَا الرُّجُوعَ فِي تَدْبِيرِ حَمْلِهَا صَحَّ الْبَيْعُ ، وَبَطَلَ بِهِ تَدْبِيرُ الْحَمْلِ وَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا لَمْ يَسْتَثْنِهِ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا قَصَدَ بِهِ إِبْطَالَ التَّدْبِيرِ فِي الْحَمْلِ فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : صَحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ رُجُوعٌ ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الرُّجُوعُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَمْلِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ أُمِّهِ .

فَأَمَّا وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ كَقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ : إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ . فَعَلَى الْأَضْرُبِ الثَّلَاثَةِ : أَحَدُهَا : مَنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ عَقْدِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ . وَالثَّانِي : مَنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، وَدُخُولِ الدَّارِ فَهُوَ حُرٌّ . وَالثَّالِثُ : مَنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ ، وَقَبْلَ وُجُودِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ كَوَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ سَوَاءٌ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فِي الْعِتْقِ بِوُجُودِ الصِّفَةِ . وَالثَّانِي : لَا يَتْبَعُهَا وَيَكُونُ مَرْقُوقًا لِسَيِّدِهَا . فَلَوْ قَالَ لَهَا : إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ بَعْدَ سَنَةٍ ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ كَانَ مَنْ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ مَمَالِيكًا ، وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ دُخُولِ الدَّارِ أَحْرَارًا ، وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ السَّنَةِ وَقَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَيَكُونُ مَنْ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ كَمَنْ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ عَقْدِ الصِّفَةِ لِأَنَّ صِفَةَ الْعِتْقِ دُخُولُ الدَّارِ بَعْدَ السَّنَةِ . وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ حُرِّرَ حَمْلُهُ وَوِلَادَتُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ وَلَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي بِسَنَةٍ ، كَانَ مَنْ وَلَدَتْهُمْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ مَمَالِيكًا ، وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَحْرَارًا . وَمَنْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَسَوَّى بَيْنَ جَمْعِ الصِّفَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَعَقْدِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْتَقَهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفَرَّقَ بَيْنَ عَقْدِ الصِّفَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَعَقْدِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ : أَنَّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِلْكًا وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِلْكًا . فَإِنْ عَتَقَ الْوَلَدُ مَعَهَا كَانَا مُعْتَبَرَيْنِ مِنْ ثُلُثِهِ وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، وَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهَا ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقِ الْوَلَدُ مَعَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَكُونُ مِنْ تَرِكَةِ السَّيِّدِ . وَالثَّانِي : يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ قَالَتْ وَلَدْتُهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ وَقَالَ الْوَارِثُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ وَهِيَ الْمُدَّعِيَةُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا التَّنَازُعُ فِي الْوَلَدِ يَشْمَلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَقُولَ الْمُدَبَّرَةُ : وَلَدْتُهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَيُعْتَقُ بِعِتْقِي وَيَقُولُ الْوَرَثَةُ : وَلَدَتْهُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ . فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ لَا يَتْبَعُهَا ، فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا التَّنَازُعِ لِأَنَّهُ مَرْقُوقٌ فِي الْحَالَيْنِ .

وَإِنْ قِيلَ : يَتْبَعُهَا ، كَانَ لِتُنَازُعِهِمَا فِيهِ تَأْثِيرٌ ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي عِتْقَهُ ، وَالْوَارِثُ يَدَّعِي فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الرِّقُّ فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى حُدُوثَ الْعِتْقِ فَإِنِ حَلَفَ الْوَارِثُ رَقَّ الْوَلَدُ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْأُمِّ ، فَإِنْ حَلَفَتْ عَتَقَ الْوَلَدُ ، وَإِنْ نَكَلَتْ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُحْكَمُ بِرِقِّهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يُوقَفُ أَمْرُهُ لِيَحْلِفَ الْوَلَدُ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَقُولَ الْمُدَبَّرَةُ : وَلَدْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ : فَهُوَ حُرٌّ . وَيَقُولُ الْوَارِثُ : وَلَدَتْهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ . فَهَذَا بِعَكْسِ الْأَوَّلِ . وَإِنْ قِيلَ إِنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةَ تَبَعٌ لَهَا فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا التَّنَازُعِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فِي الْحَالَيْنِ . وَإِنْ قِيلَ إِنَّ وَلَدَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ لَا يَتْبَعُهَا كَانَ لِتَنَازُعِهِمَا فِيهِ تَأْثِيرٌ ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي عِتْقَهُ ، وَالْوَارِثَ يَدَّعِي رِقَّهُ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ فِي الْعُلُوقِ حُكْمُ الرِّقِّ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَوْتِ السَّيِّدِ . فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ رِقِّهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يُنْكِرَ أَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ فِي الْعُلُوقِ حُكْمُ الرِّقِّ وَأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَوَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا . فَالْقَوْلُ هَاهُنَا قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ فِي النَّاسِ أَصْلٌ ، وَالرِّقَّ طَارِئٌ فَإِنْ حَلَفَتْ كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا ، وَإِنْ نَكَلَتْ فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْوَارِثِ إِذَا قِيلَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نُكُولَ الْوَارِثِ لَا يُوجِبُ وَقَفَ الْيَمِينِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تُرَدُّ عَلَى الْوَارِثِ ، وَتُوقَفُ الْيَمِينُ عَلَى بُلُوغِ الصَّبِيِّ . فَإِنْ حَلَفَ بَعْدَ بُلُوغِهِ كَانَ حُرًّا ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْوَارِثِ . وَهَذَا إِذَا قِيلَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نُكُولَ الْوَارِثِ لَا يُوجِبُ وَقْفَ الْيَمِينِ . فَإِنْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا سُمِعَتْ مِنْ مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ ، وَمُدَّعِي الرِّقِّ . وَالْبَيِّنَةُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فِي حَقَّيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ ، وَإِنْ أَفْضَتْ إِلَى حُرِّيَّةٍ ، أَوْ رِقٍّ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَلَوْ قَالَ الْمُدَبَّرُ أَفَدْتُ هَذَا الْمَالَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَالَ الْوَارِثُ قَبْلَ الْعِتْقِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُدَبَّرِ وَالْوَارِثُ مُدَّعٍ ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَا كَسَبَهُ الْمُدَبَّرُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ تَرِكَةٌ ، وَمَا كَسَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِلْكٌ لِلْمُدَبَّرِ ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُدَبَّرُ وَالْوَارِثُ فِي مَالٍ بِيَدِهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، فَادَّعَاهُ الْمُدَبَّرُ مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَادَّعَاهُ الْوَارِثُ مِنْ كَسْبِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ . فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَبَّرِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِأَجْلِ يَدِهِ الدَّالَّةِ عَلَى مِلْكِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ حُدُوثَ كَسْبِهِ أَظْهَرُ مِنْ تَقَدُّمِهِ . فَإِنْ كَانَتْ لِلْوَارِثِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِتَقَدُّمِ كَسْبِهِ ، حُكِمَ بِهَا وَبَيِّنَتُهُ شَاهِدَانِ ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ مَالٍ . وَهَذَا إِذَا شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ اكْتَسَبَهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، وَأَمَّا إِنْ شَهِدَتْ أَنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ فِي يَدِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ . فَفِي قَبُولِهَا وَالْحُكْمِ بِهَا قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي حُكْمِ الْبَيِّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ : أَحَدُهُمَا : يُقْبَلُ وَيُحْكَمُ بِهِ لِلْوَارِثِ . وَالثَّانِي : لَا يُقْبَلُ وَيَكُونُ لِلْمُدَبَّرِ مَعَ يَمِينِهِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا وَهَبَ السَّيِّدُ لِمُدَبَّرِهِ أَمَةً فَوَطِئَهَا الْمُدَبَّرُ وَأَوْلَدَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ فِي مِلْكٍ إِنْ جُعِلَ مَالِكًا أَوْ فِي شُبْهَةِ مِلْكٍ إِنْ لَمْ يُجْعَلْ مَالِكًا ، وَفِي الْوَلَدِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ ، وَإِنْ لَحِقَ بِالْمُدَبَّرِ نَسَبًا ، وَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إِذَا مُلِكَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُدَبَّرِ ، وَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ إِذَا مُلِكَ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا جَعَلْنَاهُ مِلْكًا لِلْمُدَبَّرِ ، كَانَ تَبَعًا لَهُ فِي التَّدْبِيرِ قَوْلًا وَاحِدًا يُعْتَقُ بِعِتْقِهِ ، وَيَرِقُّ بِرِقِّهِ ، وَإِذَا جَعَلْنَاهُ لِلسَّيِّدِ لَمْ يَتْبَعْهُ فِي عِتْقٍ ، وَلَا رِقٍّ قَوْلًا وَاحِدًا ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَيَكُونُ كَوَلَدِهِ مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ لِسَيِّدِهِ ، أَوْ غَيْرِ سَيِّدِهِ لَا يَتْبَعُهُ ، إِلَّا فِي النَّسَبِ ، وَلَا يَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ لِأَنَّ الْوَلَدَ فِيهِمَا تَابِعٌ لِلْأُمِّ دُونَ الْأَبِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ ، أَوْ عَمَّهُ صَحَّ تَدْبِيرُهُ ، وَعَتَقَ بِمَوْتِهِ وَلَمْ يَرِثْهُ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَا تَوَارُثَ بِالْأَسْبَابِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَلَوْ قَالَ لِأَخِيهِ : أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ صِحَّتِي الْمُتَّصِلِ بِأَوَّلِ أَسْبَابِ مَوْتِي ، ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، وَوَرِثَهُ لِتَقَدُّمِ عِتْقِهِ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ مَوْتِهِ . وَلَوْ قَالَ لَهُ : أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِي الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِي ، ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ . وَفِي مِيرَاثِهِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْعِتْقِ :

أَحَدُهُمَا : لَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ . وَالْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ لَا يَجْتَمِعَانِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَرِثُ وَلَا يَكُونُ عِتْقُهُ وَصِيَّةً لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مَا مُلِكَتْ عَنِ الْمُوصِي ، وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنْهُ ، وَلَوْ قَالَ لِأَخِيهِ فِي صِحَّتِهِ : إِنْ مُتُّ بَعْدَ شَهْرٍ فَأَنْتَ الْيَوْمَ حُرٌّ فَمَاتَ قَبْلَ شَهْرٍ ، لَمْ يُعْتَقْ ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ ، عَتَقَ يَوْمَ لَفْظِهِ وَوَرِثَهُ ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ كَانَ فِي مِيرَاثِهِ الْوَجْهَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابٌ فِي تَدْبِيرِ النَّصْرَانِيِّ

يَجُوزُ تَدْبِيرُ النَّصْرَانِيِّ وَالْحَرْبِيِّ

بَابٌ فِي تَدْبِيرِ النَّصْرَانِيِّ مَسْأَلَةٌ : " قَالَ الْمُزَنِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَيَجُوزُ تَدْبِيرُ النَّصْرَانِيِّ وَالْحَرْبِيِّ فَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تَمْنَعْهُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : يَجُوزُ تَدْبِيرُ الْكَافِرِ كَمَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا ، أَوْ مُعَاهَدًا ، أَوْ حَرْبِيًا ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ صَحِيحُ الْمِلْكِ كَالْمُسْلِمِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ( الْأَحْزَابِ : ) ، فَأَضَافَهَا إِلَيْهِمْ إِضَافَةَ مِلْكٍ وَإِذَا ثَبَتَ لَهُمُ الْمِلْكُ صَحَّ مِنْهُمُ التَّدْبِيرُ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عَقْدٌ مُفْضٍ إِلَى الْعِتْقِ . وَعُقُودُهُمْ جَائِزَةٌ وَعِتْقُهُمْ نَافِذٌ ، فَإِنْ دَبَّرَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَقَدِمَ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ مُدَبَّرًا ، أَوْ دَبَّرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَتَدْبِيرُهُ فِي الْحَالَيْنِ صَحِيحٌ ، فَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِمُدَبَّرِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ مُكِّنَ مِنْهُ ، وَلَمْ يُمْنَعْ فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُدَبَّرُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ، لِئَلَّا يُسْتَرَقَّ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أُجْبِرَ عَلَى الْعَوْدِ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ عَبْدُهُ وَإِنْ دَبَّرَهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ . وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَرَادَ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَامْتَنَعَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يُجْبَرْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ : أَنَّ الْمُدَبَّرَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ ، وَيَمْلِكُ جَمِيعَ أَكْسَابِهِ . وَالْمُكَاتَبُ فِي حُكْمِ الْخَارِجِ عَنْ مِلْكِهِ غَيْرُ مَالِكِ حِسَابِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي كِتَابَتِهِ ، فَكَانَ هَذَا الْفَرْقُ مَانِعًا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّدِّ . فَإِنْ أَرَادَ الْحَرْبِيُّ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ عَبْدِهِ ، كَانَ كَالْمُسْلِمِ لَهُ رُجُوعُهُ إِنْ رَجَعَ فِيهِ بِالْفِعْلِ الْمُزِيلِ لِمِلْكِهِ صَحَّ ، وَإِنْ رَجَعَ فِيهِ بِالْقَوْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ ، وَإِذَا عَتَقَ الْمُدَبَّرُ عَلَى الْحَرْبِيِّ بِمَوْتِهِ كَانَ وَلَاؤُهُ مُسْتَحَقًّا لِوَرَثَتِهِ كَالْمُسْلِمِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ : " فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُدَبَّرُ قُلْنَا لِلْحَرْبِيِّ إِنْ رَجَعْتَ فِي تَدْبِيرِكَ بِعْنَاهُ عَلَيْكَ وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ خَارَجْنَاهُ لَكَ وَمَنَعْنَاكَ خِدْمَتَهُ فَإِنْ خَرَجْتَ دَفَعْنَاهُ إِلَى مَنْ وَكَّلْتَهُ فَإِذَا مُتَّ فَهُوَ حُرٌّ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُبَاعُ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) يُبَاعُ أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ لِأَنَّ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110