كتاب : الحاوي في فقه الشافعي
المؤلف : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي

مِثْلِهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ زَادَهَا عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَزَادَهَا الشَّرْطَ ، أَبْطَلْتُ الشَّرْطَ ، وَلَمْ أَجْعَلْ لَهَا الزِّيَادَةَ ؛ لِفَسَادِ عَقْدِ الْمَهْرِ بِالشَّرْطِ ، أَلَا تَرَى لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقِّ خَمْرٍ ، فَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَرَضِيَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِائَةَ ، وَيُبْطِلَ الزِّقَّ الْخَمْرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ انْعَقَدَ بِمَا لَا يَجُوزُ فَبَطَلَ ، وَكَانَتْ لَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي النِّكَاحِ ضَرْبَانِ : جَائِزٌ ، وَمَحْظُورٌ . فَأَمَّا الْجَائِزُ : فَمَا وَافَقَ حُكْمَ الشَّرْعِ فِي مُطْلَقِ الْعَقْدِ ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهَا : أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى عَلَيْهَا ، أَوْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، أَوْ يُسَافِرَ بِهَا ، أَوْ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِذَا شَاءَ ، أَوْ أَنْ تَشْتَرِطَ هِيَ عَلَيْهِ : أَنْ يُوَفِّيَهَا صَدَاقَهَا ، أَوْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ مِثْلِهَا ، أَوْ يَقْسِمَ لَهَا مَعَ نِسَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ . فَكُلُّ هَذِهِ الشُّرُوطِ جَائِزَةٌ ، وَالنِّكَاحُ مَعَهَا صَحِيحٌ ، وَالْمُسَمَّى فِيهِ مِنَ الصَّدَاقِ لَازِمٌ ؛ لِأَنَّ مَا شَرَطَهُ الزَّوْجُ مِنْهَا لِنَفْسِهِ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، فَكَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَجُوزَ مَعَ الشَّرْطِ . وَمَا شَرَطَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ الشَّرْطُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَحَقَّ مَا وَفَّيْتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ . وَأَمَّا الْمَحْظُورُ مِنْهَا : فَمَرْدُودٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَعَقْدُهُ أَوْثَقُ وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا . وَالشُّرُوطُ الْمَحْظُورَةُ في النكاح تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَبْطُلُ بِهِ النِّكَاحُ . وَالثَّانِي : مَا يَبْطُلُ بِهِ الصَّدَاقُ . وَالثَّالِثُ : مَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ لِاخْتِلَافِ مُشْتَرِطِهِ . وَالرَّابِعُ : مَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ .

فَصْلٌ الْقَوْلُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي تُبْطِلُ النِّكَاحَ

فَصْلٌ : [ الْقَوْلُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي تُبْطِلُ النِّكَاحَ ] فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ ، فَهُوَ كُلُّ شَرْطِ رَفَعَ مَقْصُودَ الْعَقْدِ ، مِثْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا طَالِقٌ رَأْسَ الشَّهْرِ ، أَوْ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ ، أَوْ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا مَتَى شَاءَتْ . فَالنِّكَاحُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ بَاطِلٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا رَافِعَةٌ لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ مِنَ الْبَقَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ ، فَصَارَ النِّكَاحُ بِهَا مُقَدَّرَ الْمُدَّةِ ، فَجَرَى مَجْرَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، فَكَانَ بَاطِلًا .

فَصْلٌ الْقَوْلُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي تُبْطِلُ الصَّدَاقَ دُونَ النِّكَاحِ

فَصْلٌ : [ الْقَوْلُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي تُبْطِلُ الصَّدَاقَ دُونَ النِّكَاحِ ] وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ مَا يُبْطِلُ الصَّدَاقَ دُونَ النِّكَاحِ ، فَهُوَ كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ حُكْمَ الْعَقْدِ ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ . وَالثَّانِي : مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ : فَمِثْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلَّا يَقْسِمَ لَهَا مَعَ نِسَائِهِ ، أَوْ عَلَى أَنَّ تُخَفِّفَ عَنْهُ نَفَقَتَهَا وَكُسْوَتَهَا ، أَوْ تُنْظِرَهُ بِهِمَا . وَفِي حُكْمِ ذَلِكَ : أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهَا أَلَّا تُكَلِّمَ أَبَاهَا وَلَا أَخَاهَا ، فَهَذِهِ كُلُّهَا شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُحَلِّلُ حَرَامًا أَوْ تُحَرِّمُ حَلَالًا ، وَاخْتَصَّتْ بِالصَّدَاقِ دُونَ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ النِّكَاحِ مَوْجُودٌ مَعَهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الصَّدَاقُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَابَلَتْ مِنْهُ جُزْءًا إِذْ كَأَنَّهُ زَادَهَا فِيهِ لِأَجْلِهَا . وَإِذَا أَوْجَبَ بُطْلَانَهَا بَطَلَ مَا قَابَلَهَا مِنْهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، صَارَ الْبَاقِي بِهَا مَجْهُولًا ، فَبَطَلَ ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى أَوْ أَقَلَّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُسَمَّى لَمْ أُوجِبْ لَهَا إِلَّا الْمُسَمَّى . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ مَعَ اشْتِرَاطِهِ عَلَيْهَا ، فَلِأَنْ تَرْضَى بِهِ مَعَ عَدَمِ الشُّرُوطِ أَوْلَى . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْمُسَمَّى بِالْفَسَادِ إِذَا أَوْجَبَ الرُّجُوعَ إِلَى الْقِيمَةِ اسْتُحِقَّتْ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُسَمَّى ، كَمَنْ قَبَضَ عَبْدًا اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ عَلَى شُرُوطٍ فَاسِدَةٍ شَرَطَهَا عَلَى بَائِعِهِ ، ثُمَّ تَلِفَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ ، اسْتُحِقَّتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ دُونَ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا . وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ : فَمِثْلُ أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَلَّا يَتَسَرَّى بِالْإِمَاءِ ، وَأَلَّا يُسَافِرَ بِهَا .

فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا مَنَعَتْهُ مِمَّا لَهُ فِعْلُهُ ، وَتَوَجَّهَتْ إِلَى الصَّدَاقِ دُونَ وُجُودِ مَقْصُودِ النِّكَاحِ مَعَهَا . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَلِلصَّدَاقِ الْمُسَمَّى حَالَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَيَبْطُلُ الْمُسَمَّى لِبُطْلَانِ الشُّرُوطِ الَّتِي قَابَلَهَا جُزْءٌ مِنْهُ ، فَصَارَ بِهِ مَجْهُولًا ، وَيَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مِنَ الصَّدَاقِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَفِيمَا تَسْتَحِقُّهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْأَصَحُّ - : أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ بُطْلَانِ الْمُسَمَّى بِمَا قَابَلَهُ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي صَارَ بِهَا مَجْهُولًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ - : أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا بَخْسَانِ : بَخْسٌ بِإِسْقَاطِ الشُّرُوطِ ، وَبَخْسٌ بِنُقْصَانِ الْمَهْرِ . وَلِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ مَعَ مَا شَرَطَتْ إِلَّا بِزِيَادَةِ مَا سَمَّتْ ، فَإِذَا مُنِعَتِ الشُّرُوطَ لَمْ تُمْنَعِ الْمُسَمَّى .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ مَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ مُشْتَرِطِهِ ، فَهُوَ مَا مَنَعَ مَقْصُودَ الْعَقْدِ فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى ، فَمِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلَّا يَطَأَهَا ، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ جِهَتِهَا ، فَتَزَوَّجَتْهُ عَلَى أَلَّا يَطَأَهَا فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ مَنَعَتْهُ مَا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهَا مِنْ مَقْصُودِ الْعَقْدِ . وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ جِهَتِهِ ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلَّا يَطَأَهَا ، فَالنِّكَاحُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ وَطْئِهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْطِ مَنْعٌ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ . وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا فِي النِّكَاحِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، عَلَى قَوْلِهِ إِذَا شَرَطَ عَلَيْهَا أَلَّا يَطَأَهَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَأَهَا . وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ لِمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْعِنِّينِ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ الشَّرْطُ : أَنْ يَطَأَهَا لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ ، فَقَدْ حَكَى أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا ذَلِكَ صَحَّ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّهُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَإِنْ شَرَطَتِ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ بَطَلَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ . وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ . فَأَمَّا إِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَلَّا يَقْسِمَ لَهَا اشترط في النكح : فَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهَا صَحَّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ لَهَا الْعَفْوَ عَنِ الْقَسْمِ .

وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ بَطَلَ النِّكَاحُ إِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا ، وَصَحَّ إِنِ انْفَرَدَ بِنَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ مَعَ غَيْرِهَا ، وَلَا تَسْتَحِقُّهُ بِانْفِرَادِهَا . وَأَمَّا إِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهَا سَنَةً اشترط في النكاح : فَقَدْ قَالَ الرَّبِيعُ : إِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ جِهَتِهِ صَحَّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهَا بَطَلَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَصَارَ الشَّرْطُ مَانِعًا مِنْ مَقْصُودِ الْعَقْدِ . وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ : لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ ، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ صَحَّ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ بَطَلَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنِ اسْتِدَامَةِ الْعَقْدِ . وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُخَالِعَهَا بَعْدَ شَهْرٍ . فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ جِهَتِهَا بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ فَفِي بُطْلَانِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا بِالْخُلْعِ بَذْلَ مَا لَا يَلْزَمُهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ مَقْصُودِ الْعَقْدِ ، فَصَارَ عَائِدًا إِلَى الصَّدَاقِ ، فَبَطَلَ بِهِ الصَّدَاقُ ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ : وَهُوَ مَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ ، فَهُوَ مَا رَفَعَ بَدَلَ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ ، وَذَلِكَ شَأْنُ الصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ . فَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلَّا نَفَقَةَ لَهَا أَبَدًا : فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ جِهَتِهَا تَوَجَّهَ إِلَى الصَّدَاقِ دُونَ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا ، إِنْ تَرَكَتْهُ جَازَ ، فَلِذَلِكَ تَوَجَّهَ إِلَى الصَّدَاقِ دُونَ النِّكَاحِ ، فَيَبْطُلُ الصَّدَاقُ بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ فِي النَّفَقَةِ ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاشْتِرَاطِ سُقُوطِهِ ، وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَالنَّفَقَةُ . وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، فَهَلْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَادِحٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ ، فَيَكُونُ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ ، فَصَارَ كَالْوَلِيِّ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ ؛ لِجَوَازِ خُلُوِّ النِّكَاحِ مِنْ صَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ هَذَا الشَّرْطُ بِفَسَادِ الصَّدَاقِ دُونَ النِّكَاحِ ، وَيُحْكَمُ لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ

[ الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ أَصْدَقَهَا دَارًا ، وَاشْتَرَطَ لَهُ أَوْ لَهُمَا الْخِيَارَ فِيهَا ، كَانَ الْمَهْرُ فَاسِدًا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَلَا خِيَارُ الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ نَاجِزًا ، لَا تُقْصَدُ فِيهِ الْمُغَابَنَةُ ، وَالْخِيَارُ مَوْضُوعٌ لِاسْتِدْرَاكِ الْمُغَابَنَةِ . فَإِنْ شَرَطَ فِيهِ أَحَدَ الْخِيَارَيْنِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَشْتَرِطَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِاشْتِرَاطِهِ فِيهِ ؛ لِمُنَافَاتِهِ لَهُ فِي اللُّزُومِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي الصَّدَاقِ دُونَ النِّكَاحِ ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " ، وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا : أَنَّ الصَّدَاقَ بَاطِلٌ ، وَالنِّكَاحَ جَائِزٌ . وَقَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ " : النِّكَاحُ بَاطِلٌ . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ : فَخَرَّجَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّدَاقَ بَاطِلٌ ، وَالنِّكَاحَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الصَّدَاقِ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ ؛ لِبُطْلَانِ الصَّدَاقِ ، وَلَمْ يُحْكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَبْطَلَ النِّكَاحَ لِبُطْلَانِ الصَّدَاقِ ، إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْخِيَارِ فِي الْبَدَلِ كَدُخُولِهِ فِي الْمُبْدَلِ . وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا : لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ؛ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَبْطَلَ فِيهِ النِّكَاحَ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ مَشْرُوطًا فِي النِّكَاحِ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَبْطَلَ فِيهِ الصَّدَاقَ وَأَجَازَ النِّكَاحَ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ مَشْرُوطًا فِي الصَّدَاقِ دُونَ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ عَقْدٌ يَصِحُّ إِفْرَادُهُ عَنِ النِّكَاحِ ، كَمَا يَصِحُّ إِفْرَادُ النِّكَاحِ عَنْهُ ، فَلَمْ يُوجِبْ بُطْلَانُ الصَّدَاقِ بُطْلَانَ النِّكَاحِ . فَإِذَا قِيلَ بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ : فَلَا مَهْرَ ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا . وَإِذَا قِيلَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ : فَقَدْ حَكَى أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فِي الصَّدَاقِ وَالْخِيَارِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ - وَلَمْ أَرَ غَيْرَهُ يَحْكِيهِ ؛ لِأَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ لَا يَقْتَضِيهِ - : أَحَدُهَا : هُوَ أَنَّ الْخِيَارَ بَاطِلٌ وَالصَّدَاقَ بَاطِلٌ ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ دُخُولُ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ امْتَنَعَ دُخُولُهُ فِي بَدَلِهِ ، وَالْخِيَارُ إِذَا دَخَلَ فِيمَا يُنَافِيهِ أَبْطَلَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ خِلَافُ نَصِّهِ - : أَنَّ الصَّدَاقَ جَائِزٌ ، وَالْخِيَارَ ثَابِتٌ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَصِحُّ إِفْرَادُهُ ، فَجَرَى حُكْمُهُ حُكْمَ الْخِيَارِ فِيهِ مَجْرَاهُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ .

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْخِيَارَ بَاطِلٌ وَالصَّدَاقَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ تَبَعٌ لِلنِّكَاحِ فَيَثْبُتُ بِثُبُوتِهِ ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ بُطْلَانُ الشَّرْطِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقِ أَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَهَا بِالْأَلْفِ فِي يَوْمِ كَذَا ، وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ ، وَصَدَاقٌ بَاطِلٌ ، وَشَرْطٌ بَاطِلٌ . وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالنِّكَاحَ جَائِزٌ . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ : أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ ثَابِتٌ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ .

مَسْأَلَةٌ ضَمَانُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ الْمِلْطِ

[ /1 L13222 ضَمَانُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ الْمِلْطِ /1 ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ ضَمِنَ نَفَقَتَهَا أَبُو الزَّوْجِ عَشْرَ سِنِينَ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَأَنَّهُ مَرَّةٌ أَقَلُّ وَمَرَّةٌ أَكْثَرُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ . إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مِلْطًا بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ ، وَضَمِنَهَا عَنْهُ أَبُوهُ ، أَوْ غَيْرُ أَبِيهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ فَسَوَاءٌ . وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَضْمَنَ نَفَقَةَ مَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ ، فَهَذَا ضَمَانُ مَالٍ قَدْ وَجَبَ وَاسْتَقَرَّ ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ إِذَا كَانَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ ، وَمِنْ جِنْسٍ يَسْتَقِرُّ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَضْمَنَ نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْمُدَّةِ ، مِثْلَ أَنْ يَضْمَنَ لَهَا نَفَقَتَهَا أَبَدًا ، فَهَذَا ضَمَانٌ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْمُدَّةِ مِثْلَ أَنْ يَضْمَنَ لَهَا نَفَقَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ ، فَفِي الضَّمَانِ قَوْلَانِ - بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِمَاذَا وَجَبَتْ - : فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ - وَهُوَ فِي الْقَدِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - : أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ ، وَتَسْتَحِقُّ قَبْضَهَا بِالتَّمْكِينِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ كَالصَّدَاقِ الْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ وَالْمُسْتَحَقِّ بِالتَّمْكِينِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ - : أَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِخِلَافِ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَقْدِ ، فَصَارَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ ، وَالنَّفَقَةُ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَصَارَتْ وَاجِبَةً بِالِاسْتِمْتَاعِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ ، كَانَ ضَمَانُهَا مَبْنِيًّا عَلَيْهِمَا .

فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِالتَّمْكِينِ يَوْمًا بِيَوْمٍ ، فَضَمَانُهَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَقَدْ يَجِبُ بِالتَّمْكِينِ ، وَقَدْ لَا يَجِبُ بَعْدَهُ . وَإِذَا قُلْنَا : إِنَّهَا وَقَدْ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ جُمْلَةً وَتَسْتَحِقُّ قَبْضَهَا بِالتَّمْكِينِ يَوْمًا بِيَوْمٍ ، صَحَّ ضَمَانُهَا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ لِلْقُوتِ الَّذِي هُوَ الْحَبُّ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ ، بِحَسْبِ قُوتِ بَلَدِهِمْ دُونَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُضْبَطَانِ بِصِفَةٍ وَلَا يُتَقَدَّرَانِ بِقِيمَةٍ ، فَإِنْ قَدَّرَهُمَا الْحَاكِمُ بِقِيمَةٍ جَعَلَهُمَا دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَوَّمَهَا فَهِيَ مُقَوَّمَةٌ لِوَقْتِهَا دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَقَدْ تَزِيدُ الْقِيمَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ بِفَضْلِ الْقِيمَةِ ، وَقَدْ يَنْقُصُ فَيَكُونُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْقُصَهَا مِنَ الْقِيمَةِ . وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ لِنَفَقَةِ الْمُعْسِرِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ عَنِ الزَّوْجِ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ ، وَهِيَ مُدٌّ وَاحِدٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَإِنْ ضَمِنَ لَهَا نَفَقَةَ مُوسِرٍ وَهِيَ مُدَّانِ ، أَوْ نَفَقَةَ مُتَوَسِّطٍ وَهِيَ مُدٌّ وَنِصْفٌ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ قَدْ تَجِبُ إِنْ أَيْسَرَ ، وَقَدْ لَا تَجِبُ إِنْ أَعْسَرَ ، فَصَارَ ضَمَانُهَا ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمَانُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُدِّ فِي نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ بَاطِلًا ، وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْمُدِّ الَّذِي هُوَ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصِّفَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ضَمِنْتُ لَكِ مَا دَايَنْتِ بِهِ فُلَانًا ، أَوْ مَا وَجَبَ لَكِ عَلَيْهِ ؛ ضمان نفقة الزوجة من الزوج الملط لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا لَمْ يَكُنْ وَمَا يَجْهَلُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنَ الضَّمَانِ أَوْرَدَهَا الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ يُبْنَى عَلَيْهِ ضَمَانُ النَّفَقَةِ . وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : ضَمَانُ مَا وَجَبَ . وَالثَّانِي : ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ . فَأَمَّا ضَمَانُ مَا وَجَبَ فَضَرْبَانِ : مَعْلُومٌ وَمَجْهُولٌ . فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا صَحَّ . وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا بَطَلَ . وَأَمَّا ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ كَقَوْلِهِ : مَنْ عَامَلَ فُلَانًا وَدَايَنَهُ فَعَلَيَّ ضَمَانُ دَيْنِهِ . فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ ضَمَانٌ بَاطِلٌ ، سَوَاءٌ عَيَّنَ الْمُدَايِنَ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ ، وَسَوَاءٌ ذَكَرَ لِلدَّيْنِ قَدْرًا أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَازِمٌ إِنْ صَحَّ ، وَمَا لَمْ يَجِبْ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ .

فَإِنْ قِيلَ : أَفَلَيْسَ ضَمَانُ الدَّرَكِ صَحِيحٌ وَهُوَ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ؟ قِيلَ : الدَّرَكُ إِذَا اسْتُحِقَّ فَوُجُوبُهُ قَبْلَ الضَّمَانِ ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْقَدْرِ ، فَصَارَ ضَمَانُهُ ضَمَانًا وَاجِبًا مَعْلُومًا . فَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ ، أَنَّهُ بَاطِلٌ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : يَصِحُّ ضَمَانٌ مَا لَمْ يَجِبْ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ لِإِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَصِحَّ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ فِي مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مُقَدَّرٍ لَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارًا بِضَمَانِ الدَّرَكِ . وَلَيْسَ لِهَذَا الْجَمْعِ وَجْهٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدَّرَكِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ قَبْلَ الضَّمَانِ فَصَحَّ ، وَمَا تَعَامَلَ بِهِ مُسْتَحَقٌّ بَعْدَ الضَّمَانِ فَلَمْ يَصِحَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ عَفْوِ الْمَهْرِ

بَابُ عَفْوِ الْمَهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِنَ الْجَامِعِ ، وَمِنْ كِتَابِ الصَّدَاقِ ، وَمِنَ الْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، ( قَالَ ) : وَالَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الزَّوْجُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْفُو مِنْ مِلْكٍ ، فَجَعَلَ لَهَا مِمَّا وَجَبَ لَهَا مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ أَنْ تَعْفُوَ ، وَجَعَلَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بِأَنْ يُتِمَّ لَهَا الصَّدَاقَ ، وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الزَّوْجُ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : فَأَمَّا أَبُو الْبِكْرِ وَأَبُو الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُمَا كَمَا لَا تَجُوزُ لَهُمَا هِبَةُ أَمْوَالِهِمَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [ الْبَقَرَةِ : 237 ] . وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ فِي طَلَاقِ النِّسَاءِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَهُوَ أُولَى الطَّلَاقَيْنِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ كَارِهًا . ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ، يَعْنِي : سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ صَدَاقًا ، فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ، فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ لَكُمْ تَسْتَرْجِعُونَهُ مِنْهُنَّ . وَالثَّانِي : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ لَهُنَّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ غَيْرُهُ لَهُنَّ . ثُمَّ قَالَ : إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ ، وَهَذَا خِطَابٌ لِلزَّوْجَاتِ عَدَلَ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَزْوَاجِ إِلَيْهِنَّ وَنَدَبَهُنَّ فِيهِ إِلَى الْعَفْوِ عَنْ حَقِّهِنَّ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ ؛ حكمته لِيَكُونَ عَفْوُ الزَّوْجَةِ أَدْعَى إِلَى خِطْبَتِهَا ، وَتَرْغِيبِ الْأَزْوَاجِ فِيهَا . ثُمَّ قَالَ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ - : أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ عفوه عن الصداق أَبُو الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ أَوْ جَدُّهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَدَبَ الْكَبِيرَةَ إِلَى الْعَفْوِ ، نَدَبَ وَلِيَّ الصَّغِيرَةِ إِلَى مِثْلِهِ ؛ لِيَتَسَاوَيَا فِي تَرْغِيبِ الْأَزْوَاجِ فِيهِمَا .

وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي التَّابِعِينَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَطَاوَسٍ . وَفِي الْفُقَهَاءِ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ - : أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ ، نَدَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْعَفْوِ كَمَا نَدَبَهَا ، لِيَكُونَ عَفْوُهُ تَرْغِيبًا لِلنِّسَاءِ فِيهِ ، كَمَا كَانَ عَفْوُهَا تَرْغِيبًا لِلرِّجَالِ فِيهَا . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : شُرَيْحٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . ثُمَّ قَالَ : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [ الْبَقَرَةِ : 237 ] . وَفِي الْمَقْصُودِ بِهَذَا الْخِطَابِ قَوْلَانِ لِأَهْلِ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ خِطَابٌ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . فَيَكُونُ الْعَفْوُ الْأَوَّلُ خِطَابًا لِلزَّوْجَةِ ، وَالْعَفْوُ الثَّانِي خِطَابًا لِلزَّوْجِ ، وَالْعَفْوُ الثَّالِثُ خِطَابًا لَهُمَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ خِطَابٌ لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، فَيَكُونُ الْعَفْوُ الْأَوَّلُ خِطَابًا لِلْكَبِيرَةِ ، وَالْعَفْوُ الثَّانِي خِطَابًا لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ ، وَالْعَفْوُ الثَّالِثُ خِطَابًا لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ . وَفِي قَوْلِهِ : أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَقْرَبُ لِاتِّقَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظُلْمَ صَاحِبِهِ . وَالثَّانِي : أَقْرَبُ إِلَى اتِّقَاءِ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي نَدْبِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أَيْ تَفَضُّلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا نَدَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَنَبَّهَ عَلَى اسْتِعْمَالِ مِثْلِهِ فِي كُلِّ حَقٍّ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ . فَهَذَا تَأْوِيلُ الْآيَةِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، فَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ وَلِيُّ الصَّغِيرَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ مِنَ الْآيَةِ بِأَرْبَعَةِ دَلَائِلَ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ افْتَتَحَهَا بِخِطَابِ الْأَزْوَاجِ مُوَاجَهَةً ، ثُمَّ عَدَلَ بِقَوْلِهِ : إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ إِلَى خِطَابِ الزَّوْجَاتِ كِنَايَةً ، ثُمَّ أَرْسَلَ قَوْلَهُ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، خِطَابًا لِمَكْنِيٍّ

عَنْهُ غَيْرِ مُوَاجَهٍ ، وَالْخِطَابُ إِذَا عَدَلَ بِهِ عَنِ الْمُوَاجَهَةِ إِلَى الْكِنَايَةِ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِ الْمُوَاجَهِ ، وَالزَّوْجُ مُوَاجَهٌ فَلَمْ تَعُدْ إِلَيْهِ الْكِنَايَةُ ، وَالزَّوْجَةُ قَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا ، وَلَفْظُ الْكِنَايَةِ مُذَكَّرٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَتَوَجَّهُ الْخِطَابُ إِلَيْهِ غَيْرُ الْوَلِيِّ . وَالدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْآيَةِ قَوْلُهُ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، إِلَّا الْوَلِيُّ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُزَوِّجَهَا ، فَاقْتَضَى أَنْ يَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ إِلَيْهِ وَلَا يَتَوَجَّهَ إِلَى الزَّوْجِ الَّذِي لَيْسَ الْعَقْدُ إِلَيْهِ ، لِيَكُونَ الْخِطَابُ مَحْمُولًا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ إِضْمَارٍ ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَجَازٍ وَإِضْمَارٍ . وَالدَّلِيلُ الثَّالِثُ مِنَ الْآيَةِ : أَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْوَلِيُّ مِنَ النِّكَاحِ أَنْ يَمْلِكَ عَقْدَهُ ، وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الزَّوْجُ أَنْ يَمْلِكَ الِاسْتِمْتَاعَ بَعْدَهُ ، فَكَانَ حَمْلُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ عَلَى الْوَلِيِّ الَّذِي يَمْلِكُ عَقْدَهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الزَّوْجِ الَّذِي يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بَعْدَهُ . وَالدَّلِيلُ الرَّابِعُ مِنَ الْآيَةِ : أَنَّ الزَّوْجَ غَارِمٌ لِلْبَاقِي مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ تَقْبِضُهُ الْكَبِيرَةُ وَوَلِيُّ الصَّغِيرَةِ ، فَكَانَ تَوَجُّهُ الْعَفْوِ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْغُرْمِ أَوْلَى مِنْ تَوَجُّهِهِ إِلَى مُلْتَزِمِ الْغُرْمِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا نَدَبَ الزَّوْجَةَ إِلَى الْعَفْوِ لِمَا تَحْظَى بِهِ مِنْ رَغْبَةِ الْأَزْوَاجِ فِيهَا ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الصَّغِيرَةِ مَنْدُوبًا إِلَى مِثْلِ مَا نُدِبَتْ إِلَيْهِ الْكَبِيرَةُ لِيَتَسَاوَيَا فِي عَوْدِ الْحَظِّ إِلَيْهِمَا بِتَرْغِيبِ الْأَزْوَاجِ فِيهِمَا .

فَصْلٌ : وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ : أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ دُونَ الْوَلِيِّ : الْآيَةُ ، وَمِنْهَا خَمْسَةُ أَدِلَّةٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَالْعُقْدَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَمْرِ الْمُنْعَقِدِ ، وَمِنْهُ حَبْلٌ مَعْقُودٌ ، وَعَهْدٌ مَعْقُودٌ ، لِمَا قَدِ اسْتَقَرَّ عَقْدُهُ وَنَجُزَ ، وَالنِّكَاحُ بَعْدَ الْعَقْدِ يَكُونُ بِيَدِ الزَّوْجِ دُونَ الْوَلِيِّ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ أُمِرَ بِالْعَفْوِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنَّمَا يَعْفُو مَنْ مَلَكَ ، وَالزَّوْجُ هُوَ الْمَالِكُ دُونَ الْوَلِيِّ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ بِالْعَفْوِ إِلَيْهِ لَا إِلَى الْوَلِيِّ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَفْوِ هُوَ التَّرْكُ ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مِنَ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، فَإِذَا تَرَكَ أَنْ يَتَمَلَّكَ لَمْ يَمْلِكْ ، فَأَمَّا الْوَلِيُّ فَعَفْوُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هِبَةً إِنْ كَانَ عَيْنًا ، أَوْ إِبْرَاءً إِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ ، فَصَارَ حَقِيقَةُ الْعَفْوِ أَخَصَّ بِالزَّوْجِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْوَلِيِّ . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ بِالْعَفْوِ إِلَى الزَّوْجِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ زَوْجٍ مُطَلِّقٍ ، وَإِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْوَلِيِّ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فِي بَعْضِ الزَّوْجَاتِ وَهُوَ الْأَبُ وَالْجَدُّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ مَعَ الصَّغِيرَةِ الْبِكْرِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا دُونَ سَائِرِ

الزَّوْجَاتِ ، فَكَانَ حَمْلُ الْخِطَابِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْعُمُومَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْخُصُوصَ . وَالْخَامِسُ قَوْلُهُ : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَهَذَا الْخِطَابُ غَيْرُ مُتَوَجَّهٍ إِلَى الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ قُرْبَهُ مِنَ التَّقْوَى أَنْ يَحْفَظَ مَالَ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ لَا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَيَبْرَأَ مِنْهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الزَّوْجُ دُونَ الْوَلِيِّ ، وَهُوَ رَاجِعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَهُ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ قَبْلَهُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجَ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ : مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِيُّ عَقْدِ النِّكَاحِ الزَّوْجُ ، وَهَذَا نَصٌّ . وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَوَى شُرَيْحٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الزَّوْجُ . وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فِهْرٍ ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا صَدَاقَهَا كَامِلًا ، وَقَالَ : أَنَا أَحَقُّ بِالْعَفْوِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ . وَهَذَا قَوْلُ صَحَابِيَّيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ : خَالَفَهُمَا ابْنُ عَبَّاسٍ . قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ فَتَعَارَضَتَا ، وَثَبَتَ خِلَافُهُ ، فَصَارَ الْإِجْمَاعُ بِغَيْرِهِ مُنْعَقِدًا . وَمِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ مُتَكَافِئَانِ فِيمَا أُمِرَا بِهِ وَنُدِبَا إِلَيْهِ ، فَلَمَّا نُدِبَتِ الزَّوْجَةُ إِلَى الْعَفْوِ ؛ تَرْغِيبًا لِلرِّجَالِ فِيهَا ، اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَنْدُوبًا إِلَى مِثْلِهِ ؛ تَرْغِيبًا لِلنِّسَاءِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْأَبُ الْعَفْوَ لَمَلَكَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ، وَلَوْ مَلَكَهُ فِي الْبِكْرِ لَمَلَكَهُ فِي الثَّيِّبِ ، وَلَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمَلَكَهُ بَعْدَهُ ، وَلَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ لَمَلَكَهُ قَبْلَهُ ، وَلَوْ مَلَكَهُ فِي الْمَهْرِ لَمَلَكَهُ فِي الدَّيْنِ . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا : أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكِ الْعَفْوَ عَنْ مَهْرِهَا إِذَا كَانَتْ ثَيِّبًا لَمْ يَمْلِكْهُ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ طَرْدًا ، وَكَالسَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ عَكْسًا . فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّمَا اخْتَصَّ بِهِ الْأَبُ فِي الْبِكْرِ ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِإِجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ . قِيلَ : قَدْ يَمْلِكُ إِجْبَارَ الْمَجْنُونَةِ وَالْبِكْرِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْ صَدَاقِهَا ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكِ الْعَفْوَ عَنِ الْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلَهُ ، كَالصَّغِيرَةِ طَرْدًا وَالْكَبِيرَةِ عَكْسًا . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ لِاسْتِهْلَاكِ بُضْعِهَا بِالدُّخُولِ . قِيلَ : لَا فَرْقَ فِي رَدِّ عَفْوِهِ بَيْنَ مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ رَدِّ بَدَلٍ كَالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ مَا كَانَ بِغَيْرِ بَدَلٍ كَالْمِيرَاثِ .

وَلِأَنَّهُ مَالٌ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ الْعَفْوُ عَنْهُ كَالثَّمَنِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا عَفَا عَنِ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَهَا إِيَّاهُ . قِيلَ : لَوِ اتَّجَرَ لَهَا بِمَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ رِبْحِهِ وَإِنْ أَفَادَهَا إِيَّاهُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ . فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ : إِنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ ، صَحَّ عَفْوُهُ بِاجْتِمَاعِ خَمْسَةِ شَرَائِطَ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَبًا ، أَوْ جَدًّا مِمَّنْ يَلِي عَلَى بُضْعِهَا وَمَالِهَا ، فَإِنْ عَفَا غَيْرُهُمَا مِنَ الْعَصَبَاتِ لَمْ يَصِحَّ . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ بِكْرًا يَصِحُّ إِجْبَارُ الْأَبِ لَهَا عَلَى النِّكَاحِ ، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَمْ يَصِحَّ . وَالثَّالِثُ : أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً ثَبَتَتِ الْوَلَايَةُ عَلَى مَالِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً تَمْلِكُ النَّظَرَ فِي مَالِهَا لَمْ يَصِحَّ . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ عَفْوُهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ الَّذِي تَمْلِكُ بِهِ نَفْسَهَا ، فَإِنْ عَفَا قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ . وَالْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِئَلَّا يُسْتَهْلَكَ عَلَيْهَا بُضْعُهَا ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يَصِحَّ . فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ صَحَّ حِينَئِذٍ عَفْوُهُ . وَإِذَا قُلْنَا : إِنَّهُ الزَّوْجُ صَحَّ عَفْوُهُ ، لِجَوَازِ أَمْرِهِ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالرُّشْدِ . فَأَمَّا الصَّغِيرُ : فَلَا تَبِينُ زَوْجَتُهُ مِنْهُ بِالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ ، وَتَبِينُ مِنْهُ بِالرِّدَّةِ أَوْ بِالرَّضَاعِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ عَادَ جَمِيعُ صَدَاقِهَا إِلَيْهِ ؛ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ مِنْ جِهَتِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ . وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِرِدَّتِهَا لَا غَيْرَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا صَدَاقَ لَهَا . وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِطَلَاقِهِ ، فَيَكُونُ فِي وُقُوعِهِ كَالْحُرِّ ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بِرِدَّتِهَا . وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِطَلَاقِهِ وَبِرِدَّتِهَا . فَلَا يَصِحُّ عَفْوُ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ . وَيَصِحُّ عَفْوُ سَيِّدِ الْعَبْدِ ، فَأَمَّا عَفْوُ وَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانَ عَفْوُ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ وَلِيَّ الزَّوْجَةِ هُوَ الَّذِي أَكْسَبَهَا الصَّدَاقَ بِعَقْدِهِ ، فَصَحَّ مِنْهُ إِسْقَاطُهُ بِعَقْدِهِ ، وَوَلِيَّ الزَّوْجِ مَا أَكْسَبَهُ مَا عَادَ مِنَ الصَّدَاقِ إِلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ مَا عَادَ مِنَ الزَّوْجِ قَدْ كَانَ مَالَهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ بَعْدَ عَوْدِهِ ، وَصَدَاقُ الزَّوْجَةِ مِلْكٌ مُسْتَفَادٌ فَصَحَّ عَفْوُهُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ عَفَا عَمَّا فِي يَدَيْهِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الدَفْعِ أَوِ الرَّدُّ وَالتَّمَامُ أَفْضَلُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ . إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ الرَّشِيدُ زَوْجَتَهُ الرَّشِيدَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ تُنُصِّفَ الصَّدَاقُ بَيْنَهُمَا ، فَكَانَ لَهَا نِصْفُهُ بِالْعَقْدِ ، وَصَارَ لِلزَّوْجِ نِصْفُهُ ، وَفِيمَا يَصِيرُ بِهِ مَالِكًا لِنِصْفِهِ قَوْلَانِ مَضَيَا : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَصِيرُ مَالِكًا لِنِصْفِهِ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ مَلَكَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ . فَإِنْ لَمْ يَعْفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ حَقِّهِ تَقَاسَمَاهُ عَيْنًا كَانَ أَوْ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِنْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الصَّدَاقِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ . فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ فِي الذِّمَّةِ ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ ، وَذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ . - إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصْدَقَهَا مَالًا فِي الذِّمَّةِ . - أَوْ أَصْدَقَهَا عَيْنًا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، فَصَارَ غُرْمُهَا فِي الذِّمَّةِ . فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَافِي مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ . - فَإِنْ كَانَ الْعَافِي هِيَ الزَّوْجَةَ ، فَعَفْوُهَا يَكُونُ إِبْرَاءً مَحْضًا ، وَيَصِحُّ بِأَحَدِ سِتَّةِ أَلْفَاظٍ : إِمَّا أَنْ تَقُولَ : قَدْ عَفَوْتُ ، أَوْ قَدْ أَبْرَأْتُ ، أَوْ قَدْ تَرَكْتُ ، أَوْ قَدْ أَسْقَطْتُ ، أَوْ قَدْ مَلَّكْتُ ، أَوْ قَدْ وَهَبْتُ . فَبِأَيِّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ أَبْرَأَتْهُ صَحَّ ، وَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى قَبُولِهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ - مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ رَجَاءٍ الْبَصْرِيُّ - : الْإِبْرَاءُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبُولِ كَالْهِبَةِ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ إِسْقَاطُ مِلْكٍ ، فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَفْوٌ ، فَأَشْبَهَ الْعَفْوَ عَنِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ . وَإِنْ كَانَ الْعَافِي هُوَ الزَّوْجَ : فَعَفْوُهُ هِبَةٌ مَحْضَةٌ لَا يَصِحُّ مِنَ الْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ إِلَّا بِإِحْدَى لَفْظَيْنِ : إِمَّا الْهِبَةِ وَإِمَّا التَّمْلِيكِ ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : بِبَذْلِ الزَّوْجِ ، وَقَبُولِ الزَّوْجَةِ ، وَقَبْضٍ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلِهِ فِيهِ إِلَى الزَّوْجَةِ أَوْ وَكِيلِهَا فِيهِ . فَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ فَلَهُ الرُّجُوعُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الدَّفْعِ .

فَصْلٌ : وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ العفو عنه بعد الطلاق ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَسْتَهْلِكَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ ، فَيَصِيرُ نِصْفُهُ الْمُسْتَحَقُّ بِالطَّلَاقِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، أَوْ بِاخْتِيَارِ تَمَلُّكِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي ، مِلْكًا لِلزَّوْجِ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْعَافِي مِنْهُمَا هُوَ الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ : - فَإِنْ كَانَ الْعَافِي هُوَ الزَّوْجَ ، تَرَتَّبَ عَفْوُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا مَلَكَ بِالطَّلَاقِ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ مَلَكَ بِالطَّلَاقِ نِصْفَ الصَّدَاقِ كَانَ عَفْوُهُ إِبْرَاءً مَحْضًا يَصِحُّ بِأَحَدِ الْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ : إِمَّا بِالْعَفْوِ ، أَوْ بِالْإِبْرَاءِ ، أَوْ بِالتَّرْكِ ، أَوِ الْإِسْقَاطِ ، أَوِ التَّمْلِيكِ ، أَوِ الْهِبَةِ ، وَفِي اعْتِبَارِ قَبُولِهَا وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى . وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ مَلَكَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، كَانَ عَفْوُهُ إِبْطَالًا لِتَمَلُّكِ الصَّدَاقِ ، فَيَصِحُّ بِالْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ الَّتِي يَصِحُّ بِهَا الْإِبْرَاءُ ، أَوْ يَصِحُّ بِزِيَادَةِ لَفْظَتَيْنِ وَهُمَا : الْإِخْلَالُ وَالْإِبَاحَةُ ، فَيَصِيرُ عَفْوُهُ بِأَحَدِ ثَمَانِيَةِ أَلْفَاظٍ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ وَجْهًا وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِيهِ ، كَمَا لَا يَفْتَقِرُ الْعَفْوُ عَنِ الشُّفْعَةِ وَالْقِصَاصِ إِلَى قَبُولٍ . - وَإِنْ كَانَ الْعَافِي مِنْهُمَا هِيَ الزَّوْجَةَ ، فَعَفْوُهَا هِبَةٌ مَحْضَةٌ تَصِحُّ بِإِحْدَى لَفْظَيْنِ : إِمَّا الْهِبَةِ أَوِ التَّمْلِيكِ ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : بِالْبَذْلِ ، وَالْقَبُولِ ، وَالْقَبْضِ . - فَإِنْ عَفَا الزَّوْجَانِ جَمِيعًا نُظِرَ : - فَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ غُلِّبَ عَفْوُ الزَّوْجَةِ عَلَى عَفْوِ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ عَفْوَ الزَّوْجَةِ إِبْرَاءٌ وَعَفْوَ الزَّوْجِ هِبَةٌ . - وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ غُلِّبَ عَفْوُ الزَّوْجِ عَلَى عَفْوِ الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّ عَفْوَ الزَّوْجِ إِبْرَاءٌ ، وَعَفْوَ الزَّوْجَةِ هِبَةٌ .

فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ عَيْنًا قَائِمَةً ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجِ ، فَلَا يَخْلُو الْعَافِي مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ .

- فَإِنْ كَانَ الْعَافِي هِيَ الزَّوْجَةَ فَعَفْوُهَا هِبَةٌ مَحْضَةٌ لِنِصْفِ عَيْنٍ مُشْتَرَكَةٍ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، فَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِإِحْدَى لَفْظَتَيْنِ الْهِبَةِ أَوِ التَّمْلِيكِ ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَرَابِعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ : وَهُوَ الْبَذْلُ ، وَالْقَبُولُ ، وَالْقَبْضُ ، وَأَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِمَا بَعْدَهُ زَمَانُ الْقَبْضِ ، وَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ الزَّوْجَةِ لَهُ بِالْقَبْضِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا بُدَّ مِنْ إِذْنٍ بِالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ مِلْكًا لَهَا ، فَلَمْ يَزُلْ حُكْمُ يَدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . - وَإِنْ كَانَ الْعَافِي هُوَ الزَّوْجَ : تَرَتَّبَ عَفْوُهُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَا مَلَكَهُ بِطَلَاقِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ مَلَكَ بِهِ نِصْفَ الصَّدَاقِ كَانَ عَفْوُهُ هِبَةً مَحْضَةً لِمُشَاعٍ فِي يَدِهِ ، فَيَصِحُّ بِإِحْدَى لَفْظَتَيْنِ ؛ إِمَّا بِالْهِبَةِ ، أَوْ بِالتَّمْلِيكِ ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : بِالْبَذْلِ ، وَالْقَبُولِ ، وَالْقَبْضِ . وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ مَلَكَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، كَانَ عَفْوُهُ إِسْقَاطًا لِحَقِّهِ فِيهِ ، فَيَصِحُّ بِإِحْدَى ثَمَانِيَةِ أَلْفَاظٍ مَضَتْ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ وَجْهًا وَاحِدًا .

فَصْلٌ : وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ العفو عنه بعد الطلاق ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَافِي مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ . فَإِنْ كَانَ الْعَافِي هِيَ الزَّوْجَةَ : فَعَفْوُهَا هِبَةٌ مَحْضَةٌ لِمُشَاعٍ فِي يَدِهَا فَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، وَلَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ الرُّجُوعُ . وَإِنْ كَانَ الْعَافِي هُوَ الزَّوْجَ تَرَتَّبَ عَفْوُهُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَا مَلَكَهُ بِطَلَاقِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ مَلَكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، كَانَ عَفْوُهُ هِبَةً مَحْضَةً لِمُشَاعٍ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، فَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ ، وَأَنْ يَمْضِيَ زَمَانُ الْقَبْضِ . وَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ أَمْ لَا ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَانُ الْقَبْضِ . وَهَلْ يَرْجِعُ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْإِذْنِ ؟ عَلَى الْقَوْلَيْنِ . وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ مَلَكَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، كَانَ عَفْوُهُ إِسْقَاطًا يَصِحُّ بِأَحَدِ الْأَلْفَاظِ الثَّمَانِيَةِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ وَجْهًا وَاحِدًا . - فَإِنْ عَفَا الزَّوْجَانِ مَعًا لَمْ يَصِحَّ عَفْوُ الزَّوْجَةِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ عَفْوَهَا هِبَةٌ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبُولِ ، وَلَا يَصِحُّ عَفْوُ الزَّوْجِ إِنْ جَعَلْنَاهُ وَاهِبًا ؛ في الصداق لِافْتِقَارِهِ إِلَى الْقَبُولِ ، وَيَصِحُّ عَفْوُهُ إِنْ جَعَلْنَاهُ مُسْقِطًا ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ .

لَوْ وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ

[ لَوْ وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - تَقْسِيمٌ ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : ( قَالَ ) وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ صَدَاقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَفِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ ، وَالْآخَرُ : لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مَلَكَهُ ، ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَالَ فِي كِتَابِ الْقَدِيمِ : لَا يَرْجِعُ إِذَا قَبَضَتْهُ فَوَهَبَتْهُ لَهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ ؛ لِأَنَّ هِبَتَهَا لَهُ إِبْرَاءٌ لَيْسَ كَاسْتِهْلَاكِهَا إِيَّاهُ لَوْ وَهَبَتْهُ لِغَيْرِهِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ عَلَيْهَا فِيمَا صَارَ إِلَيْهِ ؟ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا صَدَاقَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ طَلَاقًا يَمْلِكُ بِهِ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، لَمْ يَخْلُ الصَّدَاقُ الْمَوْهُوبُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا ، أَوْ دَيْنًا . فَإِنْ كَانَ عَيْنًا : فَسَوَاءٌ وَهَبَتْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَ قَبْضِهِ ، هَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ بَدَلِهِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ - : أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ - : أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ وَهَبَتْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا ، وَإِنْ وَهَبَتْهُ بَعْدَهُ رَجَعَ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي الْأَعْيَانِ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِمَا قَبْضٌ . - فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ : أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ تَعَجَّلَ الصَّدَاقَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ ، كَمَا لَوْ تَعَجَّلَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا . وَالثَّانِي : أَنَّ هِبَتَهَا لِلصَّدَاقِ يَجْعَلُهَا كَالْمَنْكُوحَةِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا رُجُوعًا بِالطَّلَاقِ . - وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي : أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ عَادَ الصَّدَاقُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ السَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ بِنِصْفِهِ ، كَمَا لَوِ ابْتَاعَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا لَوْ وَهَبَتْ لَهُ غَيْرَ الصَّدَاقِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ بِنِصْفِهِ ، كَذَلِكَ إِذَا وَهَبَتْ لَهُ الصَّدَاقَ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَالٌ لَهَا .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ : لَهُ الرُّجُوعُ ، فَسَوَاءٌ كَافَأَهَا عَلَى الْهِبَةِ أَمْ لَا ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الصَّدَاقِ وهبت له صداقها وطلقها قبل يمسها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ ، وَبِنِصْفِ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ .

وَإِنْ قِيلَ : لَا رُجُوعَ ، وَكَانَ قَدْ كَافَأَهَا عَلَى هِبَتِهِ ، فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي وُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَرْجِعُ ، إِذَا قِيلَ : إِنَّ الْمُكَافَأَةَ لَا تَجِبُ . وَالثَّانِي : يَرْجِعُ ، إِذَا قِيلَ : إِنَّ الْمُكَافَأَةَ تَجِبُ .

فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ طلقها قبل أن يمسها : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَهَبَهُ لِلزَّوْجِ بَعْدَ قَبْضِهِ مِنْهُ ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الصَّدَاقِ إِذَا كَانَ عَيْنًا فَوَهَبَتْهَا لَهُ ، فِي أَنَّ رُجُوعَهُ يَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تُبَرِّئَهُ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَإِذَا قِيلَ : لَا يَرْجِعُ مَعَ الْهِبَةِ ، فَأَوْلَى أَلَّا يَرْجِعَ مَعَ الْإِبْرَاءِ ، وَإِذَا قِيلَ : يَرْجِعُ مَعَ الْهِبَةِ ، فَفِي رُجُوعِهِ مَعَ الْإِبْرَاءِ قَوْلَانِ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهَا مَعَ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ في الصداق لمن طلقها قبل أن يمسها ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : يَرْجِعُ عَلَيْهَا ، سَوَاءٌ وَهَبَتْ أَوْ أَبْرَأَتْ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا ، سَوَاءٌ وَهَبَتْ أَوْ أَبْرَأَتْ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : يَرْجِعُ عَلَيْهَا إِنْ وَهَبَتْ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا إِنْ أَبْرَأَتْ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ في الصداق : أَنَّ الْهِبَةَ تَصَرُّفٌ ، وَالْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَوْلَى . فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ بَعْضُ صَدَاقِهَا عَيْنًا وَبَعْضُهُ دَيْنًا ، فَوَهَبَتْ لَهُ الْعَيْنَ وَأَبْرَأَتْهُ مِنَ الدَّيْنِ ، أَجْرَى عَلَى الْعَيْنِ حُكْمَ الْهِبَةِ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ ، وَعَلَى الدَّيْنِ حُكْمَ الْإِبْرَاءِ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ . وَعَلَى هَذَا : لَوْ وَهَبَتْ لَهُ الصَّدَاقَ إِنْ كَانَ عَيْنًا أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ إِنْ كَانَ دَيْنًا ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ صَدَاقِهَا ، كَانَ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ ، كَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا فِي الطَّلَاقِ بِنِصْفِهِ : أَحَدُهَا : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ فِي الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ . وَالثَّانِي : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ فِي الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ . وَالثَّالِثُ : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ فِي الْهِبَةِ ، وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ فِي الْإِبْرَاءِ .

فَصْلٌ : وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا : أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلَانِ سِلْعَةً ، وَيَهَبَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي ثَمَنَهَا ، ثُمَّ تُسْتَحَقُّ السِّلْعَةُ مِنْ مُشْتَرِيهَا ، فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنِهَا وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي رُجُوعِ الزَّوْجِ .

وَهَكَذَا لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا ، فَفِي رُجُوعِهِ بِأَرْشِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا رَدَّ ، وَلَا أَرْشَ . وَالثَّانِي : لَهُ الرَّدُّ وَالرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ رَجَعَ بِالْأَرْشِ . وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ مُشْتَرِي السِّلْعَةِ وَهَبَهَا لِبَائِعِهَا ، ثُمَّ فَلَّسَ هَذَا الْمُشْتَرِي ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَضْرِبَ بِالثَّمَنِ مَعَ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ غَيْرَ مَا وُهِبَ لَهُ . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا : أَنْ يُكَاتِبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ يُبَرِّئَهُ ، فَقَدْ عَتَقَ بِالْإِبْرَاءِ كَمَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ، فَهَلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَنْ يُؤْتِيَهُ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَأْدَى مِنْهُ شَيْئًا . وَالثَّانِي : يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

لَوْ وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ

[ لَوْ /1 L25622 وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ /1 ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْطَاهَا نِصْفَهُ ثُمَّ وَهَبَتْ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ ثُمَّ طَلَّقَهَا ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَلَا أَعْلَمُ قَوْلًا غَيْرَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : هِبَتُهَا لَهُ كَهِبَتِهَا لِغَيْرِهِ ، وَالْأَوَّلُ عِنْدَنَا أَحْسَنُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَلِكُلٍّ وَجْهٌ ، ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : وَالْأَحْسَنُ أَوْلَى بِهِ مِنَ الَّذِي لَيْسَ بِأَحْسَنَ ، وَالْقِيَاسُ عِنْدِي عَلَى قَوْلِهِ مَا قَالَ فِي كِتَابِ الْإِمْلَاءِ إِذَا وَهَبَتْ لَهُ النِّصْفَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا بَقِيَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا : أَنْ تَهَبَ لَهُ نِصْفَ صَدَاقِهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَفِي رُجُوعِهِ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ : أَحَدُهَا : لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ، وَيَكُونُ مَا وَهَبَتْهُ مِنْ نِصْفِهِ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ بِطَلَاقِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ النِّصْفِ الْبَاقِي ، وَيَكُونُ النِّصْفُ الْمَمْلُوكُ بِالْهِبَةِ كَالْمَمْلُوكِ بِالِابْتِيَاعِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَوْجُودِ وَهُوَ الرُّبُعُ ، وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ وَهُوَ الرُّبُعُ . وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْبَاقِي وَهُوَ الرُّبُعُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ ، وَكَأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا بِعَوْدِهِ إِلَيْهِ .

مَسْأَلَةٌ إِنْ خَالَعَتْهُ بِشَيْءٍ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الْمَهْرِ فَمَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ نِصْفُهُ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ خَالَعَتْهُ بِشَيْءٍ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الْمَهْرِ ، فَمَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ نِصْفُهُ ، ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : هَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ النِّصْفَ مُشَاعٌ فِيمَا قَبَضَتْ وَبَقِيَ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْخُلْعِ أَوْرَدَهَا الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الصَّدَاقِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ خُلْعٌ عَلَى الصَّدَاقِ ، فَأَوْرَدَهَا فِيهِ . وَالثَّانِي : لِيُفَرِّقَ بِهَا بَيْنَ مَا عَادَ مِنَ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ بِالْهِبَةِ ، وَبَيْنَ مَا عَادَ إِلَيْهِ بِالْخُلْعِ . وَالْخُلْعُ : عَقْدٌ تَمْلِكُ بِهِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا ، وَيَمْلِكُ بِهِ الزَّوْجُ مَالَ خُلْعِهَا ، كَالنِّكَاحِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الزَّوْجُ بُضْعَهَا ، وَتَمْلِكُ الزَّوْجَةُ بِهِ صَدَاقَهَا ، إِلَّا أَنَّ الزَّوْجَةَ فِي الْخُلْعِ تَقُومُ مَقَامَ الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ بِالْخُلْعِ بُضْعَ نَفْسِهَا كَمَا مَلَكَ الزَّوْجُ بِالنِّكَاحِ بُضْعَهَا ، وَالزَّوْجُ فِي الْخُلْعِ يَقُومُ مَقَامَ الزَّوْجَةِ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْخُلْعِ الْبَدَلَ ، كَمَا مَلَكَتِ الزَّوْجَةُ بِالنِّكَاحِ الْمَهْرَ . فَإِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ عَلَى صَدَاقِهَا بعد الدخول ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَالْخُلْعُ بِهِ جَائِزٌ ، سَوَاءٌ خَالَعَهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ أَوْ بِبَعْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ لَهَا جَمِيعُهُ بِالدُّخُولِ فَخَالَعَتْهُ عَلَى مَا قَدِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يُخَالِعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ على صداقها ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ مِنَ الصَّدَاقِ بِطَلَاقِهِ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ نِصْفَهُ ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ إِذَا وَقَعَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَلَوْ وَقَعَتْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ سَقَطَ عَنْهُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ . وَالْفُرْقَةُ فِي الْخُلْعِ وَإِنْ تَمَّتْ بِهِمَا ، فَالْمُغَلَّبُ فِيهَا الزَّوْجُ دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَهَا مَعَ غَيْرِهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُخَالِعَهُ مَعَ غَيْرِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى جَمِيعِ الصَّدَاقِ ، وَهَذَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْخُلْعِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى بَعْضِهِ بعض الصداق ، وَهُوَ الْمَسْطُورُ هَاهُنَا ، فَإِذَا أَصْدَقَهَا أَلْفًا ، وَخَالَعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى نِصْفِهَا ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَمَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ نِصْفُهُ ، فَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ الْخَمْسَمِائَةَ الَّتِي خَالَعَهَا عَلَيْهَا يَكُونُ الْخُلْعُ مِنْهَا عَلَى نِصْفِهَا وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَنِصْفُهَا يَمْلِكُهُ بِطَلَاقِهِ ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي مِنَ الصَّدَاقِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ يَمْلِكُ نِصْفَهُ بِطَلَاقِهِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ نِصْفُهُ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ يَسُوقُهُ إِلَيْهَا . وَقَدْ كَانَ الظَّاهِرُ يَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ جَمِيعَ النِّصْفِ بِالْخُلْعِ ، وَيَمْلِكَ النِّصْفَ الْآخَرَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَاقِ شَيْءٌ . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :

أَحَدُهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ - : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ أَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى نِصْفِ الْأَلْفِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ نِصْفُهَا ، وَيَبْقَى فِي الْخُلْعِ نِصْفُهَا ، فَصَارَ كَأَنَّهُ خَالَعَهَا مِنَ الْخَمْسِمِائَةِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ مِنْهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، فَمَلَكَ تِلْكَ الْخَمْسَمِائَةَ بِخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ ، وَيَبْقَى لَهَا عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ ، مَلَكَ الزَّوْجُ نِصْفَهَا بِطَلَاقِهِ ، وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : وَمَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ نِصْفُهُ ، فَصَارَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ وَهُوَ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ سَاقِطًا عَنِ الزَّوْجِ . النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ ، وَالرُّبُعُ بِالْخُلْعِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ الرُّبُعُ لِلزَّوْجَةِ ، وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ . فَقِيلَ لِابْنِ خَيْرَانَ : فَعَلَى هَذَا مَا تَقُولُ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِأَلْفٍ ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ مَغْصُوبٌ ؟ . قَالَ : يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْمَغْصُوبِ فِي الْعَقْدِ لَغْوًا ، كَمَا قَالَ فِي الْخُلْعِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَالَعَتْهُ عَلَى مَا يُسَلِّمُ لَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ ، وَصَرَّحَتْ بِهِ لَفْظًا فِي الْعَقْدِ ، وَلَوْ لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا بِهِ مُقْنِعٌ فَيَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُ الْخَمْسِمِائَةِ بِالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ نِصْفُ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى بِالطَّلَاقِ ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ نِصْفُهَا وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : وَمَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ نِصْفُهُ ، فَيَكُونُ الْجَوَابُ مُوَافِقًا لِجَوَابِ ابْنِ خَيْرَانَ إِذَا صَرَّحَا بِمَا عَلِمَاهُ ، وَمُخَالِفًا إِنْ لَمْ يُصَرِّحَا بِهِ وَإِنْ عَلِمَاهُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ - : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ عَلَى إِطْلَاقِهِمَا لِذَلِكَ فِي أَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ هِيَ نِصْفُ الْأَلْفِ ، وَقَدْ كَانَتْ وَقْتَ الْعَقْدِ مَالِكَةً لِجَمِيعِ الْأَلْفِ ، فَصَحَّ الْخُلْعُ فِي نِصْفِهَا ثُمَّ سَقَطَ نِصْفُ الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي خَالَعَهَا بِهَا بِالطَّلَاقِ ، فَصَارَ كَمَنْ خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ تَلِفَ نِصْفُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ ، فَيَأْخُذُ النِّصْفَ الْبَاقِي . وَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ بَدَلُ النِّصْفِ التَّالِفِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ - : يَرْجِعُ بِمِثْلِ التَّالِفِ إِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ . وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْخُلْعُ قَدْ صَحَّ عَلَى نِصْفِ الْخَمْسِمِائَةِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَبَطَلَ فِي نِصْفِهَا وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَاسْتَحَقَّ بَدَلَهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ مِثْلَهُ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ .

ثُمَّ بَقِيَ عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ نِصْفُهُ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : وَمَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ نِصْفُهُ ، فَيَصِيرُ الْبَاقِي عَلَيْهِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْقَدِيمُ - : مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ . وَالثَّانِي - وَهُوَ الْجَدِيدُ - : نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ . فَيَكُونُ الشَّافِعِيُّ قَدْ ذَكَرَ الْبَاقِي عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَاقِي لَهُ . وَهَلْ يَكُونُ الْبَاقِي عَلَيْهِ قِصَاصًا مِنَ الْبَاقِي لَهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى اخْتِلَافِ أَقَاوِيلِهِ فِي مَنْ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ ، فَإِنْ جَعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا : بَرِئَا ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ قِصَاصًا : تَقَابَضَا . فَإِنْ قِيلَ : هَلَّا قُلْتُمْ إِذَا خَالَعَهَا عَلَى نِصْفِ الْأَلْفِ أَنَّهُ يَصِحُّ الْخُلْعُ فِي جَمِيعِ النِّصْفِ ؛ لِأَنَّهُ يُسَلِّمُ لَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ النِّصْفَ ، كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى نِصْفِ أَلْفٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ شَرِيكٍ لَهَا أَنَّهُ يَصِحُّ فِي جَمِيعِ النِّصْفِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَلْفِ ؟ قِيلَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّهَا فِي الصَّدَاقِ قَدْ خَالَعَتْ عَلَى نِصْفِهِ ، وَهِيَ مَالِكَةٌ لِجَمِيعِهِ ، فَإِذَا سَقَطَ بَعْدَ الْخُلْعِ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَقُّهَا مِنَ النِّصْفِ فِي الَّذِي خَالَعَتْ بِهِ دُونَ الْبَاقِي ، فَلِذَلِكَ صَارَ مُشْتَرِكًا فِيهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَالُهَا فِي الْأَلْفِ الْمُشْتَرَكَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ مِنْهَا وَقْتَ الْخُلْعِ إِلَّا النِّصْفَ ، فَانْصَرَفَ الْعَقْدُ إِلَى النِّصْفِ الَّذِي لَهَا ، وَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَى النِّصْفِ الَّذِي يُشْرِكُهَا فَافْتَرَقَا .

فَصْلٌ صِحَّةِ الْخُلْعِ عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ وَسُقُوطِ بَاقِيهِ

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا ، فَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الْخُلْعِ عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ وَسُقُوطِ بَاقِيهِ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثَةَ طُرُقٍ - يَصِحُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا - : أَحَدُهَا : أَنْ يُخَالِعَهَا بِمِثْلِ نِصْفِهِ فِي ذِمَّتِهَا ، فَإِذَا كَانَ صَدَاقُهَا أَلْفًا فِي ذِمَّتِهِ خَالَعَهَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فِي ذِمَّتِهَا ، فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي خُلْعِهِ بَرِئَ مِنْ نِصْفِ صَدَاقِهَا بِطَلَاقِهِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ نِصْفُهُ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ، وَوَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا مَا خَالَعَهَا بِهِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ، فَصَارَ لَهُ عَلَيْهَا مِثْلُ مَا بَقِيَ لَهَا فَيَتَقَاصَّانِ ، أَوْ يَتَقَابَضَانِ ، أَوْ يَتَبَارَيَانِ . وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى مَا يُسَلِّمُ لَهَا مِنْ صَدَاقِهَا ، وَالَّذِي يُسَلَّمُ لَهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَيَكُونُ هُوَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْخُلْعُ ، فَيَبْرَأُ مِنْ جَمِيعِ نِصْفِهِ بِمَا مَلَكَهُ مِنَ الطَّلَاقِ ، وَنِصْفِهِ بِمَا مَلَكَهُ مِنَ الْخُلْعِ . وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ - ذَكَرَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ - : أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى أَلَّا تَبِعَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي مَهْرِهَا ، فَيَبْرَأُ مِنْ جَمِيعِهِ بِمَا مَلَكَهُ بِطَلَاقِهِ وَبِخُلْعِهِ ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَدْ خَالَعَهَا عَلَى مَا يُسَلِّمُ لَهَا مِنْ صَدَاقِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَأَمَّا فِي الصَّدَاقِ غَيْرِ الْمُسَمَّى أَوِ الْفَاسِدِ ، فَالْبَرَاءَةُ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِمَّا لَا تَعْلَمُ ، ( قَالَ ) : وَلَوْ قَبَضَتِ الْفَاسِدَ ثَمَّ رَدَّتْهُ عَلَيْهِ ، كَانَتِ الْبَرَاءَةُ بَاطِلَةً ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَهْرِ ، أَوْ يُعْطِيَهَا مَا تَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ أَقَلُّ ، وَتُحَلِّلُهُ مِمَّا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا أَوْ يُعْطِيَهَا أَكْثَرَ ، وَيُحَلِّلُهَا مِمَّا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ إِبْرَاءَ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مِنَ الصَّدَاقِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيِّ الْإِبْرَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ وُجُوبَ الْحَقِّ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِهِ لَمْ يَصِحَّ ، كَمَنْ عَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مِنْ مَعْلُومِ الْقَدْرِ ، فَإِنْ كَانَ الْإِبْرَاءُ مِنْ مَجْهُولٍ لَمْ يَصِحَّ . وَكَذَلِكَ الضَّمَانُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ . وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ اعْتِبَارَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فِي الضَّمَانِ ، وَجَوَّزَ الْإِبْرَاءَ مِنَ الْمَجْهُولِ . وَلِلْكَلَامِ عَلَيْهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنِّكَاحُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : نِكَاحُ تَفْوِيضٍ . وَالثَّانِي : نِكَاحُ غَيْرِ تَفْوِيضٍ . فَأَمَّا نِكَاحُ التَّفْوِيضِ : الَّذِي لَمْ يُسَمِّ لَهَا فِيهِ مَهْرًا ، إِذَا أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا فِيهِ ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَنْ فُرِضَ لَهَا فِيهِ مَهْرٌ ، فَالْإِبْرَاءُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ وَاجِبٍ مَعْلُومٍ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا فِيهِ مَهْرٌ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تُبْرِئَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، فَالْإِبْرَاءُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِمَّا لَمْ يَجِبْ ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمُفَوَّضَةِ لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْفَرْضِ أَوْ بِالدُّخُولِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا ، فَقَدْ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَإِنْ عَلِمَتْ قَدْرَهُ صَحَّ الْإِبْرَاءُ ، وَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى الْقَبُولِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَتِمُّ إِلَّا بِقَبُولِ الزَّوْجِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ قَدْرَهُ فَالْإِبْرَاءُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْمَجْهُولِ بَاطِلَةٌ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا نِكَاحُ غَيْرِ التَّفْوِيضِ إذا أبرأت زوجها من صداقها : وَهُوَ أَنْ يُسَمَّى فِيهِ مَهْرٌ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : صَحِيحٌ ، وَفَاسِدٌ .

- فَأَمَّا الصَّحِيحُ : فَالْإِبْرَاءُ مِنْهُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مِنْ وَاجِبٍ مَعْلُومٍ . - وَأَمَّا الْفَاسِدُ : فَالْإِبْرَاءُ مِنْهُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَجِبُ ، فَصَارَ إِبْرَاءً مِنْ غَيْرِ وَاجِبٍ ، وَالْوَاجِبُ لَهَا فِي الْفَاسِدِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَلَوْ سَلَّمَ الصَّدَاقَ الْفَاسِدَ إِلَيْهَا فَرَدَّتْهُ عَلَيْهِ هِبَةً لَهُ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ رَدَّتْهُ عَلَيْهِ ، وَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَلَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ رُوعِيَ عِلْمُهَا بِقَدْرِهِ ، فَإِنْ جَهِلَتْ قَدْرَهُ فَالْإِبْرَاءُ بَاطِلٌ ، سَوَاءٌ عَلِمَ الزَّوْجُ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَإِنْ عَلِمَتْ قَدْرَهُ صَحَّ الْإِبْرَاءُ ، سَوَاءٌ عَلِمَ الزَّوْجُ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، فَكَانَ عِلْمُهُ بِقَدْرِهِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ . وَعَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَبُولَ الزَّوْجِ مُعْتَبَرٌ فَعِلْمُهُ بِقَدْرِهِ مُعْتَبَرٌ .

فَصْلٌ : فَلَوْ عَلِمَتْ أَنَّ مَهْرَ مِثْلِهَا لَا يَنْقُصُ عَنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَجَهِلَتِ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا ، فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ جَمِيعِهِ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشْرَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، وَفِي بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعَشْرَةِ الْمَعْلُومَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْهَا ؛ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَبْرَأُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ جُمْلَةٍ مَجْهُولَةٍ فَجَرَى عَلَى جَمِيعِهَا حُكْمُ الْجَهَالَةِ كَمَا لَوْ ضَمِنَ مَا يَعْلَمُ بَعْضَهُ وَيَجْهَلُ جَمِيعَهُ كَانَ ضَمَانُ الْجَمِيعِ بَاطِلًا . فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مَجْهُولَ الْقَدْرِ مَعْلُومَ الطَّرَفَيْنِ ، مِثْلَ أَنْ تَعْلَمَ : أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ دِينَارًا ، فَلِلْبَرَاءَةِ مِنْهُ حَالَانِ : حَالٌ بِالْإِبْرَاءِ ، وَحَالٌ بِالْأَدَاءِ . فَأَمَّا الْإِبْرَاءُ : فَالطَّرِيقُ إِلَى صِحَّتِهِ أَنْ تَقُولَ : قَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْ دِينَارٍ إِلَى عِشْرِينَ دِينَارًا ، فَيَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالطَّرَفَيْنِ يَجْعَلُ الْوَسَطَ مُلْحَقًا بِهِمَا ، فَلَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشْرَةِ إِلَى الْعِشْرِينَ ، صَحَّ ، وَصَارَ مَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَهْرِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ . فَلَوْ قَالَتْ : قَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى عِشْرِينَ بَرِئَ مِنَ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّيْنِ يَدْخُلَانِ فِي الْمَحْدُودِ إِذَا جَانَسَاهُ ، فَالْحَدُّ الْأَوَّلُ : هُوَ الْمُبْتَدَأُ مِنْهُ ، وَالْحَدُّ الثَّانِي : هُوَ الْمُنْتَهَى إِلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَدْخُلُ فِيهِ الْحَدُّ الْأَوَّلُ الْمُبْتَدَأُ مِنْهُ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَدُّ الثَّانِي الْمُنْتَهَى إِلَيْهِ ، فَيَبْرَأُ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا . وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ : لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنَ الْحَدَّيْنِ ، لَا الْمُبْتَدَأُ مِنْهُ ، وَلَا الْمُنْتَهَى إِلَيْهِ ، فَيَبْرَأُ مِنْ تِسْعَةِ دَنَانِيرَ .

وَالدَّلِيلُ عَلَى دُخُولِ الْحَدَّيْنِ فِيهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - : أَنَّ " مِنْ " حَرْفٌ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الشَّيْءِ ، وَ " إِلَى " حَرْفٌ لِانْتِهَاءِ غَايَةِ الشَّيْءِ ، وَابْتِدَاءُ الشَّيْءِ وَانْتِهَاؤُهُ طَرَفَاهُ ، وَطَرَفَا الشَّيْءِ مِنْ جُمْلَتِهِ ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ دُخُولُ الْحَدِّ فِي الْمَحْدُودِ . وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ بِالْأَدَاءِ في الصداق فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهَا جَمِيعُ مَهْرِهَا فَبَرِئَ مِنْهُ ، عَشْرَةٌ مِنْهَا مُتَحَقَّقَةٌ ، وَالْعَشْرَةُ الْأُخْرَى مَشْكُوكَةٌ ، فَتَحْتَاجُ أَنْ يُبَرِّئَهَا مِنْ دِينَارٍ إِلَى عَشْرَةٍ فَيُبَرِّئَانِ جَمِيعًا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهَا عَشْرَةً فَيَحْتَاجُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُبَرِّئَةَ لَهُ مِنْ دِينَارٍ إِلَى عَشْرَةٍ ، فَيَبْرَأُ حِينَئِذٍ مِنْ جَمِيعِ مَهْرِهَا بِالْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ . وَإِذَا كَانَ مَهْرُهَا مَعْلُومًا فِي الذِّمَّةِ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْهُ إِنْ شِئْتَ ، فَقَالَ : قَدْ شِئْتُ ، لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ . وَلَوْ كَانَتْ عَيْنًا قَائِمَةً ، فَقَالَتْ : قَدْ وَهَبْتُهُ لَكَ إِنْ شِئْتَ ، فَقَالَ : قَدْ قَبِلْتُ وَشِئْتُ ، صَحَّتِ الْهِبَةُ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْمَشِيئَةُ كَمَا لَا يُرَاعَى فِيهِ الْقَبُولُ ، وَالْهِبَةُ تَمْلِيكٌ يُرَاعَى فِيهِ الْمَشِيئَةُ كَمَا يُرَاعَى فِيهِ الْقَبُولُ ، فَافْتَرَقَا .

فَصْلٌ : وَإِذَا اعْتَقَدَتْ قَبَضَ مَهْرِهَا مِنْهُ فَقَالَتْ : قَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْ مَهْرِي ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ مَهْرَهَا كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِ ، فَفِي بَرَاءَتِهِ مِنْهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعْدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ - : يَبْرَأُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ صَادَفَتْ حَقًّا مَعْلُومًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ - : أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ تَصْحِيحَ الْإِبْرَاءِ بَلْ أَوْرَدَتْهُ لَغْوًا . وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ : مَنْ بَاعَ عَبْدَ أَبِيهِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ بَيْعِهِ ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ وَجْهَانِ .

بَابُ الْحُكْمِ فِي الدُّخُولِ وَإِغْلَاقِ الْبَابِ وَإِرْخَاءِ السِّتْرِ

بَابُ الْحُكْمِ فِي الدُّخُولِ ، وَإِغْلَاقِ الْبَابِ ، وَإِرْخَاءِ السِّتْرِ ، مِنَ الْجَامِعِ ، وَمِنْ كِتَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ ، وَمِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ الْقَدِيمِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : " وَلَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا الْمَالَ بالزوجة ، فَإِنْ كَانَ كُلُّهُ دَيْنًا فَلَهُ الدُّخُولُ بِهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا امْتَنَعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ صَدَاقِهَا ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ حَالًّا . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ مُؤَجَّلًا . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا ، وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ حَالًّا ؛ إِمَّا بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ أَوْ بِالشَّرْطِ ، فَيَكُونُ حَالًّا بِالْعَقْدِ ، وَالشَّرْطُ تَأْكِيدٌ ، فَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا عَلَى قَبْضِ صَدَاقِهَا ، كَمَا كَانَ لِبَائِعِ السِّلْعَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِهَا عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهَا . فَإِنْ تَطَوَّعَتْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ الصَّدَاقِ ، ثُمَّ أَرَادَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ لِقَبْضِ الصَّدَاقِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : الضَّرْبُ الْأَوَّلُ : أَلَّا يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا ، فَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ وَطِئَهَا ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي النِّكَاحِ يَكُونُ بِالْوَطْءِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ كَمَالُ الْمَهْرِ دُونَ التَّسْلِيمِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ ، فَلَيْسَ لَهَا عِنْدَنَا أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهَا الِامْتِنَاعُ بَعْدَ الْوَطْءِ ، كَمَا كَانَ لَهَا الِامْتِنَاعُ قَبْلَهُ ؛ احْتِجَاجًا بِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ وَطْءٍ فِي النِّكَاحِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَوَّلِ ، لَوَجَبَ لِلثَّانِي مَهْرٌ آخَرُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَوَّلِ ، لَجَازَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا بَعْدَ الْأَوَّلِ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِهِ .

وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَيْنِ أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ وَطْءٍ ، لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمُهَا لِبَعْضِ الْحَقِّ مُسْقِطًا لِحَقِّهَا فِي مَنْعِ مَا بَقِيَ ، كَمَنْ بَاعَ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ ، فَسَلَّمَ أَحَدَهَا قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ كَانَ لَهُ حَبْسُ بَاقِيهَا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا . قَالَ : وَلِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَوْفِ مَهْرَهَا مَعَ اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ ، فَجَازَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَ الْوَطْءِ . وَدَلِيلُنَا : هُوَ أَنَّهُ تَسْلِيمُ رِضًا اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ بِهِ حَقُّ الْإِمْسَاكِ قِيَاسًا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدِ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْوَطْءِ اخْتَصَّتْ بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَ مَا بَعْدَهُ تَبَعًا ، وَقَدْ رَفَعَ الْوَطْءُ الْأَوَّلُ حُكْمَ الْإِمْسَاكِ فِي حَقِّهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْفَعَهُ فِي حَقٍّ تَبِعَهُ كَالْإِحْلَالِ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ وَطْءٍ : فَنَقُولُ : قَدِ اسْتُبِيحَ بِهِ كُلُّ وَطْءٍ ، لَكِنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ ، فَقَامَ فِيهِ مَقَامَ كُلِّ وَطْءٍ ، أَلَا تَرَاهَا لَوِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ كُلَّ وَطْءٍ فِي النِّكَاحِ ، وَلَوْ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا بِالْمَهْرِ الْمُتَقَدَّمِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَا قَبْلَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ : فَالْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ مَا اسْتَقَرَّ بِهِ الْمَهْرُ ، فَجَرَى مَجْرَى الْبَيْعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَعْدَ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ سَلَّمَتْ مَا اسْتَقَرَّ بِهِ الْمَهْرُ ، فَجَرَى مَجْرَى الْمَبِيعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُهَا مُؤَجَّلًا ، فَيَجُوزُ إِذَا كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ صَحَّ بِعَيْنٍ وَبِدَيْنٍ ، صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُعَجَّلًا وَمُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ ، وَإِذَا كَانَ الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا ، فَعَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا ، وَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ لِقَبْضِ الصَّدَاقِ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا وَتَعْجِيلِ حَقِّهِ ، فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَأَخَّرَ تَسْلِيمُهَا لِنَفْسِهَا حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ فَأَرَادَتِ الِامْتِنَاعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ الصَّدَاقَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهَا وَإِنْ حَلَّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ الِامْتِنَاعَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ صَدَاقِهَا حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا ، فَيَصِحُّ إِذَا كَانَ قَدَرُ الْحَالِّ مِنْهُ مَعْلُومًا ، وَأَجَلُ الْمُؤَجَّلِ مَعْلُومًا ، وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْحَالِّ ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمُؤَجَّلِ من الصداق ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْحَالِّ مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ حَالًّا ، وَحُكْمُ الْمُؤَجَّلِ مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ مُؤَجَّلًا ، فَلَوْ تَرَاخَى التَّسْلِيمُ حَتَّى حَلَّ الْمُؤَجَّلُ ، كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا عَلَى قَبْضِ الْمُعَجَّلِ دُونَ مَا حَلَّ مِنَ الْمُؤَجَّلِ .

هَلْ يَلْزَمُ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إِذَا طَلَبَهَا بَعْدَ دَفْعِهِ لِلصَّدَاقِ

[ /1 L11375 هَلْ يَلْزَمُ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إِذَا طَلَبَهَا بَعْدَ دَفْعِهِ لِلصَّدَاقِ ؟ /1 تَقْسِيمٌ ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَتُؤَخَّرُ يَوْمًا وَنَحْوَهُ ؛ لِتُصْلِحَ أَمْرَهَا ، وَلَا يَجَاوِزُ بِهَا ثَلَاثًا ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ ، فَيَمْنَعُهُ أَهْلُهَا حَتَّى تَحْتَمِلَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا دَفَعَ الزَّوْجُ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ وَسَأَلَهَا تَسْلِيمَ نَفْسِهَا ، لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً ، أَوْ كَبِيرَةً . فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً : لَزِمَهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا كَمَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ ، وَالْمُؤَجِّرَ تَسْلِيمُ مَا أَجَّرَ بَعْدَ قَبْضِ أُجْرَتِهِ . فَإِنِ اسْتَنْظَرَتْهُ لِبِنَاءِ دَارٍ أَوِ اسْتِكْمَالِ جِهَازٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ انْتِظَارُهَا ، وَإِنِ اسْتَنْظَرَتْهُ لِمُرَاعَاةِ نَفْسِهَا وَتَعَاهُدِ جَسَدِهَا ، لَزِمَهُ انْتِظَارُهَا يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَسْتَغْنِي مَعَ بُعْدِ عَهْدِهَا بِالزَّوْجِ عَنِ التَّأَهُّبِ لَهُ بِمُرَاعَاةِ جَسَدِهَا وَتَفَقُّدِ بَدَنِهَا ، لَوْ أَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ عَلَى صِفَةٍ تُنَفِّرُ نَفْسَ الزَّوْجِ مِنْهَا . وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا . فَلَمَّا نَهَى الزَّوْجَ الَّذِي قَدْ أَلِفَهَا وَأَلِفَتْهُ عَنْ أَنْ يَطْرُقَهَا لَيْلًا ، وَلَمْ تَتَأَهَّبْ لَهُ ؛ لِئَلَّا يُصَادِفَهَا عَلَى حَالٍ تَنْفُرُ مِنْهَا نَفْسُهُ ، فَالزَّوْجُ الَّذِي لَمْ يَأْلَفْهَا وَلَمْ تَأْلَفْهُ وَلَمْ يَعْرِفْهَا وَلَمْ تَعْرِفْهُ ، أَوْلَى بِالنَّهْيِ . وَأَكْثَرُ مُدَّةِ إِنْظَارِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ لَهَا فِي الشَّرْعِ أَصْلًا ، وَأَنَّهَا أَكْثَرُ الْقَلِيلِ وَأَقَلُّ الْكَثِيرِ . وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا ، وَفِي كِتَابِ " الْأُمِّ " . وَقَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ " : لَا تُمْهَلُ ، وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا قَالَهُ هَاهُنَا وَفِي الْأُمِّ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُمْهَلُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَدًّا عَلَى مَالِكٍ فِي جَوَازِ إِمْهَالِهَا السَّنَةَ .

فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُمْكِنَ الِاسْتِمْتَاعُ بِمِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ ، قَدْ قَارَبَتِ الْبُلُوغَ ، وَأَمْكَنَ اسْتِمْتَاعُ الْأَزْوَاجِ بِهَا ، فَهِيَ كَالْكَبِيرَةِ ، لَهَا أَنْ يُطَالِبَهُ وَلِيُّهَا بِمَهْرِهَا ، وَعَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَلَّا يُمْكِنَ الِاسْتِمْتَاعُ بِمِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ بِحَسْبِ حَالِهَا ، فَرُبَّ صَغِيرَةِ السِّنِّ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ، وَرُبَّ كَبِيرَةِ السِّنِّ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ،

فَلِذَلِكَ لَمْ يَحُدَّهُ سِنٌّ مُقَدَّرَةٌ ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا غَيْرَ مُمْكِنٍ لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ إِلَيْهَا . فَإِنْ طَلَبَ تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِ لِيَقُومَ بِحَضَانَتِهَا وَتَرْبِيَتِهَا لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي حَضَانَتِهَا ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهَا فَيَسْتَحِقَّهُ الزَّوْجُ مِنْهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تَغْلِبَهُ الشَّهْوَةُ عَلَى مُوَاقَعَتِهَا ، فَرُبَّمَا أَفْضَى إِلَى تَلَفِهَا وَنِكَايَتِهَا . فَلَوْ سَأَلَهُ وَلِيُّهَا - وَهِيَ صَغِيرَةٌ - أَنْ يَتَسَلَّمَهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَمْ يُخْلَقْ فِيهَا ، وَلِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى تَرْبِيَةٍ وَحَضَانَةٍ لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ لَهَا نَفَقَةً لَا يُقَابِلُهَا الِاسْتِمْتَاعُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ الصَّدَاقُ كَالدَّيْنِ سَوَاءٌ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَالصَّدَاقُ كَالدَّيْنِ سَوَاءٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدٍ ، فَكَانَ دَيْنًا كَالْأَثْمَانِ ، وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ كَالدَّيْنِ فِي لُزُومِهِ فِي الذِّمَّةِ كَلُزُومِ الدَّيْنِ ، وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَالًّا تَارَةً ، وَمُؤَجَّلًا تَارَةً ، وَمُنَجَّمًا أُخْرَى ، وَأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَوْثَقَ فِيهِ بِالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ وَالشَّهَادَةِ ، وَأَنَّ الْحَوَالَةَ بِهِ جَائِزَةٌ ، وَأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ سَائِغٌ ، وَأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُبْتَاعَ فِيهِ الْعَقَارُ ، وَأَنَّ الزَّوْجَ يُحْبَسُ بِهِ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ ، وَأَنَّ الزَّوْجَةَ تَضْرِبُ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ عِنْدَ فَلَسِهِ ، وَتَتَقَدَّمُ بِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ الصداق ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدُّيُونِ الْمُسْتَحَقَّةِ .

مَسْأَلَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِ دَفْعُ صَدَاقِهَا وَلَا نَفَقَتِهَا حَتَّى تَكُونَ فِي الْحَالِ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا وَيُخَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَفْعُ صَدَاقِهَا ، وَلَا نَفَقَتِهَا حَتَّى تَكُونَ فِي الْحَالِ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا ، وَيُخَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنَ النَّفَقَاتِ ذَكَرَهَا لِاتِّصَالِهَا بِالصَّدَاقِ ، وَلَيْسَ يَخْلُو حَالُ الزَّوْجَيْنِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ وَالصَّدَاقِ الزوج والزوجة كبيران مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَا كَبِيرَيْنِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَا صَغِيرَيْنِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ كَبِيرًا وَالزَّوْجَةُ صَغِيرَةً . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صَغِيرًا وَالزَّوْجَةُ كَبِيرَةً . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ : أَنْ يَكُونَا كَبِيرَيْنِ : فَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا عَلَى قَبْضِ الصَّدَاقِ ، وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ لِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، فَأَيُّهُمَا سَلَّمَ مَا فِي ذِمَّتِهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَإِنْ أَقَامَا عَلَى التَّمَانُعِ فَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ مِنْ بَعْدُ . وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ .

وَالثَّانِي : أَنْ يَدْعُوَهَا إِلَى نَفْسِهِ فَتَمْتَنِعَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ . وَالثَّالِثُ : أَلَّا يَكُونَ مِنْهَا تَسْلِيمٌ وَلَا مِنْهُ طَلَبٌ ، فَفِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَهَا النَّفَقَةُ ، وَالثَّانِي : لَا نَفَقَةَ لَهَا . بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِمَ تَجِبُ ؟ . قَالَ فِي الْقَدِيمِ : تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتَسْتَحِقُّ قَبْضَهَا بِالتَّمْكِينِ ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ ، مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا نُشُوزٌ . وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَالتَّمْكِينِ مَعًا ، فَعَلَى هَذَا لَا نَفَقَةَ لَهَا لِعَدَمِ التَّمْكِينِ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يَكُونَا صَغِيرَيْنِ ، فَالتَّسْلِيمُ لَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهَا حكم استحقاق النفقة والصداق ، وَلَوْ سَلَّمَتْ لَمْ يَجِبْ عَلَى وَلِيِّ الزَّوْجِ أَنْ يَقْبَلَهَا . وَإِذَا كَانَ التَّسْلِيمُ لَا يَجِبُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ دَفْعَ الصَّدَاقِ لَا يَجِبُ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجْرَاهُ مَجْرَى النَّفَقَةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الصَّغِيرَيْنِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْقَدِيمُ - : تَجِبُ لِوُجُوبِهَا بِالْعَقْدِ . وَالثَّانِي - وَهُوَ الْجَدِيدُ - : لَا تَجِبُ لِوُجُوبِهَا بِالْعَقْدِ وَالتَّمْكِينِ ، فَكَذَلِكَ وُجُوبُ تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ يَكُونُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ . وَهَذَا الْجَمْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ وُجُوبَ الصَّدَاقِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ دَفْعِهِ ، وَوُجُوبَ النَّفَقَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ دَفْعِهَا ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ عَيْنٍ بَاقِيَةٍ ، وَالنَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ زَمَانٍ مَاضٍ ، فَكَانَ لَهُ حَبْسُ الصَّدَاقِ لِبَقَاءِ مُوجِبِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُ النَّفَقَةِ لِذَهَابِ مُوجِبِهَا .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ كَبِيرًا وَهِيَ صَغِيرَةٌ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ صَدَاقِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ تَسْلِيمَهَا لَا يَجِبُ وَلَوْ طَلَبَهَا ، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ لَوْ بَذَلَتْ لَهُ . فَأَمَّا النَّفَقَةُ ، فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ : لَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي الْجَدِيدِ بِالْعَقْدِ وَالتَّمْكِينِ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ : فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِوُجُوبِهَا عَلَى الْقَدِيمِ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مُتَعَذِّرٌ مِنْهَا بِصِغَرِهَا ، فَجَرَى مَجْرَى نُشُوزِهَا .

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صَغِيرًا وَهِيَ كَبِيرَةً حكم استحقاق النفقة والصداق ، فَهَاهُنَا إِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّ الزَّوْجِ أَنْ يَتَسَلَّمَهَا لَهُ ؛ لِتَكُونَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا ، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ

الَّتِي لَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهَا أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى الزَّوْجِ إِذَا كَانَ كَبِيرًا لِأُمُورٍ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ فِي الْكَبِيرَةِ مَفْقُودٌ فِي الصَّغِيرَةِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ إِذَا كَانَ كَبِيرًا ، وَالْكَبِيرَةُ تُؤْمَنُ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا كَانَ صَغِيرًا . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْكَبِيرَةَ إِذَا سُلِّمَتْ إِلَى الصَّغِيرِ أَقَامَتْ بِتَرْبِيَتِهِ فَكَانَ عَوْنًا ، وَالصَّغِيرَةَ إِذَا سُلِّمَتْ إِلَى الْكَبِيرِ احْتَاجَ إِلَى تَرْبِيَتِهَا فَكَانَتْ كَلًّا ، فَصَارَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ . وَإِذَا لَزِمَ بِهَا تَسْلِيمُ الْكَبِيرَةِ إِلَى الصَّغِيرِ ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُ الصَّغِيرَةِ إِلَى الْكَبِيرِ حكم استحقاق النفقة والصداق ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِصَدَاقِهَا كَالْكَبِيرَةِ مَعَ الْكَبِيرِ . فَأَمَّا النَّفَقَةُ ، فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ ، وَأَنَّهَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ ، فَلَهَا النَّفَقَةُ لِوُجُودِ الْعَقْدِ وَارْتِفَاعِ النُّشُوزِ . وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ : أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَالتَّمْكِينِ ، فَفِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا نَفَقَةَ لَهَا لِعَدَمِ التَّمْكِينِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْهَا مَوْجُودٌ ، وَمِنَ الزَّوْجِ مَفْقُودٌ ، فَصَارَ الْمَنْعُ مِنْ جِهَتِهِ لَا مِنْ جِهَتِهَا .

مَسْأَلَةٌ إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ مَعَ الزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَيُّهُمَا يُسَلِّمُ أَوَّلًا مَا عَلَيْهِ

[ إِذَا /1 L13061 L13059 L24785 اخْتَلَفَ الزَّوْجُ مَعَ الزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَيُّهُمَا يُسَلِّمُ أَوَّلًا مَا عَلَيْهِ /1 ] . مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً ، فَقَالَ : لَا أَدْفَعُ حَتَّى تُدْخِلُوهَا ، وَقَالُوا : لَا نُدْخِلُهَا حَتَّى تَدْفَعَ ، فَأَيُّهُمَا تَطَوَّعَ أَجْبَرْتُ الْآخَرَ ، فَإِنِ امْتَنَعُوا مَعًا أَجْبَرْتُ أَهْلَهَا عَلَى وَقْتٍ يُدْخِلُونَهَا فِيهِ ، وَأَخَذْتُ الصَّدَاقَ مِنْ زَوْجِهَا ، فَإِذَا دَخَلَتْ دَفَعْتُهُ إِلَيْهَا ، وَجَعَلْتُ لَهَا النَّفَقَةَ إِذَا قَالُوا نَدْفَعُهَا إِلَيْهِ إِذَا دَفَعَ الصَّدَاقَ إِلَيْنَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ لِلزَّوْجَيْنِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ : إِحْدَاهُنَّ : أَنْ تَبْدَأَ الْمَرْأَةُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، وَتَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْهَا ، فَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ إِصَابَتُهَا قَبْلَ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْ صَدَاقِهَا ، وَعَلَى الزَّوْجِ تَسْلِيمُ صَدَاقِهَا إِلَيْهَا . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ لَهُ إِصَابَتُهَا إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهَا صَدَاقَهَا ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ . وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ .

قَالَ مَالِكٌ : وَأَقَلُّ مَا يَدْفَعُهُ إِلَيْهَا ؛ لِيَسْتَبِيحَ بِهِ إِصَابَتَهَا أَقَلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ، وَهُوَ رُبُعُ دِينَارٍ . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ صَدَاقًا مُؤَجَّلًا . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَبْدَأَ الزَّوْجُ بِتَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إِلَيْهَا فَعَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا إِلَيْهِ ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ صَارَتْ نَاشِزًا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَتَمَانَعَا فَتَقُولُ الزَّوْجَةُ : لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ صَدَاقِي ، وَيَقُولُهُ الزَّوْجُ : لَا أَدْفَعُ الصَّدَاقَ حَتَّى تُسَلِّمِي نَفْسَكِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى التَّسْلِيمِ ، بَلْ تُقْطَعُ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا وَيُتْرَكَانِ ، فَأَيُّهُمَا تَطَوَّعَ بِتَسْلِيمِ مَا عَلَيْهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَبْدَأْ بِإِجْبَارِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا وَعَلَيْهِ حَقٌّ ، فَلَمْ يَكُنِ الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْبِدَايَةِ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ بِأَوْلَى مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَهُ فِي الْبِدَايَةِ بِاسْتِيفَائِهِ لَهُ فَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ ، فَوَجَبَ تَرْكُهُمَا وَقَطْعُ التَّخَاصُمِ بَيْنَهُمَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْحَاكِمَ يُنَصِّبُ لَهُمَا أَمِينًا ، وَيَأْمُرُ الزَّوْجَ بِتَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إِلَيْهِ ، فَإِذَا تَسَلَّمَهُ أَمَرَ الزَّوْجَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا إِلَى الزَّوْجِ ، فَإِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا سَلَّمَ الْأَمِينُ الصَّدَاقَ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَوْضُوعٌ لِقَطْعِ التَّنَازُعِ ، وَفِعْلِ الْأَحْوَطِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ ، وَهَذَا أَحْوَطُ الْأُمُورِ فِيهَا ، وَأَقْطَعُ لِلتَّنَازُعِ بَيْنَهُمَا . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي تَنَازُعِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي التَّسْلِيمِ ، وَفِي الْبَيْعِ قَوْلٌ ثَالِثٌ : أَنَّهُ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِ السِّلْعَةِ ، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ . وَلَا يَجِيءُ تَخْرِيجُ هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ فِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي يُمْكِنُ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ فِي السِّلْعَةِ حَتَّى يُسْتَرْجَعَ مِنْهُ إِنَّ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ ، وَلَا يُمْكِنُ إِذَا سَلَّمَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا أَنْ يُمْنَعَ مِنْهَا ، وَرُبَّمَا اسْتَهْلَكَ بُضْعَهَا بِالدُّخُولِ قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ الْقَوْلَانِ فِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ ، فَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَلَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ فِي مُدَّةِ امْتِنَاعِهَا مِنْ تَمْكِينِ الزَّوْجِ ؛ اختلاف الزوجان أيهما يسلم ماعليه أولا لِأَنَّ الزَّوْجَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الصَّدَاقِ ، فَصَارَتْ مُمْتَنِعَةً بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ تَعْجِيلَهُ ، فَجَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ النُّشُوزِ فِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ . وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي : أَنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُ الزَّوْجَ عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إِلَى أَمِينٍ يُنَصِّبُهُ لَهُمَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ امْتِنَاعِهَا مِنْ تَمْكِينِهِ إِلَى أَنْ يَدْفَعَ الصَّدَاقَ إِلَى الْأَمِينِ ؛ لِأَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ

بِحَقٍّ يَجِبُ لَهَا تَعْجِيلُهُ ، فَإِذَا صَارَ الصَّدَاقُ مَعَ الْأَمِينِ كَانَ امْتِنَاعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِنَفَقَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ بِغَيْرِ حَقٍّ .

مَسْأَلَةٌ الْقَوْلُ فِي إِجْبَارِ الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ عَلَى الدُّخُولِ

[ الْقَوْلُ فِي /1 L13057 L13097 إِجْبَارِ الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ عَلَى الدُّخُولِ /1 ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ كَانَتْ نِضْوًا أُجْبِرَتْ عَلَى الدُّخُولِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَرَضٍ لَا يُجَامَعُ فِيهِ مِثْلُهَا فَتُمْهَلُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا النِّضْوَةُ الْخَلْقِ ، فَهِيَ الدَّقِيقَةُ الْعَظْمِ الْقَلِيلَةُ اللَّحْمِ ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ نِضْوَةَ الْخَلْقِ ، فَلَهَا حَالَتَانِ . إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِلْقَةً لَا يُرْجَى زَوَالُهُ ، فَعَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا كَغَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا بِحَسْبِ طَاقَتِهَا وَلَا يَنْكَأَهَا فِي نَفْسِهَا وَيُؤْذِيَهَا فِي بَدَنِهَا . وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خَفِيفَةَ اللَّحْمِ ، لِخِفَّةِ لَحْمِهَا رُفِعَ هَوْدَجُهَا فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ ، فَلَمْ يُعْلَمْ خُرُوجُهَا مِنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهَا صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ فَحَمَلَهَا ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْإِفْكِ أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أَنْزَلَ ، فَلَمْ تَمْنَعْ ضُؤُولَتُهَا وَخِفَّةُ لَحْمِهَا مِنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا . فَلَوْ كَانَتِ النِّضْوَةُ عَلَى حَدٍّ إِنْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ أَتْلَفَهَا ، مُنِعَ مِنْ وَطْئِهَا ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ نِكَاحِهَا ، بِخِلَافِ الرَّتْقَاءِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ فِيهَا خِيَارَ الْفَسْخِ ؛ لِتَعَذُّرِ وَطْئِهَا . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الرَّتْقَاءَ لَا يَقْدِرُ كُلُّ زَوْجٍ عَلَى وَطْئِهَا ، فَصَارَ الْمَنْعُ مُخْتَصًّا بِهَا ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَالنِّضْوَةُ الْخَلْقِ يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا الزَّوْجِ إِذَا كَانَ مِثْلَهَا نِضْوًا أَنْ يَطَأَهَا ، فَصَارَ الْمَنْعُ مِنْهُمَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَادِثٍ مِنْ مَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ ، فَلَا يَلْزَمُهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا تسليم الزوجة ، وَتُمْهَلُ حَتَّى تَصِحَّ مِنْ مَرَضِهَا . وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِحَادِثِ مَرَضٍ ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ خِلْقَةً مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَالِاسْتِمْتَاعُ مُسْتَحَقٌّ فِيهِ بَعْدَ الصِّحَّةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا قَبْلَ الصِّحَّةِ ، وَمَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَالِاسْتِمْتَاعُ فِيهِ مُسْتَحَقٌّ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ الصِّحَّةِ ، فَلَزِمَهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَأْخِيرِ زِفَافِ الْمَرِيضَةِ إِلَى حَالِ الصِّحَّةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا التَّسْلِيمُ قَبْلَ الصِّحَّةِ ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِتَسْلِيمِ النِّضْوَةِ لزوجها الْخِلْقَةِ عَاجِلًا ، فَلَزِمَهَا التَّسْلِيمُ فِي الْحَالِ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ فِيهِمَا .

فَعَلَى هَذَا إِذَا مَنَعَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا بِالْمَرَضِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، وَلَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ ، كَمَا لَوْ مَرِضَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ، وَكَانَ لَهَا النَّفَقَةُ ؛ لَأَنَّ الْمَرَضَ الْحَادِثَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ، لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ ، وَإِنْ مَنَعَ مِنَ الْوَطْءِ كَالْحَيْضِ .

مَسْأَلَةٌ الْقَوْلُ فِي إِفْضَاءِ الزَّوْجَةِ

[ الْقَوْلُ فِي /1 L16756 L11391 L27392 L23619 إِفْضَاءِ الزَّوْجَةِ /1 ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ أَفْضَاهَا فَلَمْ تَلْتَئِمْ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا ، وَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا ، وَلَهَا مَنْعُهُ أَنْ يُصِيبَهَا حَتَّى تَبْرَأَ الْبُرْءَ الَّذِي إِنْ عَادَ لَمْ يَنْكَأْهَا ، وَلَمْ يَزِدْ فِي جُرْحِهَا ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا : فِي رَجُلٍ وَطَأَ زَوْجَتَهُ فَأَفْضَاهَا بِشِدَّةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِيلَاجِ . وَالْإِفْضَاءُ : هُوَ أَنْ يَتَخَرَّقَ الْحَاجِزُ الَّذِي بَيْنَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ وَمَخْرَجِ الْبَوْلِ ؛ لِأَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ فِي مَخْرَجِ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ ، فَأَمَّا الْبَوْلُ فَمَخْرَجُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ، فَإِذَا بَالَغَ الْوَاطِئُ فِي إِيلَاجِهِ خَرَقَ الْحَاجِزَ بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ ، فَهَذَا هُوَ الْإِفْضَاءُ . وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، فَجَعَلَ الْإِفْضَاءَ خَرْقَ الْحَاجِزِ بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ حَتَّى يَصِيرَ السَّبِيلَانِ وَاحِدًا ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ . فَإِذَا أَفْضَى زَوْجَتَهُ بِوَطْئِهِ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ ، وَالدِّيَةُ بِالْإِفْضَاءِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَوْلُ مُسْتَمْسِكًا أَوْ مُسْتَرْسِلًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطَأَ أَجْنَبِيَّةً بِشُبْهَةٍ أَوِ اسْتَكْرَهَهَا عَلَى نَفْسِهَا فَأَفْضَاهَا ، كَانَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَمَهْرُ الْمِثْلِ ، وَلَوْ طَاوَعَتْهُ عَلَى الزِّنَا ، كَانَ عَلَيْهِ دِيَةُ الْإِفْضَاءِ دُونَ الْمَهْرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ أَفْضَى زَوْجَتَهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْإِفْضَاءِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ ، وَإِنْ أَفْضَى أَجْنَبِيَّةً بِوَطْءِ شُبْهَةٍ ، فَإِنْ كَانَ الْبَوْلُ مُسْتَرْسِلًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْإِفْضَاءِ وَلَا مَهْرَ فِي الْوَطْءِ ، وَإِنْ كَانَ الْبَوْلُ مُسْتَمْسِكًا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ وَثُلُثُ الدِّيَةِ بِالْإِفْضَاءِ كَالْجَائِفَةِ ، وَإِنْ أَفْضَى أَجْنَبِيَّةً بِوَطْءِ إِكْرَاهٍ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ دُونَ الْمَهْرِ . وَقَالَ مَالِكٌ : فِي الْإِفْضَاءِ حُكُومَةٌ . وَالْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا فِي إِفْضَاءِ الزَّوْجَةِ ، وَإِفْضَاءُ مَنْ سِوَاهَا لَهُ مَوْضُوعٌ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ . وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ إِفْضَاءَ الزَّوْجَةِ هَدْرٌ ، لَا يُضْمَنُ بِأَنَّ السِّرَايَةَ عَنْ مُسْتَحَقٍّ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ إِذَا سَرَى إِلَى النَّفْسِ لَمْ يُضْمَنْ ؛ لِحُدُوثِهِ عَنْ مُسْتَحَقٍّ ، كَذَلِكَ الْإِفْضَاءُ سَرَى عَنْ وَطْءٍ مُسْتَحَقٍّ فَوَجَبَ أَلَّا يُضْمَنَ . وَدَلِيلُنَا : هُوَ أَنَّهَا جِنَايَةٌ تَنْفَكُّ عَنِ الْوَطْءِ ، فَوَجَبَ أَلَّا يَسْقُطَ أَرْشُهَا بِاسْتِحْقَاقِ الْوَطْءِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَقَطَعَ يَدَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِغَيْرِ مَا تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ عِنْدَهُمْ

بِالْخَلْوَةِ ، وَعِنْدَنَا بِتَغَيُّبِ الْحَشَفَةِ ، وَالْإِفْضَاءُ يَكُونُ بِمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِيلَاجِ ، فَصَارَ الْوَطْءُ الَّذِي تَجِبُ بِهِ دِيَةُ الْإِفْضَاءِ زَائِدًا عَلَى الْوَطْءِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْمَهْرُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ : بِأَنَّهُ حَادِثٌ عَنْ وَطْءٍ مُسْتَحَقٍّ ، فَوَطْءُ الْإِفْضَاءِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ الْمُسْتَحَقَّ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْإِفْضَاءِ كَضَرْبِ الزَّوْجَةِ أُبِيحَ بِهِ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى التَّلَفِ ، فَإِذَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ صَارَ غَيْرَ مُبَاحٍ فَضُمِنَ ، كَذَلِكَ وَطْءُ الْإِفْضَاءِ غَيْرُ مُبَاحٍ فَضُمِنَ .

فَصْلٌ : وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِي الْإِفْضَاءِ حُكُومَةً بِأَنَّ الْحَاجِزَ بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ كَالْحَاجِزِ فِي الْأَنْفِ بَيْنَ الْمَنْخَرَيْنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَاجِزِ بَيْنَ الْمَنْخَرَيْنِ إِذَا قُطِعَ حُكُومَةٌ ، كَذَلِكَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ حُكُومَةٌ . وَدَلِيلُنَا : هُوَ أَنَّ الْحَاجِزَ بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ أَعْظَمُ مَنْفَعَةً مِنَ الشَّفْرَيْنِ ؛ لِأَنَّ خَرْقَ الْحَاجِزِ يُفْضِي إِلَى اسْتِرْسَالِ الْبَوْلِ ، وَقَطْعَ الشَّفْرَيْنِ لَا يَقْتَضِيهِ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ فِي الشَّفْرَيْنِ الدِّيَةَ ، فَكَانَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ أَوْلَى أَنْ تَجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ . فَأَمَّا الْحَاجِزُ بَيْنَ الْمَنْخَرَيْنِ فَمُخَالِفٌ لِلْحَاجِزِ بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ ؛ لِأَنَّ هَذَا عُضْوٌ بِكَمَالِهِ ، فَجَازَ أَنْ تُكْمَلَ فِيهِ الدِّيَةُ ، وَذَاكَ بَعْضُ عُضْوٍ فَلَمْ تُكْمَلْ فِيهِ الدِّيَةُ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ فِي الْإِفْضَاءِ الدِّيَةَ مَعَ الْمَهْرِ ، فَإِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ إِذَا لَمْ يَلْتَحِمِ الْحَاجِزُ عَلَى حَالِهِ مُنْخَرِقًا في الإفضاء ، فَأَمَّا إِنِ الْتَحَمَ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ حَاجِزًا بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ ، فَلَا دِيَةَ فِيهِ وَفِيهِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ جَانٍ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِمُسْتَهْلَكٍ لَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ أَفْضَاهَا فَلَمْ تَلْتَئِمْ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْتِئَامَهُ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ دِيَتِهَا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَالدِّيَةُ إِذَا وَجَبَتْ فِيهِ فَهِيَ : إِنْ عَمَدَ فَفِي مَالِهِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ ، ثُمَّ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى يَنْدَمِلَ جُرْحُهَا وَيَبْرَأَ الْفَرْجُ الَّذِي لَا يَضُرُّهَا جِمَاعُهُ ، فَيُمْكِنُ حِينَئِذٍ مِنْ جِمَاعِهَا . فَلَوِ ادَّعَى بُرْأَهَا وَانْدِمَالَهَا لِيَطَأَهَا ، وَقَالَتْ : بَلْ أَنَا عَلَى مَرَضِي لَمْ أَبْرَأْ مِنْهُ وَلَمْ يَنْدَمِلْ في إفضاء الزوجة ، وَأَنْكَرَ مَا قَالَتْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ، وَيُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا ؛ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَرَضَهَا مُتَيَقَّنٌ وَبُرْءَهَا مَظْنُونٌ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَغِيبٌ يُمْكِنُ صِدْقُهَا فِيهِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْحَيْضِ ، ثُمَّ لَهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهَا كَالْمَرِيضَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ الْقَوْلُ فِي الْخَلْوَةِ فِي إِيجَابِهَا الْمَهْرَ

[ الْقَوْلُ فِي /1 L11169 الْخَلْوَةِ فِي إِيجَابِهَا الْمَهْرَ /1 ] مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ،

فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِالْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إِغْلَاقِ الْبَابِ وَإِرْخَاءِ السِّتْرِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْمَهْرَ ، فَمِنْ قَوْلِ عُمَرَ مَا ذَنْبُهُنَّ لَوْ جَاءَ بِالْعَجْزِ مِنْ قِبَلِكُمْ ؟ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجِبُ إِذَا خَلَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهَا كَوُجُوبِ الثَّمَنِ بِالْقَبْضِ ، وَإِنْ لَمْ يُغْلِقْ بَابًا وَلَمْ يُرْخِ سِتْرًا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا ؛ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْمُسَمَّى لَهَا صَدَاقًا مَعْلُومًا ، فَلَا يَخْلُو حَالُ طَلَاقِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَبْلَ الْخَلْوَةِ حكم المهر لو طلقها ، وَلَيْسَ لَهَا مِنَ الْمَهْرِ إِلَّا نِصْفُهُ ، وَمَلَكَ الزَّوْجُ نِصْفَهُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [ الْبَقَرَةِ : 237 ] . وَالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِوَطْءٍ تَامٍّ تَغِيبُ بِهِ الْحَشَفَةُ ، فَقَدِ اسْتَقَرَّ لَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ الَّذِي كَانَتْ مَالِكَةً لَهُ بِالْعَقْدِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [ النِّسَاءِ : 21 ] . وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الْخَلْوَةِ بِهَا وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ لَهَا حكم المهر ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْمَعْمُولُ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِهِ - : أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا مِنَ الْمَهْرِ إِلَّا نِصْفَهُ ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْخَلْوَةِ فِي كَمَالِ مَهْرٍ ، وَلَا إِيجَابِ عِدَّةٍ . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : أَبُو ثَوْرٍ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّ الْخَلْوَةَ كَالدُّخُولِ فِي كَمَالِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : الزُّهْرِيُّ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ ؛ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ . وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ . إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الْخَلْوَةَ التَّامَّةَ فِي كَمَالِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ بِأَلَّا يَكُونَا مُحْرِمِينَ وَلَا صَائِمِينَ . وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْخَلْوَةَ يَدٌ لِمُدَّعِي الْإِصَابَةِ مِنْهُمَا فِي كَمَالِ الْمَهْرِ أَوْ وُجُوبِ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِيَاهَا لَمْ يُكْمَلْ بِالْخَلْوَةِ مَهْرٌ ، وَلَا يَجِبُ بِهَا عِدَّةٌ . وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْإِمْلَاءِ " .

وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْخَلْوَةَ تَقْتَضِي كَمَالَ الْمَهْرِ وَوُجُوبَ الْعِدَّةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ، وَلَهُمْ مِنَ الْآيَةِ دَلِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : عُمُومُ قَوْلِهِ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ، إِلَّا مَا خَصَّهُ دَلِيلٌ . وَالثَّانِي : قَوْلُهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ وَقَدْ خَلَا بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّ الْفَضَاءَ هُوَ الْمَوْضِعُ الْوَاسِعُ الْخَالِي ، وَقَوْلُ الْفَرَّاءِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِاللُّغَةِ حُجَّةٌ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ كَشَفَ قِنَاعَ امْرَأَةٍ فَقَدْ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا " . . وَهَذَا نَصٌّ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ " مَا ذَنْبُهُنَّ إِنْ جَاءَ الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِكُمْ " . وَرُوِيَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّهُ قَالَ : قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا وَأَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ ؛ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ . وَمِنَ الْقِيَاسِ : أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّمْكِينُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَائِهَا فِي اسْتِقْرَارِ بَدَلِهَا كَالْإِجَارَةِ ، وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَقِرَّ الْعِوَضُ لَهَا ، أَصْلُهُ : إِذَا وَطِئَهَا . وَلِأَنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِصَابَةِ كَمَا أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ التَّمْكِينَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ شَرْطٌ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي اسْتِقْرَارِ النَّفَقَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّمْكِينُ مِنَ الْإِصَابَةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِصَابَةِ فِي اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ فِي كَمَالِ مَهْرٍ ، وَلَا وُجُوبِ عِدَّةٍ ، وَلَا بَدْءٍ فِي دَعْوَى : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ وَالْمَسِيسُ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَطْءِ ؛ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَرْوِيٌّ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَسِيسَ كِنَايَةٌ لِمَا يُسْتَقْبَحُ صَرِيحُهُ ، وَلَيْسَتِ الْخَلْوَةُ مُسْتَقْبَحَةَ التَّصْرِيحِ فَيُكَنَّى عَنْهَا ، وَالْوَطْءُ مُسْتَقْبَحٌ فَكُنِّيَ بِالْمَسِيسِ عَنْهُ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْمَسِيسَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ كَمَالُ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَا بِهَا مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ كَمَلَ عِنْدَهُمُ الْمَهْرُ ، وَلَوْ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ كَمَلَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ ، وَلَوْ مَسَّهَا مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ وَلَا وَطْءٍ لَمْ يَكْمُلِ الْمَهْرُ ، فَكَانَ حَمْلُ الْمَسِيسِ عَلَى الْوَطْءِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ

الْحُكْمُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ الطَّلَاقَ قَبْلَ الْمَسِيسِ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ نِصْفِ الْمَهْرِ . وَمِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ : أَنَّهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَوَجَبَ أَلَّا يَكْمُلَ بِهِ الْمَهْرُ كَالطَّلَاقِ قَبْلَ الْخَلْوَةِ ، وَلِأَنَّهَا خَلْوَةٌ خَلَتْ عَنِ الْإِصَابَةِ ، فَوَجَبَ أَلَّا يَكْمُلَ بِهَا الْمَهْرُ كَالْخَلْوَةِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا فَرْضًا ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ لَا يُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ كَالْقُبْلَةِ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ ، وَلِأَنَّ الْخَلْوَةَ لَمَّا لَمْ يَقُمْ فِي حَقِّهَا مَقَامُ الْإِصَابَةِ لَمْ يَقُمْ فِي حَقِّهِ مَقَامُ الْإِصَابَةِ كَالنَّظَرِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ خَلَا بِهَا لَمْ يَسْقُطْ بِهَا حَقُّ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ التَّسْلِيمِ فِي أَحَدِ جَنْبَيِ الْعَقْدِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ حَقُّ التَّسْلِيمِ فِي الْجَنَبَةِ الْأُخْرَى قِيَاسًا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالْمُؤَاجَرِ إِذَا كَانَ دُونَ قَبْضِهِمَا حَائِلٌ ، وَلِأَنَّ لِلْوَطْءِ أَحْكَامًا تَخْتَصُّ بِهِ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ وَالْغُسْلِ ، وَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ وَالْإِحْلَالِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَسُقُوطِ الْعُنَّةِ وَحُكْمِ الْإِيلَاءِ ، وَإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، وَكَمَالِهِ فِي الصَّحِيحِ ، وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ فِيهِمَا . فَلَمَّا انْتَفَى عَنِ الْخَلْوَةِ جَمِيعُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ سِوَى تَكْمِيلِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ انْتَفَى عَنْهَا هَذَانِ ، اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْأَحْكَامِ . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا : أَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْوَطْءِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنِ الْخَلْوَةِ ، قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْفَرَّاءَ قَدْ خُولِفَ فِي تَفْسِيرِ الْإِفْضَاءِ ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي " مَعَانِيهِ " : أَنَّهُ الْغَشَيَانُ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي " غَرِيبِ الْقُرْآنِ " : هُوَ الْجِمَاعُ . فَكَانَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ مَحْجُوجًا بِغَيْرِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي اسْتَدْلَلْنَا بِهَا مُفَسِّرَةٌ تَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُجْمَلِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ : فَهُوَ أَنَّ كَشْفَ الْقِنَاعِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَالُ الْمَهْرِ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَهُمْ ، فَإِنْ جَعَلُوهُ كِنَايَةً فِي الْخَلْوَةِ كَانَ جَعْلُهُ كِنَايَةً فِي الْوَطْءِ أَوْلَى . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : " مَا ذَنْبُهُنَّ إِنْ جَاءَ الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِكُمْ " ، فَهُوَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْمَهْرُ مَعَ الْعَجْزِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ خَلْوَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ اسْتِحْقَاقُ دَفْعِهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْإِجَارَةِ فَمُنْتَقَضٌ مِمَّنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا فِي صَوْمٍ ، أَوْ إِحْرَامٍ ، أَوْ حَيْضٍ .

فَإِنْ قِيلَ : الصَّوْمُ وَالْإِحْرَامُ مَانِعٌ ، فَلَمْ يَتِمَّ التَّسْلِيمُ . قِيلَ : الْجُبُّ وَالْعُنَّةُ أَبْلَغُ فِي الْمَنْعِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ الْمُوجِبِ لِكَمَالِ الْمَهْرِ عِنْدَهُمْ بِالْخَلْوَةِ ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ فِي الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ لَكَمَلَ الْمَهْرُ وَاسْتَقَرَّ ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْخَلْوَةُ لَوْ أَوْجَبَتْ كَمَالَ الْمَهْرِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ مُوجِبَةً لِكَمَالِهِ فِي الْإِحْرَامِ كَالْوَطْءِ . عَلَى أَنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يَصِيرُ عِنْدَهُمْ وَاجِبًا بِالدُّخُولِ فِيهِ ، وَلَا يَمْنَعُ الْخَلْوَةَ فِيهِ مِنْ كَمَالِ الْمَهْرِ عِنْدَهُمْ ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ صَوْمِ الْفَرْضِ . عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ مُقَدَّرَةٌ بِالزَّمَانِ ، فَجَازَ أَنْ تَسْتَقِرَّ الْأُجْرَةُ بِالتَّمْكِينِ فِيهِ لِتَقْضِيَهُ ، وَلَيْسَ النِّكَاحُ مُقَدَّرًا بِالزَّمَانِ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمَهْرُ فِيهِ بِالتَّمْكِينِ إِلَّا بِانْقِضَاءِ زَمَانِهِ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْوَطْءِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْعَقْدِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْوَطْءِ : فَالْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ بِالْوَطْءِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخَلْوَةُ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالنَّفَقَةِ : فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ النَّفَقَةَ مُقَابَلَةٌ بِالتَّمْكِينِ دُونَ الْوَطْءِ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ مَعَ التَّمْكِينِ فِي الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُكْمِلُونَ الْمَهْرَ بِالْخَلْوَةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ .

فَصْلٌ : وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ مَالِكٍ : أَنَّ الْخَلْوَةَ يَدٌ لِمُدَّعِي الْإِصَابَةِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِأَنَّ الْخَلْوَةَ فِي دَعْوَى الْإِصَابَةِ بالزوجة تَجْرِي مَجْرَى اللَّوْثِ فِي الْقَسَامَةِ ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي فَكَذَلِكَ الْخَلْوَةُ ، وَلِأَنَّ الْإِصَابَةَ مِمَّا يَسْتَسِرُّهُ النَّاسُ وَلَا يُعْلِنُونَهُ فَتَعَذَّرَتْ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا ، فَجَازَ أَنْ يُعْمَلَ فِيهَا عَلَى ظَاهِرِ الْخَلْوَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا فِي قَبُولِ قَوْلِ مُدَّعِيهَا ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَوْلَى فِي دَعْوَى الْإِصَابَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ . وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْإِصَابَةِ لَا يُوجِبُ تَرْجِيحَ مَنْ يَدَّعِيهَا بِالْخَلْوَةِ ، كَمَا لَوْ خَلَا بِهَا لَيْلَةً فِي بَيْتِهَا . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ فِي ذَلِكَ بِاللَّوْثِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَرْجِيحِ الدَّعْوَى فِي الْأَمْوَالِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي تَرْجِيحِ الدَّعْوَى فِي الدِّمَاءِ . وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِ الْمَوْلَى فِي دَعْوَى الْإِصَابَةِ ؛ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ ثُبُوتُ النِّكَاحِ فَلَمْ تُصَدَّقِ الزَّوْجَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ فَسْخِهِ ، وَالْأَصْلُ هَاهُنَا بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ الْعِدَّةِ فَلَمْ يُصَدَّقْ مُدَّعِي اسْتِحْقَاقِهِمَا .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَسَوَاءٌ طَالَ مُقَامُهُ مَعَهَا أَوْ قَصُرَ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ إِلَّا بِالْمِسِيسِ نَفْسِهِ ، ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : قَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَدًّا عَلَى مَالِكٍ ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْخَلْوَةَ إِنْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ ، فَالْقَوْلُ مَعَهَا قَوْلُ مُدَّعِي الْإِصَابَةِ . وَإِنْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجَةِ فَإِنْ طَالَتْ حَتَّى زَالَتِ الْحِشْمَةُ بَيْنَهُمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْإِصَابَةِ مِنْهُمَا . وَإِنْ قَصُرَتْ وَلَمْ تَزَلِ الْحِشْمَةُ بَيْنَهُمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُنْكِرِهَا ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ عُرْفُ الْحُكَّامِ بِالْمَدِينَةِ . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ إِنْ أَوْجَبَتْ كَمَالَ الْمَهْرِ اسْتَوَى حُكْمُ طَوِيلِهَا وَقَصِيرِهَا ، وَأَنْ تَكُونَ فِي بَيْتِهِ أَوْ بَيْتِهَا كَالْإِصَابَةِ . وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ كَمَالَ الْمَهْرِ ، كَانَتْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا كَذَلِكَ ، وَقَدْ تَكُونُ الْإِصَابَةُ فِي قَلِيلِ الْخَلْوَةِ وَلَا تَكُونُ فِي كَبِيرِهَا ، وَقَدْ تَكُونُ الْإِصَابَةُ فِي خَلْوَةِ بَيْتِهَا وَلَا تَكُونُ فِي خَلْوَةِ بَيْتِهِ . فَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّفْصِيلِ مَعْنًى يُوجِبُهُ ، وَلَا تَعْلِيلٌ يَقْتَضِيهِ ، وَلَا أَصْلٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ . وَفِعْلُ حُكَّامِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَلِيلٍ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا ، فَلَا يَخْلُو حَالَةُ الزَّوْجَيْنِ إِذَا خَلَوْا في دعوى الإصابة مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : إِحْدَاهُنَّ : أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْإِصَابَةِ ، فَيَكْمُلُ الْمَهْرُ وَتَجِبُ الْعِدَّةُ وَتُسْتَحَقُّ الرَّجْعَةُ ، إِجْمَاعًا عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى عَدَمِ الْإِصَابَةِ ، فَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْإِمْلَاءِ لَا يَكْمُلُ الْمَهْرُ ، وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ ، وَلَا تُسْتَحَقُّ الرَّجْعَةُ في الخلوة . فَعَلَى هَذَا : لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ ، وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الْإِصَابَةِ بَيْنَهُمَا لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ . وَفِي اسْتِكْمَالِ الْمَهْرِ عَلَى الْجَدِيدِ وَالْإِمْلَاءِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُسْتَكْمَلُ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ الْوَلَدِ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِصَابَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُسْتَكْمَلُ الْمَهْرُ ، وَلَا يَكُونُ لَهَا إِلَّا نِصْفُهُ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّهُ فَعَلِقَتْ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِصَابَةٍ .

فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمَهْرَ كَامِلٌ وَالْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ وَالرَّجْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ ، اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الْخَلْوَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - : أَنَّهُ لَا يُكْمَلُ الْمَهْرُ ، وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ ، وَلَا تُسْتَحَقُ الرَّجْعَةُ ، اعْتِبَارًا بِعَدَمِ الْإِصَابَةِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ تَدَّعِيَ الزَّوْجَةُ الْإِصَابَةَ ، وَيُنْكِرَهَا الزَّوْجُ ، فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِإِقْرَارِهَا عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا ، إِلَّا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْ قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ . فَأَمَّا اسْتِكْمَالُ الْمَهْرِ : فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ : قَدِ اسْتَكْمَلَتْهُ بِلَا يَمِينٍ . وَعَلَى قَوْلِهِ فِي " الْإِمْلَاءِ " : لَا تَسْتَكْمِلُهُ إِلَّا بِيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْخَلْوَةَ يَدًا . وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَيْسَ لَهَا مِنَ الْمَهْرِ إِلَّا نِصْفُهُ ، فَإِنْ أَقَامَتِ الزَّوْجَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِقْرَارِ الزَّوْجِ بِالْإِصَابَةِ سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِإِثْبَاتِ مَالٍ . وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ الْإِصَابَةَ وَتُنْكِرَهَا الزَّوْجَةُ ، فَهَذِهِ الدَّعْوَى مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَاسْتِحْقَاقِ الرَّجْعَةِ . فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ بِلَا يَمِينٍ . وَعَلَى قَوْلِهِ فِي " الْإِمْلَاءِ " : الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيُحْكَمُ بِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا ، وَبِاسْتِحْقَاقِ الرَّجْعَةِ لَهُ . وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ . فَأَمَّا الْمَهْرُ : فَقَدِ اسْتَكْمَلَتْهُ ، عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ . فَأَمَّا فِي الْجَدِيدِ وَالْإِمْلَاءِ : فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُهُ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَهْرُ فِي يَدِهَا ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ اسْتِرْجَاعُ نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ إِلَّا بِنِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ جَمِيعِهِ . فَلَوْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِقْرَارِهَا بِالْإِصَابَةِ لِتَثْبُتَ لَهُ الرَّجْعَةُ وَالْعِدَّةُ ، سُمِعَتْ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، وَلَمْ تُسْمَعْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ .

فَصْلٌ : وَإِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِعِوَضٍ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا وَطَلَّقَهَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، كَانَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ الثَّانِي . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهَا فِيهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ؛ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ نِكَاحٌ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا فِيهِ الْعِدَّةُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُكْمَلَ لَهَا فِيهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ كَالْمَدْخُولِ بِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّ حُكْمَ الْوَطْءِ مَوْجُودٌ فِيهِ لِلُحُوقِ وَلَدِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِي كَمَالِ الْمَهْرِ . وَدَلِيلُنَا : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [ الْبَقَرَةِ : 237 ] ، وَهَذَا نِكَاحٌ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ فَوَجَبَ أَلَّا يُسْتَحَقَّ مِنَ الْمَفْرُوضِ لَهَا إِلَّا نِصْفُهُ ، وَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ صَدَاقَهَا ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهَا تَعْتَدُّ مِنْهُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَدُّ مِنَ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي بِبَاقِي الْعِدَّةِ دُونَ جَمِيعِهَا . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ حُكْمَ الْوَطْءِ يُلْحِقُ وَلَدَهَا بِهِ مَوْجُودٌ فِيهِ فَفَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ لُحُوقَهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا لَوْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ النِّكَاحِ الثَّانِي لَحِقَ بِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا بِالْعَقْدِ الثَّانِي وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ فِرَاقِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ لَحِقَ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ الْمُتْعَةِ

بَابُ الْمُتْعَةِ ، مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ قَدِيمٍ وَجَدِيدٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : " جَعَلَ اللَّهُ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَاتِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ ، إِلَّا الَتِي فُرِضَ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَحَسْبُهَا نِصْفُ الْمَهْرِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا النَّفَقَةُ فَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْمَالِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْفُرْقَةِ فِي النِّكَاحِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَتَاعِ ، وَهُوَ كُلُّ مَا اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ الْمَنَافِعِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَكُلُّ عِمَارَةٍ مِنْ حَبِيبٍ لَهَا بِكَ لَوْ لَهَوْتَ بِهِ مَتَاعُ وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى الطَّلَاقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمُتْعَةَ ، وَالطَّلَاقُ يُقَسَّمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ يُوجِبُ الْمُتْعَةَ . وَقِسْمٌ لَا يُوجِبُهَا . وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ . [ الْقِسْمُ الَّذِي يُوجِبُ الْمُتْعَةَ ] فَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يُوجِبُ الْمُتْعَةَ : فَهُوَ طَلَاقُ الْمُفَوَّضَةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقٌ وَلَا فُرِضَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ صَدَاقٌ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا يُنَصَّفُ لَهَا صَدَاقٌ ، وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا مُتْعَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا بَيَانَهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [ الْبَقَرَةِ : 236 ] فَجَعَلَ لَهَا الْمُتْعَةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَهْرٌ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، وَهَذِهِ الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ ، وَاسْتَحَبَّهَا مَالِكٌ وَلَمْ يُوجِبْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ الْبَقَرَةِ : 236 ] ، وَقَدْ مَضَى عَلَيْهِ مِنَ الْكَلَامِ مَا أَقْنَعَ مَعَ ظَاهِرِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنَ الْأَمْرِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ بُضْعَهَا ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْمَهْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ لَخَلَا بُضْعُهَا مِنْ بَدَلٍ ، فَصَارَتْ كَالْمَوْهُوبَةِ الَّتِي خُصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ ؛ وَلِأَنَّهَا قَدِ ابْتُذِلَتْ بِالْعَقْدِ الَّذِي لَمْ تَمْلِكْ لَهُ بَدَلًا ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْمُتْعَةُ فِيهِ بَدَلًا ؛ لِئَلَّا تَصِيرَ مُبْتَذَلَةً بِغَيْرِ بَدَلٍ .



فَصْلٌ : [ الْقِسْمُ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْمُتْعَةَ ] وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْمُتْعَةَ : فَهُوَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ لِمَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ بِالْعَقْدِ ، أَوْ فُرِضَ لَهَا مَهْرٌ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَ الْعَقْدِ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى أَوِ الْمَفْرُوضِ ، وَلَا مُتْعَةَ لَهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [ الْبَقَرَةِ : 237 ] فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا إِلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ ، وَلِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ نِصْفَ الْمَهْرِ بِمَا ابْتُذِلَتْ بِهِ مِنَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا غَيْرَهُ ؛ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ بَدَلَيْنِ ؛ وَلِأَنَّ طَلَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ قَدْ أَسْقَطَ شَطْرَ مَهْرِهَا ، فَلَا مَعْنَى لِأَنْ تَسْتَحِقَّ بِهِ مُتْعَةً فَوْقَ مَهْرِهَا .

فَصْلٌ : [ الْقِسْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ ] وَأَمَّا الْقِسْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ : فَهُوَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ لِمَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ أَوْ لَمْ يُسَمَّ الطلاق الذي يوجب المتعة ، فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى ، أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى ، وَفِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لَهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - : لَا مُتْعَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمُتْعَةَ بِشَرْطَيْنِ هُمَا : عَدَمُ الْمَهْرِ ، وَعَدَمُ الدُّخُولِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجِبَ بِفَقْدِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ عِوَضٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مُتْعَةٌ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إِذَا كَانَ لَهَا مَهْرٌ مُسَمًّى ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ لَهَا مُتْعَةٌ إِذَا اسْتَحَقَّتْ نِصْفَ الْمَهْرِ ، فَأَوْلَى أَلَّا يَجِبَ لَهَا مُتْعَةٌ إِذَا اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ الْمَهْرِ ؛ وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُتْعَةِ ؛ لِئَلَّا تَصِيرَ مُبْتَذَلَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَقَدْ صَارَتْ إِلَى عِوَضٍ ، فَلَمْ يُجْمَعْ لَهَا بَيْنَ عِوَضَيْنِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ - لَهَا الْمُتْعَةُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [ الْبَقَرَةِ : 231 ] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَيْسَ لَهَا مَهْرٌ مُسَمًّى . فَإِنْ قِيلَ : فَهَذِهِ الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ فَسَّرَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [ الْبَقَرَةِ : 236 ] . قِيلَ : حَمْلُ الْآيَتَيْنِ عَلَى عُمُومٍ وَخُصُوصٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى مُجْمَلٍ وَمُفَسِّرٍ ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ بِنَفْسِهِ ، وَالْمُجْمَلَ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ بِنَفْسِهِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [ الْأَحْزَابِ : 28 ] وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، وَتَقْدِيرُهُ : فَتَعَالَيْنَ أُسَرِّحْكُنَّ وَأُمَتِّعْكُنَّ ، وَقَدْ كُنَّ كُلُّهُنَّ مَدْخُولَاتٍ بِهِنَّ ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لِلْمَدْخُولِ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْمُتْعَةَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إِلَّا الَّتِي طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا مَهْرٌ .

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ؛ وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ ، فَجَازَ أَنْ تَجِبَ لَهَا الْمُتْعَةُ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْفَرْضِ ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ . وَلِأَنَّ اسْتِكْمَالَ الْمَهْرِ فِي مُقَابَلَةِ الدُّخُولِ بِدَلِيلِ اسْتِحْقَاقِهِ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يُسْتَحَقَّ فِي مُقَابَلَةِ الْعَقْدِ الَّذِي ابْتُذِلَتْ بِهِ بَدَلٌ ، وَهُوَ الْمُتْعَةُ . وَلِأَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ أَغْلَظُ مِنَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ تَسْتَحِقُّ بِالطَّلَاقِ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنَ الْعِوَضِ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّ بِالطَّلَاقِ فِيهِ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنَ الْمُتْعَةِ مَعَ مَهْرٍ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ . وَلَوْ سَقَطَتِ الْمُتْعَةُ ، وَقَدِ اسْتَوَيَا فِي الْمَهْرِ لَمْ يَتَغَلَّظْ فِي الْعِوَضِ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَعَلَى الْقَدِيمِ مِنْهُمَا : لَا مُتْعَةَ إِلَّا لِمُطَلَّقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَيْسَ لَهَا مَهْرٌ مُسَمًّى . وَعَلَى الْجَدِيدِ : الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ ، إِلَّا لِمُطَلَّقَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَهَا مَهْرٌ مُسَمًّى .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَالْمُتْعَةُ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ طَلَّقَ ، وَلِكُلِّ زَوْجَةٍ إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ ، أَوْ يَتِمُّ بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يُخَالِعَ أَوْ يَمْلِكَ أَوْ يُفَارِقَ ، وَإِذَا كَانَ الْفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ ، فَلَا مُتْعَةَ لَهَا وَلَا مَهْرَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُطَلَّقَةٍ ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ أَمَةً فَبَاعَهَا سَيِّدُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَهُوَ أَفْسَدَ النِّكَاحَ بِبَيْعِهِ إِيَّاهَا مِنْهُ ، فَأَمَّا الْمُلَاعَنَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَمِنْهَا ، وَلِأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا فَهِيَ كَالْمُطَلَّقَةِ ، وَأَمَّا امْرَأَةُ الْعِنِّينِ حكم المتعة فَلَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ ، وَلَهَا عِنْدِي مُتْعَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : عِنْدِي غَلَطٌ عَلَيْهِ ، وَقِيَاسُ قَوْلِهِ : لَا حَقَّ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا دُونَهُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا يَخْتَلِفُ وُجُوبُهَا بِاخْتِلَافِ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ ، فَهِيَ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ ، وَلِكُلِّ زَوْجَةٍ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ ، مُسْلِمَةٍ أَوْ كَافِرَةٍ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ مَمْلُوكَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَلَا مُتْعَةَ بَيْنَهُمَا . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ [ الْبَقَرَةِ : 241 ] وَلِأَنَّ الْمُتْعَةَ وَجَبَتْ لِتَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ مُفَارِقَةً لِلْمَوْهُوبَةِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهَا الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ ، كَمَا

يَسْتَوِي فِي حَظْرِ الْمَوْهُوبَةِ حَالُ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ .

الْفُرْقَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ بِهِ الْمُتْعَةَ

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهَا كُلُّ زَوْجٍ مَعَ كُلِّ زَوْجَةٍ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى تَفْصِيلِ الْفُرْقَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ بِهِ الْمُتْعَةَ ، وَالْفُرْقَةُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَكُونَ بِالْمَوْتِ . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ مِنَ الزَّوْجِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ تَكُونَ مِنَ الزَّوْجَةِ . وَالرَّابِعُ : أَنْ تَكُونَ مِنْهُمَا . وَالْخَامِسُ : أَنْ تَكُونَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِهِمَا .

فَصْلٌ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ بِالْمَوْتِ المتعة ، فَلَا مُتْعَةَ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ ، سَوَاءٌ تَوَارَثَا أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَهَا لِلْمُطَلَّقَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ عِصْمَتَهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْوَفَاةِ ، وَهَكَذَا لَوْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِمِيرَاثٍ عَنْ وَفَاةٍ بِأَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَيَرِثُهَا الزَّوْجُ ، أَوْ يَكُونُ الزَّوْجُ عَبْدًا فَتَرِثُهُ الزَّوْجَةُ ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ صَاحِبَهُ ، وَإِذَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِالتَّوَارُثِ فَلَا مُتْعَةَ ؛ لِأَنَّهَا عَنِ الْمَوْتِ حَدَثَتْ ؛ وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْوَارِثَ لَهَا فَهِيَ أَمَتُهُ ، وَالْأَمَةُ لَا تَمْلِكُ فِي ذِمَّةِ سَيِّدِهَا مَالًا ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا عَلَيْهِ مُتْعَةٌ ، وَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ هِيَ الْوَارِثَةَ لَهُ فَقَدْ صَارَ عَبْدًا لَهَا ، وَالسَّيِّدُ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ مَالٌ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا عَلَيْهِ مُتْعَةٌ .

فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّانِي وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ مِنَ الزَّوْجِ دُونَهَا ، فَخَمْسُ فِرَقٍ : أَحَدُهَا : الطَّلَاقُ والفرقة به ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْمُتْعَةِ ، عَلَى مَا مَضَى . وَالثَّانِي : بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَمَّ بِهِمَا ، فَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ، فَهُوَ كَالطَّلَاقِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُتْعَةِ بِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْفُرْقَةَ باللعان بِهِ أَغْلَظُ مِنَ الْفُرْقَةِ بِالطَّلَاقِ لِتَأْبِيدِهَا فَكَانَتْ بِوُجُوبِ الْمُتْعَةِ أَحَقَّ . وَالثَّالِثُ : الرِّدَّةُ ووقوع الفرقة بها ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَتَقَعَ الْفُرْقَةُ بِرِدَّتِهِ ، فَتَكُونُ كَالْفُرْقَةِ بِالطَّلَاقِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُتْعَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ بِالطَّلَاقِ الْمُبَاحِ كَانَ وُجُوبُهَا بِالرِّدَّةِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْلَى . وَالرَّابِعُ : الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ الزَّوْجُ دُونَهَا ، فَتَبِينُ بِإِسْلَامِهِ ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ كَالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِفُرْقَةِ كُفْرِهِ كَانَ وُجُوبُهَا بِفُرْقَةِ إِسْلَامِهِ أَوْلَى .

وَالْخَامِسُ : الْفَسْخُ بِالْعُيُوبِ ووقوع الفرقة ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رَفْعًا لِلْعَقْدِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ فَلَا مُتْعَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ الْمَهْرَ كَانَ بِإِسْقَاطِهِ الْمُتْعَةَ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَطْعًا لِلْعَقْدِ بِحُدُوثِهِ بَعْدَهُ ، فَهُوَ وُجُوبُ الْمُتْعَةِ كَالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْمَهْرُ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ الْمُتْعَةُ .

فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا دُونَهُ المتعة ، فَلَا مُتْعَةَ فِيهَا ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فَسْخُهَا مُسْقِطًا لِصَدَاقِهَا ، فَأَوْلَى أَنْ يُسْقِطَ مُتْعَتَهَا ، وَهَذِهِ الْفُرْقَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : بِرِدَّتِهَا . وَالثَّانِي : بِإِسْلَامِهَا . وَالثَّالِثُ : بِأَنْ تَجِدَ فِيهِ عَيْبًا ، فَتَفْسَخُ نِكَاحَهُ . وَالرَّابِعُ : أَنْ تَعْتِقَ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ ، فَتَخْتَارُ فَسْخَ نِكَاحِهِ . وَالْخَامِسُ : بِأَنْ يَعْسُرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا ، فَتَخْتَارُ فَسْخَ نِكَاحِهِ . وَالسَّادِسُ : بِأَنْ تَظْهَرَ فِيهِ عُنَّةٌ ، فَيُؤَجَّلَ لَهَا ، ثُمَّ تَخْتَارُ فَسْخَ نِكَاحِهِ بِهَا ، إِلَّا أَنَّ الْمُزَنِيَّ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا امْرَأَةٌ الْعِنِّينِ فَلَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ ، وَلَهَا عِنْدِي مُتْعَةٌ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَهَذَا عِنْدِي غَلَطٌ عَلَيْهِ ، وَقِيَاسُ قَوْلِهِ : لَا حَقَّ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِهَا دُونَهُ . وَهَذَا وَهْمٌ مِنَ الْمُزَنِيِّ فِي النَّقْلِ ، وَاسْتِدْرَاكٌ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " : وَأَمَّا امْرَأَةٌ الْعِنِّينِ فَلَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ ، فَلَيْسَ لَهَا عِنْدِي مُتْعَةٌ ، فَسَهَا الْكَاتِبُ فِي نَقْلِهِ ، فَأَسْقَطَ قَوْلَهُ : " فَلَيْسَ " ، وَنَقَلَ مَا بَعْدَهُ ، فَقَالَ : فَلَهَا عِنْدِي مُتْعَةٌ ، وَتَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى السَّهْوِ فِي النَّقْلِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : فَلَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا ، وَالْفُرْقَةُ إِذَا كَانَتْ مِنْهَا أَسْقَطَتْ مُتْعَتَهَا .

فَصْلٌ : الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ : وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهمَا المتعة ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَغْلِبَ فِيهِ جِهَةُ الزَّوْجِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَغْلِبَ فِيهِ جِهَةُ الزَّوْجَةِ . فَأَمَّا مَا يَغْلِبُ فِيهِ جِهَةُ الزَّوْجِ فَشَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : الْخُلْعُ ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ بِهِمَا إِلَّا أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ الزَّوْجُ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهِ وَقَعَتْ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَصِلُ إِلَى الْخُلْعِ عَنْهَا مَعَ غَيْرِهَا .

وَالثَّانِي : أَنْ يُمَلِّكَهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا أَوْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَتِهَا ، فَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا وَتَشَاءُ طَلَاقَ نَفْسِهَا ، فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بِهِمَا إِلَّا أَنَّ جِهَةَ الزَّوْجِ أَغْلَبُ لِلْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، وَهُوَ أَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهِ وَقَعَتْ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ طَلَاقَهَا إِلَى غَيْرِهَا ، أَوْ أَنْ تُعَلِّقَهُ بِمَشِيئَةِ غَيْرِهَا ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ إِذَا انْفَرَدَ الزَّوْجُ بِإِيقَاعِهِ فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ بِهِ عَلَى مَا فَصَّلْنَا . وَأَمَّا مَا يُغَلَّبُ فِيهِ جِهَةُ الزَّوْجَةِ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَيَبْتَاعَهَا الزَّوْجُ مِنْ سَيِّدِهَا المتعة ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَمَّتْ بِبَيْعِ السَّيِّدِ ، وَابْتِيَاعِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ مِنْ جِهَتِهَا ، فَظَاهِرُ نَصِّ هَذَا الْمَوْضِعِ : أَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَهَا ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ ، وَقَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ " : لَهَا الْمُتْعَةُ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - : أَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ الزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يُغَلَّبَ جِهَةُ السَّيِّدِ هَاهُنَا فِي سُقُوطِ الْمُتْعَةِ كَمَا يُغَلَّبُ فِي الْخُلْعِ جِهَةُ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ كَانَ يَصِلُ إِلَى بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَصَارَ اخْتِيَارُهُ لِلزَّوْجِ اخْتِيَارًا لِلْفُرْقَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي " الْإِمْلَاءِ " لَهَا الْمُتْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي يَتَسَاوَيَانِ فِي وُقُوعِ الْعَقْدِ بِهِمَا ، وَقَدِ اخْتَصَّ الزَّوْجُ بِمُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ دُونَهَا فَاقْتَضَى أَنْ يَتَرَجَّحَ حَالُهُ فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ عَلَيْهَا ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، فَنَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَلَّا مُتْعَةَ لَهَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَدْعِي لِلْبَيْعِ هُوَ السَّيِّدُ ، فَغَلَبَتْ جِهَتُهُ فِي سُقُوطِ الْمُتْعَةِ ، وَنَصُّهُ فِي " الْإِمْلَاءِ " : أَنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَدْعِي لِلْبَيْعِ هُوَ الزَّوْجُ ، فَغُلِّبَتْ جِهَتُهُ فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ .

فَصْلٌ : الْقِسْمُ الْخَامِسُ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ : وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ مِنْ غَيْرِهِمَا المتعة ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ صَغِيرَةً ، فَتُرْضِعَهَا أُمُّهُ أَوْ بِنْتُهُ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ كَالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ بِهَا نِصْفَ الْمُسَمَّى ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَحِقَّ الْمُتْعَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسَمَّى ، وَتَرْجِعَ بِالْمُتْعَةِ عَلَى الَّتِي حَرَّمَتْهَا كَمَا تَرْجِعُ عَلَيْهَا بِصَدَاقِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَرْعٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَأَصْدَقَهَا أَنْ تُعْتِقَ عَبْدَهُ سَالِمًا عَنْهَا ، صَحَّ الصَّدَاقُ وَعَلَيْهِ عِتْقُهُ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ عَلَى هَذَا الْعِتْقِ جَائِزَةٌ ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ عِتْقِهِ عَنْهَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يُعْتِقُ عَنْهَا نِصْفَهُ ، وَيُقَوِّمُ عَلَيْهَا نِصْفَهُ الْبَاقِي إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً ؛ لِأَنَّ عِتْقَ نِصْفِهِ كَانَ بِاخْتِيَارِهَا ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ تَقْدِيمُ بَاقِيهِ عَلَيْهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهَا فِي التَّقْوِيمِ وَإِدْخَالِهِ عَلَى الْعَبْدِ ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِي التَّبْعِيضِ ، وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ بِبَدَلِهِ ، وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : قِيمَةُ نِصْفِ الْعَبْدِ . وَالثَّانِي : نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ، لِيَرْفَعَ ذَلِكَ الضَّرَرَ عَنِ الْجَمِيعِ . فَرْعٌ : وَإِذَا أَصْدَقَ الذِّمِّيُّ زَوْجَتَهُ الذِّمِّيَّةَ خَمْرًا ، فَصَارَ الْخَمْرُ فِي يَدِ الزَّوْجِ خَلًّا بِغَيْرِ عِلَاجٍ ، وَأَسْلَمَ الزَّوْجَانِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَصِيرَ الْخَمْرُ خَلًّا قَبْلَ إِسْلَامِهِمَا ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهَا بَعْدَ مَصِيرِهِ خَلًّا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَصِيرَ خَلًّا بَعْدَ إِسْلَامِهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ خَلًّا إِلَيْهَا ، وَيَدْفَعُ إِلَيْهَا مَهْرَ مِثْلِهَا . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ دَفْعُهُ خَمْرًا ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ دَفْعُهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ خَلًّا ؛ لِبَقَاءِ حُكْمِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ ، وَبَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ خَمْرًا ، فَلَمْ يَجِبْ دَفْعُهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ خَلًّا ؛ لِانْتِفَاءِ حُكْمِ الصَّدَاقِ عَنْهُ ، فَلَوْ دَفَعَ الْخَمْرَ إِلَيْهَا فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَا ، وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ مُسْلِمٌ ، وَلَا بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَحْكُمُ لَهُ بِقِيمَتِهِ وَلَا بِبَدَلِهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا بَدَلَ لَهُ ، فَلَوْ كَانَ الْخَمْرُ قَدْ صَارَ خَلًّا قَبْلَ طَلَاقِهِ ، فَفِي رُجُوعِ الزَّوْجِ بِنِصْفِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَرْجِعُ بِنِصْفِ الْخَلِّ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الصَّدَاقِ مَوْجُودَةٌ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ مَعَهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِهِ لِزِيَادَتِهِ عَنْ حَالِ مَا أَصْدَقَ ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الطَّلَاقِ ، وَلَا فَرْقَ هَاهُنَا بَيْنَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا قَبْلَ إِسْلَامِهَا أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهَا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ ، وَلَكِنْ لَوْ صَارَ خَلًّا بَعْدَ الطَّلَاقِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِكَوْنِهِ وَقْتَ طَلَاقِهَا غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ ، وَلَوْ صَارَ قَبْلَ طَلَاقِهَا فَاسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَلِّ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ مَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِهِ مِنْ قِيمَةِ الصَّدَاقِ مُعْتَبَرٌ بِأَقَلِّ أَحْوَالِهِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ ، وَقَدْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ .

فَرْعٌ : وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ بِامْرَأَةٍ وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقَهَا ، فَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ النِّكَاحِ يَجْعَلُهَا مَالِكَةً لِزَوْجِهَا ، وَإِذَا مَلَكَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بَطَلَ النِّكَاحُ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا صَحَّ النِّكَاحُ ، وَبَطَلَ الصَّدَاقُ ؟ قِيلَ : لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ قَدْ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَالِكًا لِبُضْعِهَا بِالنِّكَاحِ ، وَأَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَالِكَةً لِرَقَبَتِهِ بِالصَّدَاقِ ، وَلَيْسَ إِثْبَاتُ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ النِّكَاحِ الْآخَرِ فَبَطَلَا جَمِيعًا . وَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً صَحَّ النِّكَاحُ وَالصَّدَاقُ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهَذَا الْعَقْدِ مِلْكًا لِسَيِّدِ زَوْجَتِهِ ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ فِي مِلْكِ سَيِّدٍ وَاحِدٍ ، فَلَوْ أَنَّ الْعَبْدَ - وَالْمَسْأَلَةَ بِحَالِهَا - طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَرْجِعُ سَيِّدُهُ الْمُزَوِّجُ لَهُ بِنِصْفِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ أَصْدَقَ عَنْ عَبْدِهِ مَالًا ، ثُمَّ طَلَّقَ الْعَبْدَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ ، فَهَلْ يَكُونُ نِصْفُ الصَّدَاقِ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي بَذَلَهُ عَنْهُ ، أَوْ لِسَيِّدِهِ الثَّانِي الَّذِي طَلَّقَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

بَابُ الْوَلِيمَةِ وَالنَثْرِ
معنى الوليمة وأنواعها

بَابُ الْوَلِيمَةِ وَالنَثْرِ ، مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ إِمْلَاءً عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : " الْوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ : وَلِيمَةُ الْعُرْسِ ، وَكُلُّ دَعْوَةٍ عَلَى إِمْلَاكٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ حَادِثِ سُرُورٍ ، فَدُعِيَ إِلَيْهَا رَجُلٌ ، فَاسْمُ الْوَلِيمَةِ يَقَعُ عَلَيْهَا ، وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا ، وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ ، كَمَا يَبِينُ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ ؛ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الْوَلِيمَةَ عَلَى عُرْسٍ ، وَلَا أَعْلَمُهُ أَوْلَمَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي سَفَرٍ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ ، وَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَمَّا الْوَلِيمَةُ ، فَهِيَ إِصْلَاحُ الطَّعَامِ وَاسْتِدْعَاءُ النَّاسِ لِأَجْلِهِ ، وَالْوَلَائِمُ سِتٌّ : وَلِيمَةُ الْعُرْسِ : وَهِيَ الْوَلِيمَةُ عَلَى اجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ . وَوَلِيمَةُ الْخُرْسِ : وَهِيَ الْوَلِيمَةُ عَلَى وِلَادَةِ الْوَلَدِ . وَوَلِيمَةُ الْإِعْذَارِ : وَهِيَ الْوَلِيمَةُ عَلَى الْخِتَانِ . وَوَلِيمَةُ الْوَكِيرَةِ : وَهِيَ الْوَلِيمَةُ عَلَى بِنَاءِ الدَّارِ . قَالَ الشَّاعِرُ : كُلُّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَةُ الْخُرْسُ وَالْإِعْذَارُ وَالْوَكِيرَهْ وَوَلِيمَةُ النَّقِيعَةِ : وَهِيَ وَلِيمَةُ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرِهِ ، وَرُبَّمَا سَمُّوا النَّاقَةَ الَّتِي تُنْحَرُ لِلْقَادِمِ نَقِيعَةً ، قَالَ الشَّاعِرُ : إِنَّا لَنَضْرِبُ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَهُمْ ضَرْبَ الْقُدَارِ نَقِيعَةَ الْقُدَّامِ

وَوَلِيمَةُ الْمَأْدُبَةِ : هِيَ الْوَلِيمَةُ لِغَيْرِ سَبَبٍ . فَإِنَّ خُصَّ بِالْوَلِيمَةِ جَمِيعُ النَّاسِ سُمِّيَتْ جَفَلَى ، وَإِنْ خُصَّ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ ، سُمِّيَتْ نَقَرَى ، قَالَ الشَّاعِرُ : نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرُ فَهَذِهِ السِّتَّةُ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْوَلَائِمِ عَلَيْهَا ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْوَلِيمَةِ يَخْتَصُّ بِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ ، وَيَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا مِنَ الْوَلَائِمِ بِقَرِينَةٍ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلِيمَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلْمِ ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْقَيْدُ الْوَلْمُ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّجْلَيْنِ ، فَتَنَاوَلَتْ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ ؛ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ فِيهَا ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْوَلَائِمِ تَشْبِيهًا بِهَا ، فَإِذَا أُطْلِقَتِ الْوَلِيمَةُ تَنَاوَلَتْ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ ، فَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُهَا ، قِيلَ : وَلِيمَةُ الْخُرْسِ ، أَوْ وَلِيمَةُ الْإِعْذَارِ ، وَقَدْ أَفْصَحَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا ، ثُمَّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ وَلِيمَةَ غَيْرِ الْعُرْسِ هل هي واجبة ؟ لَا تَجِبُ . فَأَمَّا وَلِيمَةُ الْعُرْسِ فَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي وُجُوبِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : " وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ ، كَمَا يَبِينُ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ " . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ الْخَلُوقِ ، فَقَالَ لَهُ : مَهْيَمْ - أَيْ مَا الْخَبَرُ - ؟ قَالَ : أَعْرَسْتُ ، فَقَالَ لَهُ : أَوْلَمْتَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ . وَهَذَا أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَنْكَحَ قَطُّ إِلَّا أَوْلَمَ فِي ضِيقٍ أَوْ سَعَةٍ ، وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ فِي سَفَرِهِ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ ، وَلِأَنَّ فِي الْوَلِيمَةِ إِعْلَانٌ لِلنِّكَاحِ ؛ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ إِجَابَةُ الدَّاعِي إِلَيْهَا وَاجِبَةً ، دَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْوَلِيمَةِ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمُسَبَّبِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّبَبِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ قَبُولِ الْإِنْذَارِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْذَارِ . وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَحُّ - : أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ؛ وَلِأَنَّهُ طَعَامٌ لِحَادِثِ سُرُورٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْوَلَائِمِ . وَلِأَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْوَلِيمَةِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَفَرْعُهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ . وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَتَقَدَّرَتْ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ ؛ وَلَكَانَ لَهَا بَدَلٌ عِنْدَ الْإِعْسَارِ ، كَمَا يَعْدِلُ الْمُكَفِّرُ فِي إِعْسَارِهِ إِلَى الصِّيَامِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ تَقْدِيرِهَا وَبَدَلِهَا عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِهَا .

وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَكَانَ مَأْخُوذًا بِفِعْلِهَا حَيًّا ، وَمَأْخُوذَةً مِنْ تَرِكَتِهِ مَيِّتًا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَتَوَسَّطُ فِي وُجُوبِهَا مَذْهَبًا مَعْلُولًا ، وَيَقُولُ هِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ إِذَا أَظْهَرَهَا الْوَاجِدُ فِي عَشِيرَتِهِ أَوْ قَبِيلَتِهِ ظُهُورًا مُنْتَشِرًا سَقَطَ فَرْضُهَا عَمَّنْ سِوَاهُ ، وَإِلَّا خَرَجُوا بِتَرْكِهَا أَجْمَعِينَ ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ مَا وَجَبَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ ، تَعَيَّنَ كَالْوَلِيِّ وَالشَّاهِدَيْنِ . وَالثَّانِي : أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ الْأَمْوَالِ الْخَاصَّةِ ، عَمَّ وَجُوبُهُ كَالزَّكَوَاتِ ، أَوْ عَمَّ اسْتِحْبَابُهُ كَالصَّدَقَاتِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ فُرُوضَ الْكِفَايَةِ مُخْتَصٌّ بِمَا عَمَّ سُنَّتُهُ كَالْجِهَادِ ، أَوْ مَا تَسَاوَى فِيهِ النَّاسُ كَغُسْلِ الْمَوْتَى ، وَهَذَا خَاصٌّ مُعَيَّنٌ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مَدْخَلٌ .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ وُجُوبِهَا أَوِ اسْتِحْبَابِهَا ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى مَا يَلْزَمُ الْمَدْعُوَّ إِلَيْهَا مِنَ الْإِجَابَةِ ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِجَابَةَ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّ الْإِجَابَةَ إِلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي أَكْلَ الطَّعَامِ وَتَمَلُّكَ مَالٍ ، وَلَا يُلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَوَاتِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَى الْأَعْيَانِ لَا يُلْزِمُ الْمَدْفُوعَةَ إِلَيْهِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا ، فَكَانَ غَيْرُهَا أَوْلَى . وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ : مَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلَمْ يُجِبْ ، فَلَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ جَاءَهَا بِغَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَجِيبُوا الدَّاعِيَ فَإِنَّهُ مَلْهُوفٌ " . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ " . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " شَرُّ الطَّعَامِ الْوَلَائِمُ يُدْعَى إِلَيْهِ الْأَغْنِيَاءُ وَيُحْرَمُهُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ " . وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَلِأَنَّ فِي الْإِجَابَةِ تَآلُفًا ، وَفِي تَرْكِهَا ضَرَرًا وَتَقَاطُعًا .

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، فَسَوَاءٌ قِيلَ : إِنَّ فِعْلَهَا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ وَاجِبٌ ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ غَيْرَ وَاجِبٍ ، وَهَلْ يَكُونُ وُجُوبُهَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ، أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ دُعِيَ إِلَيْهَا أَنْ يُجِيبَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا بِالتَّأْخِيرِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، فَإِذَا أَجَابَ مَنْ دُعِيَ مَنْ تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ وُجُوبُهَا عَنِ الْبَاقِينَ ، وَإِلَّا خَرَجُوا أَجْمَعِينَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْوَلِيمَةِ ظُهُورُهَا وَانْتِشَارُهَا لِيَقَعَ الْفَرْقُ فِيهَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ ، فَإِذَا وُجِدَ مَقْصُودُهَا بِمَنْ خُصَّ سَقَطَ وُجُوبُهَا عَمَّنْ تَأَخَّرَ .

فَصْلٌ شُرُوطُ الدَّاعِي

فَصْلٌ : [ شُرُوطُ الدَّاعِي ] وَإِذَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ وَاجِبَةً عَلَى مَا وَصَفْنَا ، فَلِوُجُوبِهَا شُرُوطٌ تُعْتَبَرُ فِي الدَّاعِي وَالْمَدْعُوِّ : فَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الدَّاعِي إلى الوليمة ، فَسِتَّةُ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ بَالِغًا ، يَصِحُّ مِنْهُ الْإِذْنُ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ ، لَمْ تَلْزَمْ إِجَابَتُهُ ، وَلَمْ يَجُزْ أَيْضًا ؛ لِبُطْلَانِ إِذْنِهِ وَرَدِّ تَصَرُّفِهِ . وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لِفَقْدِ تَمْيِيزِهِ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الصَّغِيرِ فِي فَسَادِ إِذْنِهِ وَرَدِّ تَصَرُّفِهِ . وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَمْ تَلْزَمْ إِجَابَتُهُ ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ لَمْ تَلْزَمْ إِجَابَتُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ وَلِيَّهُ مَنْدُوبٌ لِحِفْظِ مَالِهِ لَا لِإِتْلَافِهِ . وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ حُرًّا ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ ، فَلَمْ تَلْزَمْ إِجَابَتُهُ ؛ لِفَسَادِ إِذْنِهِ ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ صَارَ كَالْحُرِّ فِي لُزُومِ إِجَابَتِهِ . وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ، تَلْزَمُ مُوَالَاتُهُ فِي الدِّينِ ، فَإِنْ كَانَ الدَّاعِي ذِمِّيًّا لِمُسْلِمٍ ، فَفِي لُزُومِ إِجَابَتِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجِبُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَجِيبُوا الدَّاعِيَ ، فَإِنَّهُ مَلْهُوفٌ " . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تَلْزَمُ إِجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مُسْتَخْبَثَ الطَّعَامِ مُحَرَّمًا ، وَلِأَنَّ نَفْسَ الْمُسْلِمِ تَعَافُ كُلَّ طَعَامِهِ ، وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الطَّعَامِ التَّوَاصُلُ بِهِ ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ يَمْنَعُ مِنْ تَوَاصُلِهِمَا ، فَإِنْ دَعَا مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ أَحْكَامَ شَرْعِنَا إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ .

وَالشَّرْطُ السَّادِسُ : أَنْ يُصَرِّحَ بِالدُّعَاءِ ، إِمَّا بِقَوْلٍ أَوْ مُكَاتَبَةٍ أَوْ مُرَاسَلَةٍ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ جَارٍ ، وَصَرِيحُ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ : أَسْأَلُكَ الْحُضُورَ ، أَوْ يَقُولَ : أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ ، أَوْ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُجَمِّلَنِي بِالْحُضُورِ ، فَتَلْزَمُهُ إِجَابَتُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ كُلِّهِ . فَأَمَّا إِنْ قَالَ : إِنْ شِئْتَ أَنْ تَحْضُرَ فَافْعَلْ ، لَمْ تَلْزَمْهُ إِجَابَتُهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَمَا أُحِبُّ أَنْ يُجِيبَ " . فَإِنْ كَاتَبَهُ رُقْعَةً يَسْأَلُهُ الْحُضُورَ بِأَحَدِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَلْفَاظِ لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ ، فَإِنْ نَقَصَهُ فِي الْخِطَابِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَوْ كَانَ فِي الْوَلِيمَةِ عَدُوٌّ ، لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي التَّأْخِيرِ ، وَإِنْ رَاسَلَهُ بِرَسُولٍ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ وَصَدَّقَهُ ، لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغِ نُظِرَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ بِوُرُودِهِ فِي الرِّسَالَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَمْ يَلْزَمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مَا يَقُولُ ، وَلَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ رَسُولًا ، فَإِنْ قَالَ الدَّاعِي لِرَسُولِهِ : ادْعُ مَنْ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعِيِّنَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ ، لَمْ يَلْزَمْ مَنْ دَعَاهُ الرَّسُولُ أَنْ يُجِيبَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى أَنْ يَدْعُوَ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ .

فَصْلٌ شُرُوطُ الْمَدْعُوِّ

فَصْلٌ : [ شُرُوطُ الْمَدْعُوِّ ] وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي فِي الْمَدْعُوِّ إلى الوليمة فَخَمْسَةُ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : الْبُلُوغُ . وَالثَّانِي : الْعَقْلُ ؛ لِيَكُونَ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ مِمَّنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ حُكْمُ الِالْتِزَامِ . وَالثَّالِثُ : الْحُرِّيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ بِحَقِّ السَّيِّدِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا ، نُظِرَ ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُضُورُهُ مُضِرًّا بِكَسْبِهِ لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ ، وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ ، وَفِي لُزُومِهَا بِإِذْنِهِ وَجْهَانِ . فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ فَتَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ كَالرَّشِيدِ . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ، فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا وَالدَّاعِي مُسْلِمٌ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِجَابَةَ لَا تَلْزَمُهُ ، وَإِنْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ وَرَضِيَا بِحُكْمِنَا أَخْبَرْنَاهُمَا بِلُزُومِ الْإِجَابَةِ فِي دِينِنَا ، وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمَدْعُوُّ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالْخَامِسُ : أَلَّا يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ تَشَاغُلٍ بِمَرَضٍ أَوْ إِقَامَةٍ عَلَى حِفْظِ مَالٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ ، فَإِنَّ كُلَّ هَذِهِ وَمَا شَاكَلَهَا أَعْذَارٌ تُسْقِطُ لُزُومَ الْإِجَابَةِ ، فَإِنِ اعْتَذَرَ بِشِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، نُظِرَ ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مَنْ تَصَرُّفِ غَيْرِهِ كَانَ عُذْرًا فِي التَّأَخُّرِ ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ تَصَرُّفِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا .

وَإِنِ اعْتَذَرَ بِمَطَرٍ يَبُلُّ الثَّوْبَ كَانَ عُذْرًا ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي التَّأَخُّرِ عَنْ فَرْضِ الْجُمُعَةِ ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِزِحَامِ النَّاسِ فِي الْوَلِيمَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْإِجَابَةِ ، وَقِيلَ : احْضُرْ فَإِنْ وَجَدْتَ سَعَةً وَإِلَّا عُذِرْتَ فِي الرُّجُوعِ .

فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتِ الْوَلِيمَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَدَعَا فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَتِ الْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَاسْتُحِبَّتْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَلَمْ تَجِبْ ، وَكُرِهَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْوَلِيمَةُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حَقٌّ ، وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ ، وَفِي الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ " .

فَصْلٌ : وَإِذَا دَعَاهُ اثْنَانِ فِي يَوْمٍ أحكام الوليمة ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْحُضُورِ إِلَيْهِمَا لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَزِمَتْهُ إِجَابَةُ أَسْبَقِهِمَا ، فَإِنِ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْجِوَارِ أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقَرَابَةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَأَجَابَ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دَعَاكَ اثْنَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا ، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا ، فَإِنْ جَاءَا مَعًا فَأَجِبْ أَسْبَقَهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ صَائِمًا أَجَابَ الدَّعْوَةَ ، وَبَرَّكَ وَانْصَرَفَ ، وَلَيْسَ بِحَتْمٍ أَنْ يَأْكُلَ ، وَأُحِبُّ لَوْ فَعَلَ ، وَقَدْ دُعِيَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَجَلَسَ وَوُضِعَ الطَّعَامُ فَمَدَّ يَدَهُ ، وَقَالَ : خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ ، ثَمَّ قَبَضَ يَدَهُ ، وَقَالَ : " إِنِّي صَائِمٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا كَانَ الْمَدْعُوُّ صَائِمًا أحكام الوليمة لَزِمَهُ الْحُضُورُ ، وَلَمْ يَكُنْ صَوْمُهُ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ ؛ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ وَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ . وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِحُضُورِهِ التَّجَمُّلُ أَوِ التَّكَثُّرُ أَوِ التَّوَاصُلُ ، وَالصَّوْمُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا حَضَرَ الصَّائِمُ لَمْ يَخْلُ صَوْمُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا لَمْ يُفْطِرْ ، وَدَعَا لِلْقَوْمِ بِالْبَرَكَةِ ، وَقَالَ : إِنِّي صَائِمٌ ، وَكَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الِانْصِرَافِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَفِعْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيُفْطِرَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلْيُفْطِرْ وَإِلَّا فَلْيُصِلِّ " ، أَيْ فَلْيَدْعُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ ؛ لِأَنَّهُ فِي عِبَادَةٍ فَلَمْ تَلْزَمْهُ مُفَارَقَتُهَا ؛ وَلِأَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَحْظُرُ عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ، وَيُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ .

فَصْلٌ حُكْمُ وُجُوبِ الْأَكْلِ عَلَى الْمُفْطِرِ

فَصْلٌ : [ حُكْمُ وُجُوبِ الْأَكْلِ عَلَى الْمُفْطِرِ ] فَأَمَّا الْمُفْطِرُ إِذَا حَضَرَ أحكام الوليمة ، فَفِي وُجُوبِ الْأَكْلِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْحُضُورِ ، وَلِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ وَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ، وَهُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ ؛ لِرِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، وَلِأَنَّ فِي الْأَكْلِ تَمَلُّكٌ ، قَالَ : فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْهِبَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْأَكْلَ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، فَإِنْ أَكَلَ غَيْرُهُ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْأَكْلِ ، وَإِلَّا خَرَجَ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ لِمَا فِي امْتِنَاعِ جَمِيعِهِمْ مِنْ عَدَمِ مَقْصُودِهِ ، وَانْكِسَارِ نَفْسِهِ ، وَإِفْسَادِ طَعَامِهِ .

فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ الطَّعَامَ أَنْ يَأْكُلَ إِلَى حَدِّ شِبَعِهِ ، وَلَهُ أَنْ يُقْصِرَ عَنِ الشِّبَعِ ، وَيَحْرُمَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الشِّبَعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَضَرَّةِ ، وَمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ ، فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ شِبَعِهِ لَمْ يَضْمَنِ الزِّيَادَةَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَأْكُلُهُ لِيَحْمِلَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَلَا أَنْ يُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا أَنْ يَبِيعَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ هُوَ الْمَأْذُونُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْأَكْلُ ، جَازَ لَهُ الْبَيْعُ كَالْمُضَحِّي وَلَا يَجُوزُ إِذَا جَلَسَ عَلَى الطَّعَامِ أَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ مِنْهُ ، فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَ الَّذِي أَطْعَمَهُ مِنَ الْمَدْعُوِّينَ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَدْعُوٍّ ضَمِنَ . وَهَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ إِلَى الطَّعَامِ مَنْ لَمْ يَدْعُهُ صَاحِبُ الْوَلِيمَةِ ، فَإِنْ أَحْضَرَ مَعَهُ أَحَدًا فَقَدْ أَسَاءَ ، وَالضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ دُونَ الْمُحْضِرِ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَدْعُوَّ ضَيْفًا ، وَالتَّابِعَ ضَيْفَنَ ، قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا جَاءَ ضَيْفٌ جَاءَ لِلضَّيْفِ ضَيْفَنُ فَأَوْدَى بِمَا نُقْرِي الضُّيُوفَ الضَّيَافِنُ

فَصْلٌ : وَيُخْتَارُ لَهُ إِذَا أَكَلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ آدَابَ أَكْلِهِ الْمَسْنُونَةَ أحكام الوليمة . فَمِنْهَا غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي الْحَالَيْنِ كَانَ أَفْضَلَ . رَوَى أَبُو هَاشِمٍ عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ : الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ بَرَكَةُ الطَّعَامِ ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَ الطَّعَامِ بَرَكَةُ الطَّعَامِ .

وَمِنْهَا التَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّعَامِ قَبْلَ مَدِّ يَدِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَعْدَ رَفْعِهَا ، فَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِهِ . وَمِنْهَا : أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ وَلَا يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مَا بَعُدَ عَنْهُ ، وَلَا يَأْكُلَ مِنْ ذِرْوَةِ الطَّعَامِ ، فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْبِرْكَةُ فِي ذِرْوَةِ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا ، وَإِذَا وُضِعَ اسْتَبَاحَ الْحَاضِرُونَ أَكْلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ قَوْلًا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ ، وَأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعَاءِ إِذْنٌ فِيمَا تَأَخَّرَ مِنَ الطَّعَامِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا مَتَى يَسْتَحِقُّ الْحَاضِرُ مَا يَأْكُلُهُ حَتَّى يَصِيرَ أَمْلَكَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : إِذَا أَخَذَ اللُّقْمَةَ مِنَ الطَّعَامِ بِيَدِهِ ، صَارَ بِهَا أَحَقَّ وَأَمْلَكَ لَهَا ؛ لِأَنَّ حُصُولَهَا فِي الْيَدِ قَبْضٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَرْجَعَ مِنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِهَا وَأَمْلَكَ لَهَا ، إِلَّا إِذَا وَضَعَهَا فِي فَمِهِ ، فَأَمَّا وَهِيَ بِيَدِهِ ، فَمَالِكُ الطَّعَامِ أَحَقُّ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْأَكْلِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْحُصُولِ فِي الْفَمِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَلَّا يَصِيرَ أَحَقَّ بِهَا وَأَمْلَكَ لَهَا ، إِلَّا بَعْدَ مَضْغِهَا وَبَلْعِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَضْمَنُ اسْتِهْلَاكَهُ بِالْأَكْلِ وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْأَكْلِ إِلَّا عَنْ إِذْنٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [ الْأَحْزَابِ : 53 ] . وَرَوَى وَاصِلُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي سَوْرَةَ ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا حَبَّذَا الْمُتَخَلِّلُونَ مِنْ أُمَّتِي ، قَالُوا : وَمَا الْمُتَخَلِّلُونَ ؟ قَالَ : الْمُتَخَلِّلُونَ مِنَ الطَّعَامِ ، وَالْمُتَخَلِّلُونَ بِالْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَإِنْ كَانَ فِيهَا الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْمُسْكِرْ ، أَوِ الْخَمْرِ ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ ، نَهَاهُمْ ، فَإِنْ نَحَّوْا ذَلِكَ عَنْهُ ، وَإِلَّا لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ ، فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ وَفِيهَا خُمُورٌ أَوْ مَلَاهِي أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ قَبْلَ حُضُورِهِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ حُضُورِهِ ، فَلَهُ حَالَتَانِ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِنْكَارِهِ وَإِزَالَتِهِ ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَ ؛ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِإِجَابَةِ الدَّاعِي . وَالثَّانِي : لِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ .

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَلَّا يَقْدِرَ عَلَى إِزَالَتِهِ ، فَفَرْضُ الْإِجَابَةِ قَدْ سَقَطَ ، وَأَوْلَى أَلَّا يَحْضُرَ ، وَفِي جَوَازِ حُضُورِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا فِي حُضُورِهِ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرِ وَالرِّيبَةِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَجِبُ لَهُ الْحُضُورُ ، وَإِنْ كَرِهَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَحْشَمَهُمْ حُضُورُهُ ، فَكَفُّوا وَأَقْصَرُوا ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ دُعِيَا إِلَى وَلِيمَةٍ ، فَسَمِعَا مُنْكَرًا ، فَقَامَ مُحَمَّدٌ لِيَنْصَرِفَ فَجَذَبَهُ الْحَسَنُ ، وَقَالَ : اجْلِسْ وَلَا يَمْنَعْكَ مَعْصِيَتُهُمْ مِنْ طَاعَتِكَ . وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فِي الْوَلِيمَةِ مِنَ الْمَعَاصِي ، فَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ ، وَلَا يَكُونُ خَوْفُهُ مِنْهَا عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ عَنْهَا ؛ لِجَوَازِ أَلَّا يَكُونَ ، فَإِنْ حَضَرَ ، وَكَانَتْ بِحَيْثُ لَا يُشَاهِدُهَا وَلَا يَسْمَعُهَا أَقَامَ عَلَى حُضُورِهِ وَلَمْ يَنْصَرِفْ ، وَإِنْ سَمِعَهَا وَلَمْ يُشَاهِدْهَا لَمْ يَتَعَمَّدِ السَّمَاعَ ، وَأَقَامَ عَلَى الْحُضُورِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ سَمِعَ فِي مَنْزِلِهِ مَعَاصِيًا مِنْ دَارِ غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْ مَنْزِلِهِ ، كَذَلِكَ هَذَا ، وَإِنْ شَاهَدَهَا جَازَ لَهُ الِانْصِرَافُ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ إِنْ لَمْ تُرْفَعْ ، وَفِي جَوَازِ إِقَامَتِهِ مَعَ حُضُورِهَا إِذَا صَرَفَ طَرَفَهُ عَنْهَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَإِنْ رَأَى صُوَرًا ذَاتَ أَرْوَاحٍ لَمْ يَدْخُلْ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً ، وَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ فَلَا بَأْسَ ، فَإِنْ كَانَ صُوَرُ الشَجَرِ فَلَا بَأْسَ ، وَأُحِبُّ أَنْ يُجِيبَ أَخَاهُ ، وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِذَا كَانَ فِي الْوَلِيمَةِ صُوَرٌ فَهِيَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ صُوَرُ شَجَرٍ وَنَبَاتٍ ، وَمَا لَيْسَ بِذِي رُوحٍ فَلَا تَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهَا كَالنُّقُوشِ الَّتِي تُرَادُ لِلزِّينَةِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى مُسْدَلٍ مِنْ بُسُطٍ وَوَسَائِدَ أَوْ كَانَتْ عَلَى مُصَانٍ مِنْ سَتْرٍ أَوْ جِدَارٍ ، وَلَا يَعْتَذِرُ بِهَا الْمَدْعُوُّ فِي التَّأَخُّرِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ صُوَرَ ذَاتِ أَرْوَاحٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ وَصَانِعُهَا عَاصٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعْنُ الْمُصَوِّرِ ، وَقَالَ : وَيُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : انْفُخْ فِيهِ الرُّوحَ ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهِ أَبَدًا . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [ الْأَحْزَابِ : 57 ] أَنَّهُمْ أَصْحَابُ التَّصَاوِيرِ ، وَإِذًا عَمَلُهَا مُحَرَّمٌ عَلَى صَانِعِهَا ، فَالْكَلَامُ فِي تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهَا وَإِبَاحَتِهِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الِاسْتِعْمَالِ ، فَإِنْ كَانَتْ

مُسْتَعْمَلَةً فِي مَنْصُوبٍ مُصَانٍ عَنِ الِاسْتِبْدَالِ كَالْحِيطَانِ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ ، يَسْقُطُ مَعَهَا فَرْضُ الْإِجَابَةِ ، لِمَا رُوِيَ : عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ، أَنَّهُ قَالَ : صَنَعْتُ طَعَامًا ، وَدَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ ، رَجَعَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا رَجَعَكَ ؟ قَالَ : رَأَيْتُ صُورَةً ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ كَلْبٌ . وَرَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ أَمَرَ عُمَرَ أَنْ يَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِي الْكَعْبَةِ ، فَلَمَّا مُحِيَتْ دَخَلَهَا . وَلِأَنَّ الصُّوَرَ كَانَتِ السَّبَبَ فِي عِبَادَاتِ الْأَصْنَامِ ، حُكِيَ : أَنَّ آدَمَ لَمَّا مَاتَ افْتَرَقَ أَوْلَادُهُ فَرِيقَيْنِ : فَرِيقٌ تَمَسَّكُوا بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ ، وَفَرِيقٌ مَالُوا إِلَى الْمَعَاصِي وَالْفَسَادِ ، ثُمَّ اعْتَزَلَ أَهْلُ الصَّلَاحِ ، فَصَعِدُوا جَبَلًا ، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ تَابُوتَ آدَمَ ، وَمَكَثَ أَهْلُ الْمَعَاصِي وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، فَكَانُوا يَسْتَغْوُونَ مَنْ نَزَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ أَهْلِ الْجَبَلِ ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى تَابُوتِ آدَمَ فَصَوَّرَ لَهُمْ إِبْلِيسُ صُورَةَ آدَمَ ؛ لِيَتَّخِذُوهَا بَدَلًا مِنَ التَّابُوتِ فَعَظَّمُوهَا ، ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ رَأَى تَعْظِيمَهَا ، فَعَبَدَهَا ، فَصَارَتْ أَصْنَامًا مَعْبُودَةً ، فَلِذَلِكَ حُرِّمَ اسْتِعْمَالُ الصُّوَرِ فِيمَا كَانَ مُصَانًا مُعَظَّمًا . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ : إِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْأَصْنَامِ وَمُشَاهَدَتِهِمْ بِعِبَادَتِهَا ؛ لِيَسْتَقِرَّ فِي نُفُوسِهِمْ بُطْلَانُ عِبَادَتِهَا وَزَوَالُ تَعْظِيمِهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ زَالَ فِي وَقْتِنَا لِمَا قَدِ اسْتَقَرَّ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْعُدُولِ عَنْ تَعْظِيمِهَا ، فَزَالَ حُكْمُ تَحْرِيمِهَا ، وَحَظْرُ اسْتِعْمَالِهَا ، وَقَدْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَنْ يَعْبُدُ كُلَّ مَا اسْتَحْسَنَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ ، فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الْحَظْرِ بَاقِيًا لَكَانَ اسْتِعْمَالُ كُلِّ مَا اسْتُحْسِنَ حَرَامًا . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يَدْفَعُهُ ، وَإِنَّ مَا جَانَسَ الْمُحَرَّمَاتِ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُهَا ، وَلَوْ سَاغَ هَذَا فِي صُوَرٍ غَيْرِ مُجَسَّمَةٍ لَسَاغَ فِي الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ ، وَمَا أَحَدٌ يَقُولُ هَذَا فَفَسَدَ بِهِ التَّعْلِيلُ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِنِ اسْتُعْمِلَتِ الصُّوَرُ فِي مَكَانٍ مُهَانٍ مُسْتَبْذَلٍ كَالْبُسُطِ وَالْمُخَالِّ جَازَ ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ فَرْضُ الْإِجَابَةِ . رُوِيَ : أَنَّ عَائِشَةَ عَلَّقَتْ سِتْرًا عَلَيْهِ صُورَةٌ ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ رَجَعَ ، وَقَالَ : يَا عَائِشَةُ اقْطَعِيهِ وِسَادَتَيْنِ ، فَقَطَعَتْهُ مِخَدَّتَيْنِ . وَلِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي مُسْتَبْذَلٍ مُهَانٍ زَالَ تَعْظِيمُهَا مِنَ النُّفُوسِ فَلَمْ تَحْرُمْ ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِلْقَاءِ صَنَمَيْنِ كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَكَانَتْ تُدَاسُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ يُقِرُّهَا وَلَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِبْقَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ بِتَعْظِيمِهَا إِلَى الِاسْتِهَانَةِ بِهَا وَالْإِذْلَالِ بِهَا .

فَصْلٌ : فَأَمَّا السُّتُورُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْجُدْرَانِ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ صُوَرَ ذَاتِ أَرْوَاحٍ فَاسْتِعْمَالُهَا مُحَرَّمٌ ، سَوَاءَ اسْتُعْمِلَتْ لِزِينَةٍ أَوْ

مَنْفَعَةٍ ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ : إِنْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً لِلزِّينَةِ حَرُمَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً لِلْمَنْفَعَةِ ؛ لِتَسْتُرَ بَابًا أَوْ تَقِيَ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ جَازَ ، وَلَمْ يَحْرُمْ ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ بِهَا عَنِ الزِّينَةِ إِلَى الْمَنْفَعَةِ يُخْرِجُهَا عَنْ حُكْمِ الصِّيَانَةِ إِلَى الْبِذْلَةِ . وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصَانًا عَظِيمًا ، فَحَرُمَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْحَالَيْنِ ، وَسَقَطَ بِهَا فَرْضُ الْإِجَابَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ السُّتُورُ بِغَيْرِ صُوَرِ ذَاتِ أَرْوَاحٍ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُسْتَعْمَلَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتُرُ بَابًا أَوْ تَقِي مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهَا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ زِينَةً لِلْجُدْرَانِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهَا وَلَا مَنْفَعَةٍ بِهَا ، فَهِيَ سَرَفٌ مَكْرُوهٌ ، رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا فِيمَا رَزَقَنَا أَنْ نَكْسُوَا الْجُدْرَانَ وَاللَّبِنَ " ، لَكِنْ لَا يَسْقُطُ بِهَذِهِ السُّتُورِ فَرْضُ الْإِجَابَةِ لِلْوَلِيمَةِ ؛ لِأَنَّ حَظْرَهَا لِلْمُسْرِفِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا لِلْمَعْصِيَةِ فِي الْمُشَاهَدَةِ .

فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ صُوَرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ صُوَرِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ مُسْتَحْسَنًا مِنْهَا أَوْ مُسْتَقْبَحًا ، أَوْ مَا كَانَ مِنْهَا عَظِيمًا أَوْ مُسْتَصْغَرًا ، إِذَا كَانَتْ صُوَرَ حَيَوَانٍ مُشَاهَدٍ . أَمَّا صُورَةُ حَيَوَانٍ لَمْ يُشَاهَدْ مِثْلُهُ حكم الصور ، مِثْلُ صُورَةِ طَائِرٍ لَهُ وَجْهُ إِنْسَانٍ أَوْ صُورَةِ إِنْسَانٍ لَهُ جَنَاحُ طَيْرٍ ، فَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَحْرُمُ ، بَلْ يَكُونُ أَشَدَّ تَحْرِيمًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْدَعَ فِي خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فِيهِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهِ أَبَدًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ - : لَا تَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالتَّزَاوِيقِ الْكَاذِبَةِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالصُّوَرِ الْحَيَوَانِيَّةِ . فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَوِّرَ وَجْهَ إِنْسَانٍ بِلَا بَدَنٍ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي : لَا يَحْرُمُ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فِي نَثْرِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالسُّكَرِ فِي الْعُرْسِ ، لَوْ تُرِكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِخِلْسَةٍ وَنُهْبَةٍ ، وَلَا يَبِينُ أَنَّهُ حَرَامٌ ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَيَأْخُذُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا نَثْرُ السُّكَّرِ وَاللَّوْزِ فِي الْعُرْسِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طِيبٍ أَوْ دَرَاهِمَ ، فَمُبَاحٌ إِجْمَاعًا ، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْجَارِي فِيهِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَوَّجَ عَلِيًّا بِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَثَرَ عَلَيْهِمَا ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِحْبَابِهِ وَكَرَاهِيَتِهِ ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ

إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ النَّثْرِ ، فَقَالَ : هِبَةٌ مُبَارَكَةٌ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ مُبَاحٌ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ وَلَا مَكْرُوهٍ ، وَفِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ ، وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا - وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - : أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ ؛ لِأُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ قَدْ يُوقِعُ بَيْنَ النَّاسِ ؛ تَنَاهُبًا وَتَنَافُرًا ، وَمَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ لَا يَتَسَاوَى النَّاسُ فِيهِ ، وَرُبَّمَا حَازَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَهُ ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى آخَرِينَ شَيْءٌ مِنْهُ ، فَتَنَافَسُوا . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ يَلْجَأُ النَّاسُ فِيهِ إِلَى إِسْقَاطِ الْمُرُوءَاتِ إِنْ أَخَذُوا ، أَوْ يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمُ السُّفَهَاءُ إِنْ أَمْسَكُوا ، وَقَدْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ عَاصَرَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْفَظَ لِلْمُرُوءَاتِ وَأَبْعَدَ لِلتَّنَازُعِ وَالتَّنَافُسِ ، فَلِذَلِكَ كُرِهَ النِّثَارُ بَعْدَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ فِي زَمَانِهِمْ ، وَعَادَةُ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ فِي وَقْتِنَا أَنْ يَقْتَسِمُوا ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ أَرَادُوا أَوْ يَحْمِلُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ ، فَيَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ النَّثْرِ إِلَى الْهَدَايَا .

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فِي النَّثْرِ ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَقَدْ مَلَكَهُ النثار في النكاح ، وَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَكْلِهِ أَوْ حَمْلِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ أَوْ بَيْعِهِ ، بِخِلَافِ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ إِلَّا أَكْلَهُ فِي مَوْضِعِهِ ؛ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي الْحَالَيْنِ ، وَالْقَصْدِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ النَّثْرِ فِي حِجْرِ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ بِيَدِهِ ، لَكِنَّهُ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ مَلَكَهُ الْآخِذُ ، وَإِنْ أَسَاءَ كَمَا يَقُولُ فِي الصَّيْدِ ، إِذَا دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ مَلَكَهُ آخِذُهُ ، فَأَمَّا زَوَالُ مُلْكِ رَبِّهِ عَنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَكُونُ نَثْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لِجَمَاعَتِهِمْ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ مِلْكُهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْأَخْذِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ حَتَّى يَلْتَقِطَهُ النَّاسُ ، فَيَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا الْتَقَطَهُ ، فَيَزُولُ عَنْهُ مِلْكُ صَاحِبِهِ .

فَصْلٌ : فَأَمَّا الْتِقَاطُ النَّثْرِ النثار في الزواج ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَرَاهِيَتِهِ ، مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهِ ، فَلَهُمْ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لِأَنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُمُ الْتِقَاطٌ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَكْرُوهِ لَا يَلْزَمُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ، إِذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَدْعُوًّا ، كَمَا لَا يُكْرَهُ أَكْلُ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ لِلْمَدْعُوِّ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَأْكُلَهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ

الِالْتِقَاطُ عَلَى أَعْيَانِ الْحَاضِرِينَ ؛ لِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ مَحْضٌ ، فَجَرَى مَجْرَى الْهِبَةِ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْكَافَّةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَجِبُ تَعْلِيلًا بِالْهِبَةِ ، فَإِنْ تَرَكُوهُ جَمِيعًا جَازَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ؛ لِمَا فِي تَرْكِ جَمِيعِهِمْ لَهُ مِنْ ظُهُورِ الْمُقَاطَعَةِ ، وَانْكِسَارِ نَفْسِ الْمَالِكِ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا الْتَقَطَهُ بَعْضُهُمْ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنِ الْبَاقِينَ ، وَكَذَلِكَ وَلَوِ الْتَقَطَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ بَعْضَ الْمَنْثُورِ ، وَبَقِيَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ وَبَعْضُ الْمَنْثُورِ ، سَقَطَ عَنْهُمْ فَرْضُ الْتِقَاطِهِ ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ بَاقِيًا خَرَجُوا بِتَرْكِهِ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ النَّثْرُ مُخْتَصٌّ فِي الْعُرْفِ بِالنِّكَاحِ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِهِ كَالْوَلِيمَةِ فِي اخْتِصَاصِهَا بِعُرْسِ النِّكَاحِ وَإِنِ اسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِهِ ، كَمَا أَنَّ الْأَغْلَبَ فِيهِ نَثْرُ اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ ، وَإِنْ نَثَرَ قَوْمٌ غَيْرَ ذَلِكَ . حُكِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا تَزَوَّجَ فَنَثَرَ عَلَى نَفْسِهِ الزَّبِيبَ لِإِعْوَازِ السُّكَّرِ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : وَلَمَّا رَأَيْتُ السُّكَّرَ الْعَامَ قَدْ غَلَا وَأَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَـةَ نَاكِحُ صَبَبْتُ عَلَى رَأْسِي الزَّبِيبَ لِصُحْبَتِي وَقُلْتُ كُلُوا أَكْلَ الْحَلَاوَةِ صَالِحُ

مُخْتَصَرُ الْقَسْمِ وَنُشُوزِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ
بيان وجوب القسم

مُخْتَصَرُ الْقَسْمِ بين الزوجات وَنُشُوزِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ ، مِنَ الْجَامِعِ وَمِنْ كِتَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمِنْ كِتَابِ نُشُوزِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ ، وَمِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِنَ " الْإِمْلَاءِ " قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ الْبَقَرَةِ : 228 ] ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كَفُّ الْمَكْرُوهِ ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَأْدِيَتِهِ ، فَأَيُّهُمَا مَطَلَ بِتَأْخِيرِهِ ، فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا حَقًّا ، حَظَرَ عَلَيْهِ النُّشُوزَ عَنْهُ ، كَمَا أَوْجَبَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ حَقًّا ، حَظَرَ عَلَيْهَا النُّشُوزَ عَنْهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ [ الْأَحْزَابِ : 50 ] ، إِشَارَةً إِلَى مَا أَوْجَبَهُ لَهَا مِنْ كُسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ ، وَقَسْمٍ ، قَالَ تَعَالَى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ النِّسَاءِ : 19 ] ، فَكَانَ مِنْ عِشْرَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ تَأْدِيَةُ حَقِّهَا وَالتَّعْدِيلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِي قَسْمِهَا ، قَالَ تَعَالَى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [ النِّسَاءِ : 129 ] . وَقَالَ تَعَالَى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ الْبَقَرَةِ : 228 ] . فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ لَهُنَّ حَقًّا ، وَأَنَّ عَلَيْهِنَّ حَقًّا ، وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ [ الْبَقَرَةِ : 228 ] فِي تَجَانُسِ الْحَقَّيْنِ وَتَمَاثُلِهِمَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ فِي وُجُوبِهِمَا وَلُزُومِهِمَا ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ وُجُوبُ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ . ثُمَّ فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ بِالْمَعْرُوفِ : فَقَالَ : " وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كَفُّ الْمَكْرُوهِ ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ " . وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِعْلُ الْمَكْرُوهِ مِنَ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَا إِلْزَامُ الْمُؤْنَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مَعْرُوفٌ . ثُمَّ قَالَ : " لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَأْدِيَتِهِ " .

وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ تَأْدِيَةَ الْحَقِّ بِالْكَرَاهِيَةِ وَعُبُوسَ الْوَجْهِ وَغَلِيظَ الْكَلَامِ لَيْسَ مِنَ الْمَعْرُوفِ . ثُمَّ قَالَ : " فَأَيُّهُمَا مَطَلَ فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ " . وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى أَدَاءِ الْحَقِّ ظَالِمٌ بِتَأْخِيرِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ مَا رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النِّسَاءَ عِنْدَكُمْ عِوَانٌ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، فَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ ، وَمِنْ حَقِّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ، فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، فَكَانَ الْقَسْمُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَهُنَّ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهِمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ لِأَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ ، يَعْنِي قَلْبَهُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرِضَ طِيفَ بِهِ عَلَى نِسَائِهِ مَحْمُولًا ، فَلَمَّا ثَقُلَ أَشْفَقْنَ عَلَيْهِ ، فَحَلَلْنَهُ مِنَ الْقَسْمِ ، لِيُقِمْ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لِمَيْلِهِ إِلَيْهَا ، فَتُوُفِّيَ عِنْدَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي ، وَفِي يَوْمِي ، وَلَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى وُجُوبِ الْقَسْمِ وَتَغْلِيظِ حُكْمِهِ .

فَصْلٌ لوُجُوبُ الْقَسْمِ شَرْطَانِ

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْقَسْمِ بين الزوجات وأحكامه ، فَلِوُجُوبِهِ شَرْطَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ لَهُ زَوْجَتَانِ فَأَكْثَرُ ؛ لِيَصِحَّ وُجُوبُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا بِالْقَسْمِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ مَعَهَا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ أَحْصَنُ لَهَا ، وَأَغَضُّ لِطَرْفِهَا ، وَبَيْنَ أَنْ يَعْتَزِلَهَا فَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا . وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يُرِيدَ الْمُقَامَ عِنْدَ إِحْدَاهُمَا فَيَلْزَمُهُ بِذَلِكَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْأُخْرَى مِثْلَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا ، فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ الْقَسْمُ بَيْنَهُمَا ، فَأَمَّا إِنِ اعْتَزَلَهُمَا سَقَطَ الْقَسْمُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الِاعْتِزَالِ لَهُمَا ، كَمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ لَهُمَا ، فَلَمْ يَجُزِ الْمَيْلُ إِلَى إِحْدَاهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَتُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تِسْعٍ ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ ، وَوَهَبَتْ سَوْدَةُ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَبِهَذَا نَقُولُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ يَجِبُ بِالْمُطَالَبَةِ ، وَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ ، وَلَا يَجُوزُ الْمُعَارَضَةُ عَلَى تَرْكِهِ كَالشُّفْعَةِ ، وَيَجُوزُ هِبَتُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ عَنْ تِسْعِ زَوْجَاتٍ ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ أَرَادَ طَلَاقَهَا لِعُلُوِّ سِنِّهَا ، وَاسْتِثْقَالِ الْقَسْمِ لَهَا ، فَلَمَّا عَلِمَتْ ذَلِكَ أَتَتْهُ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُحْشَرَ فِي جُمْلَةِ نِسَائِكَ ، فَأَمْسِكْنِي فَقَدْ وَهَبْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - تُرِيدُ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ لِعِلْمِهَا بِشِدَّةِ مَيْلِهِ إِلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَصَارَ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - يَوْمَيْنِ ؛ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ ، وَيَقْسِمُ لِغَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ يَوْمًا يَوْمًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَنَزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [ النِّسَاءِ : 128 ] . فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى وُجُوبِ الْقَسْمِ ، وَدَلَّ عَلَى جَوَازِ هِبَتِهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَى أُمَّتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلِمَا رَوَيْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ يَعْنِي قَلْبَهُ ، وَطِيفَ بِهِ فِي مَرَضِهِ عَلَى نِسَائِهِ مَحْمُولًا حَتَّى حَلَلْنَهُ مِنَ الْقَسْمِ ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ ، وَعَلَى جَمِيعِ أُمَّتِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى أُمَّتِهِ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [ الْأَحْزَابِ : 51 ] ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْقَسْمِ عَلَيْهِ يَقْطَعُهُ عَلَى التَّشَاغُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ، وَتَوَقُّعِ الْوَحْيِ ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ جَمِيعَ أُمَّتِهِ .

فَصْلٌ : فَإِذَا اسْتَقَرَّ بِمَا ذَكَرْنَا ، أَنَّ هِبَةَ الْقَسْمِ القسم بين الزوجات جَائِزَةٌ ، فَإِنَّمَا تَجُوزُ بِرِضَا الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَنْفَرِدَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْهَا إِلَّا بِرِضَاهُ ، فَإِذَا رَضِيَ بِهِبَتِهَا ، صَارَ مُسْقِطًا لِحَقِّهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، فَتُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ حَالُ هِبَتِهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَهَبَ ذَلِكَ لِامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ نِسَائِهِ . وَالثَّانِي : أَنْ تَهَبَ ذَلِكَ لِجَمِيعِهِنَّ .

وَالثَّالِثُ : أَنْ تَهَبَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ . فَإِنْ وَهَبَتْ قَسْمَهَا لِامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا ، كَمَا وَهَبَتْ سَوْدَةُ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - جَازَ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ رِضَا الْمَوْهُوبِ لَهَا فِي تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، كَمَا لَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي زَمَانِ نَفْسِهَا ، فَيَصِيرُ لَهَا يَوْمُ نَفْسِهَا وَيَوْمُ الْوَاهِبَةِ ، وَهَلْ يَجْمَعُ الزَّوْجُ لَهَا بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ ، أَوْ تَكُونُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِرَاقِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَجْمَعُ لَهَا بَيْنَهُمَا ، وَلَا يُفَرِّقُهُمَا كَمَا لَا يُفَرِّقُ عَلَيْهَا يَوْمَهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَانِ عَلَى تَفْرِيقِهِمَا ، يَخْتَصُّ بِيَوْمِ نَفْسِهَا ، فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الْوَاهِبَةِ عَلَى تَرْتِيبِهِ جَعَلَهُ لَهَا ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَا فِي التَّرْتِيبِ مُفْتَرِقَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أُقِيمَتْ فِيهِ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ ، فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ عَنْ زَمَانِهِ ، كَمَا لَا يَعْدِلُ بِهِ عَنْ مِقْدَارِهِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ . وَأَمَّا إِنْ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِجَمِيعِ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَخُصَّ بِهِ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا ، فَيَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِهِ قَسْمُ غَيْرِهَا ، وَيَكُونُ حَالُ الْقَسْمِ بَعْدَ هِبَتِهَا ، كَحَالِهِ لَوْ عَدِمَتْ فَيَصِيرُ مُؤَثِّرًا فِي إِسْقَاطِ حَقِّهَا ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةِ حَقِّ غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ تَأْثِيرُهُ إِذَا كُنَّ مَعَ الْوَاهِبَةِ أَرْبَعًا ، إِنْ كَانَ يَعُودُ يَوْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَصَارَ يَعُودُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ . وَأَمَّا إِنْ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِزَوْجِهَا ، فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ يَوْمَهَا لِمَنْ أَرَادَ مِنْ نِسَائِهِ ، فَإِذَا جَعَلَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا اخْتَصَّتْ بِالْيَوْمَيْنِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَفِي جَمْعِهِ وَتَفْرِقَتِهِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَنْقُلَ يَوْمَ الْهِبَةِ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ إِلَى أُخْرَى ، جَازَ فَيَجْعَلُ يَوْمَ الْهِبَةِ فِي هَذِهِ النَّوْبَةِ لِعَمْرَةَ ، وَفِي النَّوْبَةِ الْأُخْرَى لِحَفْصَةَ ، وَفِي النَّوْبَةِ الثَّالِثَةِ لِهِنْدٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى خِيَارِهِ ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَاءَ .

فَصْلٌ : فَإِذَا رَجَعَتِ الْوَاهِبَةُ فِي هِبَتِهَا ، وَطَالَبَتِ الزَّوْجَ بِالْقَسْمِ لَهَا ، سَقَطَ حَقُّهَا فِيمَا مَضَى ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ وَقَسَمَ لَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ؛ لِأَنَّهَا رَجَعَتْ فِي هِبَةٍ لَمْ تُقْضَ فَلَوْ رَجَعَتْ فِي تَضَاعِيفِ يَوْمِهَا ، وَقَدْ مَضَى بَعْضُهُ كَانَتْ أَحَقَّ بِبَاقِيهِ مِنَ الَّتِي صَارَ لَهَا ، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَنْتَقِلَ فِيهِ إِلَيْهَا ، فَلَوْ رَجَعَتِ الْوَاهِبَةُ فِي يَوْمِهَا ، وَلَمْ يَعْلَمِ الزَّوْجُ بِرُجُوعِهَا حَتَّى مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ ، ثُمَّ عَلِمَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : " لَمْ يَقْضِهَا مَا فَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ ، وَاسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ الْقَسْمَ مِنْ وَقْتِ عِلْمِهِ " . وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْمُمَايَلَةَ لِغَيْرِهَا .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَسْمِ بين الزوجات وأحكامه " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ وُجُوبَ الْقَسْمِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ لَهُ زَوْجَتَانِ فَصَاعِدًا .

وَالثَّانِي : أَنْ يُرِيدَ الْمُقَامَ عِنْدَ بَعْضِهِنَّ ، فَإِذَا وَجَبَ الْقَسْمُ لَهُنَّ أُجْبِرَ عَلَيْهِ إِنِ امْتَنَعَ مِنْهُ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ ، وَلَهُ زَوْجَتَانِ أَقَرَعَ بَيْنَهُمَا فِي الَّتِي يَبْدَأُ بِالْقَسْمِ لَهَا ، فَيَزُولُ عَنْهُ الْمَيْلُ . فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا ، سَافَرَ بِهَا . فَلِذَلِكَ أَمَرْنَاهُ بِالْقُرْعَةِ ، لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ بِالْمُمَايَلَةِ . فَإِذَا خَرَجَتْ قُرْعَةُ إِحْدَاهُمَا بَدَأَ بِالْقَسْمِ لَهَا ثُمَّ قَسَمَ بَعْدَهَا لِلثَّانِيَةِ ، مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَلَوْ كُنَّ ثَلَاثًا أَقْرَعَ بَعْدَ الْأُولَى بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ، فَإِذَا خَرَجَتْ قُرْعَةُ الثَّانِيَةِ قَسَمَ بَعْدَهَا لِلثَّالِثَةِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَلَوْ كُنَّ أَرْبَعًا أَقْرَعَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ بَيْنَ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ، فَإِذَا خَرَجَتْ قُرْعَةُ الثَّالِثَةِ قَسَمَ بَعْدَهَا لِلرَّابِعَةِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ الْقَسْمُ لَهُنَّ بِالْقُرْعَةِ فِي النَّوْبَةِ الْأُولَى ، سَقَطَتِ الْقُرْعَةُ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ النُّوَبِ ، وَتَرَتَّبْنَ فِي الْقَسْمِ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ تَأْتِي عَلَى مَرَّتَيْنِ بِالْقُرْعَةِ فِي النَّوْبَةِ الْأُولَى . فَلَوْ رَتَّبَهُنَّ فِي النَّوْبَةِ الْأُولَى عَلَى خِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ لَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ النُّوَبِ إِلَّا بِقُرْعَةٍ يَسْتَأْنِفُهَا ، تَزُولُ التُّهْمَةُ بِهَا فِي الْمُمَايَلَةِ ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَهُنَّ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ لِمَا فِيهِ مِنِ انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَمَوْضِعُ تَلَذُّذٍ ، وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ، ( قَالَ ) بَعْضُ أَهْلِ التَفْسِيرِ : لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بِمَا فِي الْقُلُوبِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجَاوِزُهُ فَلَا تَمِيلُوا لَا تُتْبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ ، فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ وَالْقَوْلُ مَعَ الْهَوَاءِ ، فَذَلِكَ كُلُّ الْمَيْلِ ، وَبَلَغَنَا أَنَّ النَبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ فَيَقُولُ : اللَّهْمَ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ فِيمَا لَا أَمْلِكُ ، يَعْنِي : وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا لَا أَمْلِكُ قَلْبَهُ ، ( قَالَ ) : وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا فِي مَرَضِهِ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى حَلَلْنَهُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، يَلْزَمُهُ الْقَسْمُ لَهُنَّ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ القسم بين الزوجات ، وَلَا يَلْزَمُهُ جِمَاعُهُنَّ إِذَا اسْتَقَرَّ دُخُولُهُ بِهِنَّ ، وَلَهُ أَنْ يُجَامِعَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ ، وَلَا يَلْزَمُهُ جِمَاعُ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ دَوَاعِي الشَّهْوَةِ وَخُلُوصِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَكَفُّلِهَا بِالتَّصَنُّعِ لَهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [ النِّسَاءِ : 129 ] . قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَاهُ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ بِمَا

فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْمَحَبَّةِ ، فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فِي أَنْ تُتْبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا مُفَارَقَةٍ . فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِهِ فِي الْقَسْمِ وَالْإِيوَاءِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ ، فَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ . وَقَالَ مَالِكٌ : يُؤْخَذُ الزَّوْجُ بِجِمَاعِ امْرَأَتِهِ فِي كُلِّ مُدَّةٍ لِيُحَصِّنَهَا ، وَيَقْطَعَ شَهْوَتَهَا ، فَإِنْ أَطَالَ تَرْكَ جِمَاعِهَا ، وَحَاكَمَتْهُ إِلَى الْقَاضِي ، فَسَخَ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يُجَامِعْ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أَنْ يُجَامِعَهَا فِي كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ مَرَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ ، فَصَارَتْ تَسْتَحِقُّ مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، وَبِهَذَا حَكَمَ كَعْبُ بْنُ سَوَّارٍ بِحَضْرَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ ، فَكَانَ أَوَّلَ قَاضٍ قَضَى بِهَا . وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ عِنْدَنَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَعْبٌ تَوَسَّطَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَنْ صُلْحٍ وَمُرَاضَاةٍ ، وَكَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى جِمَاعِهَا ، فَكَذَلِكَ لَا يُجْبَرُ عَلَى مُضَاجَعَتِهَا ، وَلَا عَلَى تَقْبِيلِهَا وَمُحَادَثَتِهَا ، وَلَا عَلَى النَّوْمِ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ دَوَاعِي الشَّهْوَةِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَكَلُّفِهَا ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ زَمَانُ الْقَسْمِ بِالِاجْتِمَاعِ وَالْأُلْفَةِ .

مَسْأَلَةٌ عِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ لِأَنَّهُ سَكَنٌ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ ؛ لِأَنَّهُ سَكَنٌ فَقَالَ : أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، عَلَى الزَّوْجِ فِي زَمَانِ الْقَسْمِ أَنْ يَأْوِيَ إِلَيْهَا لَيْلًا الزوجات بين الزوجات ، وَيَنْصَرِفَ لِنَفْسِهِ نَهَارًا ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَانُ الدَّعَةِ وَالْإِيوَاءِ ، وَالنَّهَارَ زَمَانُ الْمَعَاشِ وَالتَّصَرُّفِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [ النَّبَأِ : 10 ، 11 ] . وَفِي اللِّبَاسِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْإِيوَاءُ فِي الْمَسَاكِنِ ، وَإِلَى سَكَنِهِ ، فَصَارَ كَاللَّابِسِ لِمَسْكَنِهِ وَلِزَوْجَتِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَتَغَطَّى بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ كَمَا يَتَغَطَّى بِاللِّبَاسِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [ الرُّومِ : 21 ] . وَالسَّكَنُ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ ، وَلِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَانُ الدَّعَةِ وَالْإِيوَاءِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عُمْدَةَ الْقَسْمِ ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ لَزِمَهُ تَمْكِينُ الزَّوْجِ مِنْهَا لَيْلًا ، وَكَانَ لَهُ اسْتِخْدَامُهَا نَهَارًا فَعُلِمَ أَنَّ اللَّيْلَ عِمَادُ الْقَسْمِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي اللَّيْلِ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ مِنْ عِنْدِ

الَّتِي قَسَمَ لَهَا إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَأَمَّا النَّهَارُ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا شَاءَ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ فِيهِ لِوَطْئِهَا . رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ : قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ ، فَيَدْنُو مَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ، فَيُقَبِّلُ وَيَلْمَسُ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ ، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا . فَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ يَنْصَرِفُ فِي مَعَاشِهِ لَيْلًا ، وَيَأْوِي إِلَى مَسْكَنِهِ نَهَارًا كَالْحُرَّاسِ ، وَصُنَّاعِ الْبِزْرِ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ ، فَعِمَادُ هَؤُلَاءِ فِي قَسْمِهِمُ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُ سَكَنِهِمْ ، وَاللَّيْلُ زَمَانُ مَعَاشِهِمْ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ حَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ وَذِمِّيَّاتٌ ، فَهُنَّ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ تَسْتَوِي الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ فِي الْقَسْمِ لَهَا ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ النِّسَاءِ : 19 ] ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ تَسْتَوِي فِيهَا الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ كَالسُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ ، وَلَا تُقَدَّمُ الْمُسْلِمَةُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا ، كَمَا يَعْدِلُ فِي قَدْرِ الزَّمَانِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَيَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً إِذَا خَلَّى الْمَوْلَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ زَوْجَتَانِ ، وَذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَبْدًا فَنَكَحَ أَمَةً وَحُرَّةً ، وَيَكُونَ حُرًّا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ ثُمَّ نَكَحَ بَعْدَهَا حُرَّةً ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لَهُمَا ، وَيَكُونُ قَسْمُ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ قَسْمِ الْحُرَّةِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْسِمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً ، أَوْ لِلْحُرَّةِ أَرْبَعَ لَيَالٍ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَتَيْنِ . وَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ ؛ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ . وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي قَسْمِ الِابْتِدَاءِ ، إِذَا نَكَحَهَا خَصَّهَا بِسَبْعٍ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَبِثَلَاثٍ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي قَسْمِ الِانْتِهَاءِ . وَدَلِيلُنَا : رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تُنْكَحُ أَمَةٌ عَلَى حُرَّةٍ ، وَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ " .

فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَلَيْسَتِ الْمَرَاسِيلُ عِنْدَكُمْ حُجَّةً . قِيلَ : قَدْ عَضَّدَ هَذَا الْمُرْسَلَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، وَهُوَ مَا رَوَى الْمِنْهَالُ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا تُزُوِّجَتِ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ القسم بين الزوجات قَسَمَ لَهَا يَوْمَيْنِ ، وَلِلْأَمَةِ يَوْمًا . وَإِذَا عَضَّدَ الْمُرْسَلَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ صَارَ الْمُرْسَلُ حُجَّةً . وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يُعْرَفُ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي هَذَا الْقَوْلِ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ ذَا عَدَدٍ تَبَعَّضَتِ الْأَمَةُ فِيهِ مِنَ الْحُرَّةِ كَالْحُدُودِ وَالْعِدَّةِ وَالطَّلَاقِ . وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْقَسْمِ لَهَا فِي مُقَابَلَةِ وُجُوبِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَلَمَّا تَبَعَّضَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مِنَ الْحُرَّةِ لِاسْتِحْقَاقِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي اللَّيْلِ ، وَوُجُوبِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحُرَّةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَجَبَ أَنْ يَتَبَعَّضَ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنَ الْقَسْمِ . فَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لَا يَكُونُ مَيْلًا مَحْظُورًا ، وَأَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِقَسْمِ الِابْتِدَاءِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَسْتَوِيَانِ فِيهِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - : أَنَّهُمَا لَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ ، بَلْ يَتَفَاضَلَانِ كَقَسْمِ الِانْتِهَاءِ ، فَسَقَطَ الدَّلِيلُ . الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - : أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي قَسْمِ الِانْتِهَاءِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَسْمَ الِابْتِدَاءِ مَوْضُوعٌ لِلْأُنْسِيَّةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، وَقَسْمُ الِانْتِهَاءِ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالْأَمَةِ نَاقِصٌ عَنِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحُرَّةِ

فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ قَسْمَ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ قَسْمِ الْحُرَّةِ ، فَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَمِنْ فِيهَا جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ ، وَإِنْ قَلَّ ، فَإِنْ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ فِي وَقْتِ قَسْمِهَا ، كَمَّلَ لَهَا قَسْمَ حُرَّةٍ ، وَلَوْ أُعْتِقَتْ بَعْدَ زَمَانِ قَسْمِهَا اسْتَأْنَفَ لَهَا فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ النُّوَبِ قَسْمَ حُرَّةٍ ، لَكِنَّهُ يَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ مِثْلَ مَا كَانَ لِلْأَمَةِ مِنَ الْقَسْمِ ، كَأَنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ ، فَاسْتَكْمَلَتِ الْأَمَةُ لَيْلَتَهَا وَهِيَ عَلَى الرِّقِّ ، وَأَقَامَ مَعَ الْحُرَّةِ لَيْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ الْحُرَّةَ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ قَدْ صَارَتْ مِثْلَهَا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا . قَالَهُ الشَّافِعِيُّ نَصًّا فِي الْقَدِيمِ . وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ يُوجِبُ تَكْمِيلَ حَقِّهَا ، وَلَا يُوجِبُ نُقْصَانَ حَقِّ غَيْرِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْحُرَّةُ عَلَى حَقِّهَا ، وَيَسْتَقْبِلَ زِيَادَةَ الْأَمَةِ بَعْدَ عِتْقِهَا ، فَلَوْ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِهَا حَتَّى مَضَى لَهَا نَوْبٌ فِي الْقَسْمِ ثُمَّ عَلِمَ ، لَمْ يَقْضِ مَا مَضَى ، وَكَمَّلَ قِسْمَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعِتْقِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ لِلْأَمَةِ أَنْ تُحَلِّلَهُ مِنْ قَسْمِهَا دُونَ الْمَوْلَى

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلِلْأَمَةِ أَنْ تُحَلِّلَهُ مِنْ قَسْمِهَا دُونَ الْمَوْلَى " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ حَقٌّ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُ إِلْفٌ لَهَا وَسَكَنٌ ، فَإِنْ حَلَّلَتْ زَوْجَهَا مِنَ الْقَسْمِ صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ السَّيِّدُ ، وَلَوْ حَلَّلَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ ، وَخَالَفَ ذَلِكَ الْمَهْرَ الَّذِي إِنْ عَفَا عَنْهُ السَّيِّدُ صَحَّ ، وَإِنْ عَفَتْ عَنْهُ الْأَمَةُ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لِلسَّيِّدِ دُونَهَا ، فَصَحَّ عَفْوُهُ دُونَهَا ، وَالْقَسْمُ لَهَا دُونَ السَّيِّدِ ، فَصَحَّ عَفْوُهَا عَنْهُ دُونَ السَّيِّدِ .

مَسْأَلَةٌ لَا يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا وَلَا يَدْخُلُ فِي اللَّيْلِ عَلَى الَّتِي لَمْ يَقْسِمْ لَهَا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَا يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا وَلَا يَدْخُلُ فِي اللَّيْلِ عَلَى الَّتِي لَمْ يَقْسِمْ لَهَا ، ( قَالَ ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا بِالنَّهَارِ فِي حَاجَةٍ ، وَيَعُودَهَا فِي مَرَضِهَا فِي لَيْلَةِ غَيْرِهَا ، فَإِذَا ثَقُلَتْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تَخِفَّ أَوْ تَمُوتَ ، ثُمَّ يُوَفِّي مَنْ بَقِيَ مِنْ نِسَائِهِ مِثْلَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عِمَادَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ دُونَ النَّهَارِ ، لَكِنَّ النَّهَارَ دَاخِلٌ فِي الْقَسْمِ تَبَعًا لِلَّيْلِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ زَمَانِ الْقَسْمِ اللَّيْلَ لِسَعَةِ الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ تَبَعٌ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ اللَّيْلِ دُونَ مَا تَأَخَّرَ ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَوَّلُ الشَّهْرِ دُخُولَ اللَّيْلِ ، فَإِنْ جَعَلَ أَوَّلَ زَمَانِ الْقَسْمِ النَّهَارَ مَعَ اللَّيْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ جَازَ ، وَيَصِيرُ مُقَدِّمًا لِلتَّابِعِ عَلَى الْمَتْبُوعِ ، فَإِذَا قَسَمَ لَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ عِنْدَهَا لَيْلًا لَا يَخْرُجُ فِيهِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَيَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ نَهَارًا ؛ لِلتَّصَرُّفِ فِي أَشْغَالِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي النَّهَارِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ نِسَائِهِ دُخُولَ غَيْرِ مُسْتَوْطِنٍ عِنْدَهَا ، وَلَا مُقِيمٍ ، بَلْ لِيَسْأَلَ عَنْهَا وَيَتَعَرَّفَ خَبَرَهَا ، وَيَنْظُرَ فِي مَصَالِحِهَا ، أَوْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ عِنْدَهَا ، وَيَجُوزُ لَهُ فِي دُخُولِهِ عَلَيْهَا أَنْ يُقَبِّلَهَا وَيَمَسَّهَا مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ؛ لِمَا رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ : " قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ ، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ، فَيُقَبِّلُ وَيَلْمَسُ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ ، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا " ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ دُونَ النَّهَارِ ، فَإِذَا دَخَلَ النَّهَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى صَاحِبَةِ الْقَسْمِ حَقَّهَا مِنْهُ ، وَكَانَ دُخُولُهُ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ كَدُخُولِهِ عَلَى غَيْرِ نِسَائِهِ ، فَأَمَّا وَطْؤُهُ لِغَيْرِهَا فِي النَّهَارِ فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَقْصُودُ الْقَسْمِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي زَمَانِ غَيْرِهَا . وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ حَفْصَةَ فِي يَوْمِهَا ، فَوَجَدَهَا قَدْ خَرَجَتْ لِزِيَارَةِ أَبِيهَا ، فَاسْتَدْعَى مَارِيَةَ ، فَخَلَا بِهَا ، فَلَمَّا عَلِمَتْ حَفْصَةُ عَتَبَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَتْ فِي بَيْتِي ، وَفِي يَوْمِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَرْضَاهَا بِتَحْرِيمِ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَأَمَرَهَا أَلَّا

تُخْبِرَ بِذَلِكَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ ، فَأَخْبَرَتْ بِهِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِمُصَافَاةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا ، فَتَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [ التَّحْرِيمِ : 1 ] ، فَإِنْ أَطَالَ الْمُقَامَ عِنْدَ غَيْرِهَا فِي نَهَارِ قَسْمِهَا ، أَوْ وَطِئَ فِيهِ غَيْرَهَا لَمْ يَقْضِ مُدَّةَ مُقَامِهِ ، وَإِنْ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالنَّهَارِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُ التَّصَرُّفِ دُونَ الْإِيوَاءِ ، فَلَمْ يَقْضِهِ . فَأَمَّا اللَّيْلُ : فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهَا فِيهِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، سَوَاءٌ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى زَوْجَتِهِ أَوْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْقَسْمِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَهُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا فَخَرَجَ ، لَمْ يَأْثَمْ ، وَنُظِرَ فِي مُدَّةِ الْخُرُوجِ ؛ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يَقْضِي مِثْلَهُ كَانَ عَفْوًا ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَقْضِي مِثْلَهُ ، كَأَنْ خَرَجَ نِصْفَ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَهُ قَضَاهَا زَمَانَ خُرُوجِهِ لِيُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي مُدَّةِ الْخُرُوجِ الَّذِي يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ ، فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ عَرَضَتْ لَهُ عِنْدَ غَيْرِ زَوْجَةٍ قَضَاهَا ذَلِكَ الزَّمَانَ لَا مِنْ زَمَانِ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ فِيهِ إِلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ لِمَرَضٍ خَافَ عَلَيْهَا مِنْهُ فَإِنْ مَاتَتْ سَقَطَ قَسْمُهَا ، وَقَضَى صَاحِبَةَ الْقَسْمِ مَا فَوَّتَهُ عَلَيْهَا مِنْ لَيْلَتِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَمُتْ قَضَى صَاحِبَةَ الْقَسْمِ مِنْ لَيْلَةِ الْمَرِيضَةِ مَا فَوَّتَهُ عَلَيْهَا مِنْ لَيْلَتِهَا ، فَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ : وَيَعُودُهَا فِي مَرَضِهَا لَيْلَةَ غَيْرِهَا ، فَقَدْ كَانَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ يَنْسِبُ الْمُزَنِيَّ إِلَى الْخَطَأِ فِي هَذَا النَّقْلِ ، وَيَقُولُ : إِنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا قَالَ : وَيَعُودُهَا فِي مَرَضِهَا فِي نَهَارِ غَيْرِهَا ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ فَاسِدٌ ، وَنَقْلُ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَهَا فِي لَيْلَةِ غَيْرِهَا إِذَا كَانَ مَرَضُهَا مَخُوفًا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَجَّلَ مَوْتُهَا قَبْلَ النَّهَارِ ، فَفَاتَهُ حُضُورُهَا ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَرَضُهَا مَأْمُونًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَادَتُهَا فِي اللَّيْلِ حَتَّى يُصْبِحَ ، فَيَعُودُهَا نَهَارًا ، وَإِنَّمَا قَضَاءُ زَمَانِ الْخُرُوجِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْذُورًا ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا تَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ ، فَلَوْ خَرَجَ فِي لَيْلَتِهَا إِلَى غَيْرِهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فِي الْحَالِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ ؛ لِقُصُورِهِ عَنْ زَمَانِ الْقَضَاءِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَلْزُمُهُ قَضَاءُ لَيْلَةٍ بِكَمَالِهَا ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقَسْمِ فِي اللَّيْلِ هُوَ الْوَطْءُ فَإِذَا وَطِئَ فِيهِ غَيْرَهَا ، فَكَأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهَا جَمِيعَ اللَّيْلَةِ ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ قَضَاءُ جَمِيعِهَا مِنْ لَيْلَةِ الْمَوْطُوءَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ عَلَيْهِ فِي لَيْلَةِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهَا إِلَى هَذِهِ ، فَيَطَأَهَا ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى تِلْكَ لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي فِعْلِهِ ، وَهَذَا فِي الْقَضَاءِ صَحِيحٌ وَفِي الْوَطْءِ فَاسِدٌ ؛ لِاسْتِحْقَاقِ الزَّمَانِ دُونَ الْوَطْءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " إِنْ أَرَادَ أَنْ تَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا القسم بين الزوجات ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَأَكْرَهُ مُجَاوَزَةَ الثَّلَاثِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، الْأَوْلَى بِالزَّوْجِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ نِسَائِهِ أَنْ يَقْسِمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةً لَيْلَةً ؛ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ نِسَائِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِنَّ ، فَإِنْ جَعَلَ الْقَسْمَ لَيْلَتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ، جَازَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ؛ لِأَنَّهَا آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ وَأَوَّلُ حَدِّ الْكَثْرَةِ ، وَلَا اعْتِرَاضَ لَهُنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ إِلَى خِيَارِهِ دُونَهُنَّ . فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثٍ ، بِأَنْ يَقْسِمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ أُسْبُوعًا أَوْ شَهْرًا ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْإِمْلَاءِ " : يَقْسِمُ مُيَاوَمَةً وَمُشَاهَرَةً وَمُسَانَهَةً . وَهَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَعَ رِضَاهُنَّ بِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَيْنَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَ بِهِنَّ ثَلَاثًا ، وَلِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ دَخَلَ فِي الْكَثْرَةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ تَفَرُّقُ حُقُوقِهِنَّ فِيهَا بِالْمَوْتِ ، فَإِنْ قَسَمَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَهْرًا فَقَدْ أَسَاءَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لِلْبَاقِيَاتِ شَهْرًا شَهْرًا ، فَإِذَا اسْتَوْفَيْنَ الشَّهْرَ ، فَلَهُنَّ أَنْ يُلْزِمْنَهُ تَقْلِيلَ الْقَسْمِ إِلَى ثَلَاثٍ .

فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ فِي مُدَّةِ قَسْمِهَا القسم بين الزوجات ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا سَقَطَ بَاقِيهِ ، سَوَاءٌ نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ أَمْ لَا ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ نَكَحَهَا لَمْ يَقْضِهَا بَقِيَّةَ قَسْمِهَا ، وَلَا مَا مَضَى مِنْ نَوْبِ الْقَسْمِ بَعْدَ طَلَاقِهَا ، وَقَبْلَ نِكَاحِهَا ، وَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَقْضِيَهَا مَا تَجَدَّدَ مِنْ نَوْبِ الْقَسْمِ بَعْدَ طَلَاقِهِ ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ النَّوْبَةِ الَّتِي كَانَ الطَّلَاقُ فِيهَا فَإِنَّكَ تَنْظُرُ فَإِنْ كَانَتْ آخِرَ النِّسَاءِ قَسْمًا فِي النَّوْبَةِ ، قَضَاهَا بَقِيَّةَ أَيَّامِهَا فِي تِلْكَ النَّوْبَةِ ؛ لِأَنَّهَا قَدِ اسْتَحَقَّتْهَا بِالْقَسْمِ لِمَنْ تَقَدَّمَهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ النِّسَاءِ قَسْمًا فِي النَّوْبَةِ لَمْ يَقْضِهَا بَقِيَّةَ أَيَّامِهَا ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ قَسْمٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ اسْتِكْمَالَهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لِمَنْ سِوَاهَا مِثْلَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصِرَ بِهَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ لِيَقْسِمَ لِلْبَاقِيَاتِ مِثْلَهُ جَازَ إِذَا كَانَتْ أَوَّلَهُ وَلَمْ يَجُزْ إِذَا كَانَتْ آخِرَهُ .

مَسْأَلَةٌ يَقْسِمُ لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلِلَّتِي آلَى أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَيَقْسِمُ لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلِلَّتِي آلَى أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا وَلَا يَقْرَبْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ لِأَنَّ فِي مَبِيتِهِ سُكْنَى وَإِلْفًا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، وَالْقَسْمُ لِلْإِلْفِ وَالسَّكَنِ لَا لِلْجِمَاعِ ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يَقْسِمَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى جِمَاعِهَا أَوْ لَمْ يَقْدِرْ مِنَ الْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالَّتِي آلَى مِنْهَا أَوْ ظَاهَرَ .

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " : وَيَقْسِمُ لِلْمُحرمَةِ ، فَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ ، فَإِنْ أَمِنَهَا عَلَى نَفْسِهِ قَسَمَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْهَا لَمْ يَقْسِمْ ، وَيَقْسِمُ لِذَوَاتِ الْعُيُوبِ مِنَ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، فَإِنْ عَافَتْهُ نَفْسُهُ فَسَخَ . وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَسْمُ لِمَنْ ذَكَرْنَاهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِالْمَرِيضَةِ ، فِيمَا سِوَى الْوَطْءِ إِذَا كَانَ يَضُرُّهَا . وَأَمَّا الرَّتْقَاءُ فَيَسْتَمْتِعُ بِمَا أَمْكَنَ مِنْهَا . وَأَمَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ ، فَيَسْتَمْتِعُ بِهَا دُونَ الْفَرْجِ . وَأَمَّا الَّتِي آلَى مِنْهَا ، فَلَهُ وَطْؤُهَا ، وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ . وَأَمَّا الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا . وَفِي إِبَاحَةِ التَّلَذُّذِ فِيمَا سِوَى الْوَطْءِ وَجْهَانِ ، وَأَمَّا الْمُحْرِمَةُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَعَلَى الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ أَنْ يَقْسِمَ لِنِسَائِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى جِمَاعِهِنَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَقْصُودِ الْقَسْمِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا لَزِمَهُ الْقَسْمُ لَهُنَّ كَالصَّحِيحِ ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا لَزِمَهُ الْقَسْمُ كَالْحُرِّ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلًا يَأْتِينَهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِنَّ القسم بين الزوجات ، فَأَيَّتُهُنَ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ لِلزَّوْجِ الْخِيَارَ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ أَنْ يَطُوفَ عَلَيْهِنَّ فِي مَسَاكِنِهِنَّ ، فَيُقِيمُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي زَمَانِ قَسْمِهَا ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ نِسَائِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ فِي مَنْزِلٍ وَيَأْمُرُهُنَّ بِإِتْيَانِهِ فِيهِ ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَتُقِيمُ عِنْدَهُ مُدَّةَ قَسْمِهَا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَاهُمَا بِهِ ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَسْمِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَصْوَنُ لَهُنَّ وَأَجْمَلُ فِي عِشْرَتِهِنَّ ، فَلَوْ أَمَرَهُنَّ بِإِتْيَانِهِ فَامْتَنَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَنْ تَأْتِيَهُ ، فَإِنْ كَانَ لِمَرَضٍ عُذِرَتْ ، وَكَانَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَرَضٍ وَلَا عُذْرٍ صَارَتْ بِامْتِنَاعِهَا نَاشِزًا ، وَسَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا قَصْدَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَصْدُهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا لَزِمَهَا اتِّبَاعُهُ ، وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تُسَافِرَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ اتِّبَاعُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْدَارِ وَالْخَفَرِ اللَّاتِي لَمْ تَجُزْ عَادَتُهُنَّ بِالْبُرُوزِ صِينَتْ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اتِّبَاعُهُ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا فِي مَنْزِلِهَا .

فَصْلٌ : وَإِذَا حُبِسَ الزَّوْجُ ، أَمْكَنَ نِسَاؤُهُ أَنْ يَأْوِينَ مَعَهُ القسم بين الزوجات فِي حَبْسِهِ ، فَهُنَّ عَلَى حُقُوقِهِنَّ مِنَ الْقَسْمِ ؛ لِأَنَّ حَالَهُ فِي الْحَبْسِ كَحَالِهِ فِي مَنْزِلِهِ ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُنَّ ذَلِكَ ؛ لِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ فِي الْحَبْسِ مِنَ الرِّجَالِ أَوْ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ النَّاسِ سَقَطَ الْقَسْمُ .



مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَكَذَلِكَ الْمُمْتَنِعَةُ بِالْجُنُونِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا بِأَنَّ الْمَجْنُونَةَ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا سَقَطَ قَسْمُهَا ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ جُنُونِهَا القسم بين الزوجات ، فَالْقَسْمُ لَهَا وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِلْفًا لَهَا وَسَكَنًا ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ بِالْجُنُونِ جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ النُّشُوزِ وَإِنْ لَمْ تَأْثَمْ ، وَسَقَطَ بِذَلِكَ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ اسْتِمْتَاعٍ قَدْ فَاتَ عَلَيْهِ بِامْتِنَاعِهَا وَإِنْ عُذِرَتْ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَسْتَوِي فِي الْوُجُوبِ مَعَ الْعُذْرِ وَالِاخْتِيَارِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَجِّرَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ مَا أَجَّرَ ؛ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْأُجْرَةِ ، ثُمَّ إِذَا سَقَطَ قَسْمُهَا بِالِامْتِنَاعِ قَسَمَ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ مِنْ نِسَائِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ عَاقِلَةٌ سَقَطَ حَقُّهَا ، وَكَانَ الْقَسْمُ لِمَنْ سِوَاهَا ، فَلَوْ أَقْلَعَتْ عَنِ النُّشُوزِ عَادَ قَسْمُهَا مَعَهُنَّ كَالَّذِي كَانَ .

مَسْأَلَةٌ إِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ فَلَا قَسْمَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ ، فَلَا قَسْمَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَشْخَصَهَا ، فَيَلْزَمُهُ كُلُّ ذَلِكَ لَهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ سَفَرِهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ الزَّوْجِ أَوْ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ ، فَإِنْ سَافَرَتْ مَعَ الزَّوْجِ القسم بين الزوجات : كَانَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْقَسْمِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ سَافَرَ بِهَا بِالْقُرْعَةِ لَمْ يَقْضِ بَاقِي نِسَائِهِ مَا أَقَامَ مَعَهَا ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ قَضَاهُنَّ مُدَّةَ سَفَرِهَا مَعَهُ ، وَإِنْ سَافَرَتْ مُنْفَرِدَةً ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بِإِذْنِهِ . وَالثَّانِي : بِغَيْرِ إِذْنِهِ . فَإِنْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ : فَلَا قَسْمَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ، وَهِيَ فِي سَفَرِهَا آثِمَةٌ ، وَصَارَتْ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْمُقِيمَةِ النَّاشِزَةِ ، وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا : لَهَا الْقَسْمُ وَالنَّفَقَةُ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ : لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا قَسْمَ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا - وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ - : أَنَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - : لَهَا الْقَسْمُ وَالنَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ مِنَ الْمَأْثَمِ ، خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ النُّشُوزِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَاتِ - : لَا قَسْمَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مُقَابَلَةِ اسْتِمْتَاعٍ ، قَدْ فَاتَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ عُذِرَتْ . وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ - وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ - : أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، فَالَّذِي قَالَهُ هَاهُنَا فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ لَهَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا

سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ فِيمَا يَخُصُّهُ مِنْ أَشْغَالِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهَا بِالِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ ، وَالَّذِي قَالَهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ : أَنَّهُ لَا قَسْمَ لَهَا ، إِذَا سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ فِيمَا يَخُصُّهَا مِنْ أَشْغَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ قَدِ انْصَرَفَ إِلَيْهَا دُونَهُ ، وَإِنْ عُذِرَتْ ، وَيَكُونُ تَأْثِيرُ إِذْنِهِ فِي رَفْعِ الْمَأْثَمِ ، لَا فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَعَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَى نِسَائِهِ القسم بين الزوجات ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِنَّ ، وَإِنْ عَمَدَ أَنْ يَجُورَ بِهِ أَثِمَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا كَانَ لِلْمَجْنُونِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهُنَّ فِي حَالِ صِحَّتِهِ ، ثُمَّ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْجُنُونُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقْتَ الْعَقْدِ مَجْنُونًا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا ، فَالْقَسْمُ لِنِسَائِهِ وَاجِبٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ حُقُوقَ نِسَائِهِ مِنَ الْقَسْمِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَكَنًا لَهُ وَلَهُنَّ ، وَيَفْعَلُ الْوَلِيُّ أَصَحَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِفْرَادِهِ بِمَسْكَنٍ يَأْمُرُهُنَّ بِإِتْيَانِهِ فِيهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُطِيفَ بِهِ عَلَيْهِنَّ فِي مَسَاكِنِهِنَّ ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ رَتَّبَهُنَّ فِي الْقَسْمِ ، وَقَدَّرَ زَمَانَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَجْرَاهُ الْوَلِيُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَنْ قَسْمِهِ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمِ الزَّوْجُ لَهُنَّ اسْتَأْنَفَ الْوَلِيُّ بِالْقُرْعَةِ مَنْ يُقَدِّمُهَا مِنْهُنَّ ، وَقَدَّرَ لَهَا مِنْ مُدَّةِ الْقَسْمِ مَا يَرَاهُ أَصْلَحَ لَهُ وَلَهُنَّ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ ، فَإِنْ عَمَدَ الْوَلِيُّ أَنْ يَجُورَ بِهِ فِي الْقَسْمِ أَثِمَ فِي حَقِّهِ وَحُقُوقِهِنَّ ، وَلَا عِوَضَ لَهُنَّ عَلَى مَا فَوَّتَ مِنْ قَسْمِهِنَّ ؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ ، فَإِنْ أَفَاقَ الزَّوْجُ وَقَدْ جَارَ بِهِ الْوَلِيُّ نُظِرَ فِي جَوْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ ؛ لِتَسَاوِيهِنَّ فِي سُقُوطِ الْقَسْمِ ، وَيَسْتَأْنِفُ الزَّوْجُ لَهُنَّ الْقَسْمَ ، وَإِنْ كَانَ جَوْرُ الْوَلِيِّ بِهِ أَنْ أَقَامَهُ عِنْدَ بَعْضِهِنَّ وَمَنَعَهُ مِنْ بَاقِيهِنَّ ، فَعَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ قَضَاءُ الْبَاقِيَاتِ بِمَا فَوَّتَهُ الْوَلِيُّ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْقَسْمِ .

فَصْلٌ : وَإِذَا خِفْنَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ مِنْ جُنُونِ الزَّوْجِ القسم بين الزوجات ، سَقَطَ بِذَلِكَ حَقُّهُ مِنَ الْقَسْمِ ، وَلَمْ تَسْقُطْ حُقُوقُهُنَّ ، فَإِنْ طَلَبْنَ الْقَسْمَ مَعَ الْخَوْفِ وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَقْسِمَ لَهُنَّ مِنَ الزَّوْجِ ، إِلَّا أَنْ يَرَى مِنَ الْأَصْلَحِ لَهُ أَلَّا يُقِيمَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، فَسَقَطَ قَسْمُهُنَّ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدَةٍ فِي اللَّيْلِ ، أَوْ أَخْرَجَهُ سُلْطَانٌ القسم بين الزوجات ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَهَا مَا بَقِيَ مِنْ لَيْلَتِهَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنْدَ إِحْدَى نِسَائِهِ فِي زَمَانِ قَسْمِهَا ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا أَوْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَهَارًا ، فَلَا قَضَاءَ لَهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ زَمَانُ التَّصَرُّفِ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْقَسْمِ تَبَعًا لِلَّيْلِ ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ . الضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَيْلًا ، فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَثِمَ وَقَضَى ، وَإِنْ خَرَجَ لِضَرُورَةٍ لَمْ يَأْثَمْ ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِنْ لَمْ يَظْلِمْ بِالْخُرُوجِ ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا بِإِخْرَاجِهِ ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ أَكْرَهَهُ عَلَى الْخُرُوجِ ظُلْمًا ، فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ إِكْرَاهَ السُّلْطَانِ عُذْرٌ ، وَالْأَعْذَارُ لَا تُسْقِطُ قَضَاءَ الْقَسْمِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ السُّلْطَانُ قَدِ اسْتَهْلَكَ عَلَيْهِمَا حَقَّهُمَا فِي زَمَانِ الْإِكْرَاهِ ، فَلَا يَصِيرُ الزَّوْجُ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ دُونَهَا .

فَصْلٌ : فَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ مَا وَجَبَ مِنْ زَمَانِ خُرُوجِهِ فِي اللَّيْلِ القسم بين الزوجات نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ النِّصْفَ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي ، وَقَضَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ النِّصْفَيْنِ فِي مِثْلِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ أَقَامَ عِنْدَهَا النِّصْفَ الْأَوَّلَ مِنَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا ، فَأَقَامَ لَا عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ لَهُنَّ لَيَالٍ كَوَامِلَ ، وَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ النِّصْفِ الثَّانِي أَقَامَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ ، لَا عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ، فَإِذَا دَخَلَ النِّصْفُ الثَّانِي أَقَامَ فِيهِ عِنْدَ صَاحِبَةِ الْقَضَاءِ ، وَلَا يَأْوِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِنْدَ زَوْجَةٍ إِلَّا فِي نِصْفِ الْقَضَاءِ وَحْدَهُ ، حَتَّى يَتَبَعَّضَ اللَّيْلُ فِي قَسْمِهِنَّ فَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْمُلُ بِهِ إِلْفٌ وَلَا سُكْنَى . وَأَقَلُّ زَمَانِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ بِكَمَالِهَا ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ تَبَعًا لَهَا ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ لِإِحْدَى نِسَائِهِ لَيْلَةً بِلَا يَوْمٍ ، وَالْأُخْرَى يَوْمًا بِلَا لَيْلَةٍ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ لَيْلَ الْقَسْمِ مَقْصُودٌ وَنَهَارَهُ تَبَعٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِلْإِمَاءِ قَسْمٌ وَلَا يُعَطَّلْنَ

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَيْسَ لِلْإِمَاءِ قَسْمٌ وَلَا يُعَطَّلْنَ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : لَا قَسْمَ لِلْإِمَاءِ فِي بَعْضِهِنَّ مَعَ بَعْضٍ ، وَلَا مَعَ الْحَرَائِرِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَقْسِمُ لِمَارِيَةَ وَلَا لِرَيْحَانَةَ مَعَ نِسَائِهِ ، وَلِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَاخْتَصَّ بِالزَّوْجَاتِ دُونَ الْإِمَاءِ كَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ ، وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الْقَسْمِ الِاسْتِمْتَاعُ ، وَلَا حَقَّ لِلْإِمَاءِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّيِّدُ مَجْنُونًا أَوْ عِنِّينًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ خِيَارٌ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ قَسْمٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَا يُعَطَّلْنَ " ، فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يُعَطَّلْنَ مِنَ الْقَسْمِ ، يَعْنِي فِي السَّرَارِي .

وَالثَّانِي : لَا يُعَطَّلْنَ مِنَ الْجِمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْصَنُ لَهُنَّ وَأَغَضُّ لِطَرْفِهِنَّ ، وَأَبْعَدُ لِلرِّيبَةِ مِنْهُنَّ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ سَرَارِي وَزَوْجَاتٌ ، فَأَقَامَ عِنْدَ الْإِمَاءِ ، وَاعْتَزَلَ الْحَرَائِرَ ، أَوْ أَقَامَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ إِمَائِهِ وَاعْتَزَلَ بَاقِيهُنَّ وَجَمِيعَ الْحَرَائِرِ ، جَازَ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلْحَرَائِرِ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْقَسْمِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَلَيْسَ مُقَامُهُ عِنْدَ الْأَمَةِ قَسْمًا مُسْتَحَقًّا ، فَلَمْ يَقْضِهِ ، وَجَرَى مَجْرَى مُقَامِهِ مُعْتَزِلًا عَنْ إِمَائِهِ وَنِسَائِهِ .

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِذَا ظَهَرَ الْإِضْرَارُ مِنْهُ بِامْرَأَتِهِ أَسْكَنَّاهَا إِلَى جَنْبِ مَنْ نَثِقُ بِهِ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ إِضْرَارٌ لَمْ يَشْتَبِهْ فِيهِ حَالُهُ ، كُفَّ عَنْهُ ، وَأُمِرَ بِإِزَالَتِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " ، فَأَمَّا إِذَا أَشْبَهَتْ حَالُهُ فِيهِ ، فَإِنِ ادَّعَتْ إِسْقَاطَ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ أَوْ تَعَدِّيهِ عَلَيْهَا بِالضَّرْبِ وَسُوءِ الْعِشْرَةِ ، وَهُوَ مُنْكِرٌ ذَاكَ وَغَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِهِ ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إِذَا شَكَتْ ذَلِكَ إِلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا إِلَى جَنْبِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أُمَنَائِهِ لِيُرَاعِيَ حَالَهَا ، وَيَأْخُذَهُ بِحَقِّهَا وَيُكِفَّ أَذَاهُ عَنْهَا ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ لِتَشَاغُلِهِ بِعُمُومِ الْخُصُومِ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاتِهَا بِنَفْسِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسْكِنَ زَوْجَتَهُ حَيْثُ يَشَاءُ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ هَاهُنَا أَنْ يُسْكِنَهَا حَيْثُ لَا تَشَاءُ . قِيلَ : إِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ زَوَالِ الِاشْتِبَاهِ ، وَارْتِفَاعِ الضَّرَرِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ ، وَهَكَذَا لَوْ شَكَى الزَّوْجُ مِنْهَا الْإِضْرَارَ ، وَأَنَّهَا لَا تُؤَدِي حَقَّهُ ، وَلَا تَلْزَمُ مَنْزِلَهُ وَلَا تُطِيعُهُ إِلَى الْفِرَاشِ ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، أَسْكَنَهَا الْحَاكِمُ إِلَى جَنْبِ مَنْ يُرَاعِيهَا مِنْ أُمَنَائِهِ ؛ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا حَقَّ الزَّوْجِ كَمَا اسْتَوْفَى لَهَا حَقَّهَا مِنَ الزَّوْجِ .

مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي بَيْتٍ إِلَّا أَنْ تَشَاءَا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي بَيْتٍ إِلَّا أَنْ تَشَاءَا " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ ، قَالَ : عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُفْرِدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَسْكَنًا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي نِسَائِهِ ، وَكَمَا لَا يَشْتَرِكْنَ فِي النَّفَقَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَشْتَرِكْنَ فِي الْمَسْكَنِ ، وَلِأَنَّ بَيْنَ الضَّرَائِرِ تَنَافُسًا وَتَبَاغُضًا إِنِ اجْتَمَعْنَ خَرَجْنَ إِلَى الِافْتِرَاءِ وَالْقُبْحِ ، وَلِأَنَّهُنَّ إِذَا اجْتَمَعْنَ شَاهَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَلْوَةَ الزَّوْجِ بِضَرَّتِهَا ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْوَجْرِ ، وَهُوَ أَنْ يَطَأَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ حِسُّهُ ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يُفْرِدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَسْكَنًا ، فَإِنْ أَسْكَنَهُنَّ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَفْرَدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَيْتًا مِنْهَا ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ تَوَارَتْ عَنْ ضَرَائِرِهَا ، جَازَ إِذَا كَانَ مِثْلُهُنَّ بِسَكَنٍ

مِثْلِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنْ تُطَالِبَهُ بِإِفْرَادِ مَسْكَنٍ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُنَّ لَا يَسْكُنُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَسْكَنَهُنَّ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ بِحُجْرَةٍ مِنْهَا تُوَارِيهَا ، جَازَ إِذَا كَانَ مِثْلُهُنَّ يَسْكُنُ مِثْلَ ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُنَّ لَا يَسْكُنُ مِثْلَ ذَلِكَ ؛ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِنَّ وَيَسَارِ زَوْجِهِنَّ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِدَارٍ فَسِيحَةٍ ذَاتِ بُيُوتٍ وَمَنَازِلَ ، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ ، كَمَا يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ فِي كُسْوَتِهِنَّ وَنَفَقَاتِهِنَّ ، فَلَوْ تَرَاضَى جَمِيعُ نِسَائِهِ بِسُكْنَى مَنْزِلٍ وَاحِدٍ يَجْتَمِعْنَ فِيهِ ، جَازَ كَمَا لَوْ تَرَاضَيْنَ بِالِاشْتِرَاكِ فِي النَّفَقَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حِذَاءَ ضَرَائِرِهَا ، فَإِنْ غَابَ عَنْ أَبْصَارِهِنَّ جَازَ ، وَإِنْ عَلِمْنَ بِخَلْوَتِهِ ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، وَبَيْنَ أَمَةٍ لَهُ سُرِّيَّةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنْكَرَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْوَتَهُ بِمَارِيَةَ فِي بَيْتِهَا ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهَا . فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ إِمَائِهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ جَازَ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُفْرِدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَسْكَنًا ؛ لِأَنَّهُ لَا قَسْمَ لَهُنَّ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ ، وَلِأَنَّ مَا يَجِبُ لَهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَالسُّكْنَى مُوَاسَاةٌ ، بِخِلَافِ الزَّوْجَاتِ الْمُسْتَحِقَّاتِ لِذَلِكَ مُعَاوَضَةً ، أَلَا تَرَاهُ يَمْلِكُ فَاضِلَ نَفَقَاتِ إِمَائِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ فَاضِلَ نَفَقَاتِ نِسَائِهِ .

فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ فِي بَلَدَيْنِ ، فَأَقَامَ فِي بَلَدِ إِحْدَاهِمَا القسم بين الزوجات ، فَإِنِ اعْتَزَلَهَا فِي بَلَدِهَا ، وَلَمْ يَقُمْ مَعَهَا فِي مَنْزِلِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْمُقَامُ فِي بَلَدِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقَامُهُ فِي بَلَدِ الزَّوْجَةِ قَسْمًا يُقْضَى ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَقَامَ مَعَهَا فِي مَنْزِلِهَا لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ الْأُخْرَى فَيُقِيمَ مَعَهَا بِبَلَدِهَا فِي مَنْزِلِهَا مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لَا يَسْقُطُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ ، كَمَا لَا يَسْقُطُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ .

مَسْأَلَةٌ وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ شُهُودِ جَنَازَةِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا وَوَلَدِهَا

مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ شُهُودِ جَنَازَةِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا وَوَلَدِهَا ، وَمَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ ؛ لِأَنَّ دَوَامَ اسْتِحْقَاقِهِ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا يَمْنَعُهَا مِنْ تَفْوِيتِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِخُرُوجِهَا ، وَلِأَنَّ لَهُ تَحْصِينَ مَائِهِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْخُرُوجِ ، فَلَوْ مَرِضَ أَبُوهَا أَوْ أُمُّهَا كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ عِيَادَتِهِمَا ، وَلَوْ مَاتَا كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ حُضُورِ جَنَازَتِهِمَا لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَكَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ مِقْدَارًا بِمُدَّةٍ ، كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنَ الْخُرُوجِ لِذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ عَنْ زَوْجَتِهِ وَنَهَاهَا عَنِ الْخُرُوجِ ، فَمَرِضَ أَبُوهَا ، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيَادَتِهِ فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَكِ ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهَا فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي حُضُورِ جَنَازَتِهِ ، فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَكِ ،

فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِأَبِيهَا بِطَاعَتِهَا لِزَوْجِهَا ، وَلِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ النِّسَاءِ لِلْجَنَائِزِ هُتْكَةً يُنْهَيْنَ عَنْهَا . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ إِلَى الْبَقِيعِ فَرَأَى فَاطِمَةَ ، فَقَالَ مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَتْ : عُدْتُ مَرِيضًا لِبَنِي فُلَانٍ ، قَالَ : إِنِّي ظَنَنْتُكِ مَعَ الْجَنَازَةِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا كَلَّمْتُكِ أَبَدًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِلَّا أَنَّنِي لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ عِيَادَةِ أَبِيهَا إِذَا ثَقُلَ ، وَمِنْ حُضُورِ مُوَارَاتِهِ إِذَا مَاتَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ نُفُورِهَا عَنْهُ ، وَإِغْرَائِهَا بِالْعُقُوقِ .

فَصْلٌ : وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ لِصَلَاةٍ وَغَيْرِ صَلَاةٍ منع الزوج زوجته . فَإِنْ قَالَ : فَلِمَ يَمْنَعُهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلِيَخْرُجْنَ تَافِلَاتٍ ، فَعَنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ أَرَادَ الْخَلِيَّاتِ مِنَ الْأَزْوَاجِ اللَّاتِي يَمْلِكْنَ تَصَرُّفَ أَنْفُسِهِنَّ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسَاجِدِ الْحَجُّ الَّذِي لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ فَرْضِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي زَمَانِهِ لِمَا وَجَبَ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إِلَيْهِنَّ ، ثُمَّ زَالَ الْمَعْنَى فَزَالَ التَّمْكِينُ . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا وَكَّدَ مِنْ لُزُومِ الْحِجَابِ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِنِسَائِهِ حِينَ حَجَّ بِهِنَّ : هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورُ الْحَصْرِ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ أَشَدَّ الْمَنْعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا حَالُ النِّسَاءِ

بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا حَالُ النِّسَاءِ ، مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَمِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَمِنْ نُشُوزِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا ، وَالثَّيِّبَ ثَلَاثًا ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِهَا نِسَاؤُهُ اللَّاتِي عِنْدَهُ قَبْلَهَا ، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ : لِلْبِكْرِ سَبْعٌ ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ " . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : إِذَا اسْتَجَدَّ الرَّجُلُ نِكَاحَ امْرَأَةٍ ، وَكَانَ لَهُ زَوْجَاتٌ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخُصَّ الْمُسْتَجَدَّةَ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا بِسَبْعِ لَيَالٍ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا بِثَلَاثِ لَيَالٍ يُقِيمُ فِيهِنَّ عِنْدَهَا ، لَا يَقْضِي بَاقِي نِسَائِهِ ، وَلَا تُحْسَبُ بِهِ مِنْ قَسْمِهَا ، فَإِذَا انْقَضَتْ شَارَكَتْهُنَّ حِينَئِذٍ فِي الْقَسْمِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقِيمُ مَعَ الْبِكْرِ سَبْعًا ، وَمَعَ الثَّيِّبِ ثَلَاثًا ، وَيَقْضِي نِسَاءَهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ مَعَهَا ؛ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ . قَالَ : وَهَذَا مِنْهُ مَيْلٌ إِنْ لَمْ يَقْضِ . وَقَالَ : لِأَنَّ الْقَسْمَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُسَاوِيَ الْمُسْتَجَدَّةُ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَهَا كَالنَّفَقَةِ . قَالَ : وَلِأَنَّهُ خَصَّ بَعْضَ نِسَائِهِ بِمُدَّةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ قَضَاءُ مِثْلِهَا لِلْبَوَاقِي ، قِيَاسًا عَلَيْهِ ، إِذَا قَامَ مَعَهَا بَعْدَ مُدَّةِ الزِّفَافِ . وَدَلِيلُنَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ ، وَدَخَلَ بِهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ عِنْدِي

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110